مُقَدِّمَةٌ...
مَرْحَبًا... أَدَّعِي يُوسُفَ، أَعْمَلُ فِي إِحْدَى الْبُنُوكِ الْكُبْرَى فِي الْقَاهِرَةِ. حَيَاتِي كَانَتْ تَسِيرُ بِشَكْلٍ اعْتِيَادِيٍّ، وَأُكَرِّرُ... كَانَتْ، حَتَّى قَرَّرَ الْبَنْكُ الَّذِي أَعْمَلُ بِهِ التَّوَسُّعَ وَافْتِتَاحَ فَرْعٍ إِلِكْتْرُونِيٍّ بِالْكَامِلِ فِي أَحَدِ أَكْثَرِ الْمُدُنِ النَّائِيَةِ فِي صَحْرَاءِ مِصْرَ الْغَرْبِيَّةِ، الْوَاحَاتِ... تَحْدِيدًا وَاحَةَ الْفَرَافِرَةِ...
هِيَ خَطْوَةٌ نَوْعِيَّةٌ لِلْبَنْكِ فِي سَبِيلِ التَّغْيِيرِ الرَّقْمِيِّ وُصُولًا إِلَى كَافَّةِ أَنْحَاءِ الْمَحْرُوسَةِ تَحْتَ شِعَارِ "دَوْمًا هُنَاكَ" ... أَنَا أَتَفَهَّمُ رَغْبَةَ الْبَنْكِ بِالتَّأْكِيدِ وَطُمُوحَهُ الرَّقْمِيَّ، لَكِنْ أَبَدًا لَا أَتَفَهَّمُ رَغْبَتَهُ فِي أَنْ أَكُونَ أَنَا، وَأَنَا بِالذَّاتِ، الْمُشْرِفَ عَلَى ذَلِكَ الْبَنْكِ وَمَنْحِي لَقَبًا مُوَكَّنًا مِنْ ثَلَاثَةِ أَحْرُفٍ بِاللُّغَةِ الْإِنْجِلِيزِيَّةِ كَيْ يُوضَعَ قَبْلَ اسْمِي، إِلَّا إِذَا كَانَ هَذَا فِي مُقَابِلِ زِيَادَةٍ مُحْتَرَمَةٍ فِي الرَّاتِبِ تُنَاسِبُ وَضْعِيَ الْجَدِيدَ ذِي الثَّلَاثَةِ أَحْرُفٍ...
دَعْنِي أُخْبِرُكَ بِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ أَيُّ مَجَالٍ لِلِاعْتِرَاضِ أَوْ حَتَّى الْمُنَاقَشَةِ عَلَى قَرَارِ نَقْلِي إِلَى تِلْكَ الْبُقْعَةِ الَّتِي أَجْهَلُ حَتَّى مَوْضِعَهَا فِي خَرِيطَةِ الْقُطْرِ الْمِصْرِيِّ، فَقَدْ كَانَ قَرَارُ مَجْلِسِ الْإِدَارَةِ حَازِمًا قَاطِعًا وَمُغَلَّفًا بِعِبَارَةٍ: " لَنْ نَجِدَ أَكْثَرَ مِنْ كَفَاءَةٍ كَيْ نُوَلِّيَهُ هَذَا الْمَنْصِبَ الْحَسَّاسَ، يَقُولُونَ إِنَّكَ الْأَكْفَأُ... يَحْسِدُونَكَ " ...
لَكِنَّ... مَنْ هُمْ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ يَقُولُونَ!!! دَوْمًا هُمْ يَقُولُونَ... لَكِنْ أَبَدًا لَمْ يَرَهُمْ أَحَدٌ...
قَدْ سَمِعْتُ أَحَدَهُمْ يَقُولُ ذَاتَ مَرَّةٍ: " مَاذَا لَوْ سَقَطَتْ شَجَرَةٌ عِمْلَاقَةٌ عَلَى أَحَدِ ضِفَافِ نَهْرِ الْأَمَازُونِ وَلَمْ يَسْمَعْ أَحَدُهُمْ صَوْتَ ارْتِطَامِهَا بِالْأَرْضِ قَطَّ!!! هَلْ هَذَا يَعْنِي أَنَّ الصَّوْتَ غَيْرُ مَوْجُودٍ!!! أَمْ إِنَّ عَدَمَ إِدْرَاكِنَا لِلْأَشْيَاءِ لَا يَنْفِي وُجُودَهَا!!! "
وَلِمَ نَقُومُ بِرَبْطِ سُقُوطِ الشَّجَرَةِ بِقُدْرَتِنَا عَلَى سَمَاعِ صَوْتِهَا نَحْنُ مَعْشَرَ الْبَشَرِ !!! وَمِنْ ثُمَّ نَتَسَاءَلُ... هَلْ نَحْنُ الْوَحِيدُونَ فِي الْمَعْمُورَةِ!!! أَوْ أَنَّ الشَّجَرَةَ لَمْ تَنْبُتْ مِنَ الْأَصْلِ وَتِلْكَ الْمَقُولَةُ هِيَ فَقَطْ مِنْ رِوَايَةِ أَحَدِهِمْ!!!
مِئَاتٌ بَلْ آلَافُ الْأَسْئِلَةِ وَالْمُنَاقَشَاتِ الْفَلْسَفِيَّةِ الْمُنْبَثِقَةِ عَنْ "يَقُولُونَ"...
حَسَنًا...لَا بَأْسَ ، لَا بَأْسَ عَلَيْكَ عَلَى الْإِطْلَاقِ أَيُّهَا الْبَشَرِيُّ الْمُتَحَذْلِقُ مِنْ تِلْكَ التَّسَاؤُلَاتِ الْفَلْسَفِيَّةِ الَّتِي لَا طَائِلَ مِنْهَا، وَلْنَعُدْ إِلَى حَدِيثِنَا السَّخِيفِ الَّذِي لَا جَدْوَى مِنْهُ هُوَ الْآخَرُ...
تَوَجَّهْتُ إِلَى مَنْزِلِي كَيْ أَقُومَ بِحَزْمِ أَمْتِعَتِي وَوَدَاعِ زَوْجَتِي الْحَبِيبَةِ مُوَضِّحًا لَهَا بِأَنَّ مَهَمَّةَ طِبَاعَةِ أَوْرَاقِ النَّقْدِ عَلَى ظَهْرِ هَذَا الْكَوْكَبِ الْبَائِسِ قَدْ صَارَتْ تَحْتَ وَصَايَتِي، وَأَنَّنِي الْأَكْفَأُ مَنْ سَيَتَوَلَّى تِلْكَ الْمُهِمَّةَ لِدَرَجَةِ أَنَّهُمْ سَوْفَ يَقُومُونَ بِالِاسْتِبْدَالِ بِهَا بِالْعُمْلَاتِ الرَّقْمِيَّةِ فِي تِلْكَ الْبُقْعَةِ الصَّحْرَاوِيَّةِ...
وَغِرَارِ طَرِيقَةِ بَعْضِ الْكُتَّابِ وَالْقَائِمِينَ بِأَعْمَالِ التَّرْجَمَةِ عَنِ الْأَفْلَامِ الْأَجْنَبِيَّةِ، وَالَّتِي كَثِيرًا مِنَ الْأَحْيَانِ تَكُنُّ كَثِيرَةَ الْبُعْدِ عَنِ الْحِوَارِ الْأَصْلِيِّ وَلَا تَمُتُّ لِلْوَاقِعِ بِأَيِّ صِلَةٍ، قُمْتُ أَنَا وَزَوْجَتِي بِتَبَادُلِ بَعْضِ الْعِبَارَاتِ عَلَى غِرَارٍ...
_ أَوْهْ، كَمْ أَنَا فَخُورَةٌ بِكَ يَا صَغِيرِي...
_ سَوْفَ أَتَحَدَّى الدُّنْيَا كُلَّهَا مِنْ أَجْلِكَ...
_ يَا فَارِسَ أَحْلَامِي...
_ يَا مَلَاكِيَ الصَّغِيرَ... تَمَنَّ لِيَ التَّوْفِيقَ...
_ حَظًّا سَعِيدًا... أُحِبُّكَ...
_ أُحِبُّكِ... وَدَاعًا...
_ وَدَاعًا...
إِلَى آخِرِ هَذَا الْهِرَاءِ...
وَمِنْ ثُمَّ أَنْزَلْتُ أَمْتِعَتِي رَاغِبًا فِي وَضْعِهَا فِي سَيَّارَتِيَ الْعَزِيزَةِ، وَمِنْ ثُمَّ التَّحَقُّقِ مِنْ مُسْتَوَى مَنْسُوبِ زَيْتِ الْمُحَرِّكِ، وَالتَّحَقُّقِ مِنْ ضَغْطِ الْهَوَاءِ فِي الْإِطَارَاتِ، وَالْمَزِيدِ مِنْ تِلْكَ الْإِجْرَاءَاتِ غَيْرِ الضَّرُورِيَّةِ عَلَى الْإِطْلَاقِ قَبْلَ الِانْطِلَاقِ عَلَى طُرُقِ السَّفَرِ الصَّحْرَاوِيَّةِ السَّرِيعَةِ، وَخَاصَّةً لَيْلًا كَمَا تَقُولُ زَوْجَتِي الْحَبِيبَةُ دَوْمًا...
بَلْ وَإِنَّهَا تَنْتَقِدُنِي حِينَمَا أَقُومُ بِعَمَلِ ذَلِكَ مُصَمْصِمَةً شَفَتَيْهَا قَائِلَةً فِي امْتِعَاضٍ...
يَا لِلرِّجَالِ...
نَسِيتُ أَنْ أُخْبِرَكَ بِأَنِّي قَدْ قُمْتُ بِأَخْذِ ذَلِكَ التِّلِسْكُوبِ الَّذِي قَدِ اشْتَرَيْتُهُ مِنْ إِحْدَى مَوَاقِعِ الْإِنْتَرْنِتِ لِلتَّسَوُّقِ الْإِلِكْتْرُونِيِّ، وَأَضَعُهُ فِي شُرْفَتِي وَلَمْ أَقُمْ يَوْمًا بِاسْتِعْمَالِهِ قَطُّ...
_ لِمَ قَدْ قُمْتَ بِدَفْعِ مَبْلَغٍ كَبِيرٍ مِنَ الْمَالِ أَجْلَ شِرَائِهِ وَلَمْ أَرَكَ يَوْمًا تَتَأَمَّلُ النُّجُومَ!!!
_ مَا لِي وَمُرَاقَبَةُ النُّجُومِ وَالْقَمَرُ يَسْكُنُ مَعِي!!! نِيَاهَاهَاهَاهَا....
هِيَ فُرْصَةٌ كَيْ أُرَاقِبَهَا، أَتَأَمَّلُهَا، أُرَاقِبُهَا فِي تِلْكَ الْبُقْعَةِ النَّقِيَّةِ مِنْ زَخْمِ الْمَدِينَةِ الضَّوْئِيِّ (النُّجُومَ، لَا زَوْجَتِي) - قَمَرِي أَنَا...
هَذَا كُلُّ شَيْءٍ... سَأُوقِظُ الْمُحَرِّكَ الرَّاقِدَ تَحْتَ الْغِطَاءِ وَأَتَوَكَّلُ عَلَى اللَّهِ...
إِلَى الْوَاحَاتِ...
النَّصِيحَةُ...
وَأَخِيرًا...
بِدَايَةُ الطَّرِيقِ الصَّحْرَاوِيِّ وَبَعِيدًا عَنْ أَضْوَاءِ وَزَحَامِ الْقَاهِرَةِ. قُدْتُ السَّيَّارَةَ لِمَسَافَةٍ لَا بَأْسَ بِهَا... الطَّرِيقُ قَدْ أَصْبَحَ خَالِيًا مِنَ السَّيَّارَاتِ، حَتَّى السَّمَاءُ قَدْ صَارَتْ شِبْهَ خَاوِيَةٍ إِلَّا مِنْ بَعْضِ النُّجُومِ... لَا قَمَرَ... وَلَا حَتَّى هِلَالٍ وَلِيدٍ... سَتَكُونُ الظُّلْمَةُ رَفِيقِيَ الْوَحِيدَ طَوَالَ اللَّيْلِ إِلَّا مِنْ مَصَابِيحِ سَيَّارَتِي الْقَوِيَّةِ رُبَاعِيَّةِ الدَّفْعِ الْمُخَصَّصَةِ لِتِلْكَ الْأَجْوَاءِ...
أَوْ هَكَذَا يَقُولُونَ...
أَرَى لَافِتَةً هُنَاكَ عَلَى جَانِبِ الطَّرِيقِ... مَاذَا مَخْطُوطٌ عَلَيْهَا يَا تُرَى!!!
طَرِيقُ الْوَاحَاتِ وَسَهْمٌ إِلَى الْأَمَامِ...
وَعِبَارَةٌ أُخْرَى أَسْفَلَ سَابِقَةِ الذِّكْرِ...
الطَّرِيقُ رَقَمُ 17... 5 كْم...
عَجَبًا!!! مَا هُوَ الطَّرِيقُ رَقَمُ 17!!! لَمْ أَسْمَعْ بِهِ قَبْلًا قَطُّ!!!
وَهُنَاكَ... رَأَيْتُهُ...
كُشْكًا صَغِيرًا عَلَى جَانِبِ الطَّرِيقِ، لَيْسَ كُشْكًا بِالْمَعْنَى الْحَرْفِيِّ بَلْ "نُصْبَةُ شَايٍ" كَمَا يَقُولُونَ.
مُجَرَّدُ بَعْضِ أَقْفَاصٍ وَأَرْفُفٍ خَشَبِيَّةٍ... مَوْقِدُ كِيرُوسِينٍ لِأَجْلِ الْإِضَاءَةِ، وَآخَرُ يَعْتَلِيهِ إِبْرِيقٌ ضَخْمٌ لِإِعْدَادِ الشَّايِ... ثَمَّةَ بِضْعَةُ مَقَاعِدَ بِلَاسْتِيكِيَّةٍ يَجْلِسُ عَلَيْهَا بَعْضُ السَّائِقِينَ، وَبِالطَّبْعِ بَعْضُ الشَّاحَنَاتِ مُخْتَلِفَةُ الْأَحْجَامِ تَقْبَعُ عَلَى جَانِبِ الطَّرِيقِ...
_ لَا بَأْسَ بِبَعْضِ الشَّايِ وَالسُّؤَالِ عَنْ كُنْهِ ذَلِكَ الطَّرِيقِ إِذًا... هَكَذَا قَرَّرْتُ وَأَنَا أُوقِفُ السَّيَّارَةَ عَلَى جَانِبِ الطَّرِيقِ وَأَتَرَجَّلُ مِنْهَا قَاصِدًا الْبَائِعَ الَّذِي طَلَبْتُ مِنْهُ كُوبًا مِنَ الشَّايِ دُونَ سُكَّرٍ، عِلْمًا مِنِّي بِأَنَّهُ سَوْفَ يَقُومُ بِإِضَافَةِ عِدَّةِ مَلَاعِقَ مِنَ السُّكَّرِ جَدِيرَةٍ بِإِصَابَتِي بِغِيبُوبَةِ سُكَّرٍ دُونَ حَتَّى أَنْ أَطْلُبَ مِنْهُ إِضَافَةَ أَيِّ جِرَامٍ وَاحِدٍ مِنَ السُّكَّرِ...
_ إِلَى أَيْنَ يَا أُوسْتَااََااَزْزْزَ!!!سْسْسْسْفُووُووُ...
كَانَ سُؤَالُ أَحَدِ السَّائِقِينَ الْجَالِسِينَ، وَكَانَ مُوَجَّهًا إِلَى... نَسِيتُ أَنْ أُخْبِرَكَ أَنَّهُ قَدْ نَادَانِي "أُوسْتَااَااَزْزْ" بَدَلًا مِنْ أُسْتَاذٍ عَلَى سَبِيلِ الِاحْتِرَامِ... وَأَنَّهُ يَتَجَرَّعُ الشَّايَ بِصَوْتٍ عَالٍ جِدًّا "سْسْسْسْفُووُووُ" عَلَى سَبِيلِ الِاسْتِمْتَاعِ...
رَبَّاهُ... أَسْتَطِيعُ مُسَامَحَةَ أَيِّ مَنْ آذَانِي فِي حَيَاتِي إِلَّا مَنْ يَمْضُغُ الطَّعَامَ بِصَوْتٍ عَالٍ... فَمَا بَالُكَ بِهَذَا الْكَبَّاسِ الْبَشَرِيِّ...
نَاهِيكَ عَنْ أَنِّي كُنْتُ أَرْغَبُ فِي إِعْطَائِهِ نَصِيحَةً رَائِعَةً عَنْ مُمَيِّزَاتِ تَرْكِ أَنْفِهِ الْكَبِيرِ فِي وَجْهِهِ الْخَاصِّ بَدَلًا مِنَ الزَّجِّ بِهِ فِي شُؤُونِ الْآخَرِينَ، وَتَحْدِيدًا شَأْنِي أَنَا... لَكِنْ نَظَرًا لِفَرْقِ الْحَجْمِ الْهَائِلِ بَيْنَنَا، بِالْإِضَافَةِ إِلَى تِلْكَ الْأَجْوَاءِ الرُّومَانْسِيَّةِ، قَدِ اكْتَفَيْتُ بِالرَّدِّ، وَقَدْ صَارَتْ شَهِيَّتِي إِلَى الشَّايِ فِي خَبَرِ كَانَ...
_ إِلَى الْفَرَافِرَةِ... لَكِنَّ، مَا هُوَ ذَلِكَ الطَّرِيقُ رَقَمُ 17!!!!
_ سْسْسْسْفُووُووُ... طَرِيقٌ جَدِيدٌ يَخْتَصِرُ حَوَالَيْ 50 كْم...
تَسَاءَلْتُ مُجَدَّدًا بَيْنَمَا تَتَقَلَّصُ أَمْعَائِي: لَمْ أَسْمَعْ بِهِ قَبْلًا!!!
أَجَابَ بِصَوْتٍ "سْسْسْسْفُووُووُ" قَادِرٍ عَلَى إِيقَاظِ نِصْفِ سُكَّانِ الْقَاهِرَةِ الْكُبْرَى ذَاتِهَا:
_ هُوَ طَرَبْقٌ (طَرِيقٌ) جَدِيدٌ، لَمْ يَتِمَّ افْتِتَاحُهُ رَسْمِيًّا بَعْدُ، لَكِنْ لَا خَدَمَاتٍ، لَا مَحَطَّاتِ وُقُودٍ تَعْمَلُ بَعْدُ، لَا اسْتِرَاحَاتٍ وَلَا حَتَّى أَعْمِدَةِ إِنَارَةٍ...
_ لَكِنْ هَلْ هُوَ مُتَاحٌ لِلسَّيْرِ!!! أَعْنِي هَلْ سَافَرَ عَلَيْهِ أَحَدٌ مِنْ قَبْلُ!!!
_ فَقَطْ مَنْ يَمْلِكُونَ سَيَّارَةً قَوِيَّةً سْسْسْسْفُووُووُ كَسَيَّارَتِكَ...
هَمَمْتُ بِالِانْصِرَافِ قَبْلَ أَنْ أَتَقَيَّأَ مِنْ كَثْرَةِ وَطُولِ ال" سْسْسْسْفُووُووُ " الْخَاصَّةِ بِهِ، وَمَا أَنْ رَكِبْتُ السَّيَّارَةَ وَأَدَرْتُ مُحَرِّكَهَا حَتَّى نَادَانِي مَرَّةً أُخْرَى...
_ يَا أُوسْتَااََااَزْزْزَ.... إِيَّاكَ أَنْ تَنْظُرَ أَبَدًا إِلَى الْخَلْفِ وَأَنْتَ عَلَى هَذَا الطَّرِيقِ.... سْسْسْسْفُووُووُ...
_ وَأَنْتَ إِيَّاكَ أَنْ تَشْرَبَ الشَّايَ مَرَّةً أُخْرَى عَلَى هَذَا الطَّرِيقِ أَوْ عَلَى أَيِّ طَرِيقٍ آخَرَ...
وَقُدْتُ سَيَّارَتِي بَعِيدًا قَبْلَ أَنْ يَفْتِكَ بِي...
الطَّرِيقُ رَقَمُ 17...
لَيْلَةٌ أَكْثَرَ مِنْ هَادِئَةٍ عَلَى مَتْنِ ذَلِكَ الطَّرِيقِ الْجَدِيدِ... فَقَطْ أَضْوَاءُ النُّجُومِ الَّتِي تَتَمَدَّدُ عَبْرَ سَمَاءِ الْكَوْنِ السَّرْمَدِيِّ، بِلَايِينَ مِنَ النُّقَاطِ الْبَيْضَاءِ اللَّامِعَةِ عَبْرَ الْأُفُقِ اللَّانِهَائِيِّ... سَتَكُونُ هُنَاكَ مُشَاهَدَاتٌ رَائِعَةٌ لِأَذْرُعِ الْمَجَرَّةِ لَيْلًا هُنَاكَ فِي الْفَرَافِرَةِ... عَدَا ذَلِكَ، الْهُدُوءُ حَقًّا قَاتِلٌ هُنَا....
الرَّادْيُو...مَاذَا لَدَيْنَا هُنَا كَيْ نَنْصِتَ إِلَيْهِ أَثْنَاءَ الرِّحْلَةِ!!!
أَعْلَنَتْ إِشَارَاتُ ضَبْطِ الْوَقْتِ تَمَامَ الْوَاحِدَةِ صَبَاحًا بِتَوْقِيتِ الْقَاهِرَةِ.... إِلَيْكُمْ مُوجَزٌ لِأَهَمِّ وَآخِرِ الْأَنْبَاءِ.... مَصْرَعُ 34 شَخْصًا حَرْقًا فِي حَادِثٍ مُرَوِّعٍ جَنُوبَ ال...
_ كَفَى... لَا تَخْلُو نَشْرَةُ الْأَخْبَارِ مِنْ مَصْرَعٍ، وَبَاءٍ، حَرْبٍ، أَزْمَةٍ اقْتِصَادِيَّةٍ... مَحَطَّةٌ أُخْرَى إِذًا..
_ سَيِّدَتِي...كَيْفَ تَقُومِي بِخَسَارَةِ وَزْنِكِ دُونَ عَنَاءٍ وَبِطَرِيقَةٍ طَبِيعِيَّةٍ!!! تَنَاوَلِي مَشْرُوبَ النَّكَافِيَّةِ الْجَدِيدَ... قَهْوَةٌ دُونَ كَافْيِينٍ، لَبَنٌ مَنْزُوعُ الدَّسَمِ وَسُكَّرٌ بِلَا...
_ كَفَى...مَحَطَّةٌ إذَاعِيَّةٌ أُخْرَى...
_ سَهَرَةُ رُعْبٍ اللَّيْلَةَ بِعُنْوَانٍ... صَرَخَاتُ الْجَحِيمِ... يُوووووووسِيييييِفْ...
_ اللَّعْنَةُ... صَرَخَاتُ الْجَحِيمِ وَأَنَا فِي قَلْبِ الصَّحْرَاءِ وَحِيدًا... وَبَطَلُ الْقِصَّةِ اسْمُهُ كَاسْمِي... تَبًّا لِكُلِّ الْإِذَاعَاتِ... وَعَوْدَةٌ إِلَى الْهُدُوءِ...وَأَغْلَقْتُ صَوْتَ الرَّادْيُو...
صَوْتُ رَنِينِ الْهَاتِفِ...
مَكْتُوبٌ عَلَى الشَّاشَةِ...
قَمَرِي أَنَا...
إِنَّهَا زَوْجَتِي...
انْقَطَعَ الِاتِّصَالُ... لَا تُوجَدُ تَغْطِيَةٌ جَيِّدَةٌ لِلْهَاتِفِ الْمَحْمُولِ هُنَا... لَا تُوجَدُ خَدَمَاتٌ كَمَا أَخْبَرَنِي هَذَا ال "سْسْسْسْفُووُووُ"...
عَوْدَةٌ مَرَّةً أُخْرَى لِلْهُدُوءِ الْقَاتِلِ...
رَبَّاهُ....
مَا هَذَا!!!
فِي النَّاحِيَةِ الْأُخْرَى الْمُقَابِلَةِ مِنَ الطَّرِيقِ تَقْتَرِبُ شَاحِنَةٌ ضَخْمَةٌ ذَاتُ مُقَدِّمَةٍ طُولِيَّةٍ... لَيْسَ مُنْتَشِرًا هَذَا النَّوْعُ مِنَ الشَّاحَنَاتِ هُنَا فِي مِصْرَ...
لَيْسَ هَذَا هُوَ الْأَمْرُ الْمُهِمُّ ، فَقَدْ كَانَتِ الشَّاحِنَةُ تَهْرُولُ بِسُرْعَةٍ فَائِقَةٍ ، وَهُنَاكَ عَلَى سَطْحِ كَابِينَةِ الْقِيَادَةِ تَتَرَاصُّ نَحْوَ عَشْرَةِ مَصَابِيحَ عِمْلَاقَةٍ تَنْتَهِكُ الظَّلَامَ وَهِيَ تَقْتَرِبُ وَتَقْتَرِبُ وَتَلْتَهِمُ الطَّرِيقَ فِي نَهَمٍ كَوَحْشٍ أُسْطُورِيٍّ خَرَجَ فَجْأَةً مِنْ رَحِمِ الْعَدَمِ...
رَبَّاََااَهْ..... إِذَنًااََااَيْ...
صَوْتٌ رَهِيبٌ مُجَلْجِلٌ... هُنَاكَ الْعَدِيدُ مِنَ الْأَبْوَاقِ الْمُثَبَّتَةِ عَلَى سَطْحِ كَابِينَةِ الْقِيَادَةِ الْخَاصَّةِ بِالشَّاحِنَةِ وَهِيَ مُتَرَاصَّةٌ فِي تَنْسِيقٍ مَا بَيْنَ الْمَصَابِيحِ.... كُلُّهَا تَزْأَرُ فِي آنٍ وَاحِدٍ.... وَكَأَنَّهُ صَوْتُ سَفِينَةٍ عِمْلَاقَةٍ...
الصَّوْتُ يَعْلُو وَيَرْتَفِعُ كُلَّمَا دَنَتْ مِنِّي... رَبَّاهُ... إِنَّهَا تَقْتَرِبُ فِي سُرْعَةٍ... سُرْعَةٌ مُخِيفَةٌ مَمْزُوجَةٌ بِعَرْضِ الصَّوْتِ وَالضَّوْءِ هَذَا...
وَ...
ضَوْءٌ يُعْمِي الْأَنْظَارَ قَدْ سَطَعَ فِي مِرْآةِ السَّيَّارَةِ...
هُنَاكَ حَافِلَةٌ... حَافِلَةٌ تَأْتِي مِنْ خَلْفِي فِي سُرْعَةٍ جُنُونِيَّةٍ... أَضْوَاءٌ عَالِيَةٌ... هُنَاكَ مَنْ أَفْهَمَ السَّائِقَ بِأَنَّهُ عَلَيْهِ اسْتِخْدَامُ بُوقِ السَّيَّارَةِ بَدَلًا مِنَ الْبَنْزِينِ مِنْ أَجْلِ السُّرْعَةِ...
لِمَ قَدْ صَارَ الطَّرِيقُ مُزْدَحِمًا فَجْأَةً!!!
كَرَّرْتُ النَّظَرَ فِي الْمِرْآةِ... الْحَافِلَةُ تَقْتَرِبُ فِي رُعْبٍ... وَفِي ثَانِيَةٍ تَخْتَطِنِي بِمُنْتَهَى السُّرْعَةِ، مُحِيلَةً الْفَرَاغَ خَلْفِي إِلَى سَوَادٍ قَاتِمٍ مِنْ جَدِيدٍ، وَمُحْدِثَةً حَوْلِي مَوْجَةَ هَوَاءٍ قَوِيَّةٍ تَكَادُ تُحِيدُ سَيَّارَتِي عَنْ مَسَارِهَا...
يَا خَالِقَ السَّمَوَاتِ....
الْمُرْعِبُ...
كَانَ يَبْدُو أَنَّ سَائِقِي الشَّاحِنَةِ وَالْحَافِلَةِ عَلَى مَوْعِدٍ هُنَا... مَوْعِدٌ لِلصَّدَامِ.... كُلُّ مِنْهُمَا يَنْهَبُ الطَّرِيقَ بِكُلِّ ثِقَةٍ... بِكُلِّ إِصْرَارٍ... بِكُلِّ عُنْفٍ...
أَصْوَاتُ الْأَبْوَاقِ تَعْلُو مِنْ كِلَا الْجَانِبَيْنِ.... الْأَضْوَاءُ تَتَصَاعَدُ مِنْ كِلَيْهِمَا فِي تَحَدٍّ وَاضِحٍ... هَذِهِ الْوُحُوشُ الْمَعْدِنِيَّةُ مُصِرَّةٌ عَلَى النِّهَايَةِ...
رَبَّاََااَهْ... الْمَسَافَةُ بَيْنَهُمَا تَتَقَلَّصُ أَكْثَرَ فَأَكْثَرَ فِي كُلِّ ثَانِيَةٍ... عَرَضُ الْمَوْتِ...
قُمْتُ بِدَعْسِ مَكَابِحِ السَّيَّارَةِ بِكُلِّ مَا أُوتِيتُ مِنْ قُوَّةٍ... صَوْتُ الْمَكَابِحِ... رَائِحَةُ احْتِرَاقِ الْإِطَارَاتِ... النُّجُومُ... الشَّاحِنَةُ... الْحَافِلَةُ... رَائِحَةُ الْأَدْرِينَالِينِ...
لَحْظَةٌ فَقَطْ عَلَى التَّصَادُمِ الْمُرْعِبِ...
وَ...
اخْتَفَى كُلُّ شَيْءٍ...
نَعَمْ...
قَدِ اخْتَفَى كُلُّ شَيْءٍ فِي لَحْظَةٍ وَاحِدَةٍ...
لَا شَاحِنَةَ...
لَا حَافِلَةَ...
لَا شَيْءَ...
فَقَطْ أَنَا... وَالصَّحْرَاءُ...
تَوَقَّفَتِ السَّيَّارَةُ وَتَرَجَّلْتُ مِنْهَا مُذْعُورًا....
لَا يُوجَدُ أَيُّ شَيْءٍ سِوَى صَوْتِ الصَّحْرَاءِ...
هُدُوءٌ قَاتِلٌ مُخِيفٌ...
يَا خَالِقَ السَّمَوَاتِ...
مَا هَذَا الصَّوْتُ!!!
إِنَّهُ صَوْتُ بُكَاءٍ...بُكَاءُ طِفْلٍ تَحْدِيدًا... يَبْدُو كَبُكَاءِ رَضِيعٍ... مِنْ أَيْنَ يَأْتِي يَا تُرَى!!!
هُنَاكَ...
عَلَى جَانِبِ الطَّرِيقِ... تَرْقُدُ فِي ضَوْءِ مَصَابِيحِ السَّيَّارَةِ لِفَافَةٌ... لِفَافَةٌ بَيْضَاءُ صَغِيرَةٌ يُصْدِرُ مِنْهَا صَوْتُ الْبُكَاءِ... مِنْ أَيْنَ جَاءَتْ!!! أَكَانَ ذَلِكَ الطِّفْلُ أَحَدَ رُكَّابِ تِلْكَ الْحَافِلَةِ...
الْحَافِلَةُ الشَّبَحِيَّةُ...
دَعْنِي أَقْتَرِبْ أَكْثَرَ فَأَكْثَرَ... فَلَرُبَّمَا هُوَ تَائِهٌ مِثْلِي...
خَطْوَةً بِخَطْوَةٍ... صِرْتُ أَرْتَعِبُ حَتَّى مِنْ صَوْتِ خَطَوَاتِي... قَدْ صَارَ صَوْتُهَا مُخِيفًا هُنَا...
وَٱلْآنَ...
قَدْ صِرْتُ أَمَامَ تِلْكَ اللِّفَافَةِ الَّتِي تُغَطِّي سَائِرَ جَسَدِ الطِّفْلِ... حَتَّى وَجْهَهُ... فَأَقُومُ بِإِزَاحَةِ الْغِطَاءِ عَنْ وَجْهِهِ كَيْ لَا يَخْتَنِقَ هُنَا وَهُوَ...
رَبَّاََااَهْ...
مَا هَذَا!!!
وَجْهُ الطِّفْلِ بِلَا أَيِّ مَلَامِحَ... حَرْفِيًّا دُونَ مَلَامِحَ... مُجَرَّدُ وَجْهٍ مُصْمَتٍ دُونَ أَيِّ شَيْءٍ... دُونَ أَعْيُنٍ... دُونَ أَنْفٍ... دُونَ أُذُنٍ... وَ ... دُونَ فَمٍ...
وَانْفَجَرَ فِي الْبُكَاءِ بِصَوْتٍ عَالٍ رَهِيبٍ...
تَسَمَّرْتُ مِنَ الْخَوْفِ وَخَرِسَ لِسَانِي مِنَ الْكَلَامِ، وَانْحَشَرَتِ الصَّرَخَاتُ بِحَلْقِي إِلَى أَنِ انْدَفَعْتُ أُؤَرِّقُ سُكُونَ الصَّحْرَاءِ وَأَنَا أَرْكُضُ نَاحِيَةَ السَّيَّارَةِ صَارِخًا...
_ رَبَّاََااَهْ...مَاذَا يُمْكِنُ أَنْ يَحْدُثَ بَعْدَ ذَلِكَ!!!
وَلَيْتَنِي مَا تَسَاءَلْتُ...
فَهُنَاكَ مِنْ بَعِيدٍ... مِنْ وَسَطِ الطَّرِيقِ الَّذِي قُمْتُ بِقَطْعِهِ قَبْلَ أَقَلَّ مِنْ دَقِيقَةٍ... ارْتَفَعَ الصَّوْتُ... صَوْتُ خَطَوَاتٍ... خَطَوَاتٌ ثَقِيلَةٌ.. سَرِيعَةٌ... وَاثِقَةٌ... خَطَوَاتُ شَيْءٍ مَا ثَقِيلٍ يَنْهَبُ الطَّرِيقَ بِكُلِّ ثِقَةٍ فِي اتِّجَاهِي...
وَانْطَلَقْتُ بِالسَّيَّارَةِ بِكُلِّ مَا سَمَحَتْ بِهِ قُوَّةُ مُحَرِّكِهَا...
أَخْبَرْتُكَ بِأَنْ لَا تَنْظُرَ إِلَى الْخَلْفِ...
زَأَرَ مُحَرِّكُ السَّيَّارَةِ مِنْ جَدِيدٍ، مُحِيلًا هُوَ وَصَوْتَ الْخَطَوَاتِ صَمْتَ الصَّحْرَاءِ إِلَى صَخَبٍ... بَلَغَتْ سُرْعَةَ 70 كْم / سَ خِلَالَ ثَوَانٍ... الْخَطَوَاتُ تَقْتَرِبُ... 80 كْم / سَ... لَازَالَتِ الْخَطَوَاتُ تَقْتَرِبُ... 100 كْم/سَ... اللَّعْنَةُ...لَازَالَ الصَّوْتُ يَقْتَرِبُ...وَكَأَنَّهَا تَتَسَاءَلُ...هَلْ هَذَا أَقْصَى مَا يُمْكِنُكَ بُلُوغُهُ مِنْ سُرْعَةٍ!!!
اللَّعْنَةُ...
120... 140 كْم/سَ
يَا إِلَهِي...
قَدْ رَأَيْتُهُ أَخِيرًا...
يَا خَالِقَ السَّمَوَاتِ...
هَلْ تَخَيَّلْتَ شَكْلَ سَرَطَانِ الْبَحْرِ... يَمْشِي عَلَى قَدَمَيْنِ كَالْبَشَرِ... طُولُهُ يُقَارِبُ الْمِتْرَيْنِ... أَسْوَدُ كَاللَّيْلِ الْبَهِيمِ، وَتَمْتَدُّ أَذْرُعُهُ الثَّمَانِ ذَاتُ الْمَخَالِبِ الْعِمْلَاقَةِ تِجَاهَ سَيَّارَتِي...
أَهْرُبُ... أَهْرُبُ... انْطَلِقْ بِأَقْصَى سُرْعَةٍ... 160 كْم/سَ وَهُنَا...
كَانَ يَجْرِي جِوَارِي تَمَامًا... رَأَيْتُهُ عَبْرَ نَافِذَتِي... الْتَقَتْ أَعْيُنُنَا فِي الظَّلَامِ... كَانَ أَسْوَدَ الْوَجْهِ كَبَاقِي جَسَدِهِ... وَجْهٌ يُشْبِهُ الرُّوبُوتَ ذُو مَلَامِحَ قَاسِيَةٍ حَادَّةٍ...
وَ...
مَا هَذَا الصَّوْتُ!!!
صَوْتُ احْتِكَاكٍ مَعْدِنِيٍّ مُخِيفٍ مُفْزِعٍ رَهِيبٍ... يَأْتِي مِنْ سَقْفِ السَّيَّارَةِ... كَانَ بِمَدِّ أَحَدِ أَذْرُعِهِ الثَّمَانِ فَوْقَ السَّيَّارَةِ، غَارِزًا أَظَافِرَ عِمْلَاقَةً فِي سَقْفِهَا، مُحْدِثًا صَرِيرًا مُخِيفًا مُمْتَدًّا مِنْ مُقَدِّمَةِ السَّقْفِ صَوْبَ مُؤَخَّرَتِهِ...
قَلْبِي يَكَادُ يَقْفِزُ مِنْ حَلْقِي... الرَّحْمَةَ...
وَ...
نَزَعَ مَخَالِبَهُ مِنَ السَّقْفِ...هَدَأَتْ خَطَوَاتُهُ...بَدَأَ فِي التَّبَاطُؤِ... الِابْتِعَادِ عَنْ جَسَدِ السَّيَّارَةِ...رَأَيْتُهُ فِي الْمِرْآةِ... أَصْبَحَ يَبْتَعِدُ وَيَبْتَلِعُهُ الظَّلَامُ أَكْثَرَ فَأَكْثَرَ...
اخْتَفَى...
نَعَمِ اخْتَفَى تَمَامًا كَأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ ، اخْتَفَى مُخَلِّفًا وَرَاءَهُ خُدُوشًا عَمِيقَةً عَلَى سَقْفِ السَّيَّارَةِ وَأُخْرَى أَعْمَقَ فِي أَعْمَاقِ قَلْبِي...
ضَغَطْتُ مَكَابِحَ السَّيَّارَةِ بِكُلِّ قُوَّةٍ كَيْ أَسْتَرِدَّ أَنْفَاسِي... لَا تَمُتْ هُنَا... اهْدَأْ... اهْدَأْ... تَنَفَّسْ... تَنَفَّسْ... كُلُّ قَدْ مَضَى... لَا زِلْتَ حَيًّا...اهْدَأْ...
لَا شَيْءَ سِوَى صَوْتِ اللَّهَاثِ وَنَبَضَاتِ قَلْبِي الَّذِي يُكَافِحُ بِأَنْ لَا يَتَوَقَّفَ رُعْبًا... اهْدَأْ... قَدِ انْتَهَى كُلُّ...
رَبَّاََااَهْ...
مَا هَذَا!!!
إِنَّهَا قَافِلَةٌ... قَافِلَةٌ ضَخْمَةٌ تَقْطَعُ الطَّرِيقَ... عَشَرَاتٌ بَلْ مِئَاتُ الْإِبِلِ تَقْطَعُ الطَّرِيقَ عَرْضًا... هُنَاكَ مَنْ يَبْدُونَ وَكَأَنَّهُمْ جُنُودًا يَرْتَدُونَ مَلَابِسَ كَمَلَابِسِ جُنُودِ الْفَرَاعِنَةِ تَمَامًا كَمَا تَرَاهُمْ عَلَى جُدْرَانِ الْمَعَابِدِ... أَصْوَاتُ الطُّبُولِ... دَقَّاتُ طُبُولِ الْحَرْبِ... الْمَشَاعِلُ...
مَشْهَدٌ مَلْحَمِيٌّ أُسْطُورِيٌّ... الْقَافِلَةُ تَقُومُ بِقَطْعِ الطَّرِيقِ فِي اسْتِحْقَاقٍ... كَأَنِّي غَيْرُ مَوْجُودٍ... وَكَأَنَّ الطَّرِيقَ الْمَرْصُوفَ ذَاتَهُ لَا وُجُودَ لَهُ مِنَ الْأَصْلِ... وَكَأَنَّ لَهُمْ طَرِيقَهُمُ الْخَاصَّ الْمَرْسُومَ مُنْذُ آلَافِ السِّنِينَ وَقُمْنَا نَحْنُ فَقَطْ بِالتَّطَفُّلِ عَلَيْهِ...
اسْتَمَرَّتْ مَسِيرَةُ الْقَافِلَةِ.... ثَوَانٍ مَرَّتْ وَكَأَنَّهَا أَيَّامٌ... دَقَائِقُ ثَقِيلَةٌ مَرَّتْ كَالدُّهُورِ... عَبَرَتِ الْقَافِلَةُ كَامِلَةً وَتَوَارَتْ وَسَطَ الصُّخُورِ... اخْتَفَتْ... اخْتَفَتْ تَمَامًا...
أَهْرُبُ... أَهْرُبُ... صَوْتُ اللَّهَاثِ... رَائِحَةُ الْأَدْرِينَالِينِ... اللَّعْنَةُ...
الْمُحَرِّكُ... الْمُحَرِّكُ اللَّعِينُ يَرْفُضُ الِاسْتِجَابَةَ... مَرَّةً أُخْرَى وَأُخْرَى...
لَا فَائِدَةَ... قَدْ مَاتَ الْمُحَرِّكُ...
صَوْتُ رَنِينِ الْهَاتِفِ...
يَا إِلَهِي...
قَادَ عَادَتِ الرُّوحُ إِلَى الْهَاتِفِ أَخِيرًا... سَوْفَ أَتَّصِلُ بِالنَّجْدَةِ... الشُّرْطَةِ... الْجَيْشِ...
رَبَّاََااَهْ...
مَا هَذَا الرَّقْمُ الْمَرْسُومُ عَلَى شَاشَةِ الْهَاتِفِ!!!
وَمَا هَذَا الِاسْمُ الْمَكْتُوبُ أَسْفَلَ الرَّقْمِ!!!
اللَّعْنَةُ...
هَذَا هُوَ رَقْمِي...
مَكْتُوبٌ تَحْتَهُ اسْمِي... يُوسُفُ...
رَفَعْتُ يَدَيَّ الْمُرْتَعِدَتَيْنِ إِلَى أُذُنَيَّ وَفَتَحْتُ الْخَطَّ وَأَنَا أَرْتَجِفُ وَهَتَفْتُ فِي رُعْبٍ...
_ أَلُو...
اللَّعْنَةُ...
هَذَا الصَّوْتُ... هَذَا الصَّوْتُ الَّذِي أَجَابَ كَانَ صَوْتِي... نَعَمْ... صَوْتِي أَنَا...
صَوْتِي أَنَا يَأْتِي عَبْرَ الْهَاتِفِ...
لَا...
لَمْ يَكُنْ يَأْتِي عَبْرَ الْهَاتِفِ فَقَطْ...
هُنَاكَ...
فِي الْمِرْآةِ... رَأَيْتُهُ...
جَالِسًا فِي الْمَقْعَدِ الْخَلْفِيِّ...
أَعْنِي...
رَأَيْتُنِي جَالِسًا فِي الْمَقْعَدِ الْخَلْفِيِّ... رَأَيْتُنِي شَاحِبَ الْوَجْهِ كَالْمَوْتَى... أَحْمَرَ الْعَيْنَيْنِ كَمَذَاقِ الدَّمِ... رَأَيْتُنِي مُمْسِكًا الْهَاتِفَ بَيْنَمَا أَنْفَاسِيَ الْحَارَّةُ تُلَامِسُ مُؤَخَّرَةَ رَأْسِي مُسَبِّبَةً انْتِصَابَ أُذُنَيَّ مِنْ فَرْطِ الرُّعْبِ...
رَأَيْتُنِي... وَسَمِعْتُنِي... أَسْمَعُ صَوْتِي يَصْدُرُ مِنَ الْهَاتِفِ وَمِنْ خَلْفِ أُذُنِي مُبَاشَرَةً مُخَاطِبًا إِيَّايَ بِصَوْتِي...
يُوسُفُ... أَلَمْ أُخْبِرْكَ بِأَنْ لَا تَنْظُرَ إِلَى الْخَلْفِ!!!
وَأَظْلَمَ كُلُّ شَيْءٍ...
خَاتِمَةٌ...
قَدْ أَخْبَرَتْنِي لَاحِقًا زَوْجَتِيَ الْحَبِيبَةُ (قَمَرِي أَنَا) بِأَنِّي كُنْتُ فِي غَيْبُوبَةٍ لِعِدَّةِ أَيَّامٍ، وَأَنَّهُمْ قَدْ وَجَدُوا السَّيَّارَةَ مُنْقَلِبَةً عَلَى جَانِبِ الطَّرِيقِ، وَأَنِّي قَدْ نَجَوْتُ مِنَ الْمَوْتِ بِإِعْجَازَةٍ....
أَخْبَرَتْنِي أَيْضًا ، بِأَنَّ الْمُحَقِّقِينَ حِينَ اسْتِجْوَابِي قَدْ سَمِعُوا مِنِّي عَنْ حَادِثٍ مُرَوِّعٍ مَا بَيْنَ شَاحِنَةٍ وَحَافِلَةٍ... طِفْلًا يَبْكِي بِوَجْهٍ بِلَا أَعْضَاءٍ عَلَى جَانِبِ الطَّرِيقِ... عَنْ مَخْلُوقٍ يُشْبِهُ سَرَطَانَ الْبَحْرِ عِمْلَاقًا يَتَجَوَّلُ بِكُلِّ حُرِّيَّةٍ هُنَاكَ، نَاهِيكَ عَنِ الْقَافِلَةِ الَّتِي ضَمَّتْ جُنُودَ الْفَرَاعِنَةِ، وَعَنِّي عِنْدَمَا كُنْتُ أُحَدِّثُنِي عَبْرَ الْهَاتِفِ دَاخِلَ السَّيَّارَةِ...
وَأَضَافَتْ....
أَنَّ الطَّبِيبَ النَّفْسِيَّ قَدْ أَكَّدَ أَنَّ كُلَّ ذَلِكَ يَنْدَرِجُ تَحْتَ بَنْدِ "اضْطِرَابُ مَا بَعْدَ الصَّدْمَةِ"، وَأَنِّي سَوْفَ أُصْبِحُ بِخَيْرٍ يَوْمًا مَا...
وَعَبَّرَتْ عَنْ فَرْحَتِهَا الْغَامِرَةِ...
عَنْ نَجَاتِي مِنَ الْمَوْتِ بِأُعْجُوبَةٍ، وَعَنْ أَنَّ تَحْلِيلَ الْمُخَدِّرَاتِ الَّذِي قَامَ الْمُحَقِّقُونَ بِطَلَبِهِ مِنْ أَجْلِي كَانَ سَلْبِيًّا، وَأَنَّنِي لَسْتُ ذَلِكَ الزَّوْجَ السَّيِّئَ الَّذِي يَتَعَاطَى الْحَشِيشَ...
وَنَقَلَتْ عَنْ وَكَالَةِ إِصْلَاحِ السَّيَّارَاتِ...
أَنَّ التَّلَفِيَّاتِ بِجَسَدِ السَّيَّارَةِ جَمِيعُهَا بَسِيطَةٌ، سِوَى مِنْ جُدُوشٍ عَمِيقَةٍ تَمْتَدُّ فِي سَطْحِ السَّيَّارَةِ دُونَ سَبَبٍ وَاضِحٍ... لَكِنَّهَا قَابِلَةٌ لِلْإِصْلَاحِ دُونَ تَغْيِيرِ سَقْفِ السَّيَّارَةِ...
وَأَكَّدَتْ نَقْلًا عَلَى لِسَانِ الْمُحَقِّقِينَ الَّذِينَ قَدْ أَقْسَمُوا بِأَغْلَظِ الْأَيْمَانِ بَلْ وَحَتَّى بِشَرَفِهِمُ الْوَظِيفِيِّ...
بِأَنْ لَا يُوجَدَ هُنَاكَ كُشْكٌ لِبَيْعِ الشَّايِ عَلَى بِدَايَةِ الطَّرِيقِ رَقَمِ 17، بَلْ وَأَنَّهُ لَا يُوجَدُ طَرِيقٌ يَحْمِلُ الرَّقْمَ 17 فِي مِصْرَ كُلِّهَا...
لِذَا...
أَصْبَحَ مِنَ الْحَتْمِيِّ أَنْ لَا أَذْهَبَ لِاسْتِلَامِ الْعَمَلِ فِي مَدِينَةِ الْفَرَافِرَةِ، وَمِنْ ثُمَّ الْعَوْدَةِ إِلَى مُقَرِّ عَمَلِيَ الْقَدِيمِ بَعْدَ التَّعَافِي مِنَ الْحَادِثِ...
وَهَكَذَا...
قَدْ عَادَ كُلُّ شَيْءٍ فِي حَيَاتِي طَبِيعِيًّا تَمَامًا مِثْلَ قَبْلَ الْحَادِثِ، إِلَّا مِنْ أَمْرَيْنِ صَغِيرَيْنِ يُوشِكَا أَنْ لَا يَسْتَحِقَّا الذِّكْرَ...
أَنِّي كُلَّ مَرَّةٍ أَنْظُرُ إِلَى الْمِرْآةِ ، أَرَانِي... أَرَانِي وَاقِفًا خَلْفِي، أَمُدُّ رَأْسِي مِنْ خَلْفِ كَتِفِي الْأَيْمَنِ كَمَا كُنْتُ فِي السَّيَّارَةِ... شَاحِبَ الْوَجْهِ كَالْمَوْتَى، ذَا عُيُونٍ حَمْرَاءَ كَالدَّمِ، مُبْتَسِمًا لِنَفْسِي دُونَ نُطْقِ كَلِمَةٍ وَاحِدَةٍ...
وَأَنِّي....
لَمْ أَعُدْ أَبَدًا أَنْظُرُ إِلَى الْخَلْفِ...
يُوسُفُ


















