مُقَدِّمَةٌ...
مَرْحَبًا...
أُدْعَى "شَرِيف"، تَحْدِيدًا "الْمُهَنْدِس شَرِيف" عَلَى وَجْهِ الدِّقَّةِ، وَكَعَادَةِ أَيِّ مُهَنْدِسٍ أَتَفَهَّمُ تَمَامًا أَنَّ الْبَشَرَ يَنْقَسِمُونَ إِلَى قِسْمَيْنِ لَا ثَالِثَ لَهُمَا؛ إِمَّا أَنْ تَكُونَ مُهَنْدِسًا، أَوْ مُجَرَّدَ آخَرَ مِنْ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ يَمْشُونَ فِي الشَّارِعِ وَيُطْلَقُ عَلَيْهِمْ (إِنَاسٌ عَادِيُّونَ)...
حَقًّا أَنَا لَا أَفْهَمُ، كَيْفَ يَتَهَكَّمُ عَلَيْنَا هَؤُلَاءِ الْعَادِيُّونَ وَيُطْلِقُونَ عَلَيْنَا النُّكَاتَ عَلَى غِرَارِ: "أَنَّ الْمُهَنْدِسَ يُعْطِي لِزَوْجَتِهِ التَّعْلِيمَاتِ أَثْنَاءَ إِعْدَادِهَا لِلطَّعَامِ، أَنْ أَجْعَلِي أَصَابِعَ الْمَحْشُوِّ جَمِيعَهَا مُتَسَاوِيَةَ الطُّولِ وَالْوَزْنِ وَالْقُطْرِ..." لَا يُدْرِكُونَ أَنِّي أُوَجِّهُ زَوْجَتِي الْحَبِيبَةَ بِأَنْ تَجْعَلَهُمْ كَذَلِكَ مُتَسَاوِيَيْنِ فِي عَدَدِ حَبَّاتِ الْأَرُزِّ الْمُسْتَخْدَمَةِ فِي الْحَشْوِ...
يَالَلْسَطْحِيَّةِ الَّتِي يَتَمَتَّعُ بِهَا هَؤُلَاءِ الْعَادِيُّونَ مِنَ الْبَشَرِ...
أَنَا كَمُهَنْدِسٍ لَا أَلُومُهُمْ فِي الْوَاقِعِ، لَا أَلُومُهُمْ عَلَى الْإِطْلَاقِ، فَهُمْ لَا يُدْرِكُونَ إِحْسَاسَ الْخَرَسَانَةِ عِنْدَمَا تَخْتَلِطُ وَتُحِيطُ بِأَسْيَاخِ الْحَدِيدِ فِي أَسَاسِ الْبِنَايَاتِ الَّتِي تَحْتَوِيهِمْ وَقْتَ قِرَاءَتِهِمْ لِتِلْكَ السُّطُورِ...
إِنَّهُمْ حَتَّى لَا يُدْرِكُونَ الْفَرْقَ بَيْنَ الْوَاتِّ وَالْفُولْتِ... تَخَيَّلْ!!!
لَا يَعْلَمُونَ الْفَرْقَ بَيْنَ كَفَاءَةِ احْتِرَاقِ الْبِنْزِينِ وَالْعَزْمِ النَّاتِجِ عَنِ احْتِرَاقِ السُّولَارِ فِي غُرَفِ الاحْتِرَاقِ دَاخِلَ الْمُحَرِّكَاتِ...
تَخَيَّلْ!!!
بَلْ أَنَّهُمْ -يَا وَيْلِي- يَظُنُّونَ أَنَّ الْهَنْدَسَةَ الْفَرَاغِيَّةَ هِيَ ذَاتُهَا الْهَنْدَسَةُ الْوَصْفِيَّةُ...
مَاذَا!!!
أَنْتَ أَيْضًا لَا تَعْلَمُ الْفَرْقَ!!!
يَا إِلَهِي... لَكَمِ امْتَلَأَتِ الطُّرُقَاتُ وَضَجَّتِ الصَّفَحَاتُ بِالْعَادِيِّينَ مِنْ أَمْثَالِكَ... بَلْ وَالْأَدْهَى أَنَّكَ لَا تَقُومُ أَنْتَ وَغَيْرُكَ مِنَ الْعَادِيِّينَ الَّذِينَ تَمْشُونَ فِي الشَّوَارِعِ بِمُنَادَاتِي "الْمُهَنْدِس شَرِيف"... فَقَطْ "شَرِيف" أَوْ "أُسْتَاذ شَرِيف"...
يَالَوَيْلَ هَذَا الْكَوْكَبِ الْبَائِسِ مِنَ الْعَادِيِّينَ مِنْ أَمْثَالِكَ...
عَلَيْكَ بِبَذْلِ الْمَزِيدِ وَالْمَزِيدِ وَالْمَزِيدِ مِنَ الْجَهْدِ كَيْ تُنَادِيَنِي "بِالْمُهَنْدِس شَرِيف"... نَعَمْ... كَرِّرْهَا مَرَّةً تِلْوَ الْأُخْرَى... "الْمُهَنْدِس شَرِيف"... "الْمُهَنْدِس شَرِيف"... كَيْ تُتْقِنَهَا أَيُّهَا الْعَادِيُّ الَّذِي يَمْشِي فِي الشَّارِعِ وَسْطَ الْعَادِيِّينَ...
وَالْآنَ...
بَعْدَ أَنْ أَدْرَكْتَ أَنِّي أَنَا "الْمُهَنْدِس شَرِيف" وَبَدَأْتَ تَخْتَلِفُ عَنْ هَؤُلَاءِ النَّاسِ الْعَادِيِّينَ الَّذِينَ يَمْشُونَ فِي الشَّارِعِ، الْآنَ فَقَطْ سَأَرْوِي لَكَ قِصَّةً قَدْ عِشْتُ أَحْدَاثَهَا فِي لَيْلَةٍ مَا، فِي بُقْعَةٍ مَا فِي الْمَاضِي، عِنْدَمَا كُنْتُ حَدِيثَ التَّخَرُّجِ...
مُهَنْدِسًا حَدِيثَ التَّخَرُّجِ... أَيُّهَا...
أَيُّهَا الْعَادِيُّ...
الْحَافِلَةُ...
طَرِيقُ الْقَاهِرَةِ – الْبَحْرِ الْأَحْمَرِ...
سِتِّينِيَّاتُ الْقَرْنِ الْعِشْرِينَ...
قَدْ حَانَ وَقْتُ الضُّحَى، وَمَا هِيَ إِلَّا بِضْعُ سَاعَاتٍ وَتَنْتَصِفُ الشَّمْسُ فِي كَبِدِ السَّمَاءِ مُنْذِرَةً بِالْوَيْلِ... حَرَارَةٌ لَا تُحْتَمَلُ مَعَ ذَاكَ الْكَمِّ مِنَ الرُّطُوبَةِ، سَيَكُونَانِ جَدِيرَيْنِ بِتَحْوِيلِنَا إِلَى كَوْمَةٍ مِنَ الدَّجَاجِ الْمَشْوِيِّ دَاخِلَ تِلْكَ الْحَافِلَةِ الْقَدِيمَةِ الْمَمْلُوكَةِ لِشَرِكَةِ الْمُقَاوَلَاتِ الَّتِي أَعْمَلُ بِهَا... تِلْكَ الْحَافِلَةُ الَّتِي تَحْمِلُ لَوْحَاتٍ زَرْقَاءَ مَطْبُوعٍ عَلَيْهَا رَقَمٌ مَا تَعْتَلِيهِ عِبَارَةُ (قِطَاعٌ عَامٌّ)...
قَدْ مَضَتْ بِضْعُ سَاعَاتٍ مُنْذُ أَنِ انْطَلَقْنَا مِنْ تِلْكَ الْبُقْعَةِ الْبَعِيدَةِ الْقَاحِلَةِ شَمَالَ غَرْبِ الْقَاهِرَةِ – (أَلْمَاظَةَ) – كَيْ نَصِلَ جِهَتَنَا قَبْلَ غُرُوبِ الشَّمْسِ، كَيْ لَا نَتَحَوَّلَ إِلَى طَبَقٍ مِنْ حَسَاءِ الدَّجَاجِ الْمَسْلُوقِ كَمَا أَخْبَرْتُكَ سَابِقًا...
مَاذَا!!
قَدْ أَخْبَرْتُكَ إِنَّنَا عَلَى وَشْكِ التَّحَوُّلِ إِلَى دَجَاجٍ مَشْوِيٍّ وَلَيْسَ مَسْلُوقًا!!!
لَا بَأْسَ بِذَلِكَ...
دَعْنَا نُرْضِي جَمِيعَ الْأَذْوَاقِ... فَقَطْ تَذَكَّرْ قِصَّةَ جُحَا وَابْنِهِ وَحِمَارِهِ... أَنَّكَ لَنْ تُرْضِيَ النَّاسَ أَبَدًا مَا حَيِيتَ...
مَاذَا!!!
هُنَاكَ مَنْ يَعْشَقُونَ الدَّجَاجَ الْمَحْشِيَّ بِالْأَرُزِّ!!!
تَبًّا لَكُمْ جَمِيعًا...
أَنَا لَسْتُ فِي صَدَدِ كِتَابَةِ وَرَقَةٍ بَحْثِيَّةٍ عَنْ "طُرُقِ وَكَيْفِيَّةِ تَحَوُّلِ الْمُسَافِرِينَ إِلَى دَجَاجٍ أَثْنَاءَ تَنَقُّلِهِمْ بِدَاخِلِ حَافِلَةٍ قَدِيمَةٍ غَيْرِ مُكَيِّفَةٍ عَلَى طَرِيقِ الْبَحْرِ الْأَحْمَرِ فِي سِتِّينِيَّاتِ الْقَرْنِ الْعِشْرِينَ: دِرَاسَةٌ مُقَارَنَةٌ"...
لِنَعُدْ إِلَى مَوْضُوعِنَا أَيُّهَا الْعَادِيُّ الْبَاحِثُ فِي حُقُوقِ الدَّجَاجِ...
لَازِلْتُ لَا أَعْلَمُ – بِالرَّغْمِ مِنْ كَوْنِي مُهَنْدِسًا – مَا هِيَ الْحِكْمَةُ مِنْ إِنْشَاءِ شَبَكَةٍ مِنَ الطُّرُقِ السَّرِيعَةِ فِي تِلْكَ الْبُقْعَةِ النَّائِيَةِ الْمُطِلَّةِ عَلَى شَاطِئِ الْبَحْرِ الْأَحْمَرِ، مَدِينَةٌ نَائِيَةٌ يُطْلِقُونَ عَلَيْهَا... الْغَرْدَقَةُ...
قَدْ قَرَأْتُ عَنْ تِلْكَ الْمَدِينَةِ يَوْمًا مَا – بِصِفَتِي مُهَنْدِسًا – أَنَّ تِلْكَ الْبُقْعَةَ مِنَ الْأَرْضِ تَكْثُرُ فِيهَا شَجَرَةٌ مُعَمَّرَةٌ ذَاتُ أَغْصَانٍ مُتَشَابِكَةٍ وَثِمَارٍ صَغِيرَةٍ تُعْرَفُ بِـ "عِنَبِ الدِّيبِ" أَوْ... نَبَاتِ الْغَرْدَقِ...
وَلَمَّا كَانَ الصَّيَّادُونَ يَسْتَخْدِمُونَ هَذِهِ الْأَشْجَارَ كَعَلَامَةٍ مُمَيِّزَةٍ لِذَاكَ الْمَكَانِ ذِي الصَّيْدِ الْوَفِيرِ وَكَوَسِيلَةٍ لِلظِّلَالِ، كَانُوا يَقُولُونَ "نِتْقَابَلْ عِنْدَ الْغَرْدَقِ" وَمِنْ ثُمَّ أُطْلِقَ عَلَى ذَاكَ الْمَكَانِ لَاحِقًا اسْمُ... مَدِينَةِ الْغَرْدَقَةِ...
دَعْكَ مِنْ أَنَّ اكْتِشَافَ الْبِتْرُولِ بِهَا عَامَ 1913 قَدْ جَعَلَهَا ضَرُورِيَّةً إِلَى حَدٍّ مَا فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ، لَكِنْ مَنْ ذَا الَّذِي سَوْفَ يَهْتَمُّ بِهَا فِي وَقْتِنَا الْحَالِيِّ سِوَى الصَّيَّادِينَ وَبَعْضٍ مِنْ أَصْحَابِ الْحَظِّ الْعَاثِرِ مِنْ أَمْثَالِي...
يَا لَسُوءِ حَظِّيَ الْأَبَدِيِّ...
قَدْ كُنْتُ دَوْمًا أَطْمَحُ مُنْذُ سَنَوَاتِ دِرَاسَتِيَ الْأُولَى بِأَنْ أَحْصُلَ عَلَى وَظِيفَةِ مُهَنْدِسٍ فِي مَشْرُوعِ السَّدِّ الْعَالِي فِي أَسْوَانَ... إِنَّهُمْ يَمْنَحُونَ الْمُهَنْدِسِينَ حَدِيثِي التَّخَرُّجِ قَلِيلِي الْخِبْرَةِ 17 جُنَيْهًا دَفْعَةً وَاحِدَةً كَرَاتِبٍ شَهْرِيٍّ، وَمَا يَزِيدُ عَنِ الثَّلَاثِينَ جُنَيْهًا بِأَكْمَلِهَا لِلْمُهَنْدِسِينَ ذَوِي الْخِبْرَةِ... بَلْ إِنَّنِي قَدْ سَمِعْتُ أَحَدَهُمْ يَتَحَدَّثُ عَنْ أَحَدِ أَقَارِبِهِ الَّذِي يَعْمَلُ كَمُدِيرٍ فَنِّيٍّ هُنَاكَ وَيَتَقَاضَى 50 جُنَيْهًا دَفْعَةً وَاحِدَةً...
يَا إِلَهِي... كَمْ هِيَ مِنْ وَسِيلَةٍ سَرِيعَةٍ لِلثَّرَاءِ...
أَسْتَطِيعُ بِرَاتِبِي ذِي السَّبْعَةَ عَشَرَ جُنَيْهًا هَذَا أَنْ أُقِيمَ بِاسْتِئْجَارِ شُقَّةٍ فِي مَصْرَ الْجَدِيدَةِ أَوْ حَتَّى حَيِّ الْمَعَادِي مُقَابِلَ خَمْسَةِ جُنَيْهَاتٍ شَهْرِيًّا، بَلْ وَشِرَاءِ سَيَّارَةِ نَصْر 1100 بِقِسْطٍ شَهْرِيٍّ لَا يَتَعَدَّى 7 جُنَيْهَاتٍ...
بَلْ وَأَنْ أَقُومَ بِالتَّفَاخُرِ عَلَى أَهْلِ خَطِيبَتِي الَّتِي لَمْ أُقَابِلْهَا بَعْدُ بِأَنِّي سَوْفَ أُعْطِيهَا مَصْرُوفًا شَهْرِيًّا لِلْبَيْتِ يَبْلُغُ ثَلَاثَةَ جُنَيْهَاتٍ دَفْعَةً وَاحِدَةً...
لَكِنَّنِي دَوْمًا سَيِّئُ الْحَظِّ...
قَدْ أَخْبَرَنِي مُدِيرِي أَنَّهُمْ سَوْفَ يَنْظُرُونَ فِي طَلَبِي الْعَمَلِ فِي مَشْرُوعِ السَّدِّ الْعَالِي حَالَ انْتِهَائِي مِنَ الْإِشْرَافِ عَلَى رَصْفِ ذَلِكَ الطَّرِيقِ فِي الْغَرْدَقَةِ...
هَذَا شَيْءٌ لَا يُعْقَلُ... كَيْفَ يَقُومُونَ بِإِهْدَارِ كُلِّ ذَلِكَ الْوَقْتِ وَالْجَهْدِ وَالْمَالِ عَلَى تِلْكَ الْبُقْعَةِ النَّائِيَةِ!!! تِلْكَ الْغَرْدَقَةُ...
وَالأَهَمُّ...
كَيْفَ يَدْفِنُونَ مَوَاهِبِي وَإِبْدَاعَاتِي هُنَاكَ!!!
يَا لَسُوءِ التَّخْطِيطِ!!!
مَنْ سَيَذْهَبُ إِلَى هُنَاكَ يَوْمًا مَا وَلَوْ بَعْدَ خَمْسِينَ سَنَةً!!! مَنْ يَا تُرَى!!!
مَنْ ذَلِكَ الْمَخْبُولُ الَّذِي سَوْفَ يَسْتَقِلُّ حَافِلَةً قَدِيمَةً عَلَى طَرِيقٍ مَهْجُورٍ مِثْلِي أَنَا وَبَعْضِ الْفَنِّيِّينَ وَالْعُمَّالِ، بِالإِضَافَةِ إِلَى السَّائِقِ (الأسْطَى مَحْمُودٍ) فِي طَرِيقِهِمْ إِلَى الِانْضِمَامِ إِلَى حَفْنَةٍ أُخْرَى مِنَ الْمَخَابِيلِ مِنْ أَجْلِ شَقِّ طَرِيقٍ فِي مُنْتَصَفِ اللَّا مَكَانِ!!!
مَحْمُودٌ: الْمُهَنْدِس شَرِيف... نَحْنُ بَنِسِيرْ بِمُحَاذَاةِ مَوْقِعِ التَّصْوِيرِ...
شَرِيفٌ: تَصْوِيرٌ!!! تَصْوِيرُ مَاذَا!!!
مَحْمُودٌ: هُنَاكَ عَلَى يَمِينِ الطَّرِيقِ مَوْقِعٌ خَاصٌّ لِشَرِكَةِ أَفْلَامِ بَرَكَاتْ... إِنَّهُمْ يَقُومُونَ بِتَصْوِيرِ أَحْدَاثِ فِيلْمٍ جَدِيدٍ يُدْعَى (أَمِيرُ الدَّهَاءِ)... أَلَا تَرْغَبُ فِي مُقَابَلَةِ فَرِيدِ شَوْقِي!!!
شَرِيفٌ: فَرِيدُ شَوْقِي مَرَّةً وَاحِدَةً!!! لَكِنَّ... كَيْفَ عَرَفْتَ بِتِلْكَ الْمَعْلُومَاتِ!!!
مَحْمُودٌ: ابْنُ عَمِّي مَهْوُوسٌ بِالسِّينِمَا، وَقَدْ قَامَ بِقِرَاءَةِ ذَلِكَ الْخَبَرِ فِي مَجَلَّةِ "الْكَوَاكِبِ"، وَأَنَّ لَدَيْهِمْ بَعْضَ الْمَشَاهِدِ الْخَارِجِيَّةِ الَّتِي يَقُومُونَ بِتَصْوِيرِهَا هُنَا فِي ذَلِكَ الْمَكَانِ...
شَرِيفٌ: سَيَهْبِطُ اللَّيْلُ سَرِيعًا لَوْ تَوَقَّفْنَا... ثُمَّ مَنْ قَالَ إِنَّهُمْ سَيَسْمَحُونَ لَنَا بِلِقَاءِ فَرِيدِ شَوْقِي!!!
مَحْمُودٌ: أَظُنُّكَ مُحِقًّا... فَلْنَدَّخِرِ الْوَقْتَ... أَمَامَنَا حَوَالَيْ سَاعَتَيْنِ أَوْ أَكْثَرَ كَيْ نَبْلُغَ وَجْهَتَنَا..
شَرِيفٌ: وَهُنَاكَ!!!
مَحْمُودٌ: سَوْفَ يَكُونُ فِي انْتِظَارِكَ عَمُّ جَابِرٍ، كَيْ يَأْخُذَكَ إِلَى الِاسْتِرَاحَةِ الْخَاصَّةِ بِكَ...
شَرِيفٌ: لِيَكُنْ...
وَأَكْمَلَتِ الْحَافِلَةُ طَرِيقَهَا صَوْبَ الْغَرْدَقَةِ، وَعَلَى مَتْنِهَا الْمُهَنْدِسُ شَرِيفٌ وَأُنَاسٌ آخَرُونَ عَادِيُّونَ...
الِاسْتِرَاحَةُ...
وَأَخِيرًا...
تَرَجَّلْتُ مِنَ الْحَافِلَةِ أَنَا وَكُلُّ مَنْ عَلَيْهَا بِمِيدَانٍ صَغِيرٍ غَيْرِ مُزْدَحِمٍ إِلَّا مِنْ بَعْضِ الْبَائِعَةِ... ثَمَّةَ مَتْجَرٌ هُنَا وَآخَرُ هُنَاكَ... ثَمَّةَ مَخْبَزٌ وَمَقْهًى وَبَعْضُ الْمَارَّةِ غَيْرِ الْمُهْتَمِّينَ أَوْ حَتَّى غَيْرِ الْمُلَاحِظِينَ لِوُجُودِنَا مِنَ الْأَسَاسِ...
لَحَظَاتٌ قَلِيلَةٌ وَدَنَا مِنِّي رَجُلٌ فِي الْخَمْسِينَاتِ مِنَ الْعُمْرِ يَرْتَدِي جِلْبَابًا أَبْيَضَ وَبِشْتًا أَسْوَدَ، كَمَا وَضَعَ عَلَى رَأْسِهِ عِمَامَةً بَيْضَاءَ مَلْفُوفَةً بِعِنَايَةٍ، يَبْدُو بَدَوِيًّا... هَتَفَ بِي حِينَ أَصْبَحَ أَمَامِي مُبَاشَرَةً:
_ الْمُهَنْدِس شَرِيف!!!
_ بَلَيْ... عَمُّ جَابِرٍ!!!
_ بَلَيْ، مَرْحَبًا بِكَ فِي الْغَرْدَقَةِ... أَيْنَ حَقَائِبُكَ!!! فَقَطْ تِلْكَ الصَّغِيرَةُ!!! حَسَنًا... هَيَّا بِنَا إِلَى السَّيَّارَةِ...
_ أُسْتَاذ مَحْمُود... إِلَى اللِّقَاءِ.... أَرَاكَ لَاحِقًا...
ذَهَبْتُ مَعَ عَمِّ جَابِرٍ نَاحِيَةَ السَّيَّارَةِ حَامِلًا حَقِيبَتِي الَّتِي كُنْتُ أَظُنُّ أَنَّهُ سَوْفَ يُبَادِرُ بِحَمْلِهَا نِيَابَةً عَنِّي، أَوْ عَلَى الْأَقَلِّ سَوْفَ يَتَظَاهَرُ بِالرَّغْبَةِ فِي ذَلِكَ، لَكِنْ لَا بَأْسَ... أَحْتَرِمُ الرِّجَالَ الْوَاضِحِينَ...
جَابِرٌ: هَاهِيَ السَّيَّارَةُ...
كَانَتْ سَيَّارَةً رُبَاعِيَّةَ الدَّفْعِ مِنْ طِرَازِ الْخَمْسِينَاتِ زَرْقَاءَ اللَّوْنِ، وَقَدْ تَسَاقَطَ بَعْضُ أَجْزَاءِ الطِّلَاءِ مِنْ عَلَى بَدَنِهَا كَاشِفًا عَنْ بَعْضِ الصَّدَأِ بِفَضْلِ الرُّطُوبَةِ الْمُزْمِنَةِ فِي تِلْكَ الْأَجْوَاءِ... لَكِنَّهَا سَتَفِي بِالْغَرَضِ عَلَى أَيِّ حَالٍ...
قُمْتُ بِتَحِيَّةِ السَّائِقِ، وَالَّذِي قَدَّمَهُ لِي عَمُّ جَابِرٍ بِأَنَّهُ يُدْعَى "بُرْعِي"، وَالَّذِي أَدَارَ سَيَّارَتَهُ وَبَدَأَ الرِّحْلَةَ، وَمَا هِيَ إِلَّا بِضْعُ ثَوَانٍ وَوَجَّهَ حَدِيثَهُ إِلَيَّ سَائِلًا:
_ أَوَّلُ مَرَّةٍ فِي الْغَرْدَقَةِ!!!
شَرِيفٌ: بَلَى.
بُرْعِي: إِلَى أَيْنَ يَا جَابِرٌ!!!
جَابِرٌ: الِاسْتِرَاحَةُ الْقَدِيمَةُ...
بُرْعِي (نَاظِرًا إِلَيَّ بِرِفْقٍ): حَسْرَةً عَلَيْكَ يَا وَلَدِي...
شَرِيفٌ: مَاذَا!!! مَاذَا هُنَاكَ يَا عَمُّ جَابِرٍ!!!
جَابِرٌ (ضَاحِكًا): لَا عَلَيْكَ يَا بَاشْمُهَنْدِس... إِنَّ بُرْعِي يُحِبُّ الْمُزَاحَ فَقَطْ..
بُرْعِي: انْتَ مُهَنْدِسٌ!!! يَا حَسْرَةَ فَلْبِ أَهْلِكَ وَخَسَارَةَ تَعَبِهِمْ فِي تَرْبِيَتِكَ يَا وَلَدِي...
شَرِيفٌ: مَاذَا بِكَ يَا بُرْعِي!!! هَلْ أَنْتَ مُقْبِلٌ عَلَى اخْتِطَافِي وَطَلَبِ فِدْيَةٍ!!! لَا تُرْهِقْ نَفْسَكَ... لَنْ يَدْفَعَ لَكَ أَحَدٌ مِلِّيمًا أَحْمَرَ وَاحِدًا...
جَابِرٌ: لَا تَقْلَقْ يَا بَاشْمُهَنْدِس.... إِنَّ بُرْعِي... إِنَّهُ الْحَشِيشُ كَمَا تَعْلَمُ...
بُرْعِي: أَيُّ حَشِيشٍ!!! أَلَمْ تُخْبِرْهُ يَا جَابِرٌ!!!
شَرِيفٌ: بِمَاذَا!!!
جَابِرٌ: لَا شَيْءَ، غَيْرُ بِضْعِ حِكَايَاتٍ يَرْوِيهَا السُّكَّانُ الْمَحَلِيُّونَ عَلَى غِرَارِ "أُمْنَا الْغُولَةِ" وَ "أَبُو رِجْلٍ مَسْلُوخَةٍ" وَأَشْيَاءَ مِنْ تِلْكَ الْخَرَافَاتِ...
شَرِيفٌ: آهَا... قِصَصٌ عَنِ الْأَشْبَاحِ وَمَا شَابَهَ... مِنَ الْوَاضِحِ أَنَّكُمْ مُتَأَثِّرُونَ بِأَفْلَامِ هِتْشْكُوكْ!!!
جَابِرٌ: هِتْشْ... مَاذَا!!!
شَرِيفٌ: لَا عَلَيْكَ... هُوَ مُجَرَّدُ صَدِيقٍ قَدِيمٍ لِلْعَائِلَةِ...
جَابِرٌ: وَلْيَكُنْ... سَوْفَ نَسْتَغْرِقُ قُرَابَةَ رُبْعِ سَاعَةٍ حَتَّى الْوُصُولِ...
وَمَرَّتِ الدَّقَائِقُ الْخَمْسَةَ عَشَرَ وَانْتَهَتِ الرِّحْلَةُ أَمَامَ مُبَنًّى صَغِيرٍ مُؤَلَّفٍ مِنْ طَابَقٍ وَاحِدٍ، مُشَيَّدٍ مِنَ الطُّوبِ الْجِيرِيِّ الْأَبْيَضِ، يَتَوَسَّطُ حَدِيقَةً صَغِيرَةً بِهَا بِضْعَةُ أَشْجَارٍ... أَرْضِيَّتُهَا مُغَطَّاةٌ بِالْعُشْبِ، وَمُحَاطَةٌ بِسُورٍ مِنَ الْحَجَرِ الْجِيرِيِّ أَيْضًا، تَتَوَسَّطُهُ بَوَّابَةٌ حَدِيدِيَّةٌ سَوْدَاءُ اللَّوْنِ...
لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ أَيُّ شَيْءٍ مُمَيِّزٍ بِالْحَدِيقَةِ، فَقَطْ كَانَ هُنَاكَ سُلَّمٌ أَسْوَدُ مَعْدَنِيٌّ يَتَدَلَّى مِنَ السَّطْحِ فِي جَانِبِ الْمَنْزِلِ...
قَامَ عَمُّ جَابِرٍ بِفَتْحِ الْبَابِ وَدَعَانِي إِلَى الدُّخُولِ...
جَابِرٌ: بِقَدَمِكَ الْيُمْنَى يَا بَاشْمُهَنْدِس...
شَرِيفٌ: شُكْرًا يَا عَمُّ جَابِرٍ...
كَانَتِ الرَّدَهَةُ بَسِيطَةَ الْأَثَاثِ... أَرِيكَةٌ تَعْتَلِيهَا نَافِذَةٌ مُطِلَّةٌ عَلَى الْحَدِيقَةِ... مِنْضَدَةٌ... كُرْسِيٌّ خَشَبِيٌّ وَحِيدٌ، بِالإِضَافَةِ إِلَى رَفٍّ خَشَبِيٍّ يَحْتَلُّ الْحَائِطَ الْمُجَاوِرَ، مَوْضُوعٌ عَلَيْهِ رَادِيُو خَشَبِيٌّ ضَخْمٌ...
جَابِرٌ: الرَّادْيُو يَعْمَلُ بِشَكْلٍ مُمْتَازٍ، وَهُنَاكَ أَيْضًا ثَلَاثَةُ مَصَابِيحَ كَهْرُبَائِيَّةٍ فِي الِاسْتِرَاحَةِ...
شَرِيفٌ (مُتَهَكِّمًا): يَا مَاشَاءَ اللهُ .. ثَلَاثَةً دَفْعَةً وَاحِدَةً...
جَابِرٌ: وَهَاهُوَ الْمَطْبَخُ...
كَانَ مَطْبَخًا صَغِيرًا يَحْوِي مِنْضَدَةً صَغِيرَةً جِوَارَهَا مَقْعَدٌ خَشَبِيٌّ وَحِيدٌ... وَإِبْوَجَازٍ (بُوتَاجَازٍ) يَعْتَلِيهِ إِنَاءٌ ضَخْمٌ لِإِعْدَادِ الطَّعَامِ، وَأَخِيرًا حَوْضُ الْمِيَاهِ مُلْقًى بِهِ بِضْعَةُ أَطْبَاقٍ فِي إِهْمَالٍ مَعَ بَعْضِ الْمَعَالِقِ وَسِكِّينٍ وَحِيدٍ...
جَابِرٌ (مُوَضِّحًا): كَانَ الْبَاشْمُهَنْدِسُ الَّذِي يَعِيشُ هُنَا قَبْلَ قُدُومِكَ مُهْمِلًا بَعْضَ الشَّيْءِ، لَكِنَّ الْبَرَكَةَ فِيكَ...
شَرِيفٌ: أَلَمْ تَأْتِ أُمُّ مَحْمُودٍ مِنْ أَجْلِ التَّنْظِيفِ!!!
جَابِرٌ: مَنْ هِيَ أُمُّ مَحْمُودٍ!!!
شَرِيفٌ: أُمُّ مَحْمُودٍ، أُمُّ حَسَنٍ، أَوْ حَتَّى أُمُّ عَلِيٍّ... هُنَاكَ دَوْمًا أُمُّ شَخْصٍ مَا تَعْتَنِي بِمِثْلِ تِلْكَ الْأُمُورِ...
جَابِرٌ: لَا تُوجَدُ هُنَا وَلَا حَتَّى أُمُّ جَلَمْبُو... هَذَا التَّرَفُ فَقَطْ لَدَيْكُمْ فِي الْقَاهِرَةِ... هُنَا الْخِدْمَةُ ذَاتِيَّةٌ... فَقَطْ عَلَيْكَ بِغَسِيلِ الْأَطْبَاقِ... آه... كِدْتُ أَنْسَى بِأَنْ أُخْبِرَكَ بِشَيْءٍ جَيِّدٍ... لَقَدْ قُمْنَا بِتَقْدِيمِ مُذَكِّرَةٍ إِلَى مُقَرِّ الشَّرِكَةِ فِي الْقَاهِرَةِ مِنْ أَجْلِ الْمُوَافَقَةِ عَلَى شِرَاءِ ثَلَّاجَةٍ...
شَرِيفٌ: مُرْحَى... سَوْفَ يَقُومُونَ بِتَلْبِيَةِ الطَّلَبِ قَبْلَ بُلُوغِي سِنَّ التَّقَاعُدِ بِبِضْعَةِ أَشْهُرٍ عَلَى أَقَلِّ تَقْدِيرٍ...
جَابِرٌ: أَوْ لَرُبَّمَا بَعْدَ التَّقَاعُدِ... أَوْ حَتَّى... أَطَالَ اللهُ عُمْرَكَ... هَيَّا كَيْ أُوَرِّيَكَ غُرْفَةَ نَوْمِكَ...
كَانَتْ غُرْفَةً عَادِيَّةً أُخْرَى... سَرِيرٌ... خِزَانَةُ مَلَابِسَ... مَكْتَبٌ صَغِيرٌ وَكُرْسِيٌّ خَشَبِيٌّ وَحِيدٌ آخَرُ... دَوْمًا كُرْسِيٌّ خَشَبِيٌّ وَحِيدٌ... وَكَأَنَّهُمْ يُخْبِرُونَنِي بِأَنَّهُ لَا ضُيُوفَ... حَسَنًا... مَنْ ذَلِكَ الْمَخْبُولُ الَّذِي سَوْفَ يَحِلُّ ضَيْفًا فِي هَذَا الْمَكَانِ!!!
جَابِرٌ: هُنَاكَ طَبْعًا دَوْرَةُ مِيَاهٍ، وَمَوْضِعٌ آخَرٌ مِنْ أَجْلِ الِاسْتِحْمَامِ، لَكِنْ لَا تَسْأَلْ عَنِ الدُّشِّ رَجَاءً هُنَا... أَنْتَ تَعْلَمُ مَاذَا سَوْفَ تَجِدُ لَهُ هُنَا مِنْ بَدَائِلَ...
شَرِيفٌ: بِالتَّأْكِيدِ.
جَابِرٌ: بِالْمُنَاسَبَةِ... لَا يُوجَدُ أَيُّ شَيْءٍ عَلَى السَّطْحِ... سَوْفَ تَجِدُ مُوَلِّدًا كَهْرُبَائِيًّا وَوِعَاءً بَلَاسْتِكِيًّا مَلِيئًا بِالْكِيرُوسِينِ فِي الْحَدِيقَةِ، سَوْفَ يَقُومُ السَّائِقُ الَّذِي سَيَقِلُّكَ كُلَّ يَوْمٍ صَبَاحًا وَمَسَاءً إِلَى الْمَوْقِعِ بِمَلْئِهِ كُلَّ يَوْمٍ، كَمَا أَنَّهُ سَوْفَ يَأْخُذُكَ إِلَى السُّوقِ يَوْمِيًّا..
شَرِيفٌ: أَنَا مُنْبَهِرٌ.
جَابِرٌ: بَقِيَ فَقَطْ شَيْءٌ أَخِيرٌ...
شَرِيفٌ: تِلْفَازٌ!!!
جَابِرٌ: نِيَاهَاهَاهَاهَا.... أَنْتَ خَيَالِيٌّ...
شَرِيفٌ: مَاذَا إِذًا!!!
جَابِرٌ: اللَّيْلُ... اللَّيْلُ لَيْسَ لَنَا... اللَّيْلُ لَهُ أَصْحَابُهُ... هَذَا مِيثَاقٌ مَعْلُومٌ غَيْرُ مَكْتُوبٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ.... فَقَطْ لَا تَسْتَمِعْ، وَإِنِ اسْتَمَعْتَ لَا تُجِبْ... وَأَبَدًا... لَيْلًا... رِجَائًا... لَا تَفْتَحِ الْبَابَ...
شَرِيفٌ: مَاذَا!!! أَهُنَاكَ ذِئَابٌ فِي الْجِوَارِ!!!
جَابِرٌ: لَا أَبَدًا... فَقَطْ عَلَيْكَ بِتَشْغِيلِ إِذَاعَةِ الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ دَوْمًا وَالتَّحَلِّي بِالْإِيمَانِ... الشَّمْسُ... إِنَّهَا تَمِيلُ... قَدْ أَوْشَكَ مَوْعِدُ الْغُرُوبِ... سَأَذْهَبُ... لَوِ احْتَجْتَنِي سَتَجِدُنِي حَيْثُ الْتَقَيْنَا... مَقْهَى جَابِرٍ... هُوَ مَقْهَايَ... أَرَاكَ لَاحِقًا...
وَانْطَلَقَ نَحْوَ السَّيَّارَةِ مُسْتَقِلًّا إِيَّاهَا مُنْطَلِقَةً، تَارِكِينَ إِيَّايَ وَرَأْسِي تَعْتَلِيهَا عَشَرَاتُ عَلَامَاتِ الِاسْتِفْهَامِ...
ضَمَمْتُ كَفَّيْ يَدَيَّ حَوْلَ فَمِي كَمُكَبِّرٍ لِلصَّوْتِ صَائِحًا بِصَوْتٍ عَالٍ: عَمْ جَااااااااااااااااااابِرْ...
مَرَّةً أُخْرَى بِصَوْتٍ عَادِيٍّ: عَمْ جَاااااااااابِرْ...
وَثَالِثَةً بِصَوْتٍ هَامِسٍ: عَمْ جَاااابِرْ...
الْوَغْدُ... لَا بُدَّ مِنْ أَنَّهُ قَدْ قَامَ بِخَلْعِ أُذُنَيْهِ قَبْلَ رُكُوبِ السَّيَّارَةِ....
شَرَعْتُ أَضْحَكُ فِي جُنُونٍ... نِيَاهَاهَاهَاهَا...
أَرَاهُمُ الْآنَ... هُوَ وَبُرْعِي... يَتَضَاحَكُونَ فِي السَّيَّارَةِ... لَقَدْ قُمْنَا بِدَبِّ الرُّعْبِ فِي قَلْبِ ذَلِكَ الْقَاهِرِيِّ الْمُدَلَّلِ... سَوْفَ نُصْحِكُ كَثِيرًا...
أَرَاهُمْ جَالِسِينَ عَلَى قَارِعَةِ الطَّرِيقِ وَهُمْ يُدَخِّنُونَ الْأَرْجِيلَةَ مُطْلِقِينَ الدُّخَّانَ طَقْطَارَ فَحْمٍ قَدِيمٍ، وَهُمْ يُلْقُونَ النُّكَاتَ عَلَى ذَلِكَ الْأَحْمَقِ الآخَرِ (أَنَا) هُمْ وَرُفَقَائِهِمْ... الْعَادِيِّينَ...
لَا بَأْسَ... سَنَرَى مَنْ سَوْفَ يَرْوِي عَنْ مَنْ...
تَبًّا...
أَنَا فِي غَايَةِ الْإِرْهَاقِ... كَمْ يَبْدُو السَّرِيرُ مُرِيحًا جِدًّا... وَأَنَا عِنْدَمَا أَكُونُ مُتْعَبًا رَاغِبًا فِي النَّوْمِ، لَنْ تُقَوِّيَ عَلَى مَنْعِي عَنِ النَّوْمِ حَتَّى عَشِيرَةٌ كَامِلَةٌ مِنَ الْجِنِّ تَرْقُدُ عَلَى سَرِيرِي، وَلَوْ كَانَ مَعَهُمُ الْمَلِكُ شَمْهُورَشْ بِذَاتِهِ...
إِلَى النَّوْمِ... وَغَدًا يَوْمٌ آخَرُ...
خ خ خ خ خ خ...
الْمَوْقِعُ...
الْفَجْرُ... صَوْتُ الْمُنَبِّهِ الْمُزْعِجِ يَدْعُونِي إِلَى تَرْكِ دِفْءِ الْفِرَاشِ وَالِاسْتِعْدَادِ إِلَى فَصْلٍ آخَرَ مِنْ فُصُولِ الصِّرَاعِ الْأَبَدِيِّ مَعَ تِلْكَ الْحَيَاةِ الْمُزْعِجَةِ السَّخِيفَةِ... كُفَّ عَنِ الْعَوِيلِ رَجَاءً... صَوْتُ رَنِينِكَ قَادِرٌ عَلَى إِزْعَاجِ مَوْمِيَاءِ (أَمُنْتُحْتِبَ) ذَاتِهَا بَعْدَ كُلِّ تِلْكَ الْقُرُونِ مِنَ السُّبَاتِ الْعَمِيقِ...
أَيْنَ أَنَا!!!
آه... قَدْ تَذَكَّرْتُ... الْحَافِلَةُ... جَابِرٌ وَبُرْعِي وَأَشْيَاءُ أُخْرَى...
الطُّقُوسُ الصَّبَاحِيَّةُ الْمُعْتَادَةُ... الِاغْتِسَالُ... الْإِفْطَارُ... ارْتِشَافُ كُوبٍ ضَخْمٍ مِنَ الشَّايِ أَثْنَاءَ الِاسْتِمَاعِ إِلَى الرَّادْيُو، بَيْنَمَا أُحَلِّقُ فِي الْحَدِيقَةِ عَبْرَ النَّافِذَةِ، غَيْرَ رَاءٍ وَلَا مُسْتَمِعٍ لِأَيِّ شَيْءٍ فِي الْوَاقِعِ...
أَخْبَرْتُكَ بِأَنَّ لَا شَيْءَ يَسْتَحِقُّ الذِّكْرَ...
ثُمَّ...
سَيَّارَةُ الشَّرِكَةِ... تُشْبِهُ تِلْكَ الَّتِي قَدْ أَتَتْ بِي إِلَى هُنَا... نَعَمْ، بِقِطَعِ طِلَاءٍ مُتَسَاقِطَةٍ مِنْ عَلَى الْبَدَنِ، وَلَكِنَّهَا بَيْضَاءُ اللَّوْنِ... سَائِقٌ ثَرْثَارٌ لَا يَتَوَقَّفُ عَنْ وَصْفِ آلَامِ مِعْدَتِهِ وَعَنْ مُعَانَاتِهِ الْأَبَدِيَّةِ مَعَ الْبَوَاسِيرِ، وَحَتَّى عَنْ آلَامِ رُكْبَةِ زَوْجَةِ عَمَّتِهِ الْيُسْرَى، وَكَيْفَ كَانَتْ خَالَتُهُ تُعَانِي مِنَ الْمَرَارَةِ قَبْلَ أَنْ تَنْتَقِلَ إِلَى رَحْمَةِ اللهِ تَعَالَى...
طَبْعًا حَاوَلْتُ إِقْنَاعَهُ مِرَارًا وَتَكْرَارًا بِأَنِّي لَسْتُ طَبِيبَ الْوَحْدَةِ الصِّحِّيَّةِ الْمَنْقُولَ حَدِيثًا مِنَ الْقَاهِرَةِ... لَكِنْ هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ... فَهُنَاكَ فِكْرَةٌ عَتِيدَةٌ فِي رَأْسِهِ "أَنِّي بَاشْمُهَنْدِسٌ لَدَيَّ مَعْرِفَةٌ خَارِقَةٌ عَنْ كُلِّ شَيْءٍ"، حَتَّى عَنْ أُمِّ حَمَّادَةَ جَارَتِهِ الَّتِي تُعَانِي عَدَمَ الْإِنْجَابِ بِسَبَبِ جَارَتِهَا الْحَقُودَةِ الَّتِي قَدْ قَامَتْ بِدَفْنِ سِحْرٍ أَسْوَدَ لَهَا بِنِيَّةِ عَدَمِ الْإِنْجَابِ فِي مَقَابِرِ آلِ سَعْدُونَ...
رَجَاءً لَا تَسْأَلْنِي عَنْ كُنْهِ آلِ سَعْدُونَ، وَلَا عَنْ أُمِّ حَمَّادَةَ الَّتِي لَا تُنْجِبُ، وَلَا عَنْ أَنَّى قَدْ جَاءَتْ أُمُّ حَمَّادَةَ بِحَمَّادَةَ سَالِفِ الذِّكْرِ مَعَ أَنَّهَا لَا تُنْجِبُ، لِأَنِّي لَمْ أَعُدْ أَهْتَمُّ...
أَخْبَرْتُكَ بِأَنَّ لَا شَيْءَ يَسْتَحِقُّ الذِّكْرَ...
بَعْدَ السَّاعَةِ...
الْمَوْقِعُ...
مُجَرَّدُ صَحْرَاءَ قَاحِلَةٍ مُمْتَدَّةٍ عَلَى مَدَى الْبَصَرِ... حَرَارَةٌ... أَشِعَّةُ شَمْسٍ حَارِقَةٌ... رَائِحَةُ الْقَارِ السَّائِلِ الْمُلْتَهِبِ... الدُّخَانُ... كُلُّهَا مُفْرَدَاتٌ قَدِ اجْتَمَعَتْ مَعَ احْتِقَانِ الْأَنْفِ وَضِيقِ التَّنَفُّسِ وَاحْمِرَارِ الْعَيْنِ وَالسُّعَالِ الْمُسْتَمِرِّ كَيْ تَصِفَ لَكَ كَمْ كَانَ يَوْمِي رُومَانْسِيًّا...
أَصْوَاتُ الْعُمَّالِ... أَحَادِيثُهُمْ... رَائِحَةُ الْخُبْزِ وَالشَّايِ الْمُعَدِّ عَلَى الْحَطَبِ، وَالْكَثِيرُ مِنْ "أَتْفَضَّلْ يَا بَاشْمُهَنْدِزْ" وَ "تَعَاشِرْبَشَايْ"، نَاهِيكَ عَنْ رَئِيسِ الْعُمَّالِ الَّذِي يَصِرُّ عَلَى أَنَّ حَامِدًا دَائِمُ التَّأْخِيرِ بِسَبَبِ زَوْجَتِهِ "النَّكِدَةِ"، وَمِنْ ثُمَّ يَجِبُ فَصْلُهُ عَنِ الْعَمَلِ أَوْ أَنْ يَتَعَهَّدَ بِتَطْلِيقِ زَوْجَتِهِ النَّكِدَةِ حَتَّى لَا يَتَأَثَّرَ سَيْرُ الْعَمَلِ، فَأَبْتَسِمُ وَلَا أُعَلِّقُ...
أَخْبَرْتُكَ بِأَنَّ لَا شَيْءَ يَسْتَحِقُّ الذِّكْرَ...
خَلَلٌ فِي إِحْدَى الْمَعَدَّاتِ.... بُرْعِي الْمِيكَانِيكِيُّ غَيْرُ قَادِرٍ عَلَى إِصْلَاحِ الْعُطْلِ... لَا بُدَّ مِنِ اسْتِبْدَالِ "الشَّفْطُورَةِ" التَّالِفَةِ... لَا يُوجَدُ فِي الْمَخْزَنِ!!! رَبَّاهُ.. كَيْفَ سَنُكْمِلُ الْعَمَلَ دُونَ "شَفْطُورَةٍ" لِتَصْعِقَنَا جَمِيعًا صَاعِقَةٌ مِنَ السَّمَاءِ...
سَيَقُومُ الْأَخُ بُرْعِي شَخْصِيًّا بِالتَّوَجُّهِ إِلَى مَخَازِنِ الشَّرِكَةِ بِالْقَاهِرَةِ مِنْ أَجْلِ الْحُصُولِ عَلَى "شَفْطُورَةٍ" جَدِيدَةٍ... رَبَّااهُ... كَمْ أَنْتَ عَظِيمٌ يَا أَخَ بُرْعِي... وَكَمَا تُلَاحِظُ مَعِي فَهُنَالِكَ بُرْعِي آخَرُ هُنَا... تُرَى كَمْ بُرْعِي سَوْفَ أُقَابِلُ فِي تِلْكَ الرِّوَايَةِ!!!
أَخْبَرْتُكَ بِأَنَّ لَا شَيْءَ يَسْتَحِقُّ الذِّكْرَ...
ثَمَّةَ سِحْلِيَّةٌ صَغِيرَةٌ تُرْمِقُنِي فِي فُضُولٍ بِعَيْنٍ وَاحِدَةٍ، وَكَأَنَّهَا تَتَسَاءَلُ فِي أَعْمَاقِهَا: مَاذَا يَفْعَلُ هَؤُلَاءِ الْبَشَرُ الْحُمْقَى هُنَا!!! بَلْ مَا قَدْ جَاءَ بِهِمْ إِلَى هُنَا مِنَ الْأَسَاسِ!!!!
لَا أَلُومُهَا كَثِيرًا فِي الْوَاقِعِ... فَأَنَا أَحْمِلُ فِي رَأْسِي نَفْسَ ذَاتِ الْأَسْئِلَةِ... أَحْيَانًا أَسْتَاءُ مِنْ كَوْنِي بَشَرِيًّا نِيَاهَاهَاهَاهَا...
اثْنَانِ مِنَ الْعُمَّالِ تَشَاجَرَا بَعْدَ الِاسْتِرَاحَةِ، وَآخَرُ قَدْ جُرِحَ، فَفَزِعْتُ بِالسَّائِقِ أَنْ يَنْقُلَهُ إِلَى الْوَحْدَةِ الصِّحِّيَّةِ كَيْ يَتَلَقَّى الْعِلَاجَ اللَّازِمَ، وَلِكَيْ يَقْتَنِعَ أَنِّي لَسْتُ الطَّبِيبَ... رُبَّمَا... كَمَا قُمْتُ بِالتَّشْدِيدِ عَلَيْهِ بِأَنْ لَا يَتَأَخَّرَ كَيْ لَا أَبِيتَ لَيْلَتِي هُنَا...
أَخْبَرْتُكَ بِأَنَّ لَا شَيْءَ يَسْتَحِقُّ الذِّكْرَ...
عَاصِفَةٌ تُرَابِيَّةٌ دَامَتْ حَوَالَى سَاعَةٍ أَوْ أَقَلَّ... لَا تَشْغَلْ بَالَكَ...
ذَلِكَ الْعَقْرَبُ اللَّطِيفُ الَّذِي حَاوَلَ لَدْغِي بِكُلِّ بَسَاطَةٍ وَلُطْفٍ، وَإِصْرَارُ رَئِيسِ الْعُمَّالِ عَلَى أَنَّ "الْعَقْرَبَ لَا يَلْدَغُ مُؤْمِنًا" وَأَنَّ "سُمَّ الْعَقْرَبِ طَاهِرٌ"، وَحَدِيثُهُ عَنْ قَرِيبِهِ الَّذِي قَامَ ثُعْبَانٌ بِأَكْلِهِ سَبْعَ مَرَّاتٍ حَتَّى تُوُفِّيَ اللهُ الثُّعْبَانُ ذَاتُهُ... لَا تَشْغَلْ بَالَكَ...
عَنِ السَّائِقِ الَّذِي عَادَ أَخِيرًا مِنَ الْوَحْدَةِ الَّتِي أَتَمَنَّى أَنْ يَكُونَ قَدْ حَكَى آلَامَ أُسْرَتِهِ الْكَرِيمَةِ كُلَّهَا بِأَحْيَائِهِمْ وَأَمْوَاتِهِمْ، وَخُصُوصَةً آلَامَ رُكْبَةِ زَوْجَةِ عَمَّتِهِ الْيُسْرَى، فَقَطْ كَيْ لَا يُكْمِلَ شَرْحَ آلَامِهِ إِلَيَّ فِي طَرِيقِ الْعَوْدَةِ...
سَيَّارَةُ الشَّرِكَةِ مَرَّةً أُخْرَى... الِاسْتِرَاحَةُ مَرَّةً أُخْرَى... الِاسْتِحْمَامُ دُونَ دُشٍ... الطَّعَامُ الْبَارِدُ.. السَّرِيرُ...
انْتَهَى الْيَوْمُ الْأَوَّلُ، فَالثَّانِي، فَالَّذِي يَلِيهِ...
أَخْبَرْتُكَ بِأَنَّ لَا شَيْءَ يَسْتَحِقُّ الذِّكْرَ...
الْخَالَةُ نَائِلَةُ...
الْيَوْمُ الرَّابِعُ...
طَرَقَاتٌ عَلَى الْبَابِ... ثَلَاثُ طَرَقَاتٍ... لَحَظَاتٌ مِنَ الصَّمْتِ... ثَلَاثُ طَرَقَاتٍ أُخْرَى بِنَفْسِ الرَّتَابَةِ... تُرَى كَمِ الْوَقْتُ الْآنَ!!! عَقَارِبُ السَّاعَةِ تُشِيرُ إِلَى الثَّالِثَةِ صَبَاحًا... مَنْ ذَلِكَ الْمَخْبُولُ الَّذِي يَطْرُقُ بَابِي فِي هَذَا الْوَقْتِ يَا تُرَى!!!
خِلَالَ ثَوَانٍ كُنْتُ أُزِيحُ الْمِزْلَاجَ فَاتِحًا الْبَابَ فِي حَذَرٍ... وَرَأَيْتُهَا...
عَجُوزٌ... عَجُوزٌ تَبْدُو فِي السِّتِّينَ مِنَ الْعُمْرِ أَوْ أَكْثَرَ بِقَلِيلٍ... تَبْدُو بَدَوِيَّةً مِنْ مَلْبَسِهَا... لَكِنَّهَا كَانَتْ رَغْمَ ذَلِكَ فِي قِمَّةِ الْجَمَالِ... بَيْضَاءُ الْبَشَرَةِ، زَرْقَاءُ الْعَيْنَيْنِ، بَلْ وَتَتَدَلَّى مِنْ تَحْتِ غِطَاءِ رَأْسِهَا خُصْلَتَانِ مِنَ الشَّعْرِ الَّذِي أَكَادُ أُقْسِمُ أَنَّهُ أَشْقَرُ اللَّوْنِ...
هَلْ نِمْتُ فِي الْغَرْدَقَةِ وَاسْتَيْقَظْتُ فِي السُّوَيْدِ!!!
بَادَرَتْنِي بِصَوْتٍ أَعْذَبَ مَلَائِكِيٍّ: صَبَاحُ الْخَيْرِ يَا وَلَدِي.
_ صَبَاحُ الْخَيْرِ، مَنْ حَضْرَتُكِ!!
_ أَنَا نَائِلَةُ... الْخَالَةُ نَائِلَةُ.
_ تَشَرَّفْتُ بِكِ، لَكِنْ كَيْفَ أَسْتَطِيعُ مُسَاعَدَتَكِ!!!
_ أَلَا تَرْغَبُ فِي بَعْضِ مُنْتَجَاتِ الْأَلْبَانِ... لَدَيَّ لَبَنٌ، جُبْنٌ، بَيْضٌ، خُبْزٌ، وَكُلُّ مَا تَشْتَهِيهِ، وَهِيَ جَمِيعًا طَازِجَةٌ.
_ نَعَمْ، بِالتَّأْكِيدِ، أُرِيدُ لِتْرًا مِنَ اللَّبَنِ وَ... أَعْطِينِي مِنْ كُلِّ مَا لَدَيْكِ مَا يَكْفِينِي لِيَوْمَيْنِ، أَوْ لِيَوْمٍ وَاحِدٍ لَوْ كُنْتِ تَأْتِينَ كُلَّ يَوْمٍ.
_ إِذَا أَرَدْتَ...
_ مُمْتَازٌ، أَشْكُرُكِ كَثِيرًا... كَمْ تُرِيدِينَ!!!
_ خَمْسَةُ قُرُوشٍ....
_ فَقَطْ!!! أَنَا أَشْتَرِي هَذِهِ الْكَمِّيَّةَ مِنَ السُّوقِ بِعَشَرَةِ قُرُوشٍ!!!
_ سَوْفَ تُصْبِحُ زَبُونِي... إِلَى الْأَبَدِ يَا شَرِيفُ.
_ أَعِدُكِ.
وَانْصَرَفَتِ الْخَالَةُ نَائِلَةُ تَارِكَةً خَلْفَهَا مَا لَذَّ وَطَابَ مِنَ الطَّعَامِ...
لَكِنَّ!!!
أَيْنَ قَدْ سَمِعْتُ هَذَا الِاسْمَ مِنْ قَبْلُ يَا تُرَى!!! لَيْسَ مَأْلُوفًا لَكِنَّهُ مُمَيِّزٌ... ثُمَّ، لِمَاذَا جَاءَتْ فِي مِثْلِ هَذَا الْوَقْتِ الْمُبَكِّرِ أَكْثَرَ مِنَ اللَّازِمِ!!! ثُمَّ، كَيْفَ عَرَفَتِ اسْمِي!!!
تَبًّا لِي مِنْ غَبِيٍّ ثَرْثَارٍ...
أَعْتَقِدُ أَنَّ كَانَ لِأَبَوَيْهَا الْحَقُّ الْكَامِلُ فِي اخْتِيَارِ اسْمِ وَلَدِهِمَا دُونَ انْتِظَارِ الْإِذْنِ مِنِّي بِالتَّأْكِيدِ، ثُمَّ إِنَّهَا بَائِعَةُ لَبَنٍ، أَيْ إِنَّهَا مِنَ الْمُؤَكَّدِ تَسْتَيْقِظُ بَعْدَ مُنْتَصَفِ اللَّيْلِ كَيْ تَبْدَأَ يَوْمَهَا، وَبِالنِّسْبَةِ لِاسْمِي، أَنَا لَسْتُ عُضْوًا فِي الْمَافْيَا كَيْ أَعِيشَ بِاسْمٍ مُسْتَعَارٍ، هَذَا مُجْتَمَعٌ مَحْدُودٌ وَالْكُلُّ يَعْرِفُ بَعْضَهُمُ الْبَعْضَ، إِنَّهَا (مِعْزَةٌ نَايِمَةٌ وَمِعْزَةٌ قَايِمَةٌ) كَمَا يَقُولُونَ...
كَمْ أَنَا مَاهِرٌ فِي إِقْنَاعِ نَفْسِي...
وَالْآنَ...
مَزِيدًا مِنَ الطُّقُوسِ الصَّبَاحِيَّةِ... مَزِيدًا مِنْ إِلَى وَمِنَ الْعَمَلِ، وَمَزِيدًا مِنْ "أَخْبَرْتُكَ أَنْ لَا شَيْءَ يَسْتَحِقُّ الذِّكْرَ"، عَدَا ظُهُورِ الْخَالَةِ نَائِلَةَ فِي الْيَوْمِ التَّالِي وَالَّذِي يَلِيهِ... إِلَى أَنْ حَلَّتْ لَيْلَةُ الْيَوْمِ السَّادِسِ...
الْمَزْرَعَةُ...
أَصْبَحَ الِاسْتِيقَاظُ قَبْلَ الْفَجْرِ بِسَاعَتَيْنِ عَادَةً مُحَبَّبَةً إِلَيَّ، تَسْتَطِيعُ الْقَوْلَ إِنَّنِي قَدْ أَصْبَحْتُ مُدْمِنًا عَلَى مُنْتَجَاتِ الْخَالَةِ نَائِلَةَ بِشَكْلٍ لَا يُصَدَّقُ، طَعْمٌ رَائِعٌ... سِعْرٌ مُنَافِسٌ مَعَ خِدْمَةِ التَّوْصِيلِ حَتَّى بَابِ الْمَنْزِلِ....
أَصْبَحَ ذِهْنِي أَكْثَرَ صَفَاءً، وَقَلَّتْ رَغْبَتِي فِي النَّوْمِ بِشَكْلٍ كَبِيرٍ، وَزَادَ تَرْكِيزِي أَضْعَافًا وَأَضْعَافًا فَقَطْ فِي ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ...
لِذَا...
قَبْلَ فَجْرِ الْيَوْمِ السَّادِسِ كُنْتُ قَدْ تَنَاوَلْتُ إِفْطَارِي مِنْ مُنْتَجَاتِ الْخَالَةِ نَائِلَةَ، وَرَغِبْتُ فِي التَّرَوُّضِ فِي الْجِوَارِ قَلِيلًا قَبْلَ وُصُولِ سَيَّارَةِ الشَّرِكَةِ... لَدَيَّ نَحْوُ سَاعَتَيْنِ مِنَ الزَّمَنِ... إِلَى أَيْنَ أَذْهَبُ يَا تُرَى!!!
السَّيَّارَةُ دَوْمًا تَقِلُّنِي شَرْقًا... إِذًا لِتَكُنْ مَسِيرَتِي نَحْوَ الْغَرْبِ...
بَعْدَ بِضْعِ دَقَائِقَ...
ثَمَّةَ ضَوْءٌ هُنَاكَ... يَبْدُو مَنْزِلًا صَغِيرًا عَلَى بُعْدِ مِئَتَيْ مَتْرٍ تَقْرِيبًا... فَلْنَقْتَرِبْ أَكْثَرَ...
هِيَ حُجْرَةٌ صَغِيرَةٌ عَلَى جَانِبِ الطَّرِيقِ بِجِوَارِ بَعْضِ الزِّرَاعَاتِ... هُنَاكَ رَجُلٌ ضَخْمُ الْجُثَّةِ يَجْلِسُ عَلَى أَرِيكَةٍ خَشَبِيَّةٍ، يُشْعِلُ بَعْضَ الْحَطَبِ فِي إِنَاءٍ نُحَاسِيٍّ كَبِيرٍ (لَا تَنْسَ أَنَّ الْأَلُومْنِيُومَ لَمْ يَكُنْ مُنْتَشِرًا فِي تِلْكَ الْفَتْرَةِ، وَكَانَ النُّحَاسُ هُوَ سَيِّدَ الْمَوْقِفِ)، وَبِالطَّبْعِ بَرَّادُ الشَّايِ إِيَّاهُ فِي قَلْبِ الْفَحْمِ، وَالْأَرْجِيلَةُ، وَنَغَمَاتُ أُمِّ كُلْثُومٍ...
_ السَّلَامُ عَلَيْكُمْ...
_ وَعَلَيْكُمُ السَّلَامُ...
_ أَنَا الْمُهَنْدِسُ شَرِيفٌ... أَسْكُنُ فِي الْجِوَارِ... الِاسْتِرَاحَةُ الْقَدِيمَةُ...
_ مَرْحَبًا بِكَ... أُدْعَى فَرَجٌ.. هَلْ تَرْغَبُ بِبَعْضِ الشَّايِ!!!
_ سَأَكُونُ مُمْتَنًّا جِدًّا.... شُكْرًا.... هَلْ تَعِيشُ هُنَا مُنْذُ فَتْرَةٍ طَوِيلَةٍ!!!
_ أَنَا حَارِسُ هَذِهِ الْمَزْرَعَةِ لِأَكْثَرَ مِنْ خَمْسِ سَنَوَاتٍ...
_ وَمَنْ صَاحِبُهَا ؟؟
_ رَجَبُ الْمَذْبُوحُ...
قُمْتُ بِرَشْفِ رَشْفَةٍ أُخْرَى مِنَ الشَّايِ وَأَنَا أَتَسَاءَلُ:
_ الْمَذْبُوحُ ؟؟؟؟ لَقَبٌ غَرِيبٌ بِالنِّسْبَةِ لِعَائِلَةٍ...
_ لَيْسَ لَقَبًا... هِيَ صِفَةٌ...
_ مَاذَا تَعْنِي!!! وَشَرَعْتُ أَرْشُفُ الْمَزِيدَ مِنَ الشَّايِ...
_ الْحَاجُّ رَجَبٌ رَحِمَهُ اللهُ صَاحِبُ الْمَزْرَعَةِ، قَبْلَ خَمْسَةِ أَعْوَامٍ كَانَ إِنْتَاجُ الْمَزْرَعَةِ وَفِيرًا، وَرَبِحَ الْكَثِيرَ مِنَ الْأَمْوَالِ مِنْ إِيرَادِ الْمَحْصُولِ... لَكِنَّكَ تَعْرِفُ أَوْلَادَ الْحَرَامِ... قَدْ ذَبَحَهُ اللُّصُوصُ وَفَصَلُوا رَأْسَهُ بِغَرَضِ السَّرِقَةِ بَيْنَمَا هُوَ عَائِدٌ مِنَ السُّوقِ بِالْمَالِ...
بَصَقْتُ الشَّايَ مِنْ فَمِي لَاإِرَادِيًّا مِنَ الصَّدْمَةِ، وَأَرْدَفْتُ مُرْتَعِبًا:
_ ذَبَحُوهُ وَقَامُوا بِفَصْلِ رَأْسِهِ!!!
_ نَعَمْ... هَلْ تَرْغَبُ بِبَعْضِ التَّبْغِ!!!
تَسَاءَلْتُ بَعْدَ أَنْ أَصْبَحْتُ أُشَارِكُهُ الشَّايَ وَالتَّبْغَ:
_ وَمَنْ صَاحِبُ الْمَزْرَعَةِ الْآنَ!!!
_ أَوْلَادُهُ... هَلْ سَمِعْتَ آخِرَ نُكْتَةٍ ؟؟؟
الْغَرِيبُ أَنَّ الْحَدِيثَ قَدْ تَبَدَّلَ تَمَامًا فِي لَحْظَةٍ وَاحِدَةٍ، مِنْ قَتْلٍ وَذَبْحٍ إِلَى إِلْقَاءِ النُّكَاتِ وَالشَّايِ وَالتَّبْغِ وَأُمِّ كُلْثُومٍ... وَكَأَنَّنَا قَدْ أَصْبَحْنَا فَجْأَةً صَدِيقَيْنِ حَمِيمَيْنِ، مَعَ وَعْدٍ بِاللِّقَاءِ الْمُتَجَدِّدِ يَوْمِيًّا، وَأَنَّهُ عَلَيَّ الِانْصِرَافُ الْآنَ كَيْ أَلْحَقَ بِسَيَّارَةِ الشَّرِكَةِ الَّتِي سَوْفَ تَقِلُّنِي إِلَى الْمَوْقِعِ... وَقَدْ كَانَ...
مَرَّةً أُخْرَى فِي الْمَوْقِعِ...
وَمَرَّةً أُخْرَى لَا شَيْءَ يَسْتَحِقُّ الذِّكْرَ...
حَامِدٌ... أَصْبَحَ يَأْتِي فِي الْمَوْعِدِ وَلَمْ يَقُمْ بِتَطْلِيقِ زَوْجَتِهِ، وَلِلَّهِ الْحَمْدُ.
قَدْ شُفِيَ الْعَامِلُ الْجَرِيحُ...
الْأَخُ بُرْعِي.... قَدْ عَادَ مِنَ الْقَاهِرَةِ مُظَفَّرًا وَمَعَهُ "الشَّفْطُورَةُ" الْجَدِيدَةُ، وَاسْتَقْبَلْنَاهُ اسْتِقْبَالَ الْفَاتِحِينَ...
أَمَّا السِّحْلِيَّةُ الْعَزِيزَةُ فَقَدْ صَارَتْ ضِمْنَ طُقْمِ الْعَمَلِ، وَلَازَالَتْ تُرْمِقُنِي ذَاتَ النَّظْرَةِ الْمُتَشَكِّكَةِ، بَلْ إِنَّهَا قَدْ جَاءَتْ بِرَفِيقَاتِهَا مِنَ السَّحَالِي، وَكَأَنَّهُمْ فِي جَوْلَةٍ فِي حَدِيقَةِ الْحَيَوَانِ... أَعْنِي حَدِيقَةِ الْبَشَرِ...
أَخْبَرْتُكَ لِلْمَرَّةِ الْأَلْفِ أَنْ لَا شَيْءَ يَسْتَحِقُّ الذِّكْرَ...
وَعَلَى قُرَابَةِ انْتِهَاءِ يَوْمِ الْعَمَلِ، تَحَدَّثَ إِلَيَّ رَئِيسُ الْعُمَّالِ:
_ مَالِي أَرَاكَ مُرْهَقًا الْيَوْمَ!!!
_ لَمْ أَنَمْ مُنْذُ الْبَارِحَةِ...
_ قِصَّةُ حُبٍّ هَاهَاهَاهَا...
_ قِصَّةُ حُبٍّ فِي هَذِهِ الصَّحْرَاءِ الْبَائِسَةِ!!! هَلْ سَأُحِبُّ عَنْزًا مَثَلًا نِيَاهَاهَاهَاهَا
_ لِمَ لَمْ تَنَمْ إِذًا!!!
حَكَيْتُ لَهُ عَنِ الْخَالَةِ نَائِلَةَ، وَعَنْ جَوْدَةِ مُنْتَجَاتِهَا، وَعَنْ زِيَارَتِي لِمَزْرَعَةِ رَجَبِ الْمَذْبُوحِ، وَسَهَرَتِي الْجَمِيلَةِ مَعَ عَمِّ فَرَجٍ، مُسْتَفْسِرًا مِنْهُ عَنْ تِلْكَ الْمَزْرَعَةِ، وَنَاصِحًا إِيَّاهُ بِشِرَاءِ مُنْتَجَاتِ الْخَالَةِ نَائِلَةَ...
امْتَقَعَ وَجْهُ رَئِيسِ الْعُمَّالِ، وَاحْمَرَّتْ عَيْنَاهُ فِي رُعْبٍ حَقِيقِيٍّ حِينَ سَمِعَ رِوَايَتِي.. ثُمَّ تَنَهَّدَ وَقَالَ:
_ لَا تُوجَدُ مَنْ تَبِيعُ الْأَلْبَانَ هُنَاكَ تُدْعَى نَائِلَةَ، بَلْ لَا تُوجَدُ مَنْ تَبِيعُ الْأَلْبَانَ هُنَاكَ أَصْلًا... تِلْكَ مَنْطِقَةٌ مَهْجُورَةٌ... لَا يُوجَدُ أَيُّ تَجَمُّعٍ قَبَلِيٍّ أَوْ رَعَوِيٍّ فِي نِطَاقِ 50 كِمْ مِنْ مَنْزِلِكَ...
_ مَاذَا!!!
_ وَلَا تُوجَدُ أَيُّ مَزْرَعَةٍ فِي ذَاتِ النِّطَاقِ كَذَلِكَ... وَلَا فَرَجٌ... وَلَا رَجَبُ الْمَذْبُوحِ وَلَا حَتَّى الْمَسْلُوخُ...
الْيَوْمُ السَّابِعُ...
مُنْذُ أَنْ أَوْصَلَتْنِي السَّيَّارَةُ إِلَى الِاسْتِرَاحَةِ وَأَنَا رَاقِدٌ عَلَى السَّرِيرِ أُمَارِسُ عَادَتِي فِي تَأَمُّلِ السَّقْفِ وَالتَّفْكِيرِ، لَيْسَ التَّفْكِيرَ فِي اللَّاشَيْءِ كَكُلِّ مَرَّةٍ، بَلْ فِي الْخَالَةِ نَائِلَةَ... فَرَجٍ... رَجَبِ الْمَذْبُوحِ أَوِ الْمَسْلُوخِ أَوْ أَيَّا كَانَتْ صِفَتُهُ... كَلَامُ رَئِيسِ الْعُمَّالِ أَنَّهُ لَا يُوجَدُ شَيْءٌ مِنْ كُلِّ هَذَا الْهِرَاءِ...
أَنَا لَمْ أُشَاهِدْ أَيَّ شَيْءٍ غَيْرَ عَادِيٍّ حَتَّى هَذِهِ اللَّحْظَةِ، فَقَطْ أَسْتَمِعُ إِلَى هَرْطَقَاتٍ مِنْ بَعْضِ السُّكَّانِ الْمَحَلِّيِّينَ... الْخَوْفُ مُقَابِلَ الْوَاقِعِ.... الْمَنْطِقُ فِي مُوَاجَهَةِ الْخَرَافَاتِ... أُنَاسٌ مُتَشَكِّكُونَ وَآخَرُونَ وَدُودُونَ...
يَقُولُونَ بِأَنَّهُ يَجِبُ عَلَيْكَ الْقَلَقُ مِنَ الْأَشْخَاصِ الْوَدُودِينَ أَكْثَرَ مِنَ اللَّازِمِ... لَكِنْ لَيْسَ كُلُّ وَدُودٍ وَغْدًا أَوْ سَفَّاحًا، وَبِالطَّبْعِ لَيْسَ مِنَ الضَّرُورَةِ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْأَشْبَاحِ...
هَلْ كُنْتُ أَتَنَاوَلُ مُنْتَجَاتِ أَلْبَانٍ مِنْ مَزَارِعِ الْجِنِّ مَثَلًا!!! أَلْبَانُ إِبْلِيسَ!!! بَيْضُ دَجَاجِ الْجَحِيمِ وَمَخْبُوزَاتُ جَهَنَّمَ هَاهَاهَاهَا، وَبِعَشَرَةِ قُرُوشٍ فَقَطْ نِيَاهَاهَاهَاهَا... شَيَاطِينُ طَيِّبُونَ جِدًّا...
لَكِنَّ...
لِمَ تَبِيعُ نَائِلَةُ مُنْتَجَاتِهَا بِنِصْفِ الثَّمَنِ مَعَ خِدْمَةِ التَّوْصِيلِ حَتَّى بَابِ الْمَنْزِلِ!!! هِيَ جِنِّيَّةٌ طَيِّبَةٌ حَقًّا لَوْ صَحَّ كَلَامُ رَئِيسِ الْعُمَّالِ... لَكِنْ مَا أَدْرَانِي أَنَّ هَذَا الْأَخِيرَ لَيْسَ إِلَّا مَخْبُولًا آخَرَ...
وَالأَدْهَى...
هَلْ سَمِعْتَ يَوْمًا عَنْ عِفْرِيتٍ يُدَخِّنُ الْأَرْجِيلَةَ!!!! بَلْ وَيُجِيدُ إِلْقَاءَ النُّكَاتِ!!! لَمْ تَعُدِ الْعَفَارِيتُ كَمَا فِي الْمَاضِي يَقُومُونَ بِالْتِهَامِ الْبَشَرِ عَلَى سَبِيلِ التَّسْلِيَةِ... عَفَارِيتُ الْقَرْنِ الْعِشْرِينَ أَكْثَرُ تَحَضُّرًا...
وَلِمَ أَهْتَمُّ بِكَلَامِ الْعَادِيِّينَ أَصْلًا!!!
لِأَنِّي بَشَرٌ... وَقَدْ أَثَارُوا فُضُولِي بِشَكْلٍ كَبِيرٍ...
قَدْ أَمْضَيْتُ سَاعَاتٍ فِي التَّفْكِيرِ، وَاقْتَرَبَ مُنْتَصَفُ اللَّيْلِ، وَغَدًا أَوَّلُ عُطَلَاتِيَ الْأُسْبُوعِيَّةِ... لَا بَأْسَ إِذًا مِنْ تَنَاوُلِ قَدْحَيْنِ مِنَ الشَّايِ مَعَ فَرَجٍ...
أَتَجَّهْ غَرْبًا إِلَى حَيْثُ مَزْرَعَةُ رَجَبِ الْمَذْبُوحِ أَوِ الْمَسْلُوخِ، سَمِّهَا كَمَا تَشَاءُ... ضَوْءُ الْبَدْرِ يَغْمُرُ الطَّرِيقَ... صَوْتُ الْأَمْوَاجِ الَّتِي تَتَكَسَّرُ عَلَى الشَّاطِئِ الْقَرِيبِ يَمْنَحُ الْأَجْوَاءَ لَمْحَةً دِرَامِيَّةً لَا يَنْقُصُهَا سِوَى بَعْضِ الْمَذْبُوحِينَ... يَالَلْمَرَحِ...
لَكِنَّ...
هُنَاكَ ثَمَّةَ شَيْءٌ مَا خَطَأٌ...
بَدَأْتُ أَرْكُضُ وَأَرْكُضُ وَأَقْتَرِبُ أَكْثَرَ فَأَكْثَرَ... أَخِيرًا وَصَلْتُ... لَكِنْ... مَا هَذَا!!!
الْحُجْرَةُ شِبْهُ مُهَدَّمَةٍ... مُهَدَّمَةٌ مُنْذُ فَتْرَةٍ وَلَيْسَ حَدِيثًا... لَا ضَوْءَ... لَا أَرِيكَةَ... لَا أَرْجِيلَةَ وَلَا شَايَ وَلَا حَتَّى فَرَجٍ...
لَا شَيْءَ...
وَالأَهَمُّ...
لَا تُوجَدُ أَيُّ مَزْرَعَةٍ هُنَا!!!
هُنَا (بَدَأَ الْفَأْرُ يَلْعَبُ فِي عُبِّي) كَمَا يَقُولُونَ...
عَمْ فَاااااااااارِجْ
عَنْ فَاااااااااارِجْ
لَا مُجِيبَ...
إِهْدَأْ... لَا دَاعِيَ لِلْفَزَعِ... وَلَا دَاعِيَ لِأَنْ تَفْقِدَ الْوَعْيَ هُنَا.. عُدْ أَدْرَاجَكَ...
وَكَمَا يَقُولُونَ، قُمْتُ بِعَكْسِ اتِّجَاهِ الْبُوصُلَةِ وَبَدَأْتُ فِي الْعَوْدَةِ كَيْ أَتَمَكَّنَ مِنْ فِقْدَانِ الْوَعْيِ فِي الِاسْتِرَاحَةِ بِكُلِّ أَمَانٍ...
مَا هَذَا الَّذِي يَسِيرُ هُنَاكَ!!!
هُنَاكَ مَنْ يَعْبُرُ الطَّرِيقَ بِكُلِّ هُدُوءٍ...
يَا إِلَهِي... مَاهَذَا الشَّيْءُ!!!
لَهُ بِنْيَةٌ تُشْبِهُ الْإِنْسَانَ، لَكِنَّهُ يَحْبُو عَلَى أَرْبَعٍ... قَوَائِمُهُ الْخَلْفِيَّةُ أَطْوَلُ بِكَثِيرٍ مِنَ الْأَمَامِيَّةِ... هُوَ أَسْوَدُ... أَسْوَدُ مِنْ سَوَادِ اللَّيْلِ ذَاتِهِ، وَلَوْلَا ضَوْءُ الْبَدْرِ مَا كُنْتُ قَدْ رَأَيْتُهُ... تَنْبُتُ مِنْ ظَهْرِهِ عَشَرَاتُ الْحَرَاشِيفِ كَتِلْكَ الْمُمَيِّزَةِ لِظُهُورِ التَّمَاسِيحِ...
تَسَمَّرْتُ مِنَ الْخَوْفِ... وَصَارَ صَوْتُ حَبَّاتِ الرِّمَالِ النَّاعِمَةِ الَّتِي تَتَنَاقَلُهَا الرِّيَاحُ... قَدْ صَارَتْ ضَجِيجًا...
أَدَارَ رَأْسَهُ نَحْوِي فِي بُطْءٍ مُخِيفٍ، وَتَلَاقَتْ عَيْنَاهُ فِي مَشْهَدٍ أُسْطُورِيٍّ يَتَأَمَّلُهُ الْبَدْرُ...
سَطَعَتْ عَيْنَاهُ الَّتِي تَشْغَلُ أَكْثَرَ مِنْ نِصْفِ مَسَاحَةِ وَجْهِهِ... وَتَأَلَّقَتْ وَأَضَاءَتْ كَأَلْفِ كَشَّافٍ ضَوْئِيٍّ... إِضَاءَةٌ سَاطِعَةٌ... بَارِدَةٌ... بَيْضَاءُ... مُخِيفَةٌ... وَأَنَا أَرْتَجِفُ... أَرْتَجِفُ...
ثُمَّ امْتَدَّتْ دَاخِلَ عَيْنَيْهِ خَطَّانِ عَرَضِيَّانِ تَتَدَلَّى مِنْ أَعْلَى عَيْنَيْهِ نَحْوَ أَسْفَلِهِمَا... ضَوْءٌ وَكَأَنَّهُ مَاسِحٌ ضَوْئِيٌّ... وَكَأَنَّهُ يَفْحَصُنِي بِعِنَايَةٍ فَائِقَةٍ...
أَشْعُرُ بِالشَّلَلِ التَّامِّ... الْفَزَعِ الْمُطْلَقِ... قَدْ تَوَقَّفَتْ كُلُّ وَظَائِفِيَ الْحَيَوِيَّةِ وَتَعَطَّلَتْ حَوَاسِّي جَمِيعًا سِوَى التَّنَفُّسِ وَالنَّظَرِ... صِرْتُ قِطْعَةً مِنَ الثَّلْجِ تَقَمُّ آلَافَ وَخَزَاتِ الْإِبَرِ بِاخْتِرَاقِي...
فَقَطْ قَدْ بَرَزَ هَذَا الصَّوْتُ مِنْ بَيْنِ شَفَتَيَّ...
آرررررررررر...
آرررررررررر...
الْخَوْفُ يُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ حَوْلِي...
آررررررر...
آررررررر...
ثُمَّ...
ثُمَّ أَدَارَ رَأْسَهُ إِلَى الْأَمَامِ... وَمَضَى... أَكْمَلَ قَطْعَ الطَّرِيقِ فِي هُدُوءٍ وَتَوَارَى وَسْطَ الظَّلَامِ...
أَطْلَقْتُ سَاقَيَّ لِلرِّيَاحِ... أَجْرِي... أَهْرُبُ... حَافِظْ عَلَى حَيَاتِكَ... لَا تَمُتْ... عِشِ الْيَوْمَ كَيْ تَفْهَمَ يَوْمًا آخَرَ... أَهْرُبْ...
وَأَخِيرًا... الِاسْتِرَاحَةُ...
مَا هَذَا الصَّوْتُ!!!
إِنَّهُ الرَّعْدُ... رَعْدٌ دُونَ بَرْقٍ!!! كَيْفَ يَنْهَالُ الْمَطَرُ بِتِلْكَ السُّرْعَةِ وَالْغَزَارَةِ، وَكَأَنَّ الصَّحْرَاءَ قَدْ تَمَرَّدَتْ وَقَرَّرَتْ أَنْ تَنْقُلَ مَوْقِعَهَا إِلَى خَطِّ الِاسْتِوَاءِ!!!
مِنْ حُسْنِ حَظِّي إِنَّنِي قَدْ وَصَلْتُ إِلَى هُنَا...
أَوْ هَكَذَا قَدْ ظَنَنْتُ...
مَا إِنْ فَتَحْتُ الْبَابَ وَدَلَفْتُ إِلَى الْحَدِيقَةِ، وَمَعَ أَوَّلِ خَطْوَةٍ تَخْطُوهَا قَدَمَايَ، وَأَنَا أَسْمَعُ صَوْتَ خَضْخَضَةِ قَدَمَيَّ عَلَى النَّجِيلَةِ الْمُشْبَعَةِ بِالْمَاءِ... لَكِنَّ... وَكَأَنَّ لَهَا صَدًى... صَدًى يَتَأَخَّرُ فَقَطْ لِجُزْءٍ مِنَ الثَّانِيَةِ... صَدًى يَأْتِي مِنْ خَلْفِي فَقَطْ... تَسَمَّرْتُ مَكَانِي لِثَانِيَةٍ وَاحِدَةٍ...
خَطْوَةٌ أُخْرَى... صَدًى... خَطْوَتَانِ... الصَّدَى يَتَكَرَّرُ مَرَّتَيْنِ... أَشْعُرُ بِأَنَفَاسٍ دَافِئَةٍ أَسْفَلَ رَقَبَتِي مُبَاشَرَةً... هُنَاكَ جَسَدٌ دَافِئٌ عَلَى بُعْدِ عِدَّةِ سَنْتِيمِتْرَاتٍ فَقَطْ مِنْ جَسَدِيَ الْمُنْتَفِطِ...
رَبَّاااااهُ...
لَا أَجْرُؤُ عَلَى الْمَشْيِ... وَأَفْزَعُ مِنَ الْوُقُوفِ دُونَ حَرَكَةٍ، وَأَرْتَعِدُ مِنَ السَّيْرِ... شَعْرٌ أَسْفَلَ رَقَبَتِي يَنْتَصِبُ... شَعْرُ ظَهْرِي يَنْتَصِبُ لِأَوَّلِ مَرَّةٍ فِي حَيَاتِي... أَصْبَحْتُ مِثْلَ الْقُنْفُذِ الْمُغَطَّى بِمَلَابِسَ مُبَلَّلَةٍ ثَقِيلَةٍ زَادَتْنِي ثِقَلًا وَرُعْبًا...
خَطْوَةٌ أُخْرَى.... الصَّوْتُ يَتَكَرَّرُ... الْأَنَفَاسُ تَعْلُو... الدِّفْءُ يَزْدَادُ خَلْفِي وَسْطَ الصَّقِيعِ...
آررررررر...
آررررررر....
أَهْرُبُ... أَجْرِي... صَوْتُ الْخَطَوَاتِ... صَدَاهَا... الْأَنَفَاسُ... الْمَاءُ الْمُتَنَاثِرُ... هَمْسَاتُ الْفَزَعِ...وَالْبَدْرُ الَّذِي يَرْقُبُ كُلَّ شَيْءٍ بِلَامُبَالَاةٍ...
قَلْبِي يَدُقُّ بِعُنْفٍ... الْخَطْوَةُ بِأَلْفِ مِيلٍ... الْبَابُ.. الْبَابُ...
أَخِيرًا أَنَا فِي الدَّاخِلِ....الرَّدَهَةُ... بَابُ حُجْرَتِي.. السَّرِيرُ... قَفَزْتُ عَلَى السَّرِيرِ وَالْتَفَفْتُ بِالْغِطَاءِ قَاصِدًا الْأَمَانَ... الْعِفْرِيتُ لَا يَسْتَطِيعُ الدُّخُولَ تَحْتَ الْغِطَاءِ... هَكَذَا أَخْبَرُونَا عِنْدَمَا كُنَّا صِغَارًا...
أَبْكِي...أَبْكِي كَالطِّفْلِ...
أَرْتَعِدُ...
أَرْتَجِفُ...
آرررررر...
آرررررر...
إِهْدَأْ... أَنْتَ بِأَمَانٍ هُنَا... الْأَسْوَأُ قَدْ حَدَثَ بِالْفِعْلِ... أَنْتَ فِي أَمَانٍ هُنَا...
أَوْ هَكَذَا ظَنَنْتُ...
الْحَسَاءُ...
مَا هَذَا الصَّوْتُ!!!
إِنَّهُ صَادِرٌ مِنْ... مِنَ السَّقْفِ... قَدْ أَخْبَرَنِي جَابِرٌ أَنْ لَا شَيْءَ هُنَاكَ فَوْقَ السُّطُوحِ...
صَوْتُ صَرِيرٍ مُخِيفٍ، وَكَأَنَّ هُنَاكَ مَنْ يَجُرُّ خِزَانَةً مَعْدَنِيَّةً ثَقِيلَةً فَوْقَ السَّطْحِ... ذَلِكَ الصَّوْتُ الْمُرِيعُ يَتَحَرَّكُ فِي بُطْءٍ مُخِيفٍ مِنْ رُكْنِ السَّطْحِ الْأَيْمَنِ...
أَزَحْتُ الْغِطَاءَ عَنْ رَأْسِي لَا إِرَادِيًّا، وَحَمْلَقْتُ تِجَاهَ السَّقْفِ فِي رُعْبٍ أُتَابِعُ الصَّرِيرَ الْمُتَحَرِّكَ كَأَنِّي أَرَاهُ... حَتَّى تَوَقَّفَ فَجْأَةً فِي مُنْتَصَفِ الْغُرْفَةِ... فَوْقِي مُبَاشَرَةً...
ثُمَّ...
هُدُوءٌ تَامٌّ... صَمْتٌ مُطْبِقٌ مُخِيفٌ...
أَنَا أَبْكِي فِي خَوْفٍ دُونَ صَوْتٍ... ثُمَّ عَادَ الصَّوْتُ مَرَّةً أُخْرَى.. لَكِنَّهُ مُخْتَلِفٌ هَذِهِ الْمَرَّةَ... صَوْتٌ وَكَأَنَّ هُنَاكَ مَنْ يَحْمِلُ الْخِزَانَةَ الْمَعْدَنِيَّةَ الثَّقِيلَةَ، يَحْمِلُهَا بِكُلِّ قُوَّةٍ عَالِيَةً... ثُمَّ يَهْوِي بِهَا فَوْقَ السَّطْحِ... يَضْرِبُ بِهَا السَّطْحَ مَرَّةً تِلْوَ الْأُخْرَى، وَيَتَنَاثَرُ الْأَثَاثُ مِنْ حَوْلِي مُخْتَلِطًا بِالتُّرَابِ وَصَوْتُ الصَّرِيرِ الْمُرْعِبِ...
رُوحِي تُقْلَعُ مِنِّي...
آرررررر...
آررررر...
تَوَقَّفْ أَرْجُوكَ... رِجَاءً تَوَقَّفْ...
وَيَبْدُو وَكَأَنَّهُ قَدْ سَمِعَنِي...
ثَانِيَةٌ وَاحِدَةٌ أَوِ اثْنَتَانِ مِنَ الصَّمْتِ...
ثُمَّ...
أَكْمَلَ صَوْتُ الصَّرِيرِ طَرِيقَهُ فِي سُرْعَةٍ تِجَاهَ النَّاحِيَةِ الْأُخْرَى مِنَ السَّطْحِ... صَوْتٌ يَخْتَرِقُ أُذُنَيَّ... ثُمَّ.. ارْتِطَامٌ... صَوْتُ ارْتِطَامٍ ثَقِيلٍ، وَمِنْ ثُمَّ عَادَ صَوْتُ الصَّرِيرِ مَرَّةً أُخْرَى... عَادَ يَتَدَلَّى عَبْرَ الْحَائِطِ نُزُولًا...
يَا إِلَهِي... السُّلَّمُ... السُّلَّمُ الْمَعْدَنِيُّ الْأَسْوَدُ الْمُتَدَلِّي مِنَ السَّطْحِ إِلَى الْحَدِيقَةِ... إِنَّهُ يَهْبِطُ نَحْوَ الْحَدِيقَةِ... إِنَّهُ قَادِمٌ إِلَى... إِلَيَّ أَنَا...
لَا لَا هَذَا غَيْرُ حَقِيقِيٍّ... هَذَا لَا يَحْدُثُ... هَذَا كَابُوسٌ... مُجَرَّدُ كَابُوسٍ لَعِينٍ سَأَسْتَيْقِظُ مِنْهُ حَالًا... حَالًا...
ارْتِطَامٌ آخَرُ... قَدْ هَبَطَ فِي الْحَدِيقَةِ بِالْفِعْلِ... هُوَ آتٍ إِلَى...
لَنْ أَمُوتَ رَخِيصًا... لَنْ أَمُوتَ رَخِيصًا...
السِّكِّينُ... هُنَاكَ سِكِّينٌ كَبِيرٌ فِي الْمَطْبَخِ...
بَابُ الْغُرْفَةِ... الرَّدَهَةُ... الْمَكَانُ كُلُّهُ يَهْتَزُّ فِي عُنْفٍ...
ثُمَّ...
سَادَ الصَّمْتُ مَرَّةً أُخْرَى...
صَوْتُ طَرَقَاتٍ عَلَى الْبَابِ... ثَلَاثُ طَرَقَاتٍ مُنْتَظِمَةٍ... إِنَّهَا السَّاعَةُ الثَّالِثَةُ... إِنَّهَا... إِنَّهَا نَائِلَةُ...
صَوْتُ الطَّرَقَاتِ يَتَكَرَّرُ مَرَّةً أُخْرَى...
لَكِنَّ...
إِنَّهَا لَا تَأْتِي مِنَ اتِّجَاهِ بَابِ الِاسْتِرَاحَةِ...
بَلْ تَأْتِي مِنْ مَكَانٍ آخَرَ...
مِنَ اتِّجَاهِ بَابِ الْمَطْبَخِ...
مِنَ الدَّاخِلِ...
لِلْمَرَّةِ الثَّالِثَةِ... ثَلَاثُ طَرَقَاتٍ مُنْتَظِمَةٍ...
هُنَاكَ مَنْ يَدْعُونِي لِلدُّخُولِ...
إِنَّهَا النِّهَايَةُ عَلَى مَا يَبْدُو...
قَدَّمْتُ بِبُطْءِ الْخَطَايَا وَأَنَا أَرْتَعِدُ مِثْلَ وَرَقَةِ شَجَرَةٍ ذَابِلَةٍ تَتَطَايَرُهَا رِيَاحُ الْخَرِيفِ... خَطَوَاتِي ثَقِيلَةٌ... خَطْوَةٌ بِخَطْوَةٍ... مَدَدْتُ يَدِيَ الْمُرْتَعِشَةَ تِجَاهَ مِقْبَضِ الْبَابِ بِبُطْءٍ شَدِيدٍ، وَأَدَرْتُهُ رُوَيْدًا رُوَيْدًا... حَتَّى انْفَتَحَ أَقَلَّ مِنْ نِصْفِهِ... وَرَأَيْتُهُ هُنَاكَ...
جَالِسًا عَلَى الْمِنْضَدَةِ، رَأَيْتُهُ مُبْتَسِمًا لِي...
فَرَجٌ...
نَعَمْ، إِنَّهُ فَرَجٌ...
لَكِنْ مَا هَذَا الْمَوْضُوعُ أَمَامَهُ عَلَى الْمِنْضَدَةِ!!!
إِنَّهَا... إِنَّهَا رَأْسٌ... رَأْسٌ بَشَرِيَّةٌ...
رَأْسٌ بَشَرِيَّةٌ مَفْصُولَةٌ تَشَلَّبُ مِنْهَا الدِّمَاءُ... رَأْسٌ تَبْدُو عَلَيْهَا عَلَامَاتُ الْفَزَعِ مِنْ هَوْلِ مَا رَأَتْهُ فِي لَحَظَاتِهَا الْأَخِيرَةِ... أَوْ رُبَّمَا... مِمَّا تَرَاهُ... لِلْآنَ...
الْمُثِيرُ حَقًّا لِلسُّخْرِيَةِ أَنَّ السِّكِّينَ الَّتِي قَدْ أَتَيْتُ لِأَجْلِهَا قَاصِدًا الْأَمَانَ... كَانَتْ مَغْرُوزَةً حَتَّى مُنْتَصَفِ نَصْلِهَا فِي فَرْوَةِ الرَّأْسِ...
رَجَبُ الْمَذْبُوحِ...
لَا لَا، لَيْسَتْ رَأْسَ رَجَبِ الْمَذْبُوحِ...
إِنَّهَا رَأْسِي... نَعَمْ، هِيَ رَأْسِي أَنَا...
أَكْمَلْتُ فَتْحَ الْبَابِ لَا إِرَادِيًّا...
وَرَأَيْتُهَا...
كَانَتْ تَقِفُ أَمَامَ حَوْضِ الْمَطْبَخِ، تَقُمْ بِغَسِيلِ الْأَطْبَاقِ الَّتِي تَرَكَهَا سَلَفِي فِي إِهْمَالٍ وَلَمْ أَقُمْ أَنَا بِغَسْلِهَا أَبَدًا... الْآنَ فَقَدْ قَدْ عَرَفْتُ لِمَ لَمْ يَقُمْ سَلَفِي بِغَسِيلِ الْأَطْبَاقِ...
الْتَفَتَتْ بِرَأْسِهَا دُونَ جَسَدِهَا... نِصْفُ دَوْرَةٍ كَامِلَةٍ كَمَا تَفْعَلُ الْبُومَةُ، وَأَصْبَحَ وَجْهُهَا وَظَهْرُهَا تِجَاهَ وَجْهِي فِي ذَاتِ الْوَقْتِ...
نَعَمْ...
إِنَّهَا هِيَ...
نَائِلَةُ...
مَنْدُوبَةُ أَلْبَانِ إِبْلِيسَ وَمَخْبُوزَاتِ جَهَنَّمَ...
ابْتَسَمَتْ وَقَدْ تَأَلَّقَتْ عَيْنَاهَا الزَّرْقَاوَانِ، وَتَسَاءَلَتْ فِي رِقَّةٍ:
هَلْ تَرْغَبُ بِبَعْضِ الْحَسَاءِ...
وَأَشَارَتْ إِلَى رَأْسِي الْجَاثِمَةِ عَلَى الْمِنْضَدَةِ أَمَامَ فَرَجٍ...
حَسَاءُ شَرِيفٍ.... نِيَاهَاهَاهَاهَا
أَدْرِينَالِينٌ...
تَحَوَّلَ جَسَدِي إِلَى آلَةٍ لِلرَّكْضِ – فَقَطْ لِلرَّكْضِ – الِاسْتِرَاحَةُ... الْحَدِيقَةُ... الشَّارِعُ... شَرْقًا... حَيْثُ الْمَدِينَةُ...
يَكَادُ قَلْبِي أَنْ يَقْفِزَ مِنْ حَلْقِي... الْأَدْرِينَالِينُ يَمْلَأُ دَمِي، بَلْ وَيَتَطَايَرُ مَعَ أَنْفَاسِي...
أَجْرِي... أَهْرُبُ وَكَأَنَّ شَيَاطِينَ الْجَحِيمِ تُطَارِدُنِي...
وَكَأَنَّ!!!
الْآنَ فَقَطْ تَذَكَّرْتُ أَيْنَ سَمِعْتُ هَذَا الِاسْمَ...
نَائِلَةُ... أَحَدُ أَصْنَامِ الْجَاهِلِيَّةِ، يَقُولُونَ بِأَنَّ كَانَتْ تَسْكُنُهُ الشَّيَاطِينُ... أَهْرُبْ... أَسْرِعْ... يَكَادُ الْعَرَقُ أَنْ يُعْمِيَ عَيْنَيَّ...
أَذْكُرُ ذَلِكَ الْكِتَابَ اللَّعِينَ... شَمْسُ الْمَعَارِفِ الْكُبْرَى... نَائِلَةُ بِنْتُ الْأَحْمَرِ... ابْنَةُ أَحَدِ مُلُوكِ الْجَانِّ السَّبْعَةِ... الْمَلِكُ الْأَحْمَرُ... يَا وَيْلِي... أَسْرِعْ.. أَسْرِعْ بِاللهِ عَلَيْكَ...
أَدْرِينَالِينٌ... أَدْرِينَالِينٌ...
الْآنَ فَقَطْ عَرَفْتُ لِمَ كَانَتْ تَأْتِي قَبْلَ الْفَجْرِ... قَبْلَ الْفَجْرِ بِسَاعَتَيْنِ وَلَيْسَ فِي مُنْتَصَفِ اللَّيْلِ... أَسْرِعْ أَكْثَرَ... يَكَادُ نَفَسِي أَنْ يَنْقَطِعَ...
الثَّالِثَةُ صَبَاحًا... سَاعَةُ الذِّئْبِ.... سَاعَةُ الْجَاثُومِ... حِينَ يَكُونُ الْجَسَدُ الْبَشَرِيُّ فِي أَضْعَفِ حَالَاتِهِ... سَاعَةُ الشَّيَاطِينِ...
ارْكُضْ أَيُّهَا الْمَنْحُوسُ، وَإِلَّا سَتُصْبِحُ طَبَقَ حَسَاءٍ عَلَى مَائِدَةِ الْمَلِكِ الْأَحْمَرِ حِينَ يَدْعُو سَائِرَ الشَّيَاطِينِ عَلَى الْعَشَاءِ... اهْرُبْ أَيُّهَا الْمَتْعُوسُ الْمَنْحُوسُ الْمَوْكُوسُ...
اهْرُبْ وَلَا تَنْظُرْ أَبَدًا إِلَى الْخَلْفِ... كُلُّهُمْ هُنَاكَ... شَيْئًا مَا يَقْتَرِبُ مِنْ ظَهْرِي نَافِخًا أَنْفَاسَهُ الْحَارَّةَ فِي أَسْفَلِ رَقَبَتِي... شَعْرِي يَنْتَصِبُ مِنْ جَدِيدٍ...
فَرَجٌ... نَائِلَةُ... رَجَبُ الْمَذْبُوحِ وَ... حَسَاءُ شَرِيفٍ...
اهْرُبْ....أَسْرِعْ... رَائِحَةُ الْعَرَقِ... رَائِحَةُ الْأَدْرِينَالِينِ... إِنَّ جَسَدِي يَحْتَرِقُ... يَحْتَرِقُ...
أَخِيرًا...
أَضْوَاءُ الْمَيْدَانِ... ذَلِكَ الْمَيْدَانُ الصَّغِيرُ الَّذِي كَانَ مَوْطِئَ قَدَمِيَ الْأَوَّلَ فِي تِلْكَ الْمَدِينَةِ اللَّعِينَةِ... أَسْرِعْ... أَسْرِعْ... كِدْتُ أَنْ أَصِلَ...
الْمَيْدَانُ... يَبْدُو كَأَجْمَلِ مَكَانٍ عَلَى ظَهْرِ هَذَا الْكَوْكَبِ الْبَائِسِ، وَإِنْ خَلَا مِنَ النَّاسِ تَقْرِيبًا...
الْمَقْهَى... الْمَقْهَى يَسْتَعِدُّ لِفَتْحِ أَبْوَابِهِ... قَدْ حَانَ الْفَجْرُ... فَجْرُ الْيَوْمِ السَّابِعِ...
وَهُنَاكَ رَأَيْتُهُ...
جَابِرٌ...
يَبْدُو أَنَّهُ قَدْ فَهِمَ كُلَّ شَيْءٍ حِينَ رَآنِي... لَمْ يَكُنْ فِي حَاجَةٍ إِلَى الشَّرْحِ... يَبْدُو كَمَنْ شَاهَدَ هَذَا الْمَنْظَرَ تَكْرَارًا... فَقَطْ تَسَاءَلَ:
_ أَلَمْ أُخْبِرْكَ أَنْ لَا تَفْتَحَ الْبَابَ أَبَدًا فِي اللَّيْلِ!!!
قُلْتُ لَاهِثًا: الْقَاهِرَةُ... الْمَطَارُ... الْآنَ...
_ لَمْ يَتِمَّ إِنْشَاءُ مَطَارٍ هُنَا حَتَّى الْآنَ، سَوْفَ أُرْسِلُكَ إِلَى الْقَاهِرَةِ بِالسَّيَّارَةِ...
رَدَدْتُ لَاهِثًا: الْقَاهِرَةُ... الْآنَ... الْقَاهِرَةُ...
خَاتِمَةٌ...
مَرْحَبًا...
أَنَا الْمُهَنْدِسُ شَرِيفٌ مَرَّةً أُخْرَى...
أَرْجُو أَنْ تَكُونَ قِصَّتِي قَدْ حَظِيَتْ بِاهْتِمَامِكَ، وَأَنْ تَكُونَ قَدْ أَمْضَيْتَ لَيْلَةً سَعِيدَةً... لَا دَاعِيَ لِلْكَلِمَاتِ الْبَذِيئَةِ، كُنْ أَكْثَرَ تَحَضُّرًا أَيُّهَا الْعَادِيُّ...
أَعْلَمُ أَنِّي حَتَّى اللَّحْظَةِ لَمْ أَجِدْ أَيَّ تَفْسِيرٍ لِمَا حَدَثَ، عَلَيْكَ بِالْبَحْثِ فَلَرُبَّمَا تَجِدُ مَنْ يَفْهَمُ فِي تِلْكَ الْأَشْيَاءِ... رُبَّمَا...
وَقَبْلَ أَنْ أَطْوِيَ صَفَحَتِي وَأَرْحَلَ، أُودُّ أَنْ أُخْبِرَكَ بِأَمْرَيْنِ؛
الْأَوَّلُ؛ الْقِصَّةُ مُسْتَوْحَاةٌ مِنْ أَحْدَاثٍ حَقِيقِيَّةٍ...
الثَّانِي؛ قَامَتِ الشَّرِكَةُ بِإِزَالَةِ الِاسْتِرَاحَةِ وَبَيْعِ الْأَرْضِ بِثَمَنٍ زَهِيدٍ، وَقَدْ صَارَتْ تِلْكَ الْأَرْضُ حَالِيًّا جُزْءًا مِنْ مُنْتَجَعٍ سِيَاحِيٍّ شَهِيرٍ فِي الْغَرْدَقَةِ، مُنْتَجَعٍ رُبَّمَا تَكُونَ قَدْ قُمْتَ بِزِيَارَتِهِ أَوْ تُفَكِّرُ فِي زِيَارَتِهِ، أَوْ لَرُبَّمَا تَكُونُ فِيهِ حَالِيًّا أَثْنَاءَ قِرَاءَتِكَ هَذِهِ الْكَلِمَاتِ...
لَا لَا، أَنْتَ تَحْلَمُ... لَنْ أُخْبِرَكَ عَنِ اسْمِ الْمَكَانِ بِالطَّبْعِ... تَذَكَّرْ مَرَّةً أُخْرَى... لَا دَاعِيَ لِلْكَلِمَاتِ الْبَذِيئَةِ، وَكُنْ أَكْثَرَ تَحَضُّرًا...
فِي كُلِّ الْأَحْوَالِ...
تَذَكَّرْ أَنَّهُمْ دَوْمًا لَا يَرْغَبُونَ فِي اخْتِرَاقِ الْأَبْوَابِ، يَنْتَظِرُونَ دَوْمًا دَعْوَتَكَ... وَأَنْ تَفْتَحَ لَهُمُ الْبَابَ...
لِذَا...
عِنْدَمَا تُقَرِّرُ الذَّهَابَ إِلَى مَكَانٍ جَدِيدٍ، وَخَاصَّةً لَيْلًا، رِجَاءً... لَا تَفْتَحِ الْبَابَ...















