لَمْ تَكُنْ سِوَى لَيْلَةٍ فِي العُمْرِ تَمْضِي وَتَسِيرْ،
فِي بُقْعَةٍ فَوْقَ ظَهْرِ الكَوْنِ، تَخْفُقُ بِالأَسْرَارِ وَتُثِيرْ،
حَتَّى أَتَى اللَّيْلُ يَطْرُقُ بِالدَّقَّاتِ صَمْتًا كَأَنَّهُ تَبْشِيرْ،
أَنَّ المَوْعِدَ قَدْ حَانَ... وَأَنَّ الوَقْتَ قَدْ أَضْحَى يُنِيرْ...
دُقَّاتُ نِصْفِ اللَّيْلِ تَهْتِفُ: هٰذَا بَدْءُ مِيلَادٍ جَدِيدْ،
يَوْمٌ يُشَقُّ مِنَ الظُّلْمَاتِ، يَسْعَى... وَلِلآفَاقِ يُرِيدْ...
أَيْنَ الحُرَّاسُ؟ أَيْنَ السَّاهِرُونَ عَلَى حُدُودِ المَعْنَى العَنِيدْ؟!
أَيَا مَعْشَرَ السَّاهِرِينَ وَالعَاشِقِينَ وَالمُتَأَمِّلِينَ وَالعَابِدِينَ...
أَيَا مَعْشَرَ السَّاهِرِينَ... لِخُلُودِ اللَّيْلِ مُنْصِتِينَ...
أَيَا مَعْشَرَ العَاشِقِينَ.... أَمَا كَفَاكُمْ سَهَدُ السِّنِينَ!!!
أَيَا مَنْ بِتُّمْ مُتَأَمِّلِينَ... مَاذَا أَدْرَكْتُمْ دُونَ النَّاسِ أَجْمَعِينَ!!!
أَيَا مَعْشَرَ العَابِدِينَ... مَا بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ... وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ...
أَيَا عَيْنٌ بَكَتْ مِنَ الْيَقِينِ وَأُخْرَى حَرَسَتْ دُورَ الآمِنِينَ فَنَالَتَا الْخَيْرَ الْمُبِينَ...
أَيَا قُلُوبٌ قَدْ تَوَادَّتْ وَعُقُولٌ قَدْ أَبْدَعَتْ فَصَارَتْ فِي عِلِّيِّينَ...
أَيَا أَيَادِي عَنِ العَطَاءِ مَا أُوقِفَتْ وَأَرْوَاحٌ لِلْخَيْرِ مَا بُدِّدَتْ وَأَنْفُسٌ لِلأَحْلَامِ مَا أُهْدِرَتْ فَنَهَلَتْ رُوحُ الْحَيَاةِ حَتَّى ارْتَوَتْ...
وَيْلِي...
مَنْ قَالَ أَنَّ طَائِرَ اللَّيْلِ حَزِينٌ!!!
مَنْ نَسَبَ إِلَى اللَّيْلِ الآنِينَ!!!
مَنْ ادَّعَى عَلَى اللَّيْلِ الظَّنِينٌ!!!
مَنْ أَنْكَرَ عَنْهُ الرَّنِينَ وَانْصَتَّ مِنْهُ الطَّنِينٌ!!!
قَدْ صَارَ لِلْحُدُودِ رَهِينٌ... حَسْرَةً عَلَيْهِ مِسْكِينٌ...
أَمَّا نِدَائِي فَكَانَ مِنْ نَوْعٍ آخَرَ...
نِدَاءً لَمْ يَكُنْ أَبَدًا صَاغِرً...
نِدَاءً عَبْرَ الْمُحِيطِ دُونَ بَوَاخِرَ...
نِدَاءً دُونَ أَوَاخِرَ وَلِلْكَوْنِ ذَاخِرً...
وَأَبَدًا لَمْ يَكُنْ يَوْمًا لِصَلْبِ الحَقِّ نَاخِرً...
نِدَاءُ قَلَمِي...
قُمْ...
أَنْهَضْ وَحَوِّلِ الحِبْرَ إِلَى خَبَرٍ...
قُمْ وَأَجْعَلْ ذِكْرَاكَ بَعْدَ عَيْنٍ أَثَرً...
قُمْ وَانْقُشْ بِضِيِ الْبَدْرِ عَلَى وَرَقِ الشَّجَرِ...
مَخْطُوطَةً تُلَيِّنُ قَلْبَ الْحَجَرِ...
قُمْ...
قُمْ وَانْفُضْ مَا خَلَّفَهُ الْيَوْمُ مِنْ ضَجَرٍ...
وَلْتَرْوِ بِيَدِ الشَّاغِفِينَ كَفَيْضٍ مِنْ مَطَرٍ...
قُمْ وَأَرْوِ مَا حَكَاهُ الْعُمْرُ وَمِنْ حَكَاوِي الْقَمَرِ...
يَا لَيْلُ...
يَا لَيْلُ لِمَا أَرَى مِنْ عَيْنِي دَمْعَةً وَأَسْتَشْعِرُ مِنْ قَلْبِي لَهْفَةً...
أَهْوَ الْحَنِينُ مُجَدَّدًا أَمْ أَنَّ شَوْقِي قَدْ صَارَ مُحَرَّرًا...
يَا لَيْلُ...
يَا لَيْلُ.... لِمَ قَدْ صِرْتَ بِالذِّكْرَيَاتِ مُحَمَّلاً وَلِلنِّسْيَانِ مُثَبِّطًا...
يَا لَيْلُ...
لِمَ أَمْسَتْ لِكُلِّ كِيَانِي آمِرًا مُتَحَكِّمًا...
وَأَصْبَحَ الْقَدَرُ مُوَلِّيًا إِيَّاكَ عَلَى مُخَطَّطًا...
يَا وَيْلِي...
هَلْ قَدَرِي أَنْ أُصَارِعَ الْكَلِمَاتِ وَأَنْ أُرَوِّضَ الْحُرُوفَ...
كَلِمَاتٌ تَأْسِرُ وَأُخْرَى أَمْضَى مِنَ السُّيُوفِ...
وَأَحْرُفٌ سَطَعَتْ عَلَى الْبَدْرِ يَوْمَ الْكُسُوفِ...
أَلِلزَّمَانِ وَالْأَقْلَامِ عَلَى عَهْدٍ غَيْرِ مَأْلُوفِ...
يَا لَيْلُ...
يَا لَيْلُ أَكْتُبُ وَيَأْتِي صَوْتٌ مِنْ صَوْبٍ بَعِيدٍ...
صَوْتٌ يَغْمُرُ قَلْبِي الْقَلِيدَ...
صَوْتٌ يُنْشِدُ دُونَ جَهْدٍ جَهِيدٍ...
أَنْشَدَهُ شَخْصٌ آخَرُ مِثْلِي وَحِيدً...
مُنْشِدًا بِعَامِّيَّةٍ أَفْرَحَتْ قَلْبِي الْوَلِيدَ...
لِيهْ أَحْلَمَ عَلَى قَدِّي...
وَيَكُونَ لِحُلْمِي حُدُودُ...
قَادِرْ أَكُونُ وَهَكُونُ...
عَاشِقٌ بِحُبِّ الْكَوْنِ...
فَدَعَوْتُ رَبَّ السَّمَاءِ دَامِعَ الْعُيُونِ...
يَا مَنْ جَعَلَ سِرَّهُ بَيْنَ الْكَافِ وَالنُّونِ...
يَا مَنْ بِيَدِهِ كُنْ فَيَكُونُ...
رَبِّ أَطْلِقْ حُلْمًا كَبَّلَتْهُ السِّنُونَ...
لِيهْ أَحْلَمَ عَلَى قَدِّي...
وَيَكُونَ لِحُلْمِي حُدُودُ...





