حلق مع هدهوديات في الفضاء السيبراني

recent
أخبار ساخنة

جعلوني طبيبًا ٢: زكريا

الصفحة الرئيسية

 



مُقَدِّمَةٌ...


قَدْ وَلِيَ يَوْمٌ آخَرُ فِي هَذِهِ الْمَدِينَةِ الْبَارِدَةِ الَّتِي أَسْتَطِيعُ أَنْ أُطْلِقَ عَلَيْهَا «عَاصِمَةَ الصَّقِيعِ الْأَبَدِيَّةِ» — مُوسْكُو — انْتَهَى يَوْمٌ آخَرُ لِكُلِّ أَحْدَاثِهِ... بِكُلِّ حِكَايَاتِهِ... قَدْ ذَهَبَ إِلَى الْأَبَدِ يَوْمٌ آخَرُ، وَأَنَا مُجَرَّدُ آخَرَ قَدْ مَرَّ مِنْ هُنَا يَوْمًا مَا...


قَدْ مَرَّتِ السِّنُونَ هُنَا كَالْحُلْمِ، وَكَأَنَّ الطَّائِرَةَ قَدْ أَقْلَعَتْ مِنَ الْقَاهِرَةِ بِالْأَمْسِ الْقَرِيبِ... عَشَرَاتُ، بَلْ وَمِئَاتُ الْأَحْدَاثِ قَدْ مَرَّتْ فِي لَمْحِ الْبَصَرِ... عَاشَرْتُ الْعَدِيدَ مِنَ الْجِنْسِيَّاتِ وَالشُّعُوبِ... تَحَدَّثْتُ بِعِدَّةِ لُغَاتٍ وَلَهَجَاتٍ... قَدْ تَبَدَّلَ كُلُّ شَيْءٍ بِلَا رَجْعَةٍ، وَلَمْ يَعُدْ إِلَى أَرْضِ الْوَطَنِ ذَلِكَ الشَّخْصُ الَّذِي غَادَرَهُ يَوْمًا مَا لَا يَعْلَمُهُ إِلَّا خَالِقُ السَّمَاوَاتِ...


بَلْ كِيَانٌ مُخْتَلِفٌ...


قَدْ تَمَكَّنَ عَقْلِي مِنْ حَجْبِ وَ «فَلْتَرَةِ» الْكَثِيرِ مِنَ الذِّكْرَيَاتِ، لَكِنَّ بَعْضَهَا عَنِيدٌ كَالزَّمَانِ ذَاتِهِ عَلَى النِّسْيَانِ...

أَنْظُرُ بَيْنَ الْحِينِ وَالْآخَرِ عَبْرَ النَّافِذَةِ مُتَأَمِّلًا السَّمَاءَ وَبَدْرِهَا الْحَارِسَ، أَجِدُ فِي السَّمَاءِ دَوْمًا مَتَنَفَّسًا لِرُوحِي، وَمَلَاذًا مِنْ تِلْكَ الْجُدْرَانِ الْخَرَسَانِيَّةِ الصَّمَّاءِ، بَلْ وَأَرَاهَا خَيْمَةً زَرْقَاءَ تُحِيطُ بِكُلِّ مَنْ أَرَادَ التَّنَفُّسَ...

لِذَا تَجِدُ أَنَّ لَوْنِي الْمُفَضَّلَ هُوَ الْأَزْرَقُ بِلَا مُنَازِعٍ، لِأَنَّهُ لَوْنُ السَّمَاءِ... أَرَاهَا دَوْمًا زَرْقَاءَ حَتَّى لَيْلًا...


كَلَّا، لَسْتُ مُصَابًا بِعَمَى الْأَلْوَانِ، وَلَسْتُ مَخْبُولًا يَا صَدِيقِي، لَكِنَّ لِي — مِثْلَكَ — أَبْعَادًا لَا يُدْرِكُهَا هَؤُلَاءِ السُّخَفَاءُ الْمُحِيطُونَ... لَمْ وَلَنْ يُدْرِكُوهَا أَبَدًا... صَدِّقْنِي...


يَا خَالِقَ السَّمَاوَاتِ...


أَضَعُ عَلَى سَطْحِ الْمَكْتَبِ جِوَارَ كَوْمَةِ الْوَرَقِ الْمُعَدَّةِ لِلْكِتَابَةِ شَطِيرَةً مِنَ الْهُوت دُوجِ أَوِ «الْكِلَابِ السَّاخِنَةِ»، كُنْتُ قَدِ ابْتَعْتُهَا أَثْنَاءَ عَوْدَتِي مِنَ الْعَمَلِ بِثَلَاثِمِائَةِ رُوبِلٍ رُوسِيٍّ، بَعْدَ أَنْ أَقْسَمَ الْبَائِعُ بِرَحْمَةِ زَوْجِ عَمَّتِهِ أَنَّ تِلْكَ الْكِلَابَ السَّاخِنَةَ مُعَدَّةٌ مِنْ لَحْمٍ حَلَالٍ، وَلِلَّهِ الْحَمْدُ...





جَالَتْ عَيْنِي بَيْنَ كَوْمَةِ الْوَرَقِ وَالْكِلَابِ السَّاخِنَةِ... بِمَ سَأَبْدَأُ!!!

ثُمَّ يَتَرَدَّدُ ذَلِكَ النِّدَاءُ الْأَبَدِيُّ فِي أَعْمَاقِي: «الْمِعْدَةُ قَبْلَ الْعَقْلِ»، وَيَقْفِزُ إِلَى ذِهْنِي سُؤَالٌ مُلِحٌّ: «كَيْفَ لِلْكَلِمَاتِ أَنْ تَنْطِقَ دُونَ سُعْرَاتٍ!!!»

دَعْكَ مِنْ أَنِّي أَتَحَوَّلُ إِلَى مَا يُشْبِهُ الزُومْبِي وَأَنَا جَائِعٌ...

إِذًا...


الْكِلَابُ السَّاخِنَةُ أَوَّلًا، قَبْلَ أَنْ أَقُومَ بِكِتَابَةِ مَزِيدٍ مِنَ الْهِرَاءِ الَّذِي امْتَلَأَ بِهِ الْفَضَاءُ السَّيْبَرَانِيُّ...

الْكِلَابُ السَّاخِنَةُ... وَلَا بَأْسَ مِنَ الِاسْتِمَاعِ إِلَى بَعْضِ الْأَغَانِي بِاللُّغَةِ الرُّوسِيَّةِ، عِوَضًا عَنْ مُشَاهَدَةِ أَحَدِ التَّقَارِيرِ الْإِخْبَارِيَّةِ عَنْ أَحْدَاثِ هَذَا الْكَوْكَبِ الْبَائِسِ، وَالْكَفِيلَةِ بِفَقْدِ شَهِيَّتِي إِلَى الْكِلَابِ السَّاخِنَةِ، بَلْ وَالْبَارِدَةِ، وَإِلَى الْأَبَدِ...


أَذْكُرُ تِلْكَ الْأُغْنِيَةَ الْعَاطِفِيَّةَ الَّتِي كَانَتِ الْأُولَى الَّتِي قَدِ اسْتَمَعْتُ إِلَيْهَا فَوْرَ وُصُولِي إِلَى هُنَا، حِينَ كُنْتُ لَا أَفْقَهُ حَرْفًا وَاحِدًا فِي الرُّوسِيَّةِ، وَتَأَثَّرْتُ بِهَا كَثِيرًا حَتَّى دَمَعَتْ عَيْنِي، ثُمَّ أَدْرَكْتُ لَاحِقًا أَنَّهَا كَانَتْ مُجَرَّدَ إِعْلَانٍ عَنْ حَفَّاضَاتِ الْأَطْفَالِ!!!


إِنَّهَا تُمْطِرُ... هُنَاكَ دَوْمًا شَيْءٌ مَا يَسْقُطُ مِنَ السَّمَاءِ فِي هَذِهِ الْبِلَادِ... الثُّلُوجُ شِتَاءً، وَالْأَمْطَارُ صَيْفًا... أَمَّا الشَّمْسُ فَهِيَ هُنَا ضَيْفٌ عَزِيزٌ خَجُولٌ، لِذَا تَجِدُ أَنَّ الرُّوسَ لَا يَسْتَعْمِلُونَ عِبَارَةَ «أَنْتَ جَمِيلٌ وَالْقَمَرُ» كَمَا نَسْتَعْمِلُهَا نَحْنُ سُكَّانَ الْمَنَاطِقِ الْحَارَّةِ، بَلْ يَقُولُونَ: «أَنْتَ دَافِئٌ كَالشَّمْسِ» أَوْ «يَا شَمْسِي أَنَا» تَعْبِيرًا عَنِ الْحُبِّ وَالْجَمَالِ...


وَبَيْنَمَا أَقُومُ بِالْتِهَامِ الشَّطِيرَةِ الْأُولَى، تَذَكَّرْتُ صَدِيقًا أَلْمَانِيًّا كُنْتُ قَدْ قَابَلْتُهُ قَبْلَ سَنَوَاتٍ عَدِيدَةٍ فِي بَلَدٍ آخَرَ، وَلَمْ أَلْقَهُ مَرَّةً أُخْرَى، رَغْمَ أَنَّنِي قَدْ نَعَتُّهُ بِصَدِيقِي...

يَا لِي مِنْ مُتَحَذْلِقٍ...




فَلْنَفْتَرِضْ أَنَّ صَدِيقِي هَذَا الَّذِي قَدْ نَسِيتُ اسْمَهُ نِهَائِيًّا، أَنَّهُ يُدْعَى «هَانْز»، أَنَا لَا أَعْرِفُ الْكَثِيرَ عَنْ كَيْفِيَّةِ اخْتِيَارِ أَسْمَاءِ الْمَوْلُودِينَ فِي أَرْضِ الرَّايْنِ، وَلَا عَنِ الْأَسْمَاءِ الشَّائِعَةِ هُنَاكَ، لَكِنِّي أَعْتَقِدُ أَنَّ اسْمَ «هَانْز» أَلْمَانِيٌّ لِلْغَايَةِ، وَكَأَنَّكَ تَنْطِقُ «مَرْسِدِس بِنْز» مَثَلًا...

يَا لِي مِنْ مُتَحَذْلِقٍ...


الْمُهِمُّ..


قَدْ حَكَى لِيَ الْأَخُ «هَانْز» كَثِيرًا عَنْ عَادَاتِ الْأَلْمَانِ وَإِنْجَازَاتِهِمْ، وَعَنْ تِلْكَ النَّقَانِقِ الطَّوِيلَةِ الَّتِي قَدِ ابْتَدَعَهَا الْإِخْوَةُ الْأَلْمَانُ فِي الْقَرْنِ التَّاسِعَ عَشَرَ، وَأَطْلَقُوا عَلَيْهَا اسْمَ «نَقَانِقِ الدَّاشْهِنْدِ» (Dachshund Sausages)، وَقَدْ أَطْلَقُوا عَلَيْهَا ذَلِكَ الِاسْمَ نِسْبَةً إِلَى إِحْدَى سُلَالَاتِ الْكِلَابِ الْأَلْمَانِيَّةِ وَالَّتِي تَحْمِلُ ذَاتَ الِاسْمِ...




إِلَى هُنَا لَمْ يُطْلِقْ عَلَيْهَا الْأَلْمَانُ لَفْظَةَ «الْهُوت دُوجِ»، بَلْ مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ لَاحِقًا هُمُ الْأَمْرِيكَانِيُّونَ...


الْعَامُ 1900م...

اسْتَادٌ رِيَاضِيٌّ لِلُعْبَةِ الْبِيسبُولِ فِي نِيُويُورْك...


تَرَى بَعْضَ الْمُهَاجِرِينَ الْأَلْمَانِ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ يَعْمَلُونَ كَبَائِعِينَ جَائِلِينَ وَسَطَ الْمَدَرَّجَاتِ، يَقُومُونَ بِبَيْعِ نَقَانِقِ الدَّاشْهِنْدِ وَهُمْ يُنَادُونَ: «احْصَلُوا عَلَى نَقَانِقِ الدَّاشْهِنْدِ وَهِيَ سَاخِنَةٌ»...

كَانُوا دَوْمًا يَبِيعُونَ بِضَاعَتَهُمْ وَيَنْصَرِفُونَ فِي صَمْتٍ بَعْدَ الْمُبَارَاةِ دُونَ أَدْنَى تَعْقِيبٍ أَوْ تَغْيِيرٍ...




حَتَّى جَاءَ ذَلِكَ الْيَوْمُ...


«تَادْ دُورْجَان» رَسَّامُ الْكَارِيكَاتِيرِ الرِّيَاضِيِّ كَانَ يَجْلِسُ بَيْنَ الْجَمَاهِيرِ، وَكَأَنَّهُ قَدْ قَرَّرَ رَسْمَ كَارِيكَاتِيرٍ يُظْهِرُ كَلْبَ دَاشْهِنْدٍ مَمْدُودًا دَاخِلَ رَغِيفٍ وَمُغَطَّى بِالْخَرْدَلِ، وَلَمَّا كَانَ «تَادْ» لَا يُجِيدُ قِرَاءَةَ الْأَلْمَانِيَّةِ بِشَكْلٍ جَيِّدٍ جِدًّا، فَقَدِ اخْتَلَطَتْ عَلَيْهِ الْأُمُورُ، وَبَدَلًا مِنْ كِتَابَةِ «Dachshund Sausages» قَدْ كَتَبَ «Hot Dog»، ثُمَّ انْتَشَرَ الِاسْمُ كَالنَّارِ فِي الْهَشِيمِ إِلَى يَوْمِنَا هَذَا..





أَشْكُرُكَ كَثِيرًا يَا «هَانْز»...

لَقَدْ أَوْضَحْتَ لِي أَنَّنِي، وَبِكُلِّ فَخْرٍ، لَمْ أَقُمْ بِتَنَاوُلِ قَطِيعٍ مِنَ الْكِلَابِ طَوَالَ حَيَاتِي كُلِّهَا...


مَاذَا يَا هَانْز!!!

الْهَامْبُرْجَرُ أَيْضًا قَدْ نَشَأَ فِي أَلْمَانِيَا!!!

طَبْعًا أُرِيدُ مَعْرِفَةَ الْقِصَّةِ، وَهُمْ كَذَلِكَ أَيْضًا... أَعْتَقِدُ، بَلْ وَأَجْزِمُ، أَنَّنَا لَنْ نَقُومَ بِتَعْطِيلِ أَحَدِهِمْ عَنْ تَخْصِيبِ الْيُورَانْيُومِ مَثَلًا وَهُوَ جَالِسٌ هُنَا...

الْمُتَحَذْلِقِينَ...


ـ أَرْوِي يَا هَانْز رَجَاءً...





ـ اسْمَعْ يَا صَدِيقِي، سَآخُذُكَ فِي رِحْلَةٍ عَبْرَ الزَّمَنِ لِنَعْرِفَ كَيْفَ تَحَوَّلَتْ «أَكْلَةُ الْحُرُوبِ» إِلَى أَشْهَرِ شَطِيرَةٍ نَأْكُلُهَا الْيَوْمَ فِي كُلِّ مَكَانٍ.


تَخَيَّلْ نَفْسَكَ فِي الْقَرْنِ الثَّالِثَ عَشَرَ، وَسَطَ الْغُبَارِ وَصَهِيلِ الْخَيْلِ مَعَ جُيُوشِ الْمُغُولِ الشَّرِسَةِ. الْمُحَارِبُونَ هُنَاكَ لَمْ يَكُنْ لَدَيْهِمْ وَقْتٌ لِلطَّبْخِ، فَمَاذَا كَانُوا يَفْعَلُونَ؟ كَانُوا يَقْطَعُونَ لَحْمَ الْخَيْلِ أَوِ الْبَقَرِ النَّيِّئِ، وَيَضَعُونَهُ تَحْتَ سُرُوجِ خُيُولِهِمْ! وَأَثْنَاءَ رَكْضِ الْخَيْلِ طَوَالَ الْيَوْمِ، كَانَ اللَّحْمُ يُضْغَطُ وَيُصْبِحُ طَرِيًّا بِفِعْلِ الْحَرَارَةِ وَالِاحْتِكَاكِ، فَيَأْكُلُونَهُ هَكَذَا.. نَيِّئًا وَمَفْرُومًا وَمُكْتَسِبًا مُلُوحَةً مِنْ عَرَقِ الْخَيْلِ!


مَرَّتِ السِّنُونَ، وَنَقَلَ الْبَحَّارَةُ هَذِهِ الْفِكْرَةَ الْغَرِيبَةَ مِنْ رُوسِيَا إِلَى أَلْمَانِيَا، وَتَحْدِيدًا إِلَى مَدِينَةِ مِينَاءَ شَهِيرَةٍ اسْمُهَا هَامْبُورْج. الطُّهَاةُ الْأَلْمَانُ قَالُوا: «مُسْتَحِيلٌ أَنْ نَأْكُلَ اللَّحْمَ نَيِّئًا كَالْمُغُولِ!»، فَأَخَذُوا اللَّحْمَ الْمَفْرُومَ، وَخَلَطُوهُ بِالثَّوْمِ وَالْبَصَلِ وَالْبَهَارَاتِ، ثُمَّ شَوَوْهُ عَلَى النَّارِ. وَأَصْبَحَ هَذَا الطَّبَقُ الْفَاخِرُ يُؤْكَلُ بِالشَّوْكَةِ وَالسِّكِّينِ فِي الْمَطَاعِمِ، وَأَطْلَقُوا عَلَيْهِ اسْمَ «سْتِيكْ هَامْبُورْج».


فِي الْقَرْنِ التَّاسِعَ عَشَرَ، رَكِبَ مَلَايِينُ الْأَلْمَانِ السُّفُنَ مُتَوَجِّهِينَ إِلَى أَمْرِيكَا بَحْثًا عَنْ حَيَاةٍ جَدِيدَةٍ، وَأَخَذُوا مَعَهُمْ وَصْفَتَهُمُ الْمُفَضَّلَةَ. فِي شَوَارِعِ نِيُويُورْك، بَدَأَتْ عَرَبَاتُ الطَّعَامِ تَبِيعُ «سْتِيكْ هَامْبُورْج» لِلْعُمَّالِ لِأَنَّهُ رَخِيصٌ وَمُشَبِّعٌ. لَكِنَّهُ كَانَتْ هُنَاكَ مُشْكِلَةٌ.. كَيْفَ يَأْكُلُ الْعَامِلُ لَحْمًا سَاخِنًا وَمَلِيئًا بِالدُّهُونِ وَهُوَ يَسِيرُ فِي الشَّارِعِ؟


هُنَا حَدَثَتِ الْمُعْجِزَةُ فِي أَوَاخِرِ ثَمَانِينِيَّاتِ الْقَرْنِ التَّاسِعَ عَشَرَ! تَقُولُ الرِّوَايَةُ إِنَّ شَابًّا أَمْرِيكِيًّا اسْمُهُ «تَشَارْلِي» كَانَ يَبِيعُ كُرَاتِ اللَّحْمِ فِي مَعْرَضٍ مَحَلِّيٍّ، وَلَاحَظَ أَنَّ النَّاسَ لَا يَشْتَرُونَ مِنْهُ لِأَنَّهُمْ يُرِيدُونَ السَّيْرَ وَالتَّفَرُّجَ دُونَ أَنْ تَتَّسِخَ أَيْدِيهِمْ. فَجَاءَتْهُ فِكْرَةٌ عَبْقَرِيَّةٌ: قَامَ بِـ «بَطْحِ» كُرَةِ اللَّحْمِ وَوَضَعَهَا بَيْنَ شَرِيحَتَيْنِ مِنَ الْخُبْزِ، وَقَالَ لِلنَّاسِ: «خُذُوهَا وَكُلُوهَا وَأَنْتُمْ تَمْشُونَ!».


وَفِي نَفْسِ الْفَتْرَةِ تَقْرِيبًا، يُقَالُ إِنَّ صَاحِبَ مَطْعَمٍ صَغِيرٍ جَاءَهُ زَبُونٌ مُسْتَعْجِلٌ جِدًّا يَصْرُخُ: «أُرِيدُ أَيَّ شَيْءٍ آكُلُهُ فِي طَرِيقِي!»، فَمَا كَانَ مِنْ صَاحِبِ الْمَطْعَمِ إِلَّا أَنْ أَخَذَ قُرْصَ لَحْمِ هَامْبُورْجِ الْمَشْوِيَّ وَوَضَعَهُ بِسُرْعَةٍ بَيْنَ شَرِيحَتَيْنِ مِنْ خُبْزِ التَّوْسْتِ، وَضَغَطَ عَلَيْهِ وَقَدَّمَهُ لَهُ.


نَجَحَتِ الْفِكْرَةُ نَجَاحًا سَاحِقًا! وَفِي عَامِ 1904، جُمِعَ هَذَا الِاخْتِرَاعُ فِي مَعْرَضِ سَانْت لُويسَ الْعَالَمِيِّ لِيُقَدَّمَ رَسْمِيًّا لِلْمَلَايِينِ بِاسْمِ «الْهَامْبُرْجَرِ»؛ تَخْلِيدًا لِاسْمِ مَدِينَةِ هَامْبُورْجَ الْأَلْمَانِيَّةِ الَّتِي جَاءَ مِنْهَا اللَّحْمُ أَوَّلَ مَرَّةٍ.




وَبَعْدَ سَنَوَاتٍ، جَاءَتْ شَرِكَاتٌ عِمْلَاقَةٌ، وَصَمَّمَتِ الْخُبْزَ الدَّائِرِيَّ الطَّرِيَّ الَّذِي نَعْرِفُهُ الْيَوْمَ، وَحَوَّلَتْهُ مِنْ مُجَرَّدِ «وَجْبَةٍ سَرِيعَةٍ لِعَامِلٍ مُسْتَعْجِلٍ» إِلَى الْأَيْقُونَةِ الْعَالَمِيَّةِ الَّتِي تَطْلُبُهَا الْآنَ مَعَ الْبَطَاطِسِ وَالْمَشْرُوبِ الْبَارِدِ!


ـ بِالنِّيَابَةِ عَنْ نَفْسِي وَعَنْ جُمْهُورِ الْمُتَحَذْلِقِينَ، أَشْكُرُكَ كَثِيرًا يَا هَانْز...


وَالْآنَ... فَلْنَعُدْ إِلَى مَوْضُوعِنَا...


بَعْدَ وَجْبَةٍ أَلْمَانِيَّةٍ عَلَى أَرْضٍ رُوسِيَّةٍ، قَدْ حَانَ وَقْتُ كُوبٍ مِنَ الشَّايِ عَلَى الطَّرِيقَةِ الْمِصْرِيَّةِ، كَيْ أَرْوِيَ مَا سَوْفَ أَرْوِيهِ الْيَوْمَ...

أَنَا مُجَرَّدُ آخَرَ قَدْ مَرَّ مِنْ هُنَا يَوْمًا مَا... هَكَذَا لَنْ يَقُولَ يَوْمًا مَا أَحَدُهُمْ سِوَايَ أَنَا بِالطَّبْعِ...


لَكِنْ...


مَاذَا أَفْعَلُ هُنَا!!!

مَا الَّذِي قَدْ جَاءَ بِي إِلَى هُنَا!!!


كَانَ قَرَارًا قَدِ اتَّخَذْتُهُ مِنْ زَمَنٍ...

يَوْمًا مَا انْتَهَيْتُ مِنْ دِرَاسَتِي الثَّانَوِيَّةِ وَقَرَّرْتُ أَنْ أُصْبِحَ طَبِيبًا...

هَذِهِ الْمَرَّةَ سَأَحْكِي ذِكْرَيَاتِ يَوْمٍ مَا مِنْ دَفْتَرِ أَحْوَالِ طَالِبٍ بِكُلِّيَّةِ الطِّبِّ جَامِعَةِ أَسْيُوطَ، يَوْمًا قَدْ سَاهَمَ هُوَ وَغَيْرُهُ مِنَ الْأَيَّامِ فِي وُصُولِي إِلَى هُنَا كَيْ أَتَنَاوَلَ الْهُوتَ دُوجَ... وَأَحْكِيَ...




وَلْيَكُنْ...


فَقَطْ أَحْتَاجُ إِلَى نَظْرَةٍ إِلَى الْمَاضِي، أَوْ كَمَا يُسَمُّونَهُ «Flash Back»...

الْعَامُ 1997...

مَدِينَةُ أَسْيُوطَ...

جَنُوبُ مِصْرَ الْمَحْرُوسَةِ...



يَوْمُ خَمِيسٍ…


دَوْمًا لَمْ تَقْتَصِرْ فَرْحَتِي بِيَوْمِ الْخَمِيسِ مُنْذُ بِدَايَتِهِ فَقَطْ، بَلْ كَانَتْ تَبْدَأُ مُنْذُ مُنْتَصَفِ الْأُسْبُوعِ، وَكَأَنَّ أَيَّامَ الْأُسْبُوعِ كُلَّهَا كَانَتْ مُمَهَّدَةً فَقَطْ لِقُدُومِهِ…

دَوْمًا هَذَا الْإِحْسَاسُ الطُّفُولِيُّ بِفَرْحَةِ يَوْمِ الْخَمِيسِ… الْيَوْمُ الدِّرَاسِيُّ الْقَصِيرُ… جَرَسُ انْتِهَاءِ الْحِصَّةِ الْأَخِيرَةِ…




يَوْمُ الْخَمِيسِ…

لَا وَاجِبَاتٍ مَنْزِلِيَّةٍ… لَا اسْتِذْكَارَ… الْأَهْلُ… الْأَصْدِقَاءُ… وَالسَّهَرُ بِحُرِّيَّةٍ حَتَّى سَاعَاتِ الصَّبَاحِ الْأُولَى… لِأَنَّهُ…

يَوْمُ الْخَمِيسِ…


لَا أَحَدَ يُلْزِمُكَ بِالضَّوْضَاءِ أَوْ أَيِّ شَيْءٍ آخَرَ…

لِأَنَّهُ…

يَوْمُ الْخَمِيسِ…


الْمَصْرُوفُ يَكُونُ مُضَاعَفًا…

لِأَنَّهُ…

يَوْمُ الْخَمِيسِ…


تَصْحُو مِنَ النَّوْمِ مُبْتَسِمًا…

لِأَنَّهُ…

يَوْمُ الْخَمِيسِ…


جَرَسُ الْمُنَبِّهِ يَرِنُّ مُحْدِثًا ضَجِيجًا كَفِيلًا بِإِيقَاظِ مَوْمِيَاءِ الْمَلِكِ "تُحُوتْمُسَ الثَّالِثِ" ذَاتِهِ بَعْدَ عِشْرِينَ قَرْنًا مِنَ الزَّمَانِ، وَلَكِنِّي غَيْرُ مُنْزَعِجٍ مِنْهُ الْيَوْمَ…

لِأَنَّهُ…

يَوْمُ الْخَمِيسِ…


وَكَعَادَتِي…

اسْتَيْقَظْتُ قَبْلَ أَقَلَّ مِنْ سَاعَةٍ وَاحِدَةٍ مِنْ مَوْعِدِ الْمُحَاضَرَةِ الْأُولَى… وَلِمَ لَا؟؟؟ وَقْتَهَا لَمْ أَكُنْ مِنْ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ يُمَارِسُونَ طُقُوسَ تَنَاوُلِ وَجْبَةِ الْإِفْطَارِ فَوْرَ النُّهُوضِ مِنَ النَّوْمِ… إِنَّ الْمَرَاكِزَ الْمَسْؤُولَةَ عَنِ الْإِحْسَاسِ بِالْجُوعِ لَدَيَّ تَحْتَاجُ إِلَى بِضْعِ سَاعَاتٍ حَتَّى تَنْشِطَ بَعْدَ اسْتِيقَاظِي… بِالْإِضَافَةِ إِلَى أَنَّنِي تَلْزَمُنِي مِنْ ثَلَاثٍ إِلَى خَمْسِ دَقَائِقَ فَقَطْ كَيْ أَرْتَدِي مَلَابِسِي…

بِالْإِضَافَةِ إِلَى أَنَّ سَيَّارَتِي الْعَزِيزَةَ كَانَ يَلْزَمُهَا أَقَلَّ مِنْ عَشْرِ دَقَائِقَ كَيْ تَقْلَنِي إِلَى الْجَامِعَةِ…

أَذْكُرُ تِلْكَ الْأَيَّامَ السَّعِيدَةَ الَّتِي كَانَ يَلْزَمُكَ أَقَلَّ مِنْ أَرْبَعِينَ جُنَيْهًا كَيْ تَعْبَأَ خَزَّانَ الْبَنْزِينِ بِأَكْمَلِهِ، وَالَّذِي كَانَ يَكْفِينِي أَكْثَرَ مِنْ أُسْبُوعَيْنِ دَاخِلَ الْمَدِينَةِ… ذَلِكَ السِّعْرُ الَّذِي لَا يَكْفِي حَتَّى لِشِرَاءِ لِتْرَيْنِ مِنَ الْبَنْزِينِ فِي يَوْمِنَا هَذَا…


غُرْفَتِي…


هَذَا سَرِيرِي، وَفِي الْجَانِبِ الْآخَرِ مِنَ الْغُرْفَةِ تَقْبَعُ خِزَانَةُ مَلَابِسِي، وَهِيَ مُغَطَّاةٌ بِالْكَامِلِ بِالْمَرَايَا… لَيْسَ لِأَنَّنِي أَقْضِي السَّاعَاتِ فِي التَّأَنُّقِ، بَلْ لِأَنَّ ذَلِكَ يُوَلِّدُ إِحْسَاسًا مُرِيحًا بِالِاتِّسَاعِ… التَّنَفُّسِ…

وَمَا بَيْنَ سَرِيرِي وَخِزَانَةِ مَلَابِسِي يَقَعُ مَكْتَبِي الْعَزِيزُ وَ… زَكَرِيَّا...





زَكَرِيَّا جَارِي وَصَدِيقِي وَعِشْرَةُ سَنَتَيْنِ فِي الْغُرْفَةِ…

زَكَرِيَّا الَّذِي شَارَكَنِي غُرْفَتِي مُنْذُ عِدَّةِ أَشْهُرٍ، مُنْذُ أَنْ قَرَّرْتُ الِانْضِمَامَ إِلَى قَافِلَةِ أَطِبَّاءِ مِصْرَ الْمَحْرُوسَةِ…

زَكَرِيَّا الَّذِي يَسْتَقِرُّ رَأْسُهُ عَلَى سَطْحِ مَكْتَبِي، وَبَاقِي جَسَدِهِ فِي كَرْتُونَةٍ تَحْتَ سَرِيرِي…

نَعَمْ…


زَكَرِيَّا هُوَ ذَلِكَ الْهَيْكَلُ الْعَظَمِيُّ الَّذِي أُرَاجِعُ عَلَيْهِ دُرُوسَ التَّشْرِيحِ وَيُشَارِكُنِي غُرْفَتِي…

لَكِنَّ زَكَرِيَّا لَيْسَ كَأَيْ هَيْكَلٍ عَظَمِيٍّ…

إِنَّهُ زَكَرِيَّا…

تَعَالى رَأْسُهُ سَطْحَ مَكْتَبِي…

أُلْبِسُهُ غِطَاءً لِلرَّأْسِ Ice cap ذَا عَلَامَةٍ تِجَارِيَّةٍ أَصْلِيَّةٍ، مُفَضِّلًا إِيَّاهُ عَلَى رَأْسِي أَنَا شَخْصِيًّا…

يَرْتَدِي نَظَّارَةً شَمْسِيَّةً أَصْلِيَّةً كَذَلِكَ، وَأَضَعُ بَيْنَ فَكَّيْهِ سِيجَارَةً كَيْ يَبْدُوَ أَكْثَرَ أَنَاقَةً وَيَبْدُوَ مُبْتَسِمًا وَ… سَاخِرًا…

وَكَمَا تَرَى يَا صَدِيقِي، فَلَقَدْ قُمْتُ بِكِتَابَةِ اسْمِهِ عَلَى جَبْهَتِهِ بِاللُّغَةِ الْإِنْجْلِيزِيَّةِ مُسْتَخْدِمًا قَلَمَ فلوماستر أَسْوَدَ اللَّوْنِ ZAKARIA…




نَاهِيكَ عَنْ أَنِّي كُنْتُ أَبْدَأُ يَوْمِي مُحَيِّيًا إِيَّاهُ: "صَبَاحُ الْخَيْرِ يَا زَكَرِيَّا"، وَكَذَا قَبْلَ النَّوْمِ: "تُصْبِحُ عَلَى خَيْرٍ يَا زَكَرِيَّا"، حَتَّى عِنْدَمَا يَكُونُ عَقْلِي عَاجِزًا عَنِ اسْتِيعَابِ مَعْلُومَةٍ طِبِّيَّةٍ مَا وَتَعَالَى ذِهْنِي "شَابُورَةُ الْغَبَاءِ" إِيَّاهَا، فَإِنِّي أُخَاطِبُهُ فِي حَنَانٍ: "أَيُرْضِيكَ هَذَا يَا زَكَرِيَّا!!!"


طَبْعًا قَدْ تَخَيَّلْتَ مَعِي مَشْهَدَ الْفَنَّانِ 'أَحْمَدَ بَدِيرٍ' فِي فِيلْمِ "سَعْدِ الْيَتِيمِ" وَهُوَ يَسِيرُ هَائِمًا عَلَى وَجْهِهِ كَالْمَجَاذِيبِ وَهُوَ يُنَادِي: "يَا تُرَى أَنْتَ فَيْييييييييييييييييِنْ يَا زَكَرِيِّيِّيِّيَّااااا" نِيَاهَاهَاهَاهَاهَاهَا…




دَقَائِقُ مَعْدُودَاتٌ وَكُنْتُ جَاهِزًا لِلِانْطِلَاقِ…

ـ إِلَى اللِّقَاءِ يَا زَكَرِيَّا… أَلْقَاكَ لَيْلًا…


نَسِيتُ أَنْ أُخْبِرَكَ أَنِّي أَعِيشُ فِي ذَاتِ الْبِنَايَةِ مَعَ أَهْلِي بِالطَّبْعِ، لَكِنَّنِي أَقْضِي الْكَثِيرَ مِنَ الْوَقْتِ فِي شُقَّةٍ مُسْتَقِلَّةٍ فِي الطَّابِقِ الْأَخِيرِ، بَيْنَمَا أُسْرَتِي تَسْكُنُ الطَّابِقَ الْأَوَّلَ… وَهَذَا مِنْ بَابِ أَنَّ "الْعَبْقَرِيَّ يَسْتَذْكِرُ بِعُمْقٍ وَهُوَ فِي حَاجَةٍ إِلَى التَّأَمُّلِ مِنْ أَجْلِ مُسْتَقْبَلِ الْبَشَرِيَّةِ الَّذِي سَوْفَ يَقُومُ بِإِنْقَاذِهِ" وَإِلَى آخِرِ هَذَا الْهِرَاءِ…




كُنْتُ أَقْضِي أَغْلَبَ يَوْمِي مَعَ أُسْرَتِي، وَكَانَتْ شُقَّةُ الطَّابِقِ الْأَخِيرِ لِلِاسْتِذْكَارِ وَاسْتِقْبَالِ الْأَصْدِقَاءِ وَالنَّوْمِ أَحْيَانًا… بَيْنَمَا كَانَ الدِّفْءُ وَالْحُبُّ نَابِعًا مِنَ الطَّابِقِ الْأَوَّلِ…

وَالْآنَ…


أُدِيرُ مُحَرِّكَ السَّيَّارَةِ… أَغَانِي "عَمْرِو دِيَابٍ"… الطُّرُقَاتُ… مَزْلَقَانُ السِّكَّةِ الْحَدِيدِيَّةِ إِيَّاهُ وَالَّذِي يَكُونُ دَوْمًا مُغْلَقًا وَقْتَ الْمُحَاضَرَةِ الْأُولَى…




 بَوَّابَةُ الْجَامِعَةِ… وَأَخِيرًا…

مَدْرَجُ مُحَاضَرَاتِ كُلِّيَّةِ الطِّبِّ جَامِعَةِ أَسْيُوطٍ…


تَبًّا…


قَدْ وَصَلْتُ مُتَأَخِّرًا حَوَالَيْ رُبْعِ سَاعَةٍ… لَيْسَ خَطَئِي بِالتَّأْكِيدِ، لَكِنَّهَا تِلْكَ الْقِطَارَاتُ الْمُتَسَعِّكَةُ… لَمْ يَسْمَحُوا لِي بِالدُّخُولِ عَلَى أَيِّ حَالٍ مِنْ أَجْلِ الْمُحَاضَرَةِ الْأُولَى بِسَبَبِ التَّأْخِيرِ، سَوَاءٌ كَانَ بِسَبَبِ قِطَارَاتٍ مُتَسَعِّكَةٍ أَوْ حَتَّى نَيْزَكٍ قَدْ سَقَطَ مِنَ السَّمَاءِ بِجِوَارِي فَقَامَ بِتَدْمِيرِ الْمَدِينَةِ بِأَكْمَلِهَا إِلَّا أَنَا وَسَيَّارَتِي الْعَزِيزَةِ…

هُنَاكَ بَعْضُ الْأَصْدِقَاءِ يُشَارِكُونَنِي نَفْسَ الْمَصِيرِ… يَجْلِسُونَ هُنَاكَ أَمَامَ مَدْرَجِ الْمُحَاضَرَاتِ، حَسَنًا… فَلْتَكُنِ "الصُّحَّةُ الْحُلْوَةُ" حَتَّى مَوْعِدِ الْمُحَاضَرَةِ التَّالِيَةِ…


ـ صَبَاحُ الْخَيْرِ…

ـ صَبَاحُ النُّورِ… هَلْ تَوُدُّ مُشَارَكَتَنَا طَعَامَ الْإِفْطَارِ؟ لَدَيَّ بَعْضُ الشَّطَائِرِ…

ـ هَذَا يَعْتَمِدُ عَلَى مَا يَقَعُ بَيْنَ الشَّطَائِرِ…

ـ لَدَيَّ بَيْضٌ بِاللَّنْشُونِ…

ـ بَيْضٌ بِاللَّنْشُونِ!!! أَسْمَعُ عَنْ بَيْضٍ بِالْبَسْتَرْمَةِ أَوْ بِأَيِّ شَيْءٍ آخَرَ عَدَا اللَّنْشُونَ…

ـ جَرِّبْ..

ـ شُكْرًا.. مُمْمُمْمْ… شَهِيًّا جِدًّا..


وَبَعْدَ أَرْبَعِ شَطَائِرَ…


ـ كَيْفَ تَجِدُهَا؟ !!!

ـ مُمْمْ "نَاقِصَةُ مِلْحٍ" نِيَاهَاهَاهَاهَا

ـ نَاقِصَةُ مِلْحٍ!!! فَلْتَقُمْ بِالْتِهَامِ ذِرَاعَيَّ إِذًا هَا هَا هَا…





وَهَكَذَا مَرَّتْ فِي سَلَامٍ وَمَعَ كَثِيرٍ مِنَ الضَّحِكَاتِ مُدَّةُ الْمُحَاضَرَةِ الْأُولَى مَعَ كَثِيرٍ مِنَ الشَّطَائِرِ "نَاقِصَةِ الْمِلْحِ"…


وَكَانَتِ الْمُحَاضَرَةُ الثَّانِيَةُ؛ مُحَاضَرَةُ عِلْمِ وَظَائِفِ الْأَعْضَاءِ "الْفِسْيُولُوجْيَا"

كَانَتْ مَادَّةُ "الْفِسْيُولُوجْيَا" مِنْ وَجْهَةِ نَظَرِي هِيَ كَابُوسُ طُلَّابِ الْفُرْقَتَيْنِ الْأُولَى وَالثَّانِيَةِ بِكُلِّيَّةِ الطِّبِّ…

تَفَاصِيلُ لَا حَصْرَ لَهَا عَنِ الْمُسْتَقْبِلَاتِ الْعَصَبِيَّةِ وَالْهَرْمُونَاتِ وَالْإِنْزِيمَاتِ وَانْقِبَاضَاتِ الْعَضَلَاتِ الْإِرَادِيَّةِ وَاللَّاإِرَادِيَّةِ وَالْمَزِيدِ وَالْمَزِيدِ عَنْ كَيْفَ يَعْمَلُ الْجَسَدُ الْبَشَرِيُّ…




لَكِنَّ هَذَا الْوَحْشَ الْمُسَمَّى عِلْمُ وَظَائِفِ الْأَعْضَاءِ مُقَارَنَةً بِعِلْمِ الْأَمْرَاضِ "الْبَاثُولُوجْيَا" وَالْأَرْبَعَةَ عَشَرَ كِتَابًا الْمُتَعَلِّقِينَ بِعُلُومِ الْأَمْرَاضِ الْبَاطِنِيَّةِ وَغَيْرِهَا مِنَ الْعُلُومِ الطِّبِّيَّةِ، لَمْ تَكُنِ "الْفِسْيُولُوجْيَا" سِوَى مَشْرُوبِ تَرْحِيبٍ Welcome drink لِمَا هُوَ قَادِمٌ…


أَيُرْضِيكَ هَذَا يَا زَكَرِيَّا!!!


انْتَهَتِ الْمُحَاضَرَةُ…

وَلِأَنَّهُ يَوْمُ الْخَمِيسِ…

لَمْ يَعُدْ مُتَبَقِّيًا فِي الْيَوْمِ الدِّرَاسِيِّ إِلَّا…

دَرْسُ التَّشْرِيحِ الْعَمَلِيِّ…

الْمُشَرَّحَةُ…




المَشْرَحَة...


المَشْرَحَةُ هِيَ المَكَانُ الأَكْثَرُ رُومَانْسِيَّةً دَاخِلَ مُبْنَى كُلِّيَّةِ الطِّبِّ... مَا أَنْ تَدْخُلَ إِلَيْهَا حَتَّى يُصَابَ أَنْفُكَ بِالْاِحْتِقَانِ وَتَعْتَرِضُ جُيُوبُكَ الأَنْفِيَّةُ سُعَالًا... تَدْمَعُ عَيْنَاكَ بَعْدَ أَنْ تَتَحَوَّلَ إِلَى اللَّوْنِ الأَحْمَرِ بِفِعْلِ رَائِحَةِ الفُورْمَالِينِ المُسْتَخْدَمِ فِي حِفْظِ الجُثَثِ... إِلَى أَنْ تَعْتَادَ... وَكَأَنَّ الفُورْمَالِينُ يُشَكِّلُ بَوَّابَةً خَفِيَّةً مَا بَيْنَ عَالَمَيْنِ...

نَعَمْ، سَوْفَ تَعْتَادُ يَوْمًا... وَتَصِيرُ أَنْتَ ذَاتُكَ جُزْءًا مِنْ كِيَانِهَا...




كِيَانِ المَشْرَحَة...


أَحْوَاضٌ مَمْلُوءَةٌ بِالجُثَثِ السَّابِحَةِ وَسْطَ الفُورْمَالِينِ... هُنَاكَ فِي ذَلِكَ الحَوْضِ تَرْقُدُ جُثَّةُ أَحَدِهِمْ... كَانَ يَوْمًا مَا شَخْصًا لَدَيْهِ اسْمٌ، وَطُمُوحَاتٌ وَأَحْلَامٌ وَلَرُبَّمَا أُسْرَةٌ كَذَلِكَ... مِثْلُكَ تَمَامًا...

هُوَ لَمْ يَقْتَرِفْ ذَنْبًا مَا كَيْ يَنْتَهِيَ بِهِ المَطَافُ إِلَى هُنَا... سِوَى إِنَّهُ قَدْ مَاتَ... وَهُوَ "فَاقِدُ الأَهْلِيَّةِ"...

سَتُدْرِكُ لَحْظَتَهَا أَنَّنَا لَمْ نَخْتَرْ شَيْئًا عَلَى الإِطْلَاقِ... لَمْ نَقُمْ بِاخْتِيَارِ أَقْدَارِنَا... لَمْ تَقُمْ بِاخْتِيَارِ أَسْلَافِنَا وَلَا أَبْنَائِنَا وَلَا لُغَتِنَا وَلَا مُعْتَقَدَاتِنَا وَلَا حَتَّى أَسْمَائِنَا...


قَدْ وُلِدْنَا هَكَذَا وَمُنِحْنَا القُدْرَةَ عَلَى الاِخْتِيَارِ بَعْدَ ذَلِكَ فَكَانَ لِلْكَوْنِ مَعْنًى وَلِلإِدْرَاكِ وُجُودٌ...

لَحْظَتَهَا سَوْفَ تَدْرِكُ أَنَّ البِدَايَةَ كَانَتْ مَكْتُوبَةً حَتَّى مِنْ قَبْلِ خَلْقِ البِدَايَةِ... أَنْتَ فَقَطْ بِيَدِكَ كَيْفِيَّةُ اخْتِيَارِ التَّفَاصِيلِ... سَعِيدَةٌ أَمْ حَزِينَةٌ... سَهْلَةٌ أَمْ مُمْتَنِعَةٌ... حُلْوَةٌ أَوْ مُرَّةٌ...


يَقْفِزُ إِلَى ذِهْنِكَ ذَلِكَ السُّؤَالُ الأَبَدِيُّ العُنَادُ العَنِيدُ... هَلْ نَسْعَى نَحْوَ أَقْدَارِنَا!!! أَمْ إِنَّ مَصَائِرَنَا هِيَ مَنْ تَخْتَارُنَا!!!

وَدَائِمًا...

لَا مِنْ مُجِيبٍ...

إِنَّ خَالِقَ السَّمَاوَاتِ سَوْفَ يُحَاسِبُنَا عَلَى سَعْيِنَا لِأَنَّ النَّتِيجَةَ دَائِمًا بِيَدِهِ هُوَ فَقَطْ...

رَحْمَاكَ يَا خَالِقَ السَّمَاوَاتِ....


تَرَى هُنَاكَ بِضْعُ مَنَاضِدَ تَرْقُدُ عَلَيْهَا بَعْضُ الجُثَثِ... مِنْهَا مَا هُوَ كَامِلٌ وَمِنْهَا مَا قَدْ تَحَوَّلَ إِلَى أَشْلَاءٍ..

هُنَاكَ مَجْمُوعَةٌ مِنَ الزُّمَلَاءِ يَلْتَفُّونَ حَوْلَ ذِرَاعِ جُثَّةِ أَحَدِهِمْ... وَاحِدٌ مِنْهُمْ يَرْفَعُ كِتَابَ التَّشْرِيحِ وَيَقْرَأُ وَأَحَدُهُمْ يُشِيرُ إِلَى مَا يَتَحَدَّثُ عَنْهُ الأَوَّلُ وَالآخَرُونَ يَسْتَمِعُونَ وَيُدَوِّنُونَ مُلَاحَظَتَهُمْ...




فَرِيقٌ آخَرُ يَفْحَصُ كَبِدًا بَشَرِيًّا... يَهْتِفُ وَاحِدٌ مِنْهُمْ...

ـ هُوَ لَا يَكْفِي لَنَا جَمِيعًا...

ـ فَلْتَذْهَبْ لِإِحْضَارِ كَبِدٍ آخَرَ...

وَهَكَذَا يَذْهَبُ ذَلِكَ المُتَحَمِّسُ إِلَى عَامِلِ المَشْرَحَةِ كَيْ يُخْبِرَهُ إِنَّهُمْ بِحَاجَةٍ إِلَى كَبِدٍ بَشَرِيٍّ آخَرَ هُنَاكَ، فَيَكْشِفُ العَامِلُ عَنْ ذِرَاعَيْهِ وَيُدْخِلُهَا فِي بَرْمِيلٍ مَلِيءٍ بِالأَكْبَادِ البَشَرِيَّةِ فِي بَسَاطَةٍ وَيَخْتَارُ كَبِدًا طَازَجَةً إِلَى حَدٍّ مَا لَمْ يُنْهِكْهُ التَّشْرِيحُ وَيُعْطِيهِ إِلَى زَمِيلِنَا مُتَمَنِّيًا لَهُ التَّوْفِيقَ...





"نَاقِصْ مِلْح" نِيَاهَاهَاهَا


لَا تَنْدَهِشْ...


فَهُنَاكَ بَرْمِيلٌ آخَرُ مَمْلُوءٌ بِالقُلُوبِ البَشَرِيَّةِ وَآخَرُ لِلرِّئَتَيْنِ وَآخَرُ لِلْكُلَى وَكُلِّ مَا تَرْغَبُ فِيهِ يَا صَدِيقِي...




تَمُرُّ سَاعَاتُ المَشْرَحَةِ الأَرْبَعِ فِي بُطْءٍ..


أُشَارِكُ مَعَ زُمَلَائِي دِرَاسَةَ العَصَبِ الزَّنْدِيِّ وَالكَعْبَرِيِّ Ulnar and radial nerves بِكُلِّ حَمَاسٍ...

بَعْضُهُمْ قَدْ بَدَأَ يَشْعُرُ بِالجُوعِ وَأَنَا مِنْهُمْ...

أَنْظُرُ إِلَى صَدِيقِي إِيَّاهُ مُتَسَائِلًا...

ـ هَلْ لَا زَالَ لَدَيْكَ المَزِيدُ مِنْ شَطَائِرِ الصَّبَاحِ!!!

ـ تِلْكَ الَّتِي "نَاقِصْ مِلْح!!!" نِيَاهَاهَاهَا

ـ بَلَى، سَتَكُونُ أَكْثَرَ طَعَامَةً مَعَ رَائِحَةِ الفُورْمَالِينِ...

ـ مَا أَجْمَلَهَا مَعَ إِضَافَةِ طَبَقٍ مِنْ قُلُوبِ الضَّفَادِعِ الَّتِي قُمْنَا بِتَشْرِيحِهَا فِي دَرْسِ الفِسْيُولُوجِي بِالأَمْسِ...

ـ وَكَأْسٍ مِنَ الدِّمَاءِ الطَّازَجَةِ... يَا الرَّوْعَةُ...

يَمْضِي الوَقْتُ وَنَحْنُ نَسْتَمِعُ بِ"كُومْبُو المَشْرَحَةِ" أَوْ "الوَجْبَةِ الأَخِيرَةِ" أَيَّمَا كُنْتَ تُحِبُّ أَنْ تُطْلِقَهَا...





نَاقِصْ مِلْح...


أَذْكُرُ يَوْمًا مَا خِلَالَ الشَّهْرِ الأَوَّلِ مِنْ وُجُودِي هُنَا... رَأَيْتُ بَعْضَهُمْ يَدْخُلُونَ المَشْرَحَةَ وَهُمْ يَحْمِلُونَ بِضْعَ نَقَائِلَ كَتِلْكَ الَّتِي تُسْتَخْدَمُ فِي نَقْلِ المَرْضَى فِي سَيَّارَاتِ الإِسْعَافِ...

لَكِنَّهَا كَانَتْ مَحْمُولَةً بِالجُثَثِ...

يَقُولُونَ بِأَنَّهَا قَدْ جَاءَتْ مِنْ مَشْرَحَةِ 'زَيْنَهُم' فِي القَاهِرَةِ... جُثَثٌ أُخْرَى "فَاقِدَةُ الأَهْلِيَّةِ" قَدْ سَاقَتْنَا الأَقْدَارُ سَوِيًّا كَيْ نَلْتَقِيَ هُنَا....




تَمَلَّكَ مِنِّي الفُضُولُ وَاقْتَرَبْتُ مِنْ إِحْدَى الجُثَثِ فَوْرَ أَنْ وُضِعَتْ عَلَى مَنْضَدَةِ التَّشْرِيحِ...

كَانَتْ جُثَّةُ رَجُلٍ وَقَدْ بَدَتْ مَحْفُوظَةً بِشَكْلٍ جَيِّدٍ جِدًّا لَمْ تُمَارَسْ عَلَيْهَا طُقُوسُ التَّشْرِيحِ بَعْدُ، كَانَ يَبْدُو فِي مُنْتَصَفِ العُمْرِ، قَوِيَّ البُنْيَانِ حَتَّى أَنَّ عَضَلَاتِ جِدَارِ بَطْنِهِ الأَمَامِيِّ وَعَضَلَاتِ ذِرَاعَيْهِ كَانَتْ مُنَسَّقَةً بِشَكْلٍ مُتَمَيِّزٍ، لَا بُدَّ أَنَّهُ كَانَ رِيَاضِيًّا مِنَ الدَّرَجَةِ الأُولَى...


رَأْسُهُ...


كَانَ حَلِيقَ الرَّأْسِ بِشَكْلٍ مُتَنَاسِقٍ وَمُهَذَّبِ الشَّعْرِ بِشَكْلٍ جَيِّدٍ... لَاحَظْتُ ذَلِكَ مِنْ حَوَافِ شَعْرِ رَأْسِهِ المُتَسَاوِيَةِ...

قَدْ تَوَصَّلْتُ إِلَى تِلْكَ الحَقَائِقِ بِذَكَائِي المُفْرِطِ مُتَخَيِّلًا نَفْسِي طَبِيبًا شَرْعِيًّا فِي مُسَلْسَل Grey's Anatomy..."العَبْقَرِيُّ يَسْتَذْكِرُ دُرُوسَهُ وَمُسْتَقْبَلَ البَشَرِيَّةِ بَيْنَ يَدَيْهِ" كَمَا رُوِيَ سَابِقًا...


تَمَلَّكَ مِنِّي الفُضُولُ...

قَفَزَ إِلَى ذِهْنِي سُؤَالٌ وَاحِدٌ...


كَيْفَ سَيَكُونُ شَكْلُ العَيْنِ بَعْدَ المَوْتِ!!!


اِسْتَجْمَعْتُ مَا تَبَقَّى مِنْ شَجَاعَتِي وَمَدَدْتُ يَدِي نَحْوَ الجُفُونِ... أُحَاوِلُ فَتْحَهَا...

الأَمْرُ لَيْسَ سَهْلًا كَمَا ظَنَنْتُ...

إِنَّهُ التَّيَبُّسُ الرَّمِيُّ Rigor mortis... وَهِيَ حَالَةُ تَصَلُّبٍ مُؤَقَّتٍ تُصِيبُ جَمِيعَ عَضَلَاتِ الجَسَدِ بَعْدَ المَوْتِ بِبِضْعِ سَاعَاتٍ...

تَتَغَيَّرُ كِيمِيَاءُ الخَلَايَا، حَيْثُ يَنْفَدُ مَخْزُونُ الطَّاقَةِ ATP مِمَّا يَتَسَبَّبُ فِي قَفْلِ خُيُوطِ الأَلْيَافِ العَضَلِيَّةِ (الأَكْتِينِ وَالمِيُوزِينِ) مَعًا وَبَقَائِهَا فِي وَضْعِيَّةِ الاِنْقِبَاضِ دُونَ القُدْرَةِ عَلَى الاِرْتِخَاءِ...


أَخِيرًا وَبَعْضَ لَحَظَاتٍ مُجْهِدَةٍ مَلِيئَةٍ بِالتَّوَتُّرِ وَالرُّعْبِ المُتَرَقَّبِ...

اِنْفَتَحَ الجَفْنُ...

جُزْئِيًّا...

لَا...

لَيْسَ كَمَا تَظُنُّ...

لَا يُوجَدُ أَيُّ شَيْءٍ يَدْعُو لِلْخَوْفِ أَوِ الرُّعْبِ أَوْ حَتَّى الفَزَعِ وَالهَلَعِ عَلَى الإِطْلَاقِ...

فَقَطْ عَيْنٌ رَمَادِيَّةٌ وَسْطَ أَجْفَانٍ بُنِّيَّةٍ بِوَجْهِ جُثَّةٍ مُحَنَّطَةٍ فِي المَشْرَحَةِ...




نَاقِصْ مِلْح...


وَفِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ...


رَقَدْتُ فِي سَرِيرِي مُسْتَغْرِقًا فِي النَّوْمِ بِكُلِّ بَرَاءَةٍ...


خ خ خ خ خ خ...


أَرَاهُ...

وَاقِفًا عِنْدَ بَابِ الغُرْفَةِ..

يَرْمُقُنِي فِي غَضَبٍ بِعَيْنَيْنِ لَا أَرَاهُمَا...


هُوَ الَّذِي قَدْ حَاوَلْتُ فَتْحَ جُفُونِهِ صَبَاحًا...

هُوَ الآنَ مَعِي... لَيْلًا...

يَقِفُ عِنْدَ بَابِ الغُرْفَةِ الَّتِي قَدْ غَزَا الفُورْمَالِينُ رَائِحَتَهَا...

مَا زَالَ يَرْمُقُنِي فِي غَضَبٍ...


يَقْتَرِبُ فِي هُدُوءٍ... فِي ثِقَةٍ...

قَدْ أُصِيبَتْ أَحْبَالِي الصَّوْتِيَّةُ بِالشَّلَلِ التَّامِّ...

كَذَلِكَ قَدْ فَعَلَتْ مُرَكَّبَاتُ الطَّاقَةِ وَجُزَيْئَاتُ الأَكْتِينِ وَالمِيُوزِينِ فِي جَمِيعِ عَضَلَاتِي الإِرَادِيَّةِ...


يَقْتَرِبُ...

يَقْتَرِبُ....

قَدْ تَوَقَّفَ...

أَمَامِي تَمَامًا...

رَائِحَةُ الفُورْمَالِينِ...

وَ...

رَائِحَةُ الرُّعْبِ...


مَدَّ رَأْسَهُ وَيَدَهُ تَجَاهِي...

وَسَأَلَنِي بِصَوْتٍ غَلِيظٍ قَاسٍ...


لِمَ فَتَحْتَ عَيْنِي!!!





اِسْتَيْقَظْتُ مُفْزَعًا عَلَى وِشْكِ الإِصَابَةِ بِنَوْبَةِ قَلْبِيَّةٍ...


لَا أَدْرِي لِمَ قَدْ تَذَكَّرْتُ هَذَا الكَابُوسَ الآنَ!!!

رُبَّمَا لِأَنِّي لَا زِلْتُ هُنَا... وَهُنَاكَ جُثَّةٌ جَدِيدَةٌ تَرْقُدُ عَلَى مَنْضَدَةِ التَّشْرِيحِ لَمْ تُمَارَسْ عَلَيْهَا طُقُوسُ التَّشْرِيحِ بَعْدُ...

لَكِنَّنِي كُنْتُ قَدْ أَقْسَمْتُ مِنْ لَحْظَتِهَا بِأَنِّي لَنْ أَقُومَ أَبَدًا بِمُحَاوَلَةِ فَتْحِ جُفُونِ أَحَدِهِمْ...

سَوَاءٌ كَانَ جُثَّةً أَوْ لَا زَالَ حَيًّا يُرْزَقُ...




الجُثَثُ لُغَتُهَا الخَاصَّةُ...


نَاقِصْ مِلْح...


أَيَرْضِيكَ هَذَا يَا زَكَرِيَّا!!!


وَلأَنَّهُ يَوْمُ الخَمِيسِ...

قَدْ مَرَّتْ سَاعَاتُ المَشْرَحَةِ الأَرْبَعِ أَسْرَعَ مِنْ أَيِّ يَوْمٍ آخَرَ...

وَحَانَ وَقْتُ الذَّهَابِ إِلَى مَكَانٍ آخَرَ...

لِأَنَّهُ...

يَوْمُ الخَمِيسِ...



النادي...


و أخيرًا...

الهواء النقي مَرَّةً أُخْرَى دون رَائحة الفُورمالين...


سَيَّارَتِي العَزِيزَةُ و أَصْدِقَائِي المُقَرَّبُونَ...

سَتَكُونُ العَوْدَةُ إلى البَيْتِ في سَاعَةٍ مُتَأَخِّرَةٍ مِنَ اللَّيْلِ بَعْدَ كَثِيرٍ مِنَ المَرَح.... طَعَامُ الغَدَاءِ... لا بَيْضَ بِاللانْشُون... لا كِلَابَ ساخِنَة...

كَانَتِ البِيتزَا هِيَ الاخْتِيَارُ الأَمْثَلُ...

في تِلْكَ الأَيَّامِ السَّعِيدَةِ كَانَتْ عَشْرُ جُنَيْهَاتٍ تَكْفِي لِشِرَاءِ بِيتزَا مُتَوَسِّطَةِ الحَجْمِ وَفَطِيرَةِ تُفَّاحٍ وَزُجَاجَةِ مِيَاهٍ غَازِيَّةٍ وَيَزِيدُ...

وَكَانَ يَا مَكَانْ...


ثُمَّ الذَّهَابُ إلى المَكَانِ الوَحِيدِ الَّذِي كَانَ مُتَاحًا في تِلْكَ الفَتْرَةِ...

نَادِي جَامِعَةِ أَسْيُوط الجَدِيدُ...

كَانَ النَّادِي صَغِيرًا... مَمْشًى بِطُولِ النَّادِي وَحَوْلَهُ تَتَرَاصُّ المَنَضَّدَاتُ وَالمَقَاعِدُ الخَشَبِيَّةُ الَّتِي تَتَكَفَّلُ دَائِمًا بِتَمْزِيقِ بَنْطَالِكَ وَأَنْتَ في نِهَايَةِ اليَوْمِ...


كُنْتَ تَشْعُرُ أَنَّكَ دَاخِلَ إحْدَى عُرُوضِ الأزْيَاءِ السَّخِيفَةِ الَّتِي تَرْتَدِي فِيهَا إحْدَاهُنَّ أَبَاجُورَةً فَوْقَ رَأْسِهَا الفَارِغِ، وَأُخْرَى تَرْتَدِي رِدَاءً مَصْنُوعًا مِنْ لِحَاءِ أَشْجَارِ البَلُّوطِ وَمُطَرَّزٍ بِأَوْرَاقِ الزَّيْزَفُونِ، بَيْنَمَا يَقُومُ مَجْمُوعَةٌ مِنَ المَخَابِيلِ بِمُشَاهَدَةِ هَذَا الهُرَاءِ مُرَدِّدِينَ عِبَارَاتٍ عَلَى غِرَارٍ... أُووووووه... رَاعِ... رَائِع... مُودَةُ سَنَةِ ٢٠٠٠...


يَا وَيْلِي...


قَابَلْتُ أَحَدَ الزُّمَلَاءِ وَدَارَ بَيْنَنَا الحِوَارُ التَّالِي:


ـ مَرْحَبًا... هَلْ تَزَالُ مُنْتَسِبًا إلى كُلِّيَّةِ الطِّبِّ!!! لَمْ أَرَكَ مُنْذُ العُدْوَانِ الثُّلَاثِيِّ...

ـ كُنْتُ أُحَارِبُ التَّتَارَ مَعَ جَيْشِ قُطُزٍ... كَيْفَ حَالُ الدِّرَاسَةِ!!!

ـ بِخَيْرٍ...

ـ وَكَيْفَ حَالُ زَكَرِيَّا!!!

ـ في أَفْضَلِ حَالٍ...

ـ أَنَا أَدْرُسُ التَّشْرِيحَ عَلَى عِظَامٍ جَمِيلَةٍ جِدًّا... أَضَعُهَا في كَرْتُونَةٍ جِوَارَ كَرْتُونَةِ الضَّفَادِعِ تَحْتَ سَرِيرِي...

ـ عِظَامٌ وَضَفَادِعُ.... يَا لِلرُّومَانْسِيَّةِ...

ـ أَقُومُ بِتَشْرِيحِ ضِفْدَعٍ كُلَّ يَوْمٍ قَبْلَ النَّوْمِ...

ـ شَهْيَةً طَيِّبَةً يَا صَاحْ نِيَاهْيَاهْيَاهْيَاهاهَا... أَخْبِرْنِي... مَا الَّذِي يُمَيِّزُ عِظَامَكَ عَنْ زَكَرِيَّا!!!

ـ إِنَّهَا عِظَامُ أَبِي...

ـ عِظَامُ أَبِيكَ!!!!

ـ بَلَى... أَنَّهَا بِحَالَةٍ مُمْتَازَةٍ... وَمَطْلِيَّةٌ كَذَلِكَ بِاللَّوْنَيْنِ الأزْرَقِ وَالأحْمَرِ في أَمَاكِنِ مَنْشَأِ وَمَغْرِزِ كُلِّ عَضَلَةٍ في العِظَامِ...

ـ يَا وَيْلِي.... لَكِنْ هَلْ قَامَ أَبُوكَ بِمَنْحِ نَفْسِهِ إلى العِلْمِ إلى هَذِهِ الدَّرَجَةِ!!!!

ـ مَاذَا تَعْنِي!!!

ـ آمِينَ... البَقَاءُ لِلَّهِ وَحْدَهُ... لَكِنْ... يَالَلْمُصِيبَةِ... لَقَدْ قَابَلْتُ وَالِدَكَ صَبَاحَ اليَوْمِ في أَحَدِ أَرْوِقَةِ الجَامِعَةِ... كَيْفَ وَمَتَى تُوُفِّيَ وَتَحَلَّلَ!! بَلْ وَقُمْتُمْ بِسَلْخِ عِظَامِهِ وَطِلَائِهَا!!! أَنَا حَتَّى لَمْ آتِ لِتَقْدِيمِ وَاجِبِ العَزَاءِ... سَامِحْنِي يَا صَدِيقِي...

ـ مَاذَا!! هَلْ أَنْتَ مَعْتُوهٌ!!! أَنَا أَدْرُسُ عَلَى العِظَامِ الَّتِي كَانَ أَبِي يَدْرُسُ عَلَيْهَا عِنْدَمَا كَانَ طَالِبًا في كُلِّيَّةِ الطِّبِّ..

ـ !!!!!





طَبْعًا انْصَرَفَ وَقَدْ عَجَزَ لِسَانِي عَنِ النُّطْقِ بَيْنَمَا أَتَمْتَمُ...

يَالَكَوْكَبِ المَخَابِيلِ هَذَا...

لَكِنْ...

مَنْ مِنَّا هُوَ المَخْبُولُ يَا تُرَى!!!

كِلَانَا أَعْتَقِدُ...


وَهُنَاكَ...

في أَبْعَدِ رُكْنٍ في النَّادِي... تَحْتَ شَجَرَةٍ ضَخْمَةٍ كَانُوا يَجْلِسُونَ...

أَصْدِقَائِي...

مَجْمُوعَةٌ تَتَكَوَّنُ مِنْ أَصْدِقَاءِ المَدْرَسَةِ... آخَرُونَ مِنْ أَصْدِقَاءِ الكُلِّيَّةِ... وَآخَرُونَ مِمَّنْ تَعَرَّفْتُ عَلَيْهِمْ هُنَا في النَّادِي...


انْضَمَمْتُ إلى المَجْلِسِ حَتَّى أَصْبَحْنَا ١٦ شَخْصًا يَدْرُسُونَ في كُلِّيَّاتٍ مُخْتَلِفَةٍ...

دَامَتِ الجَلْسَةُ بِضْعَ سَاعَاتٍ مَرِحَةً... شَطَائِرُ البِرْجَرِ إيَّاهَا وَالمِيَاهُ الغَازِيَّةُ، لَكِنْ بِدُونِ "كُومْبُو المُشَرَّحَةِ" وَلِلَّهِ الحَمْدُ...





بَعْدَ مُنْتَصَفِ اللَّيْلِ...

قَدْ بَدَأَ النَّاسُ في الانْصِرَافِ وَبَدَأَتِ الأضْوَاءُ تَنْطَفِئُ تَدْرِيجِيًّا..

وَهُنَا...

اقْتَرَحَ أَحَدُ الزُّمَلَاءِ أَنْ يَقُصَّ كُلٌّ مِنَّا مَوْقِفًا أَوْ قِصَّةً مُرْعِبَةً حَدَثَتْ لَهُ أَوْ لِأَحَدِ مَعَارِفِهِ أَوْ سَمِعَ عَنْهَا في مَكَانٍ مَا...


أَلَمْ أَقُلْ سَابِقًا يَالَكَوْكَبِ المَخَابِيلِ هَذَا!!!


وَهَكَذَا...

اتَّخَذَتِ الجَلْسَةُ مَنْحًى جَدِيدًا...

حِكَايَاتٌ عَنْ أَصْلِ أَسَاطِيرِ وَأَيْقُونَاتِ الرُّعْبِ المِصْرِيَّةِ...


وَرَوَى الأوَّلُ...

سَوْفَ أُحَدِّثُكُمْ عَنْ أَبُو رِجْلٍ مَسْلُوخَة...




هَلْ كُنْتُمْ تَعْتَقِدُونَ أَنَّ أُسْطُورَةَ "أَبِي رِجْلٍ مَسْلُوخَة" الَّتِي لَطَالَمَا رُوِّعَتْ بِهَا طُفُولَتُنَا هِيَ مُجَرَّدُ خُرَافَةٍ نَسَجَهَا الخَيَالُ؟ الصَّدْمَةُ هِيَ أَنَّ هَذِهِ الشَّخْصِيَّةَ تَسْتَنِدُ إلى وَاقِعٍ تَارِيخِيٍّ دَمَوِيٍّ يَعُودُ إلى العَصْرِ المَمْلُوكِيِّ!


تَأْخُذُنَا الجُذُورُ الحَقِيقِيَّةُ لِهَذِهِ الحِكَايَةِ إلى عَهْدِ السُّلْطَانِ المَمْلُوكِيِّ "قَانْصُوه الغَوْرِيّ". كَانَ هَذَا السُّلْطَانُ مَعْرُوفًا بِبَطْشِهِ الشَّدِيدِ وَقَسْوَتِهِ في فَرْضِ النِّظَامِ. وَوِفْقًا لِمَا وَثَّقَهُ المُؤَرِّخُ الشَّهِيرُ "ابْنُ إيَاسٍ" في كُتُبِهِ، فَإِنَّ الغَوْرِيَّ ابْتَدَعَ عُقُوبَاتٍ مُرْعِبَةً لَمْ تَكُنْ مَأْلُوفَةً مِنْ قَبْلُ لِمُعَاقَبَةِ الجَوَاسِيسِ وَاللُّصُوصِ، وَكَانَ عَلَى رَأْسِهَا عُقُوبَةُ "السَّلْخِ حَيًّا".


الشَّرَارَةُ الحَقِيقِيَّةُ بَدَأَتْ عِنْدَمَا قُبِضَ عَلَى بَعْضِ الجَوَاسِيسِ في مِنْطَقَةِ شَارِعِ المُعِزِّ وَالغَوْرِيَّةِ، فَأَمَرَ السُّلْطَانُ بِسَلْخِ جُلُودِ أَرْجُلِهِمْ وَهُمْ أَحْيَاءٌ، وَطِيفَ بِهِمْ في أَزِقَّةِ القَاهِرَةِ وَالدِّمَاءُ تَقْطُرُ مِنْهُمْ لِيَكُونُوا عِبْرَةً لِلْعَامَّةِ.


مَنْظَرُ هَؤُلَاءِ الرِّجَالِ وَهُمْ يَجُرُّونَ أَقْدَامَهُمُ المَسْلُوخَةَ الدَّامِيَةَ في الطُّرُقَاتِ طَبَعَ صُورَةً ذِهْنِيَّةً مُرْعِبَةً في ذَاكِرَةِ الأهَالِي. مُنْذُ ذَلِكَ الحِينِ، بَاتَ النَّاسُ يَخْشَوْنَ السَّيْرَ لَيْلًا في شَارِعِ المُعِزِّ بِسَبَبِ كَثْرَةِ الإعْدَامَاتِ وَالمَشَاهِدِ الدَّمَوِيَّةِ الَّتِي شَهِدَهَا. وَمَعَ مُرُورِ الأجْيَالِ، تَحَوَّرَتْ هَذِهِ الحَادِثَةُ التَّارِيخِيَّةُ؛ فَبَدَأَتِ الأُمَّهَاتُ يَسْتَخْدِمْنَ صُورَةَ "الرَّجُلِ الَّذِي سُلِخَتْ رِجْلُهُ" لِتَخْوِيفِ الأطْفَالِ وَإجْبَارِهِمْ عَلَى النَّوْمِ مُبَكِّرًا، حَتَّى نُسِيَ الأصْلُ التَّارِيخِيُّ ووُلِدَتِ الأُسْطُورَةُ الشَّعْبِيَّةُ الشَّهِيرَةُ!"


وَحَكَى الثَّانِي...

هَلْ ظَنَنْتُمْ يَوْمًا أَنَّ "أُمَّنَا الغُولَة"، تِلْكَ المَرْأَةَ البَشِعَةَ ذَاتَ الشَّعْرِ الأَشْعَثِ وَالعَيْنَيْنِ الحَمْرَاوَيْنِ الَّتِي تَلْتَهِمُ الأطْفَالَ في حِكَايَاتِ الجَدَّاتِ، هِيَ مُجَرَّدُ خُرَافَةٍ؟





الحَقِيقَةُ أَنَّ وَرَاءَهَا لُغْزًا أَثَرِيًّا وَمَأْسَاةً حَقِيقِيَّةً حَدَثَتْ في صَعِيدِ مِصْرَ! تَعُودُ الجُذُورُ لِعَامِ أَلْفٍ وَتِسْعِمِائَةٍ وَثَلَاثَةٍ، عِنْدَمَا كَانَ عَالِمُ الآثَارِ الفَرَنْسِيُّ "جُورْج لِيِجْرَان" يَنْقُبُ في مَعْبَدِ الكَرْنَكِ بِالأقْصُرِ، وَاكْتَشَفَ مَا يُعْرَفُ بِـ "خَبِيئَةِ الكَرْنَكِ". تَزَامُنًا مَعَ أَعْمَالِ الحَفْرِ، كَانَ هُنَاكَ أَطْفَالٌ يَلْعَبُونَ فَوْقَ تَلَّةٍ قَرِيبَةٍ، وَفَجْأَةً انْهَارَ جِدَارٌ أَثَرِيٌّ ضَخْمٌ وَمَاتَ الأطْفَالُ تَحْتَ الأَنْقَاضِ...


المُفَارَقَةُ المُرْعِبَةُ أَنَّهُ في نَفْسِ يَوْمِ المَأْسَاةِ، نَجَحَ العُمَّالُ في اسْتِخْرَاجِ تَمَاثِيلَ سَوْدَاءَ مُخِيفَةٍ لِلْإلَهَةِ "سَخْمَت" (إلَهَةِ الحَرْبِ وَالدَّمَارِ الفِرْعَوْنِيَّةِ)، والَّتِي تَمْلِكُ رَأْسَ أُنْثَى أَسَدٍ مُتَعَطِّشَةً لِلدِّمَاءِ. رَبَطَ الأهَالِي المُفْجُوعُونَ بَيْنَ مَوْتِ الأطْفَالِ وَاسْتِخْرَاجِ التَّمَاثِيلِ، وَاعْتَقَدُوا أَنَّ رُوحَ "سَخْمَت" قَدْ بُعِثَتْ مِنْ جَدِيدٍ لِحَصْدِ الأرْوَاحِ، وَمِنْ هُنَا تَحَوَّلَتْ إلَهَةُ الفَرَاعِنَةِ في الذَّاكِرَةِ الشَّعْبِيَّةِ إلى "أُمَّنَا الغُولَة" الَّتِي تَخْتَطِفُ الأطْفَالَ مِنْ بَيْنِ البُيُوتِ!"


وَرَوَى الثَّالِثُ...

"مَنْ مِنَّا لَمْ يَسْمَعْ عَنِ 'النَّدَّاهَة'؟




تِلْكَ الحَسْنَاءُ فَائِقَةُ الجَمَالِ الَّتِي تَقِفُ لَيْلًا عَلَى حَوَافِ التُّرَعِ وَالمَصَارِفِ في رِيفِ مِصْرَ، تُنَادِي الضَّحِيَّةَ بِاسْمِهِ بِصَوْتٍ عَذْبٍ، فَمَا إنْ يَتَّبِعُهَا حَتَّى يُصَابَ بِالجُنُونِ ثُمَّ يَمُوتُ! لَكِنَّ الوَاقِعَ وَرَاءَ هَذِهِ الأُسْطُورَةِ طِبِّيٌّ وَطَبِيعِيٌّ تَمَامًا...


قَبْلَ بِنَاءِ السَّدِّ العَالِي، كَانَتِ الفَيْضَانَاتُ تَتْرُكُ خَلْفَهَا بِرَكًا وَمُسْتَنْقَعَاتٍ رَاكِدَةً تَتَجَمَّعُ فِيهَا النَّبَاتَاتُ وَتَحَلُّلُهَا. في ظَلَامِ اللَّيْلِ الدَّامِسِ، كَانَتْ تَنْبَعِثُ مِنْ هَذِهِ المُسْتَنْقَعَاتِ غَازَاتٌ طَبِيعِيَّةٌ فُسْفُورِيَّةٌ تُوحِي لِلنَّاظِرِ مِنْ بَعِيدٍ بِوُجُودِ أَشْكَالٍ بَشَرِيَّةٍ مُضِيئَةٍ وَمُتَحَرِّكَةٍ. الأَخْطَرُ مِنْ ذَلِكَ، أَنَّ تِلْكَ البِرَكَ كَانَتْ مَوْطِنًا لِبَعُوضِ المَلَارِيَا الشَّرِسَةِ...


كَانَ الفَلَّاحُونَ الَّذِينَ يَخْرُجُونَ لَيْلًا لِرَيِّ أَرَاضِيهِمْ يَتَعَرَّضُونَ لِلَدْغَاتِ هَذَا البَعُوضِ، فَيُصَابُونَ بِحُمَّى المَلَارِيَا الشَّدِيدَةِ الَّتِي تُؤَدِّي إلى الهَذَيَانِ وَالهَلُوسَةِ السَّمْعِيَّةِ وَالبَصَرِيَّةِ. كَانَ المَرِيضُ يَتَخَيَّلُ أَنَّ شَخْصًا يُنَادِيهِ، وَيَبْدَأُ في الصُّرَاخِ وَالرَّكْضِ نَحْوَ المُسْتَنْقَعِ حَتَّى يَمُوتَ. وَنَظَرًا لِعَدَمِ وُجُودِ تَفْسِيرٍ طِبِّيٍّ وَقْتَهَا، أَرْجَعَ الأهَالِي هَذِهِ الوَفَيَاتِ الغَامِضَةَ إلى حَسْنَاءِ مَلْعُونَةٍ سَمَّوْهَا 'النَّدَّاهَة'!"


وَحَكَى الرَّابِعُ...

السَّلْعَوَة...




ذَلِكَ الوَحْشُ الغَامِضُ الَّذِي يَجْمَعُ بَيْنَ صِفَاتِ الكَلْبِ وَالذِّئْبِ، وَيَتَمَيَّزُ بِسُرْعَتِهِ الفَائِقَةِ وَقُدْرَتِهِ عَلَى تَسَلُّقِ الجُدْرَانِ لافْتِرَاسِ البَشَرِ....

هَذِهِ الأُسْطُورَةُ بِالذَّاتِ لَيْسَتْ خُرَافَةً، بَلْ هِيَ كَائِنٌ حَقِيقِيٌّ مُشَوَّهٌ! القِصَّةُ تَبْدَأُ مِنْ جُدْرَانِ المَقَابِرِ الفِرْعَوْنِيَّةِ القَدِيمَةِ، حَيْثُ رَسَمَ الأجْدَادُ كَائِنًا غَامِضًا أَطْلَقُوا عَلَيْهِ اسْمَ 'حَيَوَانِ الشِّيبِ'، وَكَانَ يَرْمُزُ أَحْيَانًا لِحِرَاسَةِ المَقَابِرِ. وَفِي الوَاقِعِ العِلْمِيِّ، السَّلْعَوَةُ لَيْسَتْ كَائِنًا سِحْرِيًّا، بَلْ هِيَ نَتَاجُ تَزَاوُجٍ بَرِّيٍّ نَادِرٍ جِدًّا يَحْدُثُ بَيْنَ الذِّئَابِ وَالْكِلَابِ الضَّالَّةِ، مِمَّا يُنْتِجُ عَنْهُ هَجِينٌ مُشَوَّهُ الشَّكْلِ، غَرِيبُ الأطْوَارِ، وَيَمْتَلِكُ شَرَاسَةً مُضَاعَفَةً. أَضِفْ إلى ذَلِكَ، أَنَّ إصَابَةَ بَعْضِ الحَيَوَانَاتِ البَرِّيَّةِ بِمَرَضِ 'السُّعَارِ الشَّدِيدِ' كَانَتْ تُغَيِّرُ تَمَامًا مِنْ سُلُوكِهَا وَهَيْئَتِهَا الخَارِجِيَّةِ، فَتَجْعَلُهَا تُهَاجِمُ القُرَى لَيْلًا وَتَنْقَضُّ عَلَى الأطْفَالِ بِلَا خَوْفٍ...


وَلِأَنَّ شَكْلَهَا وَحَرَكَاتِهَا لَمْ تَكُنْ مَأْلُوفَةً، رَبَطَ النَّاسُ بَيْنَهَا وَبَيْنَ رُسُومَاتِ المَقَابِرِ القَدِيمَةِ، وَاعْتَبَرُوهَا وَحْشًا أُسْطُورِيًّا أَطْلَقُوا عَلَيْهِ اسْمَ 'السَّلْعَوَة'!"


وَقَامَ الخَامِسُ بِقَصِّ مَا يَعْرِفُهُ عَنْ....

المَسْحُورِ...




هَلْ تَجْرُؤُونَ عَلَى النَّظَرِ إلى مِيَاهِ النِّيلِ الرَّاكِدَةِ في جَوْفِ اللَّيْلِ؟ في أَقْصَى صَعِيدِ مِصْرَ، حَيْثُ تَنْعَكِسُ أضْوَاءُ القَمَرِ البَاهِتَةِ عَلَى صَفْحَةِ النَّهَرِ الصَّامِتِ، يَهْمِسُ الأجْدَادُ بِأُسْطُورَةٍ مُرْعِبَةٍ لَا تُذْكَرُ إِلَّا في الغُرَفِ المُغْلَقَةِ.. أُسْطُورَةُ 'المَسْحُور'!


هُوَ لَيْسَ جِنًّا طَائِرًا، وَلَا شَيْطَانًا مِنَ الجَحِيمِ، بَلْ هُوَ إِنْسَانٌ بَشَرِيٌّ مِنْ لَحْمٍ وَدَمٍ، وَقَعَتْ عَلَيْهِ لَعْنَةُ سِحْرٍ سُفْلِيٍّ أَسْوَدَ، حَكَمَتْ عَلَيْهِ بِالخُلُودِ وَالنَّفْيِ في أَعْمَقِ نُقْطَةٍ مِنْ قَاعِ النِّيلِ...


تَبْدَأُ الحِكَايَةُ بِالتَّفَاصِيلِ المُرْعِبَةِ لِهَذَا الكَائِنِ؛ إِذْ تَقُولُ الرِّوَايَاتُ إِنَّ السِّحْرَ صَنَعَ حَوْلَ جَسَدِهِ هَالَةً عَجِيبَةً، فَهُوَ يَقْبَعُ في الأَعْمَاقِ يَتَنَفَّسُ تَحْتَ المَاءِ كَأَنَّهُ الهَوَاءُ، وَالغَرِيبُ أَنَّ ثِيَابَهُ وَجَسَدَهُ لَا يَمَسُّهُمَا البَلَلُ أَبَدًا بِفِعْلِ اللَّعْنَةِ!


لَكِنَّ الثَّمَنَ كَانَ بَاهِظًا؛ فَمَعَ مُرُورِ العُقُودِ في الظَّلَامِ الدَّامِسِ بَيْنَ الطِّمْيِ وَالصُّخُورِ، تَحَوَّلَ جَسَدُهُ البَشَرِيُّ إلى مَسْخٍ ضَخْمٍ أَشْبَهَ بِالمَارِدِ، نَمَتْ عَلَيْهِ الطُّحَالِبُ الخَضْرَاءُ، وَتَغَطَّى بِالكَامِلِ بِشَعْرٍ كَثِيفٍ خَشِنٍ تَفُوحُ مِنْهُ رَائِحَةُ النَّهَرِ الرَّاكِدَةِ. يَمْكُثُ 'المَسْحُور' شُهُورًا طَوِيلَةً في خَلْوَتِهِ المَائِيَّةِ، لَكِنَّهُ عِنْدَمَا يَشْعُرُ بِجُوعِهِ البَشَرِيِّ القَدِيمِ، يُقَرِّرُ الصُّعُودَ...


يَخْرُجُ في اللَّيَالِي شَدِيدَةِ السَّوَادِ، وَتَحْدِيدًا عِنْدَمَا يَخْتَفِي القَمَرُ خَلْفَ الغُيُومِ. تَبْدَأُ الكَوَابِيسُ عِنْدَمَا تَنْشَقُّ مِيَاهُ النِّيلِ بِبُطْءٍ شَدِيدٍ دُونَ أَنْ تُصْدِرَ صَوْتًا، وَيَظْهَرُ رَأْسُهُ الضَّخْمُ المُغَطَّى بِالطِّينِ، ثُمَّ يَبْدَأُ في الزَّحْفِ نَحْوَ الحُقُولِ وَالضِّفَافِ. كَانَ الفَلَّاحُونَ قَدِيمًا يَقْسِمُونَ أَنَّهُمْ لَمَحُوهُ خِفْيَةً وَهُوَ يَسْرِقُ مَحَاصِيلَ البَامِيَةِ، أَوْ يَلْتَهِمُ عَجِينَ الخَمِيرَةِ مِنَ الأَفْرَانِ الطِّينِيَّةِ في أَطْرَافِ القُرَى. وَإِذَا شَعَرَ بِحَرَكَةِ إِنْسَانٍ، لَا يَهْرُبُ مُذْعُورًا، بَلْ يَتَجَمَّدُ في مَكَانِهِ كَأَنَّهُ صَخْرَةٌ، وَعَيْنَاهُ المُحْمَرَّتَانِ تَتَوَهَّجَانِ في الظَّلَامِ تَرْقُبَانِ الضَّحِيَّةَ.


المُرْعِبُ حَقًّا هُوَ المُوَاجَهَةُ؛ فَإِذَا الْتَقَى 'المَسْحُور' بِعَابِرِ سَبِيلٍ في عَتَمَةِ اللَّيْلِ، يَنْقَضُّ عَلَيْهِ بِقُوَّةٍ هَائِلَةٍ وَيُصَارِعُهُ خَنَاقًا. تَعْتَقِدُ العَامَّةُ أَنَّ هَذَا المَسْخَ مُحَصَّنٌ تَمَامًا؛ فَلَوْ ضَرَبْتَهُ بِعَصًا غَلِيظَةٍ أَوْ أَطْلَقْتَ عَلَيْهِ الرُّصَاصَ، فَإِنَّ السِّحْرَ يَحْمِيهِ وَتَتَحَوَّلُ الضَّرْبَةُ بَعِيدًا عَنْهُ كَأَنَّهَا سُدِّدَتْ لِلْهَوَاءِ! لَا يَتْرُكُ ضَحِيَّتَهُ إِلَّا بَعْدَ أَنْ يَسْحَبَهَا مَعَهُ إلى قَاعِ النَّهَرِ لِتَغْرُقَ في أَسْرَارِ الأَعْمَاقِ...


وَتَقُولُ نِهَايَةُ الأُسْطُورَةِ، إِنَّ هَذِهِ اللَّعْنَةَ لَا تَنْتَهِي إِلَّا بِمَوْتِهِ الطَّبِيعِيِّ؛ فَإِذَا مَاتَ فَجْأَةً تَحْتَ المَاءِ، يَبْطُلُ السِّحْرُ فَوْرًا، وَتَطْفُو جُثَّتُهُ عَلَى السَّطْحِ. عِنْدَهَا، يَعُودُ إلى شَكْلِهِ البَشَرِيِّ الأَصْلِيِّ، لِيَصْدُمَ أَهْلَ القَرْيَةِ وَهُمْ يَتَعَرَّفُونَ عَلَى مَلَامِحِهِ، وَيَكْتَشِفُونَ أَنَّهُ رَجُلٌ طَيِّبٌ كَانَ قَدِ اخْتَفَى غَرَقًا مُنْذُ خَمْسِينَ عَامًا وَلَمْ يَعْثُرُوا لَهُ عَلَى أَثَرٍ!"


ثُمَّ زَادَنَا السَّادِسُ بِحَدِيثِهِ عَنْ...

أَبِي فَانُوسٍ..




هَلْ تَجْرُؤُونَ عَلَى السَّيْرِ في دُرُوبِ الصَّحْرَاءِ الشَّاسِعَةِ إِذَا خَيَّمَ عَلَيْهَا ظَلَامُ اللَّيْلِ الدَّامِسِ؟


هُنَاكَ، بَيْنَ الكُثْبَانِ الرَّمْلِيَّةِ المُتَحَرِّكَةِ وَالمُنْعَطَفَاتِ الصَّخْرِيَّةِ المُوحِشَةِ في وَاحَاتِ مِصْرَ، يَهْمِسُ البَدْوُ وَقَاطِعُو الطُّرُقِ بِأُسْطُورَةٍ مُرْعِبَةٍ تُجَمِّدُ الدِّمَاءَ في العُرُوقِ.. أُسْطُورَةُ 'أَبِي فَانُوسٍ'!


هُوَ لَيْسَ مُجَرَّدَ سَرَابٍ عَابِرٍ، بَلْ هُوَ كَيَانٌ خَبِيثٌ مِنْ جِنِّ القِفَارِ، حُكِمَ عَلَيْهِ بِأَنْ يَجُوبَ الفَيَافِيَ حَامِلًا بِيَدِهِ سِرَاجًا يَتَرَاقَصُ لَهَبُهُ البَاهِتُ في عَتَمَةِ اللَّيْلِ، مُتَصَيِّدًا عَابِرِي السَّبِيلِ.


تَبْدَأُ تَفَاصِيلُ الكَابُوسِ عِنْدَمَا يَضِلُّ مُسَافِرٌ طَرِيقَهُ وَسَطَ الصَّحْرَاءِ، وَيَنْفَدُ مَاؤُهُ، وَيَتَمَلَّكُهُ الرُّعْبُ مِنَ الهَلَاكِ. وَفِي قِمَّةِ يَأْسِهِ، يَلْمَحُ في الأُفُقِ البَعِيدِ ضَوْءًا دَافِئًا يَتَلَأْلَأُ وَسَطَ الظَّلَامِ، فَيُخَيَّلُ إِلَيْهِ أَنَّهُ ضَوْءُ مَخَيَّمٍ لِبَدْوٍ كِرَامٍ، أَوْ شُعْلَةُ نَارٍ لِبَيْتٍ آمِنٍ سَيُنْقِذُهُ مِنَ المَوْتِ المُحْتَمِ.


يَسْتَبْشِرُ المُسَافِرُ خَيْرًا، وَيُعَدِّلُ وِجْهَتَهُ نَحْوَ الضَّوْءِ بِلَهْفَةٍ. وَهُنَا تُنْصَبُ المَصِيدَةُ الَّتِي لَا يَنْجُو مِنْهَا أَحَدٌ؛ فَكُلَّمَا تَقَدَّمَ المُسَافِرُ خَطْوَةً نَحْوَ الضَّوْءِ، تَحَرَّكَ الضَّوْءُ بِالسُّرْعَةِ نَفْسِهَا وَحَافَظَ عَلَى مَسَافَتِهِ الفَاصِلَةِ، مُسْتَدْرِجًا الضَّحِيَّةَ أَعْمَقَ فَأَعْمَقَ في جَوْفِ التِّيهِ وَالشِّعَابِ المَجْهُولَةِ.


وَإِذَا تَوَقَّفَ المُسَافِرُ لِيَلْتَقِطَ أَنْفَاسَهُ، يَتَوَقَّفُ الضَّوْءُ في مَكَانِهِ وَيَنْتَظِرُهُ مُتَأَرْجِحًا كَأَنَّهُ يَتَحَدَّى وَعْيَهُ! يُقْسِمُ الرُّوَاةُ أَنَّ 'أَبَا فَانُوسٍ' يَمْتَلِكُ قُدْرَةً عَلَى التَّلَاعُبِ بِالزَّمَنِ وَالمَسَافَاتِ؛ فَيَظَلُّ يَسْتَدْرِجُ الضَّحِيَّةَ لِعِدَّةِ كِيلُومِتْرَاتٍ حَتَّى يَنْهَكَ التَّعَبُ جَسَدَهَا، وَتَسْقُطَ في جُرْفٍ صَخْرِيٍّ عَمِيقٍ أَوْ تَبْتَلِعَهَا الرِّمَالُ المُتَحَرِّكَةُ.


أَمَّا التَّفَاصِيلُ الأَشَدُّ رُعْبًا، فَتَقُولُ إِنَّ المُسَافِرَ إِذَا كَانَ فَطِنًا وَاكْتَشَفَ الخِدْعَةَ، وَقَرَّرَ الِالْتِفَاتَ وَالهُرُوبَ في الاتِّجَاهِ المُعَاكِسِ، فَإِنَّ الضَّوْءَ يَنْطَفِئُ فَجْأَةً وَيُغْرِقُ المَكَانَ في سَوَادٍ حَالِكٍ. وَفِي تِلْكَ اللَّحْظَةِ بِالذَّاتِ، يَشْعُرُ المُسَافِرُ بِنَسَمَةِ رِيحٍ بَارِدَةٍ تَلْفَحُ عُنُقَهُ، لِيُفَاجَأَ بِأَنَّ الكَائِنَ قَدْ أَصْبَحَ خَلْفَ ظَهْرِهِ تَمَامًا، وَيَسْمَعُ صَوْتَ ضَحِكَاتِهِ الهِسْتَيْرِيَّةِ الخَافِتَةِ تَتَرَدَّدُ في المَدَى قَبْلَ أَنْ يَخْتَفِيَ، تَارِكًا ضَحِيَّتَهُ في جُنُونٍ مُطْلَقٍ وَسَطَ صَحْرَاءَ لَا تَرْحَمُ!"


وَكُنْتُ أَنَا السَّابِعَ وَآخِرَ مَنْ حَكَى...

حَكَيْتُ لَهُمْ عَنْ...

البُعْبُعِ...




هَلْ جَرَّبْتُمْ يَوْمًا أَنْ تَسْتَلْقُوا في أَسِرَّتِكُمْ، ثُمَّ تَنْطَفِئُ الأَنْوَارُ فَجْأَةً لِتَجِدُوا أَنْفُسَكُمْ في مُوَاجَهَةِ الظَّلَامِ الدَّامِسِ؟


في تِلْكَ اللَّحْظَةِ بِالذَّاتِ، عِنْدَمَا يَسُودُ الصَّمْتُ وَتَتَحَوَّلُ أَبْسَطُ الأَشْيَاءِ في الغُرْفَةِ إلى ظِلَالٍ مُشَوَّهَةٍ، يُولَدُ الكَابُوسُ الأَكْبَرُ في كُلِّ بَيْتٍ مِصْرِيٍّ.. إِنَّهَا أُسْطُورَةُ 'الْبُعْبُعْ'!


هُوَ لَيْسَ مُجَرَّدَ كَلِمَةٍ نَطَقَ بِهَا الآبَاءُ لِتَخْوِيفِنَا، بَلْ هُوَ كَيَانٌ غَسَقِيٌّ قَدِيمٌ، يَتَغَذَّى بِالكَامِلِ عَلَى أَنْفَاسِ الأَطْفَالِ المُذْعُورِينَ وَيَرْتَوِي مِنْ دَقَّاتِ قُلُوبِهِمُ المُتَسَارِعَةِ. تَكْمُنُ تَفَاصِيلُ الرُّعْبِ في هَذَا الكَائِنِ بِأَنَّهُ لَا يَمْلِكُ هَيْئَةً ثَابِتَةً أَوْ وَجْهًا مُحَدَّدًا، بَلْ هُوَ مَسْخٌ هِلَامِيٌّ أَسْوَدُ مَصْنُوعٌ مِنْ عَتَمَةِ اللَّيْلِ نَفْسِهَا. يَمْتَلِكُ 'البُعْبُعُ' قُدْرَةً مُرْعِبَةً عَلَى التَّسَلُّلِ وَالتَّشَكُّلِ دَاخِلَ غُرْفَتِكَ دُونَ أَنْ تَلْمَحَهُ عَيْنُكَ؛ فَتَارَةً يَتَقَلَّصُ لِيَخْتَبِئَ تَحْتَ السَّرِيرِ في الثُّغْرَةِ المُظْلِمَةِ الَّتِي تَخَافُ أَنْ تَنْظُرَ إِلَيْهَا، وَتَارَةً يَتَسَلَّلُ خَلْفَ المَلَابِسِ المُعَلَّقَةِ وَرَاءَ البَابِ، لِيَنْفُخَ فِيهَا مِنْ رُوحِهِ فَتَبْدُو لَكَ في العَتَمَةِ كَجُثَّةٍ مُتَدَلِّيَةٍ تُرَاقِبُكَ...


تَبْدَأُ الأَحْدَاثُ الحَقِيقِيَّةُ عِنْدَمَا تَتَظَاهَرُ بِالنَّوْمِ وَتُغْلِقُ عَيْنَيْكَ. في تِلْكَ الأَثْنَاءِ، يَبْدَأُ 'البُعْبُعُ' بِالحَرَكَةِ بِبُطْءٍ شَدِيدٍ. يُقْسِمُ الأَطْفَالُ الَّذِينَ نَجَوْا مِنْ قَبْضَةِ الظَّلَامِ أَنَّهُمْ سَمِعُوا صَوْتًا يُشْبِهُ خَشْخَشَةَ مَخَالِبَ حَادَّةٍ وَطَوِيلَةٍ عَلَى الأرْضِيَّةِ الخَشَبِيَّةِ، يَتْبَعُهَا صَوْتُ أَنْفَاسٍ ثَقِيلَةٍ وَبَارِدَةٍ تَقْتَرِبُ مِنَ السَّرِيرِ...


إِذَا تَجَرَّأْتَ وَفَتَحْتَ عَيْنَيْكَ، فَلَنْ تَرَى سِوَى كُتْلَةٍ مِنَ السَّوَادِ الحَالِكِ تَتَلَوَّى في زَاوِيَةِ الغُرْفَةِ، وَعَيْنَيْنِ بَاهِتَتَيْنِ بِلَا جُفُونٍ تُشِعَّانِ بِنُورٍ أَصْفَرَ خَافِتٍ. المُرْعِبُ حَقًّا في الأُسْطُورَةِ هُوَ 'قَانُونُ الغِطَاءِ'؛ فَالعَامَّةُ تُؤْمِنُ أَنَّ الغِطَاءَ هُوَ الحِصْنُ الوَحِيدُ ضِدَّ هَذَا الكَائِنِ.


يَتَرَبَّصُ 'البُعْبُعُ' بِالضَّحِيَّةِ لِسَاعَاتٍ، مُنْتَظِرًا تِلْكَ اللَّحْظَةَ الَّتِي يَشْعُرُ فِيهَا الطِّفْلُ بِالحَرَارَةِ أَوْ يَتَحَرَّكُ في نَوْمِهِ، فَيُخْرِجَ قَدَمَهُ أَوْ يَدَهُ خَارِجَ حُدُودِ السَّرِيرِ. هُنَا، يَنْقَضُّ الكَائِنُ بِسُرْعَةِ البَرْقِ، وَبِأَطْرَافِهِ اللِّزْجَةِ الطَّوِيلَةِ يَسْحَبُ الضَّحِيَّةَ بِعُنْفٍ تَحْتَ السَّرِيرِ أَوْ دَاخِلَ الخِزَانَةِ (الدُّولَابِ) المُغْلَقَةِ، لِيَخْتَفِيَ الطِّفْلُ تَمَامًا مِنْ عَالَمِنَا دُونَ أَنْ يَتْرُكَ خَلْفَهُ سِوَى صَرْخَةٍ مَكْتُومَةٍ يَبْتَلِعُهَا جِدَارُ الغُرْفَةِ الصَّامِتُ!"


انْتَهَتْ تِلْكَ الجَلْسَةُ الرُّومَانْسِيَّةُ وَهَمَمْنَا بِالانْصِرَافِ قَبْلَ أَنْ نَتَمَّ طَرْدَنَا شَرَّ طَرْدَةٍ مِنَ النَّادِي أَوْ أَنْ يَتَحَوَّلَ أَحَدُنَا إلى زُومْبِي.. أَيُّهُمَا أَقْرَبُ!!!


قُلْتُ...

كَانَتْ جَلْسَةً شَيِّقَةً جِدًّا يَا رِفَاقُ وَأَتَمَنَّى تِكْرَارَهَا... مَعَ أَنِّي لَا أُؤْمِنُ بِأَيٍّ مِنْ تِلْكَ الخُرَافَاتِ...


قَالَ صَدِيقِي الَّذِي اقْتَرَحَ حَلْقَةَ الرُّعْبِ هَذِهِ...


ـ رَجَاءً... لَا تَقُلْ مَا قُلْتَهُ هَذَا مَرَّةً أُخْرَى...

ـ وَمَا هُوَ!!!

ـ أَنَّكَ لَا تُؤْمِنُ بِوُجُودِهِمْ...

ـ وَهَلْ سَوْفَ تُصِيبُنِي لَعْنَةٌ مَا مَثَلًا لَوْ أَنْكَرْتُ وُجُودَهُمْ!!!

ـ لَيْسَ تَمَامًا...

ـ إِذًا!!!

ـ في زَمَنٍ بَعِيدٍ جَلَسَ قَوْمٌ في قَرْيَتِي حَوْلَ النَّارِ لَيْلًا يَرْوُونَ قِصَصَ الرُّعْبِ... مِثْلَنَا تَمَامًا...

ـ ثُمَّ!!!

ـ في نِهَايَةِ الجَلْسَةِ انْتَفَضَ أَحَدُهُمْ وَكَذَّبَ كُلَّ شَيْءٍ وَقَالَ إِنَّهُ لَا يُؤْمِنُ بِتِلْكَ الخُرَافَاتِ... مِثْلَكَ تَمَامًا...

ـ ثُمَّ!!!

ـ هَمَّ بِالعَوْدَةِ إلى دَارِهِ عَلَى ظَهْرِ حِمَارِهِ...

ـ لَا تَقُلْ لِي أَنَّ الحِمَارَ قَدْ تَحَوَّلَ إلى جِنٍّ...

ـ لَا... كَانَ ذَلِكَ الشَّخْصُ يَسِيرُ مُمْتَطِيًا حِمَارَهُ جِوَارَ إحْدَى التُّرَعِ في وَقْتٍ مُتَأَخِّرٍ مِنَ اللَّيْلِ بَعْدَ تِلْكَ الجَلْسَةِ... شَعَرَ بَعْدَ فَتْرَةٍ أَنَّ... أَنَّ هُنَاكَ إحْسَاسٌ غَيْرُ مُبَرَّرٍ بِالدِّفْءِ خَلْفَهُ... شَعَرَ بِأَنَّ شَيْئًا مَا يَقْتَرِبُ مِنْهُ... شَيْءٌ يُلَامِسُ ظَهْرَهُ... تَسَمَّرَ مِنَ الخَوْفِ وَهُوَ عَلَى ظَهْرِ الحِمَارِ.. إلى أَنْ...

ـ إلى أَنْ مَاذَا!!!

ـ رَأَى رَقَبَةً طَوِيلَةً تَمْتَدُّ مِنْ خَلْفِهِ...

تَمْتَدُّ حَتَّى صَارَتْ أَمَامَهُ مُبَاشَرَةً...

وَمِنْهَا بَرَزَ رَأْسٌ مُرْعِبٌ...

وَسَأَلَهُ في صَوْتٍ مُرْعِبٍ..

هَلْ أَنْتَ لَا تُؤْمِنُ بِوُجُودِنَا!!! نِيَاهْيَاهْيَاهَا

ـ وَمَاذَا حَدَثَ بَعْدَهَا!!!

ـ أَنَّهُ لَمْ يُغَادِرْ بَيْتَهُ مُنْذُ وَقْتِهَا... يَهْلُوسُ وَيَهْذِي بِأَشْيَاءَ غَرِيبَةٍ.... شَفَاهُ اللَّهُ...


هَمَمْنَا بِالانْصِرَافِ مَرَّةً أُخْرَى حَتَّى تَنْتَهِيَ تِلْكَ اللَّيْلَةُ...


لَكِنَّنِي لَمْ أَكُنْ أَدْرِكُ أَنَّ اللَّيْلَةَ قَدْ بَدَأَتْ لِلتَّوِّ..



انْصِرَافٌ...


انْتَهَتِ الْجَلْسَةُ عَلَى أَنْغَامِ الضَّحِكَاتِ الْمَرْعُوبَةِ وَالْوَعُودِ الْكَاذِبَةِ بِالنَّوْمِ مُبَكِّرًا. كُنَّا سِتَّةَ عَشَرَ شَابًّا ، وَكَانَ بَعْضُنَا سَيَتَحَوَّلُ إِلَى ذِئْبٍ أَوْ بَطَلٍ خَارِقٍ فِي نَفْسِ اللَّحْظَةِ، وَكِلَاهُمَا مُرْعِبٌ بِنَفْسِ الدَّرَجَةِ.

تَفَرَّقْنَا كَاللُّؤْلُؤِ الْمُنْتَثِرِ، كُلٌّ يَذْهَبُ إِلَى جُحْرِهِ آمِلًا أَنْ يَسْلَمَ مِنْ كَابُوسِ اللَّيْلِ.


أَمَّا أَنَا — ذَلِكَ الْأَحْمَقُ الْمُتَطَوِّعُ — فَقَدْ تَحَمَّلْتُ مَسْؤُولِيَّةَ إِيصَالِ ثَلَاثَةٍ مِنْ أَصْدِقَائِي إِلَى مَنَازِلِهِمْ. كُلُّ وَاحِدٍ نَزَلَ وَهُوَ يُوصِينِي بِوَصَايَا الْمَوْتَى:

— خَلِّ النُّورِ الْأَصْفَر شَغَّال...

— اقْرَأِ الْمُعَوِّذَتَيْنِ وَأَنْتَ تَسُوقُ...

— وَإِذَا شُفْتَ رَقَبَةً طَوِيلَةً...

 فِي الْمِرْآةِ، مَتْتْسَلَّمْشْ عَلَيْهَا...

ضَحِكْتُ وَوَدَّعْتُهُمْ، وَغَيَّرْتُ مَسَارَ السَّيَّارَةِ نَحْوَ الْبَيْتِ.

وَحْدِي...


الطَّرِيقُ إِلَى الْخَوْفِ...


السَّاعَةُ الْآنَ تُقَارِبُ الثَّانِيَةَ بَعْدَ مُنْتَصَفِ اللَّيْلِ. شَوَارِعُ أَسْيُوطَ خَالِيَةٌ كَأَحْشَاءِ جُثَّةٍ فِي الْمُشَرَّحَةِ، وَأَعْمِدَةُ الْإِنَارَةِ الْعَتِيقَةِ تُلْقِي بِأَضْوَائِهَا الصَّفْرَاءِ الْبَاهِتَةِ عَلَى الْأَسْفَلْتِ الرَّطْبِ، فَتُوَلِّدُ ظِلَالًا غَرِيبَةً تَتَمَطَّى كَأَنَّهَا تُحَاوِلُ اللِّحَاقَ بِسَيَّارَتِي.





تَذَكَّرْتُ...


آهِ... لِمَاذَا تَذَكَّرْتُ الآنَ؟!

تَذَكَّرْتُ كَلِمَاتِ صَدِيقِي عَنْ ذَلِكَ الرَّجُلِ الْأَحْمَقِ الَّذِي جَلَسَ مَعَ أَهْلِ قَرْيَتِهِ يَتَسَامَرُونَ، فَلَمَّا انْتَهَوْا قَامَ وَقَالَ بِكِبْرِيَاءِ الْمُتَحَذْلِقِينَ: «أَنَا لَا أُؤْمِنُ بِالْعَفَارِيتِ!»

رَكِبَ حِمَارَهُ وَمَضَى فِي عَتَمَةِ اللَّيْلِ...


وَبَيْنَمَا هُوَ يَسِيرُ جِوَارَ إِحْدَى التُّرَعِ، شَعَرَ فَجْأَةً بِدِفْءٍ غَرِيبٍ خَلْفَ ظَهْرِهِ... الْتَفَتَ... لَمْ يَرَ شَيْئًا... لَكِنَّ الدِّفْءَ ازْدَادَ... ثُمَّ رَأَى رَقَبَةً تَمْتَدُّ مِنْ خَلْفِهِ... رَقَبَةٌ طَوِيلَةٌ كَعُنُقِ النَّعَامَةِ، تَمْتَدُّ وَتَمْتَدُّ حَتَّى صَارَتْ أَمَامَ وَجْهِهِ مُبَاشَرَةً... وَمِنْهَا بَرَزَ رَأْسٌ — رَأْسٌ لَهُ عَيْنَانِ حَمْرَاوَانِ كَالْجَمْرِ، وَفَمٌ يَضْحَكُ ضِحْكَةً تَشُوبُهَا الْخُبْثُ وَالسُّخْرِيَةُ — وَسَأَلَهُ بِصَوْتٍ أَجَشَّ:

«إِنْتَ صَحِيحْ مَتْبُخَفْشْ مِنَ الْعَفَارِيتْ؟!»


لَمْ يُغَادِرْ ذَلِكَ الرَّجُلُ بَيْتَهُ بَعْدَ ذَلِكَ الْيَوْمِ، وَأَصْبَحَ يَهْذِي بِأَشْيَاءَ لَا يَفْهَمُهَا أَحَدٌ، حَتَّى شَفَاهُ اللَّهُ — أَوْ لَمْ يَشْفِهِ — لَا أَذْكُرُ.


يَا لَلْهُو لِلسَّخَافَةِ...

وَلِمَاذَا تَذَكَّرْتُ هَذِهِ الْقِصَّةَ الْآنَ وَأَنَا وَحْدِي فِي السَّيَّارَةِ فِي وَقْتٍ مُتَأَخِّرٍ كَهَذَا؟!

بِسُرْعَةٍ — وَلَمْ تَكُنْ سُرْعَتِي تَبَعًا لِلْقَانُونِ طَبْعًا — أَدْرْتُ مِفْتَاحَ الرَّادْيُو. طَبْعًا، كَانَ الرَّادْيُو يُذِيعُ أُغْنِيَةً رُومَانْسِيَّةً حَزِينَةً عَنِ الْوَحْدَةِ وَالْفِرَاقِ. لَمْ تَكُنْ هَذِهِ هِيَ الْأُغْنِيَةُ الَّتِي أَشْتَاقُ إِلَيْهَا وَأَنَا أَتَخَيَّلُ رَقَبَةً تَنْبُتُ مِنَ الْمَقْعَدِ الْخَلْفِيِّ.


بَدَّلْتُ الْمَحَطَّةَ... أُغْنِيَةٌ صَاخِبَةٌ عَنِ الْحُبِّ... بَدَّلْتُ... أُغْنِيَةٌ عَنِ السَّفَرِ... بَدَّلْتُ...

الْقُرْآنُ.

«بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ...»

صَوْتُ الْقَارِئِ يَتَدَفَّقُ مِنَ السَّمَّاعَاتِ، يُغَطِّي عَلَى صَوْتِ خَيَالِي الْمَرِيضِ. الْتَقَمْتُ الْهَوَاءَ كَمَا يَلْتَقِمُ الْغَرِيقُ قَارُورَةَ أُكْسِجِينٍ.

وَمَعَ ذَلِكَ...


الْمِرْآةُ الْوُسْطَى.




هَلْ تَعْلَمُ يَا صَدِيقِي مَا هِيَ الْمِرْآةُ الْوُسْطَى فِي السَّيَّارَةِ؟

إِنَّهَا تِلْكَ الْخَرَاءَةُ الَّتِي يَضَعُهَا مُصَمِّمُو السَّيَّارَاتِ لِيُظْهِرُوا لَكَ كُلَّ مَا يَجْلِسُ فِي الْمَقَاعِدِ الْخَلْفِيَّةِ. لِمَاذَا؟ لِكَيْ تَرَى الْوَحْشَ قَبْلَ أَنْ يَمْتَدَّ إِلَيْكَ، حَتَّى يَكُونَ هُنَاكَ فُرْصَةٌ لِلدُّعَاءِ أَوِ الْإِغْمَاءِ.

عَيْنَايَ لَمْ تَتَوَقَّفَا عَنِ النَّظَرِ إِلَى تِلْكَ الْمِرْآةِ كُلَّ ثَانِيَتَيْنِ.

الْمَقْعَدُ الْخَلْفِيُّ فَارِغٌ.

الْمَقْعَدُ الْخَلْفِيُّ فَارِغٌ.

الْمَقْعَدُ الْخَلْفِيُّ...


لَكِنْ...

هَلْ كَانَ فَارِغًا دَائِمًا؟!

لَقَدْ أَقْسَمْتُ أَنِّي رَأَيْتُ ظِلًّا يَتَحَرَّكُ هُنَاكَ. ظِلًّا لَا مَصْدَرَ لَهُ. كَأَنَّ السَّوَادَ نَفْسَهُ قَدْ تَجَمَّعَ وَكَثُفَ حَتَّى صَارَ كُتْلَةً مُظْلِمَةً فِي الزَّاوِيَةِ الْيُمْنَى مِنَ الْمَقْعَدِ.

لَمْ أَنْظُرْ.

لَكِنِّي نَظَرْتُ.

لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ شَيْءٌ.

فَقَطْ وَهْمِي.

وَالْوَهْمُ يَا صَدِيقِي هُوَ أَكْبَرُ عَدُوٍّ لِطَالِبِ الطِّبِّ فِي مُنْتَصَفِ اللَّيْلِ.




أَسْرَعْتُ.

كَالْمَجَانِينِ. كَمَنْ يَحْمِلُ جِرَاحًا تَنْزِفُ وَهُوَ يُسْرِعُ إِلَى غُرْفَةِ الطَّوَارِئِ. إِلَّا أَنَّ جِرَاحِي كَانَتْ فِي عَقْلِي فَقَطْ.

نَزَلْتُ مِنَ السَّيَّارَةِ وَلَمْ أُنْزِلِ الْمِفْتَاحَ مِنَ الطَّبْلِ. كُنْتُ كَالزُّومْبِي الَّذِي نَسِيَ أَنَّهُ مَيِّتٌ.

رَكَضْتُ إِلَى مَدْخَلِ الْبِنَايَةِ.

صَعِدْتُ الدَّرَجَ — لَا الْمِصْعَدَ، فَالْمِصْعَدُ يَحْتَاجُ إِلَى انْتِظَارٍ، وَالِانْتِظَارُ فِي هَذِهِ اللَّحَظَاتِ جَرِيمَةٌ.

دَرَجَتَانِ بِمَرَّةٍ، ثَلَاثٌ بِمَرَّةٍ، كَأَنَّ رِجْلَيَّ تَطِيرَانِ. الْمَصْبَاحُ الْأَصْفَرُ فِي السُّلَّمِ كَانَ يَخْفِتُ وَيَزْدَادُ نُورُهُ بِشَكْلٍ عَصَبِيٍّ، وَظِلَالِي أَمَامِي تَتَكَسَّرُ عَلَى الْجُدْرَانِ كَأَنَّهَا تَهْرُبُ مِنِّي أَيْضًا.


دَخَلْتُ شُقَّتِي...

الْغُرْفَةُ هَادِئَةٌ. لَا أَصْوَاتَ، لَا حَرَكَاتَ. زَكَرِيَّا كَمَا هُوَ — رَأْسُهُ الْعَظَمِيُّ عَلَى سَطْحِ الْمَكْتَبِ، نَظَّارَتُهُ الشَّمْسِيَّةُ تُغَطِّي مَحَجَّرَيْ عَيْنَيْهِ، السِّيجَارَةُ بَيْنَ فَكَّيْهِ كَأَنَّهُ يَدْخُنُ سَخَرِيًّا مِنْ هُبَالَاتِ الْبَشَرِ.

"تُصْبِحُ عَلَى خَيْرٍ يَا زَكَرِيَّا..."


قُلْتُهَا بِصَوْتٍ مَخْنُوقٍ، كَأَنِّي أَسْتَعْطِفُهُ لَا أُحَيِّيهِ. هُوَ جُمْجُمَةٌ يَا صَدِيقِي، لَيْسَ عَمِّي. لَكِنَّ الْعَادَاتِ تَبْقَى عَادَاتٍ حَتَّى لَوْ خَاطَبْتَ الْمَوْتَى.

أَلْقَيْتُ بِنَفْسِي عَلَى السَّرِيرِ وَأَنَا كَامِلُ الْمَلَابِسِ. لَمْ تَكُنْ لَدَيَّ الطَّاقَةُ لِخَلْعِ حِذَائِي حَتَّى. الْتَفَتَّ لِلْآخِرَةِ نَحْوَ زَكَرِيَّا... كَانَ ثَابِتًا فِي مَكَانِهِ، سَاخِرًا بِغَبَائِي.

أَغْمَضْتُ عَيْنَيَّ.

وَسَكَتُّ.


لَا أَعْرِفُ كَمْ مَضَى مِنَ الْوَقْتِ. رُبَّمَا سَاعَةٌ، رُبَّمَا دَقَائِقُ، رُبَّمَا كُنْتُ قَدْ غُرْتُ فِي سُبَاتٍ عَمِيقٍ كَمَا تَغُورُ الْجُثَثُ فِي أَحْوَاضِ الْفُورْمَالِينِ.


فَجْأَةً...


اهْتَزَّ الْعَالَمُ


لَيْسَ اهْتِزَازًا عَبَثِيًّا، بَلْ رَعْشَةٌ عُنِيفَةٌ كَأَنَّ الْأَرْضَ تَحْتَ سَرِيرِي قَرَّرَتْ فَجْأَةً أَنَّهَا لَمْ تَعُدْ تُرِيدُنِي فَوْقَهَا. كَأَنَّ مَلَائِكَةَ الْعَذَابِ قَدْ أَمْسَكَتْ بِالْبِنَايَةِ مِنْ أُسْطُوَانَاتِهَا وَهَزَّتْهَا هَزًّا كَمَا يَهُزُّ الْمَغْفَلُ قَارُورَةَ الدَّوَاءِ قَبْلَ أَنْ يَفْتَحَهَا.


افْتَحْتُ عَيْنَيَّ...


الْغُرْفَةُ تَتَهَزَّأُ بِي — لَا، تَتَهَزَّأُ بِي لَيْسَتِ الْعِبَارَةُ الدَّقِيقَةُ. الْغُرْفَةُ تَتَهَزَّزُ. كُلُّ شَيْءٍ يَرْقُصُ رَقْصَةَ الْمَوْتَى: السَّرِيرُ يَرْتَجِفُ كَأَنَّ فِيهِ حُمَّى، الْخِزَانَةُ الْمُغَطَّاةُ بِالْمَرَايَا تُصَدِّرُ صَوِيرًا كَأَنَّهَا تَئِنُّ، زُجَاجُ النَّوَافِذِ يُصَلْصِلُ وَيَتَهَدَّدُ بِالسُّقُوطِ، وَالظِّلَالُ تَتَمَطَّى عَلَى الْحِيطَانِ كَأَنَّهَا تُحَاوِلُ الْهَرَبَ مِنَ الْكُتُلِ الَّتِي تَقْذِفُهَا.


وَالضَّوْءُ.


لَمْبَةُ السُّلَّمِ الصَّفْرَاءُ الْعَتِيقَةُ — تِلْكَ الْخَارَاءَةُ الَّتِي لَمْ نُغَيِّرْهَا مُنْذُ أَنْ كُنْتُ فِي الثَّانَوِيَّةِ — كَانَتْ تَخْفِتُ وَتَزْدَادُ نُورًا بِإِيغَالٍ فِي الْجُنُونِ. ضَوْؤُهَا الْأَصْفَرُ الْبَاهِتُ يَتَنَاثَرُ كَالشُّعَاعَاتِ الْمَصَابِيحِ فِي أَفْلَامِ الرُّعْبِ، يَرْتَطِمُ بِالْمَرَايَا الَّتِي تُغَطِّي الْخِزَانَةَ، فَيَنْعَكِسُ فِي عِدَّةِ اتِّجَاهَاتٍ دَفْعَةً وَاحِدَةً، مُوَلِّدًا وَهْمًا أَنَّ الْغُرْفَةَ مَمْلُوءَةٌ بِأَضْوَاءٍ شَاحِبَةٍ تَتَوَارَى وَتَظْهَرُ، وَأَنَّ هُنَاكَ عُيُونًا تُرَاقِبُنِي مِنْ كُلِّ زَاوِيَةٍ.


ثُمَّ رَأَيْتُ زَكَرِيَّا.


جُمْجُمَتُهُ — رَأْسُهُ الْعَظَمِيُّ الَّذِي يُزَيِّنُ سَطْحَ الْمَكْتَبِ مُنْذُ أَشْهُرٍ — كَانَتْ تَتَحَرَّكُ.





نَعَمْ.


لَمْ تَكُنْ ثَابِتَةً.


لَمْ تَكُنْ تَنْزِلِقُ.


بَلْ كَانَتْ تَتَمَايَلُ يَمِينًا وَيَسَارًا كَرَأْسِ مَرِيضٍ بِالدُّوَارِ. النَّظَّارَةُ الشَّمْسِيَّةُ كَادَتْ تَسْقُطُ مِنْ عَلَى مَحَجَّرَيْهَا، السِّيجَارَةُ تَرْتَعِشُ بَيْنَ فَكَّيْهَا كَأَنَّهَا تُحَاوِلُ أَنْ تُشْعِلَ نَفْسَهَا، وَالْقُبَّعَةُ تَمِيلُ كَأَنَّهَا تُحَيِّينِي وَدَاعًا.


لَا.


لَيْسَ وَدَاعًا.


بَلْ كَأَنَّهَا تَقُولُ: "هَا أَنَا ذَا... جِئْتُ لِأَخُذَكَ يَا مُتَحَذْلِقُ..."


لَقَدْ آنَ أَوَانُ الْفِرَارِ.


قَفَزْتُ مِنَ السَّرِيرِ كَأَنَّ سَرِيرِي أَصْبَحَ جَحِيمًا. لَمْ أَشْعُرْ بِرِجْلَيَّ، لَمْ أَشْعُرْ بِرَأْسِي، لَمْ أَشْعُرْ بِشَيْءٍ سِوَى الرُّعْبِ النَّابِضِ فِي شِرْيَانِيَاتِي. الدُّفْعَةُ الْأُولَى مِنَ الدَّمِ حِينَ قَفَزْتُ أَعْلَنَتِ الْإِنْذَارَ الْعَامَّ فِي جَسَدِي.


بَابُ الْغُرْفَةِ...


دَفَعْتُهُ بِكَتِفِي لَمَّا لَمْ تَعْمَلِ الْيَدَانِ. الْخَشَبُ الْعَتِيقُ صَرَّ كَأَنَّهُ يَشْكُونِي. انْفَتَحَ بِعُنْفٍ، فَاصْطَدَمَ بِالْحَائِطِ، وَزَجَجْتُ نَفْسِي إِلَى الصَّالَةِ.


الصَّالَةُ...


مُظْلِمَةٌ. الْأَثَاثُ يَتَرَاقَصُ فِي الظَّلَامِ — لَا، لَيْسَ يَتَرَاقَصُ، الْأَرْضُ هِيَ الَّتِي تَرْقُصُ، وَأَنَا مَعَهَا. كِدْتُ أَنْ أَقَعَ عَلَى وَجْهِي بَيْنَ الطَّاوِلَةِ وَالْكَنَبَةِ، لَكِنَّ يَدِيَ الْتِقَطَتْ حَافَةَ الْحَائِطِ وَأَمْسَكْتُ بِنَفْسِي كَمُتَسَلِّقٍ يُوشِكُ عَلَى السُّقُوطِ.


عَيْنَايَ تَائِهَتَانِ فِي الظُّلْمَةِ، لَكِنِّي أَعْرِفُ طَرِيقِي إِلَى بَابِ الشُّقَّةِ عَنْ ظَهْرِ قَلْبٍ — وَالْقَلْبُ هُنَا لَيْسَ لَهُ ظَهْرٌ، بَلْ هُوَ يَدُقُّ دَقًّا كَأَنَّهُ يُحَاوِلُ الْخُرُوجَ مِنَ الْقَفَصِ الصَّدْرِيِّ لِيَرْكُضَ قَبْلِي.




بَابُ الشُّقَّةِ...


فَتَحْتُهُ — لَا، شَقَقْتُهُ. الْمِفْتَاحُ كَانَ قَدْ صَارَ غَرِيبًا فِي يَدِي الْمُرْتَجِفَةِ. الْتَفَتَّ لِلْآخِرَةِ نَحْوَ غُرْفَتِي — وَلَوْ دَرَيْتُ مَا رَأَيْتُ! هَلْ كَانَ زَكَرِيَّا لَا يَزَالُ يَتَحَرَّكُ؟ هَلْ كَانَ قَدْ سَقَطَ مِنَ الْمَكْتَبِ؟ هَلْ كَانَ يَزْحَفُ نَحْوِي؟ لَمْ أَنْتَظِرْ لِلْإِجَابَةِ.


أَغْلَقْتُ الْبَابَ وَرَائِي كَأَنِّي أَحْجِزُ الْمَوْتَ خَارِجًا.


السُّلَّمُ...


يَا إِلَهِي... السُّلَّمُ.


كُلُّ طَوَابِقَ الْبِنَايَةِ تَتَحَرَّكُ مَعِي. لَمْ أَعُدْ أَعْرِفُ إنْ كُنْتُ أَنَا أَنْزِلُ الدَّرَجَ أَمِ الدَّرَجُ هُوَ الَّذِي يَهْوِي بِي. خَطَوَاتِي كَانَتْ قَفَزَاتٍ — ثَلَاثُ دَرَجَاتٍ بِقَفْزَةٍ، أَرْبَعٌ بِقَفْزَةٍ. الْحَائِطُ يُعِينُنِي، يَدِي تَسْحَبُ عَلَيْهِ كَأَنَّهَا تُصَافِحُهُ فِي وَدَاعٍ أَبَدِيٍّ.


الْمِصْبَاحُ الْأَصْفَرُ فِي السُّلَّمِ لَمْ يَكُفَّ عَنِ الْوَمِيضِ. ظِلِّي أَمَامِي يَتَكَسَّرُ كَالزُّجَاجِ الْمَهْشُومِ، وَوَرَائِي... لَا، لَمْ أَلْتَفِتْ. أَقْسَمْتُ أَنِّي لَمْ أَلْتَفِتْ. الْتِفَاتَةٌ وَاحِدَةٌ قَدْ تَكُونُ كَافِيَةً لِأَرَى مَا لَا أُرِيدُ رُؤْيَتَهُ — رَقَبَةً طَوِيلَةً، أَوْ يَدًا زَاحِفَةً مِنْ تَحْتِ بَابِ شُقَّتِي، أَوْ زَكَرِيَّا نَفْسَهُ وَهُوَ يَنْزِلُ الدَّرَجَ وَرَائِي بِثِقَتِهِ الْمَأْلُوفَةِ.




بَابُ الْعِمَارَةِ...


وَصَلْتُ.


لَمْ أَفْتَحِ الْبَابَ — لَقَدْ اصْطَدَمْتُ بِهِ بِجَسَدِي كُلِّهِ كَأَنَّنِي قَذِيفَةٌ مُوَجَّهَةٌ. انْفَتَحَ الْبَابُ الْحَدِيدِيُّ الثَّقِيلُ بِصَرْعَةٍ لَمْ يَعْتَدْهَا مُنْذُ أَنْ رَكَّبَهُ الْعَمُّ "مِيمِي" نَاظِرُ الْعِمَارَةِ فِي السَّبْعِينِيَّاتِ.


الْهَوَاءُ الْبَارِدُ ضَرَبَ وَجْهِي. الشَّارِعُ خَالٍ. الْقَمَرُ فَوْقِي — لَمْ أَكُنْ أَدْرِي أَنَّ لِلْقَمَرِ وَجْهًا مُخِيفًا إِلَى هَذِهِ الدَّرَجَةِ حِينَ يَكُونُ فِي كَبِدِ السَّمَاءِ وَأَنْتَ تُحَاوِلُ الْتِقَاطَ أَنْفَاسِكَ بَعْدَ جَرْيِكَ فِي السُّلَّمِ.





لَا.


لَنْ أَبْقَى هُنَا.


الْأَرْضُ مَا زَالَتْ تَهُزُّ — أَمْ أَنَا الَّذِي أَرْتَجِفُ؟ لَمْ أَعُدْ أُمَيِّزُ.


صَعِدْتُ إِلَى أَهْلِي فِي الطَّابِقِ الْأَوَّلِ.


الْبَابُ كَانَ مُوصَدًا كَالْعَادَةِ. طَرَقْتُهُ. لَا، لَمْ أَطْرُقْهُ — هَرَاوَلْتُهُ بِرَاحَتِي. ثَلَاثُ طَرَقَاتٍ كَأَنَّهَا طَلْقَاتُ نَارٍ فِي لَيْلٍ هَادِئٍ.


فَتَحَتْ لِي أُمِّي — النَّعْسَةُ الَّتِي تَسْتَيْقِظُ عَلَى أَدْنَى حَرَكَةٍ، أَوْ عَلَى طَرَقَاتٍ كَأَنَّهَا تَطْلُبُ إِسْعَافًا.


صَوْتُهَا: "مَالَكْ يَا بُنَيَّ؟! إِيهِ الْجَرِيِّ؟!"


دَخَلْتُ أَتَلَمَّسُ الْحَائِطَ. وَجْهِي كَانَ أَبْيَضَ — هَكَذَا أَخْبَرُونِي لَاحِقًا — أَبْيَضَ كَجُثَّةٍ أَمَامَ التَّشْرِيحِ.


وَالِدِي خَرَجَ مِنَ الْغُرْفَةِ يَفْرُكُ عَيْنَيْهِ، وَوَجْهُهُ يَمْزِجُ بَيْنَ الْقَلَقِ وَالضَّيَقِ: "مَالَكْ؟ لَمْ تَنَمْ فَوْقَ سَطْحِ الْكَوْنِ؟ إِيهِ الَّذِي أَطَارَ عَقْلَكَ؟"


أَخِي الْأَصْغَرُ كَانَ قَدْ خَرَجَ أَيْضًا، يُحَاوِلُ أَنْ يَبْدُوَ قَلِقًا لَكِنَّ عَيْنَيْهِ كَانَتَا تَلْمَعَانِ بِفُضُولِ مَنْ يَنْتَظِرُ مَشْهَدًا مُسَلِّيًا.


جَمِيعُهُمْ يُحَدِّقُونَ فِيَّ.


لَمْ أَسْتَطِعِ الْكَلَامَ فِي الْبِدَايَةِ. اللِّسَانُ كَانَ جَافًّا، وَالْقَلْبُ مَا زَالَ يُسَابِقُ سُرْعَةَ الصَّوْتِ. الْتِقَمْتُ الْهَوَاءَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ ثُمَّ قُلْتُ بِصَوْتٍ خَشِنٍ غَرِيبٍ لَمْ أَعْتَدْهُ:


"زَكَرِيَّا... زَكَرِيَّا اتَّحَرَّكَ."


سَكَتَ الْجَمِيعُ لِثَانِيَةٍ كَامِلَةٍ.


ثُمَّ...


انْفَجَرَ وَالِدِي ضَاحِكًا. ضِحْكَةً كَبِيرَةً عَالِيَةً كَأَنِّي قُلْتُ أَطْرَفَ نُكْتَةٍ فِي الْعَالَمِ. أُمِّي تَبَسَّمَتْ — لَا، كَادَتْ تُغْمَى عَلَيْهَا مِنَ الضَّحِكِ أَيْضًا لَكِنَّهَا تَمَاسَكَتْ. أَخِي لَمْ يَتَمَاسَكْ، بَلْ سَقَطَ عَلَى الْكَنَبَةِ وَهُوَ يُغَطِّي بَطْنَهُ.





وَقَالَ وَالِدِي وَهُوَ يُجَفِّفُ دُمُوعَ الضَّحِكِ الَّتِي لَمْ أَعْرِفْ أَنَّهُ يُجِيدُ إِنْتَاجَهَا:


"يَا وَلَدِي... كَانَ زِلْزَالْ. زِلْزَالْ خَلَّى كُلَّ حَاجَةٍ تَتَهَزَّزْ. 

مَشْ زَكَرِيَّا الَّذِي اتَّحَرَّكْ يَا سَخِيفْ، الْأَرْضِ نَفْسِهَا الَّتِي اتَّحَرَّكَتْ


أَخِي صَاحَ مِنْ فَوْقِ الْكَنَبَةِ: "يَعْنِي إِيهِ؟ جُمْجُمَةً فَارِغَةً خَيَّفْتْ أَخُويَا الْمُتَحَذْلِقَ وَخَلَّيْتُهْ يَجْرِي فِي السُّلَّمِ كَأَنَّ الشَّيْطَانَ وَرَاهُ؟ مَا شَاءَ اللَّهُ عَلَى زَكَرِيَّا! نِيَاهْيَاهْيَاهَا!"


أَمَّا أَنَا...


وَقَفْتُ كَالْجِذْعِ مُنْتَصِبًا. الدَّمُ الَّذِي كَانَ قَدِ انْسَحَبَ مِنْ وَجْهِي لِيُطْلِقَ عَلَيْهِ لَوْنَ الْكِرْسَاءِ الْبَاهِتِ، عَادَ يَتَدَفَّقُ فَجْأَةً لِيُصْبِحَ وَجْهِي أَحْمَرَ كَالطَّمَاطِمِ.


لَمْ أَعْرِفْ مَا هُوَ الْأَشَدُّ إِيذَاءً: هَلْ هُوَ الرُّعْبُ الَّذِي أَطَارَ لُبِّي، أَمْ هُوَ الْحَقِيرُ الَّذِي يُدْعَى زَكَرِيَّا الْجُمْجُمَةُ الْعَظَمِيَّةُ الَّتِي جَعَلَتْنِي أُسَجِّلُ رَقْمًا قِيَاسِيًّا فِي سِبَاقِ قَفْزِ السَّلَالِمِ، أَمْ هُوَ أَهْلِي الَّذِينَ يَضْحَكُونَ عَلَيَّ كَأَنِّي أَغْبَى مَخْلُوقٍ فِي وُجُودِ الرَّبِّ؟


أَجَبْتُ وَأَنَا أُحَاوِلُ الِانْكِمَاشَ إِلَى دَاخِلِ قَمِيصِي النَّوْمِ الَّذِي نَسِيتُ أَنِّي أَرْتَدِيهِ:


"طَبْعًا كَانَ زِلْزَالًا... أَنَا عَرَفْتُ طَبْعًا... لَكِنْ سَاعَتَهَا حَسِيتْ إِنَّ جَمْجَمَةً زَكَرِيَّا كَانَتْ هِيَ الْبِدَايَةْ... مَا هُوَ أَنَا كُنْتُ نَائِمٍ... يَعْنِي مَشْ فَاكِرْ كُوَيْسْ..."


وَالِدِي رَبَّتَ عَلَى كَتِفِي وَهُوَ لَا يَزَالُ يَضْحَكُ: "خَلَاصْ يَا وَلَدِي... نَامْ. بُكْرَةٍ إِذَا صَحِيتْ حَقُولْ لِزَكَرِيَّا يُسَلِّمْ عَلَيْكْ، يَقُولَكْ: تَأَخَّرْتُ هُوَ الْجِيرَانْ فَوْقْ؟"


عُدْتُ إِلَى شُقَّتِي فِي الطَّابِقِ الْأَعْلَى بِخُطُوَاتٍ ثَقِيلَةٍ. فَتَحْتُ بَابَ غُرْفَتِي بِحَذَرٍ. زَكَرِيَّا كَانَ هُنَاكَ، مَا زَالَ عَلَى سَطْحِ الْمَكْتَبِ، نَظَّارَتُهُ الشَّمْسِيَّةُ عَلَى مَكَانِ الْعَيْنَيْنِ، السِّيجَارَةُ بَيْنَ فَكَّيْهِ، الْقُبَّعَةُ فَوْقَ رَأْسِهِ. لَمْ يَتَحَرَّكْ.


هَلْ تَحَرَّكَ حَقًّا قَبْلَ قَلِيلٍ؟ أَمْ كَانَتِ الْهِزَّةُ هِيَ الَّتِي حَرَّكَتْ كُلَّ شَيْءٍ، وَعَقْلِي الْمَرِيضُ الْمُمْتَلِئُ بِقِصَصِ الرُّعْبِ وَالْكِلَابِ السَّاخِنَةِ وَالْفُورْمَالِينِ هُوَ الَّذِي خَيَّلَ إِلَيَّ أَنَّ زَكَرِيَّا يَتَحَرَّكُ وَحْدَهُ؟


تَمَشَّيْتُ نَحْوَ الْمَكْتَبِ بِهُدُوءٍ. اقْتَرَبْتُ مِنْ جُمْجُمَتِهِ. نَظَرْتُ إِلَيْهَا نَظْرَةً طَوِيلَةً.




وَقُلْتُ بِيَأْسِ الْمُسْتَسْلِمِينَ لِهَزِيمَتِهِمْ:


"أَيُرْضِيكَ هَذَا يَا زَكَرِيَّا؟"


سأقوم بتدقيق النص لغويًا ونحويًا، مع إضافة التشكيل المناسب، مع الحفاظ التام على الكلمات العامية، والمدود (زكرييييياااا)، والكلمات الإنجليزية، والأقواس، دون أي تغيير في صياغتها. كما سأحافظ على علامات الترقيم والتنسيق بما يسهل عليك النسخ واللصق.


خاتمة...


لَمْ يَتَحَرَّكْ زَكَرِيَّا مَرَّةً أُخْرَى، بَلْ كَانَ خَيَالِي...

شَارَكَنِي زَكَرِيَّا غُرْفَتِي حَتَّى نِهَايَةِ الْعَامِ الثَّانِي مِنَ الْكُلِّيَّةِ، وَمِنْ ثُمَّ انْتَقَلَ إِلَى غُرْفَةِ أَحَدِ الزُّمَلَاءِ...

وَلَمْ أَسْمَعْ شَيْئًا عَنْهُ مِنْ ذَلِكَ الْحِينِ...


لَا زَالَ أَهْلِي وَأَصْدِقَائِي يَتَذَكَّرُونَ كُلَّ شَيْءٍ...

الضَّفَادِعُ...

سَنْدَوِيشَاتُ اللَّنْشُونِ بِالْبَيْضِ...

نَاقِصْ مِلْح...

الْمُشَرَّحَةُ...

جَلْسَةُ قِصَصِ الرُّعْبِ فِي النَّادِي...

سَيَّارَتِي الْعَزِيزَةُ...


و...


زَكَرِيَّا...


أَنْتَ فين  يَا زَكَرِيِّيِّيِّيَااااا...







google-playkhamsatmostaqltradent