حلق مع هدهوديات في الفضاء السيبراني

recent
أخبار ساخنة

زَوْجَةُ الْكَاتِبِ

الصفحة الرئيسية


مُقَدِّمَةٌ ...


أَكْتُبُ إِلَيْكُمْ كَلِمَاتِي هَذِهِ كَيْ أَحْكِيَ عَنْ أَبْعَادٍ مُخْتَلِفَةٍ لِمَا قَدْ نَحْلَمُ بِهِ، لِمَا قَدْ يَجُولُ فِي مَخَيِّلَاتِنَا مُحَاوِلًا كَسْرَ الْخَيْطِ الرَّفِيعِ مَا بَيْنَ الْوَاقِعِ وَالْخَيَالِ أَحْيَانًا، وَعَنْ مُحَاوَلَةِ الْعَقْلِ الْبَشَرِيِّ الدَّؤُوبَةِ عَلَى إِعَادَةِ إِنْشَاءِ ذَلِكَ الْجِدَارِ الْعَتِيقِ بَيْنَهُمَا، رُبَّمَا لِأَنَّ هُنَاكَ جُزْءًا دَفِينًا فِي تَلَابِيبِ الْعَقْلِ الْبَشَرِيِّ عَلَى دِرَايَةٍ تَامَّةٍ بِالْخَطَرِ الْمُحْدِقِ فَوْرَ تَحَطُّمِ هَذَا الْجِدَارِ، تَمَامًا كَذَلِكَ الَّذِي يَحُولُ بَيْنَنَا وَبَيْنَ ... يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ ...


قَدْ سَمِعْتُ مَقُولَةَ أَحَدِهِمْ يَوْمًا: (حَذَارِ مِنْ أَحْلَامِكَ، حَذَارِ مِنْ أَنْ يَتَحَوَّلَ حُلْمُكَ إِلَى وَاقِعٍ). يَوْمَئِذٍ لَمْ أَفْهَمْ، لَمْ أُدْرِكْ ... فَقَطْ ظَنَنْتُهُ مُجَرَّدَ مُتَشَائِمٍ عَابِسٍ آخَرَ مِمَّنْ يَدَّعُونَ أَنَّهُمْ مِنْ فَلَاسِفَةِ الْعَصْرِ الَّذِي لَا يَصِلُ بَقِيَّةُ الْبَشَرِ أَبَدًا إِلَى مُسْتَوَى إِدْرَاكِهِمُ الَّذِي يَتَخَطَّى جَمِيعَ الْأَبْعَادِ الْمَعْرُوفَةِ، بَلْ وَغَيْرِ الْمَعْرُوفَةِ ...



لَكِنَّنِي الْآنَ، وَالْآنَ فَقَطْ، قَدْ أَدْرَكْتُ ... أَنَّهُ كَانَ عَلَى صَوَابٍ ... صَوَابٍ تَامٍّ ...

"مَاذَا لَوْ نِمْتَ؟ وَمَاذَا لَوْ حَلُمْتَ أَثْنَاءَ نَوْمِكَ؟ وَمَاذَا لَوْ ذَهَبْتَ إِلَى الْجَنَّةِ فِي حُلْمِكَ، وَقَطَفْتَ مِنْ هُنَاكَ زَهْرَةً غَرِيبَةً وَجَمِيلَةً؟ وَمَاذَا لَوْ وَجَدْتَ تِلْكَ الزَّهْرَةَ فِي يَدِكَ عِنْدَمَا اسْتَيْقَظْتَ؟ آهٍ، فَمَاذَا بَعْدَ ذَلِكَ؟"

صَامُوِيل تَايْلِر كُولْرِيدْج، قَصِيدَةُ "مَاذَا لَوْ نِمْتَ" الَّتِي أَبْدَعَهَا فِي 1818 وَنُشِرَتْ لَاحِقًا فِي كِتَابِ "أَنِيمَا بُوِيتِي" فِي عَامِ 1895.



عَنْ نَفْسِي، أَجِدُ صَامُوِيل مُتَفَائِلًا مُحِبًّا لِلْحَيَاةِ رُبَّمَا أَكْثَرَ مِنَ اللُّزُومِ، لَكِنِّي بِالتَّأْكِيدِ لَا أَجِدُهُ حَذِرًا بِنَفْسِ ذَاكَ الْقَدْرِ. مَاذَا لَوْ كُنْتَ تَحْلُمُ أَنَّكَ تُشَاهِدُ الْجَحِيمَ -لَا قَدَّرَ اللَّهُ- وَاسْتَيْقَظْتَ كَيْ تَجِدَ فِي يَدِكَ ... أَيَّ شَيْءٍ ... أَيَّ شَيْءٍ مَهْمَا كَانَ، حَتَّى وَلَوْ لَمْ تَلْمَسْ يَدَاكَ أَيَّ شَيْءٍ فِي حُلْمِكَ ... أَخْبِرْنِي عَنْ شُعُورِكَ وَقْتَهَا ... عَنْ إِحْسَاسِكَ حِينَئِذٍ ... فَلَوْ أَدْرَكْتَ الْفَرْقَ بَيْنَ الشُّعُورِ وَالْإِحْسَاسِ لَأَدْرَكْتَ وَجَمَعْتَ مَا بَيْنَ الْفَرْقِ بَيْنَ الْخَوْفِ وَالرُّعْبِ وَالْفَزَعِ فِي آنٍ وَاحِدٍ.

أَلَيْسَ كَذَلِكَ؟!


عُذْرًا ...


فَقَطْ نَسِيتُ فِي خِضَمِّ تِلْكَ النَّظَرِيَّاتِ الْفَلْسَفِيَّةِ الْمُتَضَارِبَةِ أَنْ أُقَدِّمَ نَفْسِي إِلَيْكُمْ ...

أَنَا زَوْجَةٌ، زَوْجِي الْحَبِيبُ يَعْمَلُ كَاتِبًا رِوَائِيًّا. هُوَ يُبْدِعُ فِي الْكِتَابَاتِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِالْخَيَالِ الْعِلْمِيِّ، وَ الماورائيات وَالرُّعْبِ، وَهُوَ عَلَى قَدْرٍ مَا مِنَ الشُّهْرَةِ الَّتِي تَحُولُ بَيْنِي وَبَيْنَ أَنْ أَسْرُدَ قِصَّتِي مُسْتَخْدِمَةً أَسْمَاءَنَا الْحَقِيقِيَّةَ، لِذَا وَجَبَ عَلَيَّ اسْتِخْدَامُ اسْمَيْنِ مُسْتَعَارَيْنِ (الْبُيُوتُ أَسْرَارٌ، كَمَا تَعْلَمُونَ).


سَوْفَ أُقَدِّمُ لَكُمْ نَفْسِي أَوَّلًا ... لِمَاذَا أَنَا أَوَّلًا؟! يَا لَهُ مِنْ سُؤَالٍ سَخِيفٍ ... لِأَنَّ السَّيِّدَاتِ أَوَّلًا يَا هَذَا ...

يَا لِلرِّجَالِ ...


فَلْيَكُنِ اسْمِي هُوَ "سُونْيَا".


أَكَادُ أَسْمَعُ بَعْضَ الْأَوْغَادِ يَضْحَكُونَ وَيَسْخَرُونَ مِنِ اسْمِي مُتَذَكِّرِينَ "الرَّاقِصَةَ سُونْيَا" فِي إِحْدَى أَفْلَامِ إِسْمَاعِيلَ يَسْ ...



بَلْ أَكَادُ أَسْمَعُ قَهْقَهَةَ الْمَزِيدِ مِنَ الْأَوْغَادِ الْمُتَحَذْلِقِينَ الَّذِينَ يَذْكُرُونَ شَيْئًا عَنْ "سُونْيَا السَّاحِرَةِ الشِّرِّيرَةِ" الْمُنْطَلِقَةِ عَابِرَةً لِلْأَجْوَاءِ مُمْتَطِيَةً مِقْوَشَتَهَا السِّحْرِيَّةَ مُنْطَلِقَةً مِنْ كُوخِهَا الصَّغِيرِ الْقَاعِعِ قُرْبَ قِمَّةِ جَبَلِ "فِيزُوف" مُتَّجِهَةً نَحْوَ "مَدِينَةِ الْبَطِّ" رَاغِبَةً فِي سَرِقَةِ "قِرْشِ الْحَظِّ" الْخَاصِّ بِ "عَمِّ ذَهَبٍ".

لَيْسَ ذَنْبِي إِنْ كَانَ هَذَا مَا كُنْتُمْ تَعْلَمُونَهُ عَنِ اسْمِي فَقَطْ مِنْ خِلَالِ مُطَالَعَتِكُمُ الْقِصَصَ الْمُصَوَّرَةَ فِي مَجَلَّةِ "مِيكِي" أَثْنَاءَ طُفُولَتِكُمُ الْمُشَرَّدَةِ.



وَلِكِلَا الْفَرِيقَيْنِ السَّابِقِ ذِكْرِهِمَا قَبْلَ بِضْعَةِ أَسْطُرٍ، سَوْفَ أَتَقَدَّمُ بِشَرْحٍ وَافٍ عَنْ مَعْنَى اسْمِي كَيْ تَقِفُوا عَلَى تِلْكَ السَّطْحِيَّةِ الَّتِي غَزَتْ عُقُولَكُمْ.

مَاذَا؟! لَيْسُوا هُمْ فَقَطْ مَنْ لَا يَعْلَمُونَ مَعْنَى اسْمِي؟! أَنْتَ أَيْضًا لَا تَعْلَمُ؟!

حَسَنًا، سَأُخْبِرُكَ بِهِ أَيُّهَا الْبَشَرِيُّ الْمُتَحَذْلِقُ سَاكِنُ هَذَا الْكَوْكَبِ الْبَائِسِ ...


سُونْيَا ...


سُونْيَا: اسْمُ عَلَمٍ مُؤَنَّثٍ ذُو أُصُولٍ يُونَانِيَّةٍ قَدِيمَةٍ، وَهُوَ يَعْنِي "الْحِكْمَةَ وَالْعِلْمَ وَالذَّكَاءَ"، وَيَتَّمَيَّزُ مَنْ تَحْمِلُهُ بِالرَّزَانَةِ وَالتَّعَقُّلِ، وَحُبِّ الْمَعْرِفَةِ بِالْإِضَافَةِ إِلَى الْهُدُوءِ وَالْحِكْمَةِ. وَأَعْتَقِدُ أَنِّي وَعَنْ جَدَارَةٍ أَتَمَتَّعُ بِحَمْلِ الصَّفْقَةِ الْأُولَى بِكُلِّ جَدَارَةٍ، وَإِلَّا كُنْتُ قَدْ أَصَبْتُ بِالْخَبَالِ قَبْلَ أَنْ أَرْوِيَ حِكَايَاتِي بِزَمَنٍ بَعِيدٍ ...

آهٍ ...

قَدْ نَسِيتُ أَنْ أُخْبِرَكُمْ بِأَنَّ الِاسْمَ قَدْ صَارَ مُتَدَاوَلًا شَرْقًا وَغَرْبًا مُنْذُ الْقَرْنِ الثَّالِثَ عَشَرَ الْمِيلَادِيِّ، صَوْبَ أُورُوبَّا وَآسِيَا، إِيرَانَ وَرُوسْيَا، حَيْثُ قَامَ الرُّوسُ بِتَعْدِيلِهِ إِلَى "صُوفِيَا"، وَمِنْ ثَمَّ تَجِدُ الْأَصْلَ يُونَانِيًّا، وَالتَّعْدِيلَ رُوسِيًّا، وَالِانْتِشَارَ عَالَمِيًّا.

هَذَا فَقَطْ مَا أُرِيدُهُ أَنْ تَعْلَمُوهُ عَنِّي، لِأَنَّ الْبُيُوتَ أَسْرَارٌ، كَمَا تَعْلَمُونَ.

وَالْآنَ ...

دَعُونِي أُقَدِّمُ لَكُمْ زَوْجِي الْحَبِيبَ، وَبِاسْمٍ مُسْتَعَارٍ هُوَ الْآخَرُ ...

وَلْيَكُنِ اسْمُهُ ...

آدَمَ ...

زَوْجِيَ الْعَزِيزُ آدَمُ ...


آدَمُ …


إِنَّنَا مُخْتَلِفَانِ فِي كُلِّ شَيْءٍ، مُنْدَمِجَانِ فِي كُلِّ أُمُورِنَا ... مُخْتَلِفَانِ فِي الطِّبَاعِ بِشَكْلٍ جَذْرِيٍّ، مُتَطَابِقَانِ فِي أَرْوَاحِنَا بِشَكْلٍ مُذْهِلٍ. نَحْنُ النَّهَارُ وَاللَّيْلُ، مُخْتَلِفَانِ لَكِنَّنَا تَوْأَمَانِ ...

آدَمُ مَرِحٌ، اجْتِمَاعِيٌّ، مُتَوَاجِدٌ فِي كُلِّ مَكَانٍ "لَهُ بِكُلِّ خَرَابَةٍ عِفْرِيتٌ" كَمَا يَقُولُونَ. أَنَا أَيْضًا كَذَلِكَ مَرِحَةٌ، لَكِنَّنِي عَلَى عَكْسِ آدَمَ لَا أُطِيقُ الْبَشَرَ عِنْدَمَا يَتَخَطَّى عَدَدُهُمُ اثْنَانِ.

لَكِنَّنَا دَوْمًا رُوحٌ وَاحِدَةٌ تَسْكُنُ جَسَدَيْنِ ...


آدَمُ رُومَانْسِيٌّ كَالطِّفْلِ، يَقِيسُ الدُّنْيَا بِالْمَشَاعِرِ، يَسْتَنْشِقُ الْأَحَاسِيسَ، وَأَنَا أَفْعَلُ ذَلِكَ أَيْضًا لَكِنْ مِنْ وَرَاءِ سِتَارٍ لَا يَنْظُرُ مِنْ خِلَالِهِ إِلَّا مَنْ أُرِيدُ أَنَا فَقَطْ. إِنَّ مَحِيطَ مَشَاعِرِي مُتَاحٌ فَقَطْ لِمَنْ أُرِيدُ ...

لَكِنَّنَا دَوْمًا رُوحٌ وَاحِدَةٌ تَسْكُنُ جَسَدَيْنِ ...


هُوَ الصَّخَبُ وَأَنَا السُّكُونُ ... هُوَ النُّكْتَةُ وَأَنَا الْحِكْمَةُ، هُوَ الرُّوحُ وَأَنَا الْجَسَدُ، هُوَ الْقَلْبُ وَأَنَا الْكَبِدُ. مَزِيجًا غَرِيبًا مِنَ الْمُضَادَّاتِ الَّتِي جَمَعَتْ بَيْنَ زَوْجَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ قَرَّرَا أَنْ يَلْجَأَ كُلٌّ مِنْهُمَا إِلَى عَالَمِ الْآخَرِ قَاصِدًا الْأَمَانَ ...

لَكِنَّنَا دَوْمًا رُوحٌ وَاحِدَةٌ تَسْكُنُ جَسَدَيْنِ ...



دَوْمًا يَحْتَوِينِي حِينَ أُخْطِئُ، وَأَرْشُدُهُ حِينَ يُخْطِئُ ...

حِينَ يَلْتَقِي مَوْلُودُو الْأَبْرَاجِ الْمَائِيَّةِ وَالْهَوَائِيَّةِ مَعًا، بَكُنَّ هُنَاكَ زَخْمٌ كَبِيرٌ مُفْعَمٌ بِنَغَمِ أَمْوَاجِ الْبَحْرِ وَنَسَمَاتِهِ ... الْوُضُوحُ وَالْغُمُوضُ ...

لَكِنَّنَا دَوْمًا رُوحٌ وَاحِدَةٌ تَسْكُنُ جَسَدَيْنِ ...

هُوَ يَرَى هَمْسِي، وَأَنَا أُنْصِتُ إِلَى نَظَرَاتِهِ ...


اِلْتَقَيْنَا قَبْلَ سَنَوَاتٍ فِي إِحْدَى النَّدَوَاتِ الْأَدَبِيَّةِ، كَانَ هُوَ الْمُتَحَدِّثَ، كُنْتُ أَنَا إِحْدَى قُرَّائِهِ ...

تَحَدَّثْنَا بِغَيْرِ تَكَلُّفٍ ... دُونَ نِيَّةٍ مُسْبَقَةٍ فِي أَيِّ شَيْءٍ ...

لَكِنْ لِلْقَدَرِ حِسَابَاتٌ أُخْرَى ...


إِنَّنَا كَالشَّرْقِ وَالْغَرْبِ، أَوَّلُهُمَا يَبْدَأُ الْحِكَايَةَ وَالْآخَرُ يُتِمُّهَا ...

يُتِمُّهَا، لَا يُنْهِيهَا ...

لِذَا أَتَفَهَّمُ دَهْشَةَ كُلِّ مَعَارِفِنَا بَلْ وَذُهُولَهُمْ حِينَ عَلِمُوا بِزَوَاجِنَا ...

لِأَنَّهُمْ بِبَسَاطَةٍ لَمْ يُدْرِكُوا الْفَرْقَ بَيْنَ "يُتِمُّهَا، لَا يُنْهِيهَا" لَنْ يُدْرِكُوهُ أَبَدًا ... لَنْ يُدْرِكُوا أَنَّ مَا جَمَعَنَا مَعًا كَانَ هُوَ الصِّدْقَ؛ صِدْقَ الْمَشَاعِرِ، صِدْقَ الطِّبَاعِ بَلْ وَحَتَّى صِدْقَ الِاخْتِلَافِ ... حَتَّى حَدَثَ الْإِئْتِلَافُ ...

أَنَا لَمْ وَلَنْ أَجِدَ لَكَ فِي الْكَوْنِ بَدِيلًا ...


وَالْآنَ ...


دَعُونِي أَشْرَحْ لَكُمُ الْأَجْوَاءَ الَّتِي نَحْيَاهَا كَكَاتِبٍ وَزَوْجَتِهِ عِنْدَمَا يَكُونُ زَوْجِي مُنْدَمِجًا حَتَّى أَخْمَصِ قَدَمَيْهِ فِي كِتَابَةِ رِوَايَةٍ جَدِيدَةٍ ...

يُغْلِقُ آدَمُ بَابَ حُجْرَةِ مَكْتَبِهِ بِالسَّاعَاتِ الطَّوِيلَةِ كَيْ يَسْخُرَ كَامِلَ طَاقَتِهِ وَتَفْكِيرَهُ إِلَى حَدِّ الْاِنْدِمَاجِ التَّامِّ مَعَ قَلَمِهِ ... أَحْيَانًا أَسْمَعُ صَوْتَهُ عَالِيًا مِنْ خَلْفِ الْبَابِ وَهُوَ يَكْتُبُ ... يُخْبِرُنِي بِأَنَّ لِلْقَلَمِ رُوحَهُ الْخَاصَّةَ ... وَأَنَا أُومِنُ بِذَلِكَ ...


أَذْكُرُ فِي الْعَامِ الْمَاضِي، وَبَيْنَمَا كَانَ آدَمُ يَكْتُبُ إِحْدَى قِصَصِ الرُّعْبِ قَرَّرَ ذَاتَ مَرَّةٍ الْخُرُوجَ مِنْ صَوْمَعَتِهِ وَدَعْوَتِي عَلَى عَشَاءٍ رُومَانْسِيٍّ بِإِحْدَى الْفَنَادِقِ الْفَاخِرَةِ. كَانَ عَشَاءً فَاخِرًا رُومَانْسِيًّا عَلَى ضَوْءِ الشُّمُوعِ. أَذْكُرُ جَيِّدًا حِينَ هَمَسَ لِي فِي حَنَانٍ:

_ زَوْجَتِي الْحَبِيبَةُ، أَلَا تَسْتَشْعِرِينَ هَمَسَاتِ الْفَزَعِ؟! أَلَا تَنْصِتِينَ إِلَى سِيمْفُونِيَّةِ الْهَلَعِ؟! أَنْغَامُ الرُّعْبِ ... أَوَاهْ يَا لَيْلُ ...

_ أَيُّ لَيْلٍ يَا صَغِيرِي؟! إِنَّ مَا تَقُولُهُ يَصْلُحُ قَصِيدَةً قَدْ كَتَبَهَا إِبْلِيسُ لِزَوْجَتِهِ وَهُمَا فِي قَلْبِ الْجَحِيمِ ...

وَنَضْحَكُ ...



نَاهِيكَ عَنْ أَنَّ مِنْ عَلَامَاتِ انْدِمَاجِ آدَمَ فِي الْكِتَابَةِ، هِيَ عَادَتُهُ الْمُحَبَّبَةُ فِي "قَطْعِ الْخَلَفِ" وَالَّتِي يُمَارِسُهَا مَعِي بِكُلِّ حَمَاسٍ ...

مَثَلًا ...


عِنْدَمَا أَشْعُرُ بِالْعَطَشِ لَيْلًا، فَإِنَّنِي بِكُلِّ بَسَاطَةٍ أَتَوَجَّهُ إِلَى الْمَطْبَخِ مِنْ أَجْلِ شُرْبِ الْمَاءِ كَأَيِّ زَوْجَةٍ طَبِيعِيَّةٍ، وَأَثْنَاءَ عَوْدَتِي إِلَى الْغُرْفَةِ عَابِرَةً الرَّدْهَةَ الْمُظْلِمَةَ إِلَّا مِنْ تِلْكَ الْإِضَاءَةِ الصَّفْرَاءِ الْخَافِتَةِ الَّتِي تُلْقِي ظِلَالًا مُرْعِبَةً عَلَى كُلِّ مَا حَوْلَهَا بَدَلًا مِنَ الْقِيَامِ بِدَوْرِهَا الطَّبِيعِيِّ وَهُوَ الْإِضَاءَةُ ...

وَبَيْنَ أَسِيرِ مُشَتَّتِ الذِّهْنِ أُجَاهِدُ بِأَنْ لَا يَصْدِمَ إِصْبَعُ قَدَمِيَ الصَّغِيرُ بِإِحْدَى قِطَعِ الْأَثَاثِ، أُفَاجَأُ بِصَوْتِ آدَمَ الْمَبْحُوحِ الْهَامِسِ وَسَطَ الظَّلَامِ:

سُونْيَــــااااااا سُونْيَــــااااا سُونْيَــــااااااااا


عِلَاوَةً عَلَى أَنَّ زَوْجِيَ الْمُبْدِعَ قَدِ ابْتَدَعَ كَلِمَةً عَلَى غِرَارِ "الشَّبَحِ" وَ"الْعِفْرِيتِ"، أَلَا وَهِيَ "السُّلَحْفُرَيْتُ" (السلحفريت)، لِذَا تَجِدُهُ يُمَعِّنُ فِي إِخَافَتِي وَكَأَنَّهُ يَقُومُ بِمُعَاقَبَتِي كُلَّمَا شَعَرْتُ بِالْعَطَشِ لَيْلًا قَائِلًا:

سُونْيَــــاااااا سُونْيَــــااااااا... أَنَا السُّلَحْفُرَيْتُ... نِيَاهَاهَاهَاهَاهَا..

لَابُدَّ أَنَّهَا هِيَ تِلْكَ هَمَسَاتُ الْفَزَعِ كَمَا أَخْبَرَنِي سَابِقًا ...

لَكِنَّنَا دَوْمًا رُوحٌ وَاحِدَةٌ تَسْكُنُ جَسَدَيْنِ ...




كَانَ لِآدَمَ أُسْلُوبٌ مُمَيَّزٌ فِي الْكِتَابَةِ، كَانَتِ النُّسْخَةُ الْأَوَّلِيَّةُ مِنْ أَيِّ مِنْ مَشَاهِدِ رِوَايَتِهِ يَكْتُبُهَا بِخَطِّ يَدِهِ، وَمِنْ ثُمَّ يَأْتِي إِلَيَّ كَيْ أَقُصَّهَا قَاصِدًا رَأْيِي ...

"نَقْشُ الدَّجَاجِ" هُوَ تَعْبِيرٌ هَزْلِيٌّ عَنْ خَطِّ زَوْجِيَ الْحَبِيبِ، فَقَدْ كُنْتُ عِنْدَمَا أَتَأَمَّلُ مَا قَدْ خَطَّهُ بِيَدَيْهِ لَا أُدْرِكُ بِأَيٍّ مِنَ اللُّغَاتِ الْحَيَّةِ أَوْ حَتَّى الْمَيِّتَةِ قَدِ اسْتُعْمِلَ فِي الْكِتَابَةِ، بِالرَّغْمِ مِنْ أَنَّنِي مُتَأَكِّدَةٌ مِنْ أَنَّهُ قَدِ اسْتَعْمَلَ اللُّغَةَ الْعَرَبِيَّةَ ...

كُنْتُ أَحْيَانًا أَتَأَمَّلُ الْوَرَقَةَ وَأَشْعُرُ أَنَّهُ قَدْ بَدَأَ بِكِتَابَةِ كَلِمَةٍ مَا مَرْكَزِيَّةٍ تَتَوَسَّطُ الصَّفْحَةَ وَتَشُعُّ مِنْهَا بَاقِي الْكَلِمَاتِ فِي جَمِيعِ الِاتِّجَاهَاتِ ... وَمِنْ ثُمَّ يَتْلُو عَلَيَّ وَأَنَا أَتَأَمَّلُ مَا خَطَّتْهُ أَنَامِلُهُ فِي ذَاتِ الْوَقْتِ:

_ مَا أَرْوَعَ مَا كَتَبْتَ يَا صَغِيرِي، لَكِنْ مَا هِيَ تِلْكَ الْكَلِمَةُ؟! لَا أَسْتَطِيعُ قِرَاءَتَهَا ...



_ لَا أَعْرِفُ ... لَا أَسْتَطِيعُ قِرَاءَتَهَا أَنَا الْآخَرُ ...

_ لَا عَلَيْكَ يَا صَغِيرِي، فَلْنُحَاوِلْ فَكَّ طَلَاسِمِ تِلْكَ الْكَلِمَةِ، فَقَطْ أَتَمَنَّى أَنْ لَا تَكُونَ تَعْوِيذَةً مِنْ أَجْلِ اسْتِحْضَارِ مَلِكِ مَلُوكِ الْجَانِّ أَوِ السُّلَحْفُرَيْتِ خَاصَّتِكَ ... فَأَنَا لَا أُرِيدُ أَشْبَاحًا فِي بَيْتِي، وَهَذَا مِنْ أَبْسَطِ حُقُوقِي عَلَى مَا أَعْتَقِدُ ...

وَهَكَذَا تُصْبِحُ النُّسْخَةُ النِّهَائِيَّةُ مَكْتُوبَةً بِخَطِّ يَدِي أَنَا قَبْلَ أَنْ تَتِمَّ طِبَاعَتُهَا ...



كَانَ آدَمُ كَعَادَتِهِ يُحَدِّثُنِي عَنِ الْأَفْكَارِ الَّتِي يَقْتَبِسُ مِنْهَا رِوَايَاتِهِ، وَعَنْ أَسَاطِيرِ مَا وَرَاءَ الطَّبِيعَةِ، وَعَنِ الْفِيزْيَاءِ الْفَلَكِيَّةِ وَالزَّمَكَانِ وَسُكَّانِ بَاطِنِ الْأَرْضِ وَوَوَوَوْ وَوْ ...

أَحْيَانًا كَثِيرَةً كَانَ عَقْلِي لَا يَسْتَوْعِبُ كُلَّ هَذَا الْحَشْدَ مِنَ الْمَعْلُومَاتِ، وَكَيْفَ قَدِ احْتَشَدَ هَذَا كُلُّهُ فِي رَأْسِهِ ...

كَانَتْ تَبْدُو عَلَامَاتُ الذُّهُولِ عَلَى وَجْهِي، وَتَلْتَمِعُ نَظْرَةٌ خَاوِيَةٌ مِنْ عُيُونِي، وَكُنْتُ أَسْأَلُهُ أَسْئِلَةً غَرْبِيَّةً لَيْسَ لَهَا أَيُّ عَلَاقَةٍ بِمَا يَرْوِي ... فَكَانَ يَنْظُرُ إِلَيَّ مُتَمَتْمًا: لَا بُدَّ أَنَّ "شَبُّورَةَ الْغَبَاءِ" تَعْتَلِي ذِهْنَكِ حَالِيًّا ... فَلْنُكْمِلْ حَدِيثَنَا وَقْتًا آخَرَ يَا حَبِيبَتِي ...



هُنَاكَ مَرْحَلَةٌ أُخْرَى مِنْ مَرَاحِلِ الْكِتَابَةِ لَدَى زَوْجِيَ الْحَبِيبِ ...


                                         
                                                                                                                                      الْأَحْلَامُ ...


كَمْ مِنْ مَرَّاتٍ عَدِيدَةٍ يَرَى فِيهَا حُلْمًا مَا فَيُقَرِّرُ الْقِيَامَ بِتَحْوِيلِهِ إِلَى رِوَايَةٍ أُخْرَى بَعْدَ أَنْ يَرْوِيَهُ عَلَيَّ كَالْعَادَةِ، لَكِنَّنِي ... لَكِنَّنِي لَنْ أَنْسَى أَبَدًا تِلْكَ اللَّيْلَةَ ...

كُنَّا نَسْتَعِدُّ لِلنَّوْمِ، وَقْتَهَا كَانَ آدَمُ يَقُومُ بِكِتَابَةِ رِوَايَةٍ مِنْ نَوْعِ الْأَكْشِنْ، وَكَالْعَادَةِ، رَوَى لِي مَا كَتَبَ، أَبْدَيْتُ رَأْيِي، خَلَدْنَا إِلَى النَّوْمِ ...

هُدُوءٌ تَامٌّ ...


حَتَّى سَمِعْتُهُ:


_ أَيُّهَا الرِّجَالُ... يَا رُفَقَاءَ السِّلَاحِ... فَلْنَقُمْ بِدَكِّ حُصُونِهِمْ... تَقَدَّمُوا... تَقَدَّمُوا يَا رِجَالُ وَأَنَا أَوَّلُكُمْ...

قُلْتُ لِنَفْسِي: لَا بُدَّ مِنْ أَنَّ آدَمَ قَدْ وَجَدَ أَحْدَاثًا جَدِيدَةً لِرِوَايَتِهِ فِي حُلْمِهِ. حَسَنًا يَا فَتَاةُ، كُونِي زَوْجَةً طَيِّبَةً، وَاحْفَظِي عَنْ ظَهْرِ قَلْبٍ مَا يَرْوِيهِ كَيْ تَرْوِيهِ إِلَيْهِ صَبَاحًا كَيْ يُكْمِلَ رِوَايَتَهُ ...

_ كُلٌّ إِلَى طَائِرَتِهِ... صَوْبَ مَمَرِّ الْإِقْلَاعِ رَقَمْ 1... الْمُحَرِّكَاتُ... أَقْصَى سُرْعَةٍ... انْطَلِقْ...

رَائِعٌ، قَدْ صَارَ زَوْجِي طَيَّارًا مُقَاتِلًا... يَا لَلرَّوْعَةِ...




_ مِنْ نَسْرِ 1 إِلَى بَاقِي التَّشْكِيلِ... أَرَى ثَكَنَاتِ الْعَدُوِّ... النُّقْطَةُ X165 غَرْبًا، Y546 شَرْقًا... الْمَسَافَةُ عَشَرَةُ كِيلُومِتْرَاتٍ... عِنْدَ إِشَارَتِي افْتَحُوا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ الْجَحِيمِ...

أُووُوهْ يَا زَوْجِيَ الْحَبِيبُ يَا بَطَلِي... نَعَمْ، قُمْ بِتَلْقِينِ هَؤُلَاءِ الْأَشْرَارِ الْأَوْغَادِ دَرْسًا لَا يَنْسَوْنَهُ أَبَدًا... فَخُورَةٌ بِكَ يَا صَغِيرِي..


_ الصَّوَارِيخُ... الصَّوَارِيخُ...

نَعَمْ، صَوَارِيخُ وَقَنَابِلُ أَيْضًا... يَا قَائِدِي الْمُغَوَّرِ...


لَكِنَّ ...


مَا هَذَا!!!


يَا وَيْلِي!!!


آدَمُ زَوْجِيَ الْحَبِيبُ حَامِي الْحِمَى قَاهِرُ الْأَشْرَارِ يَنْهَضُ جَالِسًا أَثْنَاءَ نَوْمِهِ ... يَمُدُّ يَدَيْهِ إِلَى الْأَبَاجُورَةِ الْمَوْضُوعَةِ عَلَى الْكُمُودِ (الكومود) بِجَارِهِ ...


يَرْفَعُهَا بِكِلْتَا يَدَيْهِ عَالِيًا ...


وَيَهْبِطُ بِهَا بِمَا كُلِّ مَا قَدْ أُوتِيَ مِنْ قُوَّةٍ تُجَاهَ رَأْسِيَ الْمِسْكِينِ قَاصِدَةً تَهْشِيمَهُ، وَهُوَ يَهْتِفُ بِكُلِّ حَمَاسٍ:


الصَّوَارِيخُ.. الصَّوَارِيخُ...


صَرَخْتُ بِكُلِّ قُوَّتِي:

_ لَااااااااا، آدَمُ... اسْتَيْقِظْ يَا آدَمُ...



فَتَحَ عَيْنَيْهِ وَهُوَ لَيْسَ لَهُ كَامِلُ وَعْيِهِ، زَائِغَ النَّظَرَاتِ، وَقَالَ مُتَسَائِلًا:

_ مَاذَا!! مَا الَّذِي يَجْرِي؟!

_ مَا الَّذِي يَجْرِي؟! مَاذَا تَفْعَلُ؟!

_ مَاذَا أَفْعَلُ!!! مَنْ أَنْتِ أَصْلًا؟!

_ مَنْ أَنَا!!! أَنَا سُونْيَا!!!

_ وَمَنْ تَكُونُ سُونْيَا هَذِهِ؟!

_ سُونْيَا زَوْجَتُكَ يَا حَضْرَةَ الْمُقَاتِلِ... وَالْآنَ أَعْطِنِي هَذِهِ... قَدْ ذَهَبَ الْأَشْرَارُ...



أَخَذْتُ الْأَبَاجُورَةَ مِنْ يَدِهِ وَوَضَعْتُهَا خَارِجَ الْغُرْفَةِ وَأَنَا أُرَدِّدُ دُعَاءَ جَدَّتِي (عَوَّضَ عَلَى عَوَّضَ الصَّابِرِينَ يَا رَبِّ) كَيْ لَا تَحْدُثَ غَارَةٌ جَوِّيَّةٌ أُخْرَى لَيْلًا وَأَسْتَيْقِظَ كَيْ أَجِدَ نَفْسِي بِلَا رَأْسٍ ...

وَهَكَذَا قَدْ أَكْمَلَ آدَمُ رِوَايَتَهُ وَالَّتِي قَدْ لَاقَتْ نَجَاحًا كَبِيرًا، وَاحْتَفَظْتُ أَنَا بِرَأْسِي قِطْعَةً وَاحِدَةً وَلِلَّهِ الْحَمْدُ ...


وَهَكَذَا بِالرَّغْمِ مِنْ "هَمَسَاتِ الْفَزَعِ" وَ"شَبُّورَةِ الْغَبَاءِ" إِلَّا ...

إِنَّنَا دَوْمًا رُوحٌ وَاحِدَةٌ تَسْكُنُ جَسَدَيْنِ ...

كَانَتِ الْحَيَاةُ جَمِيلَةً هَادِئَةً، تَسِيرُ بِشَكْلٍ طَبِيعِيٍّ، لَا شَيْءَ فِيهَا يَسْتَحِقُّ الذِّكْرَ كَمَا تَرَوْنَ ...

حَتَّى جَاءَ ذَلِكَ الْيَوْمُ


الْبَازَارُ ...


أَنَّهُ يَوْمُ عِيدِ مِيلَادِ آدَمَ، وَلَازَالَتْ أُفَكِّرُ فِي هَدِيَّةٍ لَهُ. لَكِنْ، مَا هِيَ أَجْمَلُ هَدِيَّةٍ قَدْ تُسْعِدُ كَاتِبًا؟! قَلَمًا فَخْمًا بِكُلِّ تَأْكِيدٍ، لَكِنَّهُ بِالْفِعْلِ يَمْتَلِكُ أَشْكَالًا مُخْتَلِفَةً مِنْهَا، وَمِنْهَا مَا هُوَ فِعْلًا فَاخِرٌ، وَمِنْهَا الْعَدِيدُ مِمَّنْ أَهْدَاهُ إِيَّايَ بِالْفِعْلِ ...


إِذًا ...

سَوْفَ أَقُومُ بِمُمَارَسَةِ هِوَايَتِي الْمُفَضَّلَةِ ... التَّجَوُّلُ بَيْنَ الْمَحَلَّاتِ التِّجَارِيَّةِ عَسَى أَنْ أَجِدَ شَيْئًا مُثِيرًا أُهْدِيهِ إِلَى زَوْجِيَ الْحَبِيبِ ...


وَبِالْفِعْلِ ...

أَمْضَيْتُ سَاعَاتٍ طَوِيلَةً أُشَاهِدُ الْكَثِيرَ مِنَ الْهَدَايَا الْمُرَشَّحَةِ حَتَّى بَدَأَتْ شَمْسُ الْيَوْمِ فِي الِاسْتِعْدَادِ لِلرَّحِيلِ دُونَ أَنْ أَجِدَ شَيْئًا يَسْتَحِقُّ الِاهْتِمَامَ، حَتَّى وَجَدْتُهُ ...


مَحَلًّا تِجَارِيًّا تَعْتَلِيهِ لَافِتَةٌ مَخْطُوطٌ عَلَيْهَا:

"بَازَارُ مَارِي أَنْطُوَانِيتْ".



كَانَ مَحَلًّا يَبِيعُ الْأَنْتِيكَاتِ كَمَا يَبْدُو مِنِ اسْمِهِ ... دَلَفْتُ إِلَى الدَّاخِلِ ... وَلَا أَرْوَعَ! الْعَدِيدُ مِنَ الْقِطَعِ الْفَنِّيَّةِ الرَّائِعَةِ ... أَسَاسُ قُصُورٍ ... أَعْتَقِدُ أَنَّ الْعَدِيدَ مِنْهَا يَنْتَمِي إِلَى طِرَازِ لُويسَ الرَّابِعِ أَوْ حَتَّى السَّابِعَ عَشَرَ ... لَا أَدْرِي كَمْ مِنْ لُويسَ هُنَاكَ ...

الطَّرِيفُ فِي الْأَمْرِ أَنَّ لُويسَ الرَّابِعَ عَشَرَ نَفْسَهُ كَانَ قَذِرًا لِلْغَايَةِ، لَا يَسْتَحِمُّ وَلَا يُبَدِّلُ مَلَابِسَهُ عَلَى الْإِطْلَاقِ، وَيُقَالُ إِنَّ جَوَارِيَهُ كَانُوا يَمْلَؤُونَ الْمَسَابِحَ بِالْعُطُورِ كَيْ يَتَخَلَّصُونَ مِنْ رَائِحَةِ جَسَدِهِ، حَتَّى إِنَّ أَحَدَ الْمُبْعَثِينَ الْأَجَانِبِ إِلَيْهِ قَدْ وَصَفَ رَائِحَتَهُ بِأَنَّهَا أَقْذَرُ مِنْ رَائِحَةِ الْحَيَوَانِ الْبَرِّيِّ ...

حَقًّا، أَكَادُ أُصَابُ بِالْغَثَيَانِ مِنْ ذَوْقِ بَعْضِ الْبَشَرِ ...



وَالْآنَ ...

مَاذَا لَدَيْنَا هُنَا أَيْضًا!!!

هُنَاكَ الْعَدِيدُ مِنْ تَمَاثِيلِ الزُّولُو، وَالَّتِي هِيَ مَنْحُوتَاتٌ تَقْلِيدِيَّةٌ تَعُودُ لِشَعْبِ الزُّولُو فِي جَنُوبِ أَفْرِيقِيَا، تُصْنَعُ غَالِبًا مِنَ الْخَشَبِ الدَّاكِنِ أَوِ الْحَجَرِ، وَتُجَسِّدُ مُحَارِبِينَ أَوْ رُمُوزًا رُوحِيَّةً مُرْتَبِطَةً بِالْقُوَّةِ وَالشَّجَاعَةِ وَأَرْوَاحِ الْأَسْلَافِ وَالْحِمَايَةِ مِنَ الشَّرِّ. تَتِمَيَّزُ بِمَلَامِحَ حَادَّةٍ وَزَخَارِفَ قَبَلِيَّةٍ وَأَسْلِحَةٍ تَقْلِيدِيَّةٍ مِثْلِ الرِّمَاحِ وَالدُّرُوعِ، وَكَانَتْ تُسْتَخْدَمُ فِي الطُّقُوسِ وَالِاحْتِفَالَاتِ الْقَبَلِيَّةِ وَتَخْلِيدِ الزُّعَمَاءِ وَالْمُحَارِبِينَ، ثُمَّ تَحَوَّلَتْ مَعَ الْوَقْتِ إِلَى قِطَعٍ أَنْتِيكٍ وَدِيكُورٍ إِفْرِيقِيٍّ شَهِيرٍ، كَمَا ارْتَبَطَتْ فِي الثَّقَافَةِ الشَّعْبِيَّةِ الْحَدِيثَةِ بِالْغُمُوضِ وَالْأَسَاطِيرِ وَقِصَصِ اللَّعَنَاتِ بِسَبَبِ شَكْلِهَا الْمُهِيبِ وَالْغَامِضِ ...



هُنَاكَ شَيْءٌ يُشْبِهُ مِصْبَاحَ عَلَاءِ الدِّينِ ... أَتَسَاءَلُ إِنْ كَانَ يَحْوِي جِنِّيًا أَيْضًا ... أَوْ سُلَحْفُرَيْتًا كَمَا يَقُولُ آدَمُ (هَاهَاهَاهَاهَاهَا) ...


ثَمَّةَ بِيَانُو فَخْمٌ، يَبْدُو وَأَنَّهُ قَدْ خَرَجَ لِلتَّوِّ مِنْ فِلْمٍ عَتِيقٍ. أَكَادُ أَرَى إِحْدَى الْأَمِيرَاتِ تُلَاعِبُ مَفَاتِيحَهُ بِأَنَامِلِهَا الرَّقِيقَةِ بَيْنَمَا يَتَنَاثَرُ مِنْ حَوْلِهَا الْأُمَرَاءُ مُتَنَافِسِينَ رَاغِبِينَ خِطْبَتَهَا، بَيْنَمَا هِيَ تِلْكَ الْحَمْقَاءُ الْجَمِيلَةُ تُخْبِرُ أَبَاهَا الْمَلِكَ أَنَّهَا سَوْفَ تَتَجَرَّعُ السُّمَّ إِذَا لَمْ تَتَزَوَّجِ الْمُشَلَّحَ ابْنَ الْأَهْطَلِ أَوْ أَيَّ شَيْءٍ مِنْ هَذَا الْهِرَاءِ ...


هُنَالِكَ لَوْحَةٌ لِامْرَأَةٍ مَنْكُوشَةِ الشَّعْرِ تَبْتَسِمُ فِي بَلَاهَةٍ. لَابُدَّ وَأَنَّ اسْمَ تِلْكَ اللَّوْحَةِ هُوَ "الْمَرْأَةُ الْمَصْعُوقَةُ" أَوْ "الَّتِي صَعَقَتْهَا السَّمَاءُ وَظَلَّتْ بَاسِمَةً" ... يَا وَيْلِي...


أَشْيَاءُ تَبْدُو كَجُثَثٍ لِبَعْضِ الْوَطْوَاطِيطِ الْمُحَنَّطَةِ مِنْ عَصْرِ الْمَمَالِيكِ ... لَوْحُ شَطْرَنْجٍ تَعْتَلِيهِ مَجْمُوعَتَانِ مِنَ الدَّعَاسِيقِ الْمَصْنُوعَةِ مِنَ الْعَاجِ عِوَضًا عَنْ جُنُودِ الشَّطْرَنْجِ التَّقْلِيدِيِّينَ ...



آدَمُ سَوْفَ يُحِبُّ هَذَا الْمَكَانَ كَثِيرًا ... هَاهَاهَاهَاهَا... لَوْ جَاءَ إِلَى هُنَا بِالتَّأْكِيدِ سَوْفَ يَجِدُ ضَالَّتَهُ ... تَابُوتًا لِكَائِنٍ فَضَائِيٍّ يَكُونُ نَوَاةً لِرِوَايَةٍ جَدِيدَةٍ، وَمِنْ ثُمَّ يُمَارِسُ هِوَايَتَهُ الْمُحَبَّبَةَ فِي إِرْعَابِي لَيْلًا قَائِلًا:

سُونْيَــــااااااا سُونْيَــــااااا أَنَا السُّلَحْفُرَيْتُ الْفَضَائِيُّ....

يَا وَيْلِي... يَا وَيْلَكِ يَا سُونْيَا مِنْ مُخَبِّلٍ قَدْ أَحْبَبْتِيهِ ...


وَهُنَاكَ ...


جَلَسَ رَجُلٌ عَجُوزٌ خَلْفَ مَكْتَبِهِ الْخَشَبِيِّ الْعَتِيقِ دَاخِلَ الْمَحَلِّ، حَيَّيْتُهُ بِإِيمَاءَةٍ مِنْ رَأْسِي حَتَّى تَوَقَّفَتْ عَيْنَايَ عِنْدَ صُنْدُوقٍ صَغِيرٍ مَوْضُوعٍ وَحْدَهُ فَوْقَ رَفٍّ مُرْتَفِعٍ.

كَانَ صُنْدُوقًا أَسْوَدَ، مَحْفُورًا عَلَيْهِ نَفْسُ الرَّمْزِ الْغَرِيبِ الْمَرْسُومِ عَلَى بَعْضِ التَّمَاثِيلِ بِالْمَحَلِّ.

أَشَرْتُ إِلَيْهِ قَائِلَةً: هَلْ مُمْكِنٌ أَنْ تُرِيَنِي هَذَا؟



رَفَعَ الرَّجُلُ رَأْسَهُ بِبُطْءٍ، ثُمَّ نَظَرَ إِلَى الصُّنْدُوقِ لِعِدَّةِ ثَوَانٍ قَبْلَ أَنْ يَنْهَضَ. وَلِسَبَبٍ مَا ... شَعَرْتُ أَنَّهُ تَرَدَّدَ. أَمْسَكَ الصُّنْدُوقَ بِحَذَرٍ شَدِيدٍ، وَعَادَ لِيَضَعَهُ أَمَامَهَا فَوْقَ الطَّاوِلَةِ.

ثُمَّ فَتَحَهُ بِبُطْءٍ ...


فِي الْبِدَايَةِ ظَنَنْتُهُ تِمْثَالًا صَغِيرًا. لَكِنِّي أَدْرَكْتُ بَعْدَ لَحَظَاتٍ أَنَّهُ قَلَمٌ. إِلَّا أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ يُشْبِهُ أَيَّ قَلَمٍ رَأَيْتُهُ فِي حَيَاتِي. كَانَ طَوِيلًا بِصُورَةٍ غَيْرِ طَبِيعِيَّةٍ، مَصْنُوعًا مِنْ خَشَبٍ أَسْوَدَ دَاكِنٍ يَمِيلُ إِلَى لَوْنِ الْفَحْمِ، وَكَأَنَّ النَّارَ مَرَّتْ عَلَيْهِ يَوْمًا لَكِنَّهَا تَوَقَّفَتْ قَبْلَ أَنْ تَلْتَهِمَهُ بِالْكُلِّيَّةِ.

جَسَدُ الْقَلَمِ كُلِّهِ كَانَ مَنْحُوتًا عَلَى هَيْئَةِ طُوطَمٍ إِفْرِيقِيٍّ مُخِيفٍ. فِي أَعْلَاهُ ظَهَرَ وَجْهٌ بَشَرِيٌّ طَوِيلٌ وَنَحِيلٌ، بِعَيْنَيْنِ غَائِرَتَيْنِ عَمِيقَتَيْنِ لِدَرَجَةِ أَنَّ الظِّلَالَ دَاخِلَهُمَا بَدَتْ كَأَنَّهَا تَتَحَرَّكُ. أَمَّا الْفَمُ فَكَانَ نِصْفَ مَفْتُوحٍ، تَظْهَرُ دَاخِلَهُ أَسْنَانٌ صَغِيرَةٌ حَادَّةٌ تُشْبِهُ أَنْيَابَ الْحَيَوَانَاتِ.


حَوْلَ الْوَجْهِ امْتَدَّتْ نُقُوشٌ قَبَلِيَّةٌ مُعَقَّدَةٌ، مُتَشَابِكَةٌ كَالثَّعَابِينِ، تَدُورُ بِطُولِ الْقَلَمِ حَتَّى تَصِلَ إِلَى سِنِّهِ الْمَعْدِنِيِّ الْأَسْوَدِ. وَكَانَتْ هُنَاكَ تَفَاصِيلُ أَكْثَرُ غَرَابَةً ...

خَرَزَاتٌ حَمْرَاءُ صَغِيرَةٌ مَغْرُوسَةٌ دَاخِلَ تَجَاوِيفِ الْخَشَبِ، وَرِيشَتَانِ قَصِيرَتَانِ مَرْبُوطَتَانِ بِخَيْطٍ جِلْدِيٍّ قَدِيمٍ قُرْبَ الْغِطَاءِ، بِالْإِضَافَةِ إِلَى شُقُوقٍ دَقِيقَةٍ فِي الْجَسَدِ الْخَشَبِيِّ جَعَلَتْهُ يَبْدُو وَكَأَنَّهُ جِلْدٌ جَافٌّ لِكَائِنٍ مَيِّتٍ.



مَدَدْتُ يَدِي نَحْوَهُ بِتَرَدُّدٍ، وَحِينَ لَمَسْتُهُ ... شَعَرْتُ بِبُرُودَةٍ مُفَاجِئَةٍ تَسْرِي فِي أَصَابِعِي، لَيْسَ بُرُودَةَ الْخَشَبِ ... بَلْ بُرُودَةَ شَيْءٍ حَيٍّ.


ابْتَسَمَ الرَّجُلُ الْعَجُوزُ ابْتِسَامَةً بَاهِتَةً وَهُوَ يُرَاقِبُ نَظَرَتِي، وَقَالَ:

_ يَبْدُو أَنَّهُ اخْتَارَكِ.

رَفَعْتُ حَاجِبَيَّ سَاخِرَةً: _ اخْتَارَنِي؟ إِنَّهُ مُجَرَّدُ قَلَمٍ قَدِيمٍ ...

هَزَّ الرَّجُلُ رَأْسَهُ بِبُطْءٍ.

_ لَا يَا آنِسَةُ ... هَذَا لَيْسَ قَلَمًا عَادِيًّا.

مَرَّرَ إِصْبَعَهُ فَوْقَ الْوَجْهِ الْمَنْحُوتِ، وَأَكْمَلَ بِصَوْتٍ مُنْخَفِضٍ:

_ هَذَا طُوطَمٌ إِفْرِيقِيٌّ كَامِلٌ ... صُنِعَ عَلَى هَيْئَةِ قَلَمٍ.


سَادَ الصَّمْتُ لِلَحَظَاتٍ، ثُمَّ قَالَ:

_ فِي بَعْضِ الْقَبَائِلِ الْقَدِيمَةِ فِي إِفْرِيقِيَا، لَمْ يَكُنِ الطُّوطَمُ مُجَرَّدَ تِمْثَالٍ لِلزِّينَةِ أَوْ رَمْزٍ قَبَلِيٍّ ...

كَانُوا يَعْتَقِدُونَ أَنَّهُ وِعَاءٌ تَسْكُنُهُ رُوحٌ حَارِسَةٌ.

رُوحُ سَلَفٍ قَدِيمٍ ... أَوْ شَيْطَانِ غَابَةٍ ... أَوْ شَيْءٍ لَا يَمْلِكُ اسْمًا.

نَظَرْتُ إِلَى الْقَلَمِ مَرَّةً أُخْرَى، وَقَدْ بَدَأْتُ أَشْعُرُ بِانْقِبَاضٍ غَرِيبٍ فِي مَعِدَتِي ...


أَكْمَلَ الرَّجُلُ:

_ قَبَائِلُ الْيُورُوبَا فِي نِيجِيرِيَا، وَبَعْضُ قَبَائِلِ الْكُونْغُو الْقَدِيمَةِ، كَانُوا يَنْحَتُونَ الطَّوَاطِمَ مِنْ أَخْشَابِ الْأَشْجَارِ الْمُقَدَّسَةِ دَاخِلَ الْغَابَاتِ الْمُعْزُولَةِ، وَكَانَ الْكَهَنَةُ يُجْرُونَ طُقُوسًا كَامِلَةً أَثْنَاءَ النَّحْتِ.


خَفَضَ صَوْتَهُ أَكْثَرَ:

_ دِمَاءُ قَرَابِينَ ...

عِظَامُ حَيَوَانَاتٍ ...

دُخَانُ أَعْشَابٍ سَوْدَاءَ ...

وَتَرَاتِيلُ بِلُغَةٍ انْدَثَرَتْ مُنْذُ مِئَاتِ السِّنِينَ.


ثُمَّ أَشَارَ إِلَى الْعَيْنَيْنِ الْمَحْفُورَتَيْنِ فِي أَعْلَى الْقَلَمِ:

_ بَعْدَ انْتِهَاءِ الطُّقُوسِ، كَانُوا يَعْتَقِدُونَ أَنَّ الرُّوحَ تَدْخُلُ الطُّوطَمَ وَتَسْكُنُ دَاخِلَهُ.

ابْتَسَمْتُ بِتَوَتُّرٍ مُحَاوِلَةً السُّخْرِيَةَ: _ وَطَبْعًا سَتَقُولُ إِنَّ الْقَلَمَ مَلْعُونٌ؟


لَكِنَّ الرَّجُلَ لَمْ يَضْحَكْ.

بَلْ ظَلَّ يَنْظُرُ إِلَى الْقَلَمِ لِلَحَظَاتٍ قَبْلَ أَنْ يَقُولَ:

_ الْغَرِيبُ فِي الْأَمْرِ ... أَنَّ هَذَا الطُّوطَمَ لَمْ يُصْنَعْ لِلْعِبَادَةِ.


ٱقْتَرَبَ مِنِّي قَلِيلًا.

— بَلْ لِلْكِتَابَةِ.



شَعَرْتُ بِقُشَعْرِيرَةٍ خَفِيفَةٍ تَسْرِي فِي ذِرَاعَيَّ.

أَكْمَلَ الرَّجُلُ:

— كَانَ يُسْتَخْدَمُ بِوَاسِطَةِ الْكَهَنَةِ وَالسَّحَرَةِ فَقَطْ.

وَكَانُوا يَؤُمِنُونَ أَنَّ الْكَلِمَاتِ الْمَكْتُوبَةَ بِهِ لَا تَبْقَى فَوْقَ الْوَرَقِ… بَلْ تَتَحَوَّلُ إِلَى وَاقِعٍ.


ضَحِكْتُ رَغْمَ التَّوَتُّرِ: — قِصَّةٌ مُمْتَازَةٌ لِبَيْعِ قِطْعَةٍ أَنْتِيكَةٍ. لَا تَقُلْ بَعْدَ ذَلِكَ إِنَّهُ قَدِ انْتَقَلَ بِطَرِيقَةٍ مَا إِلَى يَدَيْ كِلْيوبَاتْرَا، وَأَنَّهَا كَانَتْ تَكْتُبُ بِهَا قَائِمَةَ الْمُشْتَرَيَاتِ الَّتِي يَجِبُ عَلَى يُولْيُوسَ قَيْصَرَ شِرَاؤُهَا مِنْ إِحْدَى مَتَاجِرِ رُومَا، وَإِلَّا سَوْفَ تَأْمُرُ سَحَرَتَهَا كَيْ يُحَوِّلُوهُ إِلَى ضِفْدَعٍ عِقَابًا لَهُ.



رَفَعَ الرَّجُلُ عَيْنَيْهِ إِلَيَّ بِبُطْءٍ.

وَعِنْدَهَا فَقَطْ لَاحَظْتُ شَيْئًا مُرْعِبًا…

أَنَّهُ لَمْ يَرْمُشْ مُنْذُ بِدَايَةِ الْحَدِيثِ.

قَالَ بِهُدُوءٍ شَدِيدٍ:

— كُلُّ مَنِ امْتَلَكَ هَذَا الْقَلَمَ قَبْلَكِ… أَعَادَهُ إِلَى هُنَا مَرَّةً أُخْرَى.


سَأَلْتُهُ وَأَنَا أَشْعُرُ بِجَفَافٍ فِي حَلْقِي: — لِمَاذَا؟

نَظَرَ إِلَيَّ طَوِيلًا، ثُمَّ قَالَ:

— لِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْتُبُونَ أَشْيَاءَ… ثُمَّ تَبْدَأُ فِي الْحُدُوثِ فِعْلًا.

سَادَ الصَّمْتُ.


وَفِي تِلْكَ اللَّحْظَةِ تَحْدِيدًا…

أَقْسَمْتُ أَنَّ الْعَيْنَيْنِ الْمَحْفُورَتَيْنِ أَعْلَى الْقَلَمِ… كَانَتَا تَنْظُرَانِ إِلَيَّ مُبَاشَرَةً.


وَأَنَّ ذَلِكَ الْقَلَمَ هُوَ هَدِيَّةُ آدَمَ الْجَدِيدَةُ…

وَأَنَّ الْبَائِعَ يَسْتَحِقُّ جَائِزَةً فِي فَنِّ التَّسْوِيقِ…

وَأَنَّ رِوَايَةً جَدِيدَةً عَلَى وَشْكِ التَّشَكُّلِ…

لَكِنِّي لَمْ أُدْرِكْ أَبَدًا…

إِنَّنِي أَنَا مَنْ سَتَكُونُ بَطَلَةَ الرِّوَايَةِ الْجَدِيدَةِ…


اخْتِبَارُ اللَّعْنَةِ


حَمَلْتُ الصُّنْدُوقَ الْأَسْوَدَ وَخَرَجْتُ مِنَ الْبَازَارِ، وَقَلْبِي يَنْبِضُ بِخَوْفٍ وَإِثَارَةٍ فِي آنٍ. فِي السَّيَّارَةِ، وَضَعْتُهُ عَلَى الْمَقْعَدِ الْمُجَاوِرِ لِي، وَلَمْ أَسْتَطِعْ أَنْ أَرْفَعَ عَيْنَيَّ عَنِ الْعَيْنَيْنِ الْمَحْفُورَتَيْنِ فِي غِطَائِهِ. أَقْسَمْتُ أَنَّهُمَا تَطْرِفَانِ. لَكِنِّي نَسَيْتُ الْأَمْرَ سَرِيعًا، فَالتَّفْكِيرُ بِالْقَلَمِ أَقَلُّ إِرْهَاقًا مِنْ تَفْكِيرِي بِمَاذَا سَأَفْعَلُ لِإِخْفَاءِ هَدِيَّةِ عِيدِ مِيلَادِ آدَمَ حَتَّى يَحِينَ وَقْتُهَا.

عِنْدَمَا دَخَلْتُ الْبَيْتَ، كَانَ آدَمُ مَغْلُقًا فِي غُرْفَتِهِ كَالْعَادَةِ، يَصِيحُ فِي قَلَمِهِ: "لَا يَا صَاحِبِي... لَيْسَ هَكَذَا... الرُّوحُ لَيْسَتْ هُنَا بَعْدُ". أَخْبَرْتُهُ بِأَنِّي ذَاهِبَةٌ إِلَى السُّوقِ فَقَطْ، وَاخْتَفَيْتُ فِي غُرْفَةِ الضُّيُوفِ.

وَضَعْتُ الصُّنْدُوقَ عَلَى الطَّاوِلَةِ، وَأَخْرَجْتُ الْقَلَمَ. بِرُودَتِهِ الَّتِي لَيْسَتْ بُرُودَةَ خَشَبٍ… كَانَ ثَقِيلًا فِي يَدِي، أَثْقَلَ مِمَّا يَنْبَغِي. فَكَّرْتُ فِي كَلَامِ الرَّجُلِ الْعَجُوزِ: "الْكَلِمَاتُ الْمَكْتُوبَةُ بِهِ لَا تَبْقَى فَوْقَ الْوَرَقِ… بَلْ تَتَحَوَّلُ إِلَى وَاقِعٍ".


ضَحِكْتُ وَحْدِي: "هَرَاءٌ... مُجَرَّدُ قِصَّةٍ لِبَيْعِ الْأَنْتِيكَاتِ".

لَكِنَّنِي مَدَدْتُ يَدِي إِلَى وَرَقَةٍ صَفْرَاءَ مُهْمَلَةٍ عَلَى الطَّاوِلَةِ، وَكَتَبْتُ بِالْقَلَمِ الْأَسْوَدِ جُمْلَةً صَغِيرَةً، وَخَطِّي يَتَرَنَّحُ كَمَنْ يَخْشَى أَنْ تَنْقَلِبَ الدُّنْيَا:

«سَيَشْرَبُ آدَمُ كَوْبًا مِنَ الْحَلِيبِ الْبَارِدِ بَعْدَ دَقِيقَتَيْنِ».

ثُمَّ وَضَعْتُ الْقَلَمَ وَذَهَبْتُ إِلَى الْمَطْبَخِ أَتَظَاهَرُ بِشُرْبِ الْمَاءِ. قَلْبِي يَدُقُّ. عَدَدْتُ الدَّقَائِقَ: وَاحِدَةٌ… دَقِيقَتَانِ…

وَمِنْ غُرْفَةِ آدَمَ، سَمِعْتُ صَرِيرَ الْبَابِ. خَطَوَاتٌ ثَقِيلَةٌ. نَظَرْتُ مِنْ زَاوِيَةِ الْمَطْبَخِ، فَإِذَا بِآدَمَ يَخْرُجُ وَوَجْهُهُ مُغْبَرٌّ مِنَ الْكِتَابَةِ، يَتَمَطَّى ثُمَّ يَتَوَجَّهُ إِلَى الثَّلَّاجَةِ. فَتَحَهَا، أَخْرَجَ قَارُورَةَ الْحَلِيبِ، صَبَّ كَوْبًا بَارِدًا وَشَرِبَهُ فِي غُفْلَةٍ.

كَادَ فَمِي أَنْ يَنْفَتِحَ عَلَى آخِرِهِ. صُدْفَةٌ، قُلْتُ لِنَفْسِي. مُجَرَّدُ صُدْفَةٍ سَخِيفَةٍ.


عُدْتُ إِلَى الْوَرَقَةِ، وَكَتَبْتُ جُمْلَةً ثَانِيَةً:

«سَتَتَّصِلُ بِي صَدِيقَتِي لَمَى بَعْدَ خَمْسِ دَقَائِقَ».

جَلَسْتُ أُحَادِثُ نَفْسِي: "هَذَا غَبَاءٌ. لَمَى لَا تَتَّصِلُ قَطْ إِلَّا إِذَا كَانَتْ تُرِيدُ أَنْ تَشْتَكِيَ مِنْ زَوْجِهَا أَوْ تَسْتَعِيرَ مَالًا".

رَنَّ هَاتِفِي بَعْدَ أَرْبَعِ دَقَائِقَ وَثَلَاثِينَ ثَانِيَةً. نَظَرْتُ: لَمَى.

رَفَعَتِ السَّمَاعَةَ وَصَوْتِي مَخْنُوقٌ: "نَعَمْ يَا لَمَى؟"

— سُونْيَا، حَبِيبَتِي، آسِفَةٌ لِلْإِزْعَاجِ... لَكِنَّ زَوْجِي تَارِكٌ لِي وَحِيدَةً مَرَّةً أُخْرَى، وَأَنَا...

لَمْ أَسْمَعْ بَقِيَّةَ الْكَلَامِ. أَنَا أَنْظُرُ إِلَى الْقَلَمِ. إِلَى الْعَيْنَيْنِ. كَانَتَا تَتَّسِعَانِ. أَقْسَمُ بِاللَّهِ أَنَّهُمَا كَانَتَا تَتَّسِعَانِ.


أَهَنْتُ السَّمَاعَةَ بِعُذْرٍ مُبْهَمٍ، وَأَغْلَقْتُ الْهَاتِفَ. ارْتَعَشَتْ يَدَايَ. وَضَعْتُ الْقَلَمَ فِي الصُّنْدُوقِ ثَانِيَةً، وَأَخْفَيْتُهُ تَحْتَ السَّرِيرِ فِي غُرْفَةِ النَّوْمِ. لَكِنَّ لُعْنَةَ الْفُضُولِ أَقْسَى مِنَ الرُّعْبِ. فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ، وَآدَمُ نَائِمٌ إِلَى جِوَارِي، أَخْرَجْتُ الْقَلَمَ وَسَأَلْتُ نَفْسِي: "مَاذَا لَوْ كَتَبْتُ شَيْئًا أَكْبَرَ قَلِيلًا؟"


لَمْ أَفْعَلْ. لَكِنَّنِي حَلُمْتُ حُلْمًا


كَابُوسُ السُّلَحْفُرَيْتِ الْحَقِيقِيِّ


رَأَيْتُ فِي حُلْمِي أَنِّي أَسِيرُ فِي الرَّدْهَةِ الْمُظْلِمَةِ. نَفْسُ الرَّدْهَةِ الَّتِي تَخْتَلِفُ فِيهَا ضَوْءُ الْأَبَاجُورَةِ الصَّفْرَاءُ كُلَّ لَيْلَةٍ. لَمْ أَكُنْ عَطْشَانَةً هَذِهِ الْمَرَّةَ. بَلْ كُنْتُ أَبْحَثُ عَنْ شَيْءٍ. عَنْ صَوْتٍ. صَوْتٍ يَهْمِسُ:

"سُونْيَــــااااا... سُونْيَــــااااااا..."

لَمْ يَكُنْ صَوْتَ آدَمَ. لَمْ يَكُنْ مَبْحُوحًا وَلَا حَانِيًا. كَانَ جَافًّا كَصَرِيرِ شَجَرَةٍ عَجُوزٍ تَتَحَطَّمُ.

ثُمَّ رَأَيْتُهُ.

جَسَدٌ أَسْوَدُ زَاحِفٌ، ضَخْمٌ لَدْرَجَةِ أَنَّهُ مَلَأَ الرَّدْهَةَ كَامِلَةً. لَهُ عُيُونٌ ثَلَاثٌ حَمْرَاءُ، وَفَمٌ لَا أَسْنَانَ فِيهِ بَلْ ظِلٌّ. وَقَوَاقِزُ كَقَوَاقِزِ سُلَحْفَاةٍ، لَكِنَّهَا مَصْنُوعَةٌ مِنْ ظِلٍّ مُتَجَمِّدٍ. عَلَى ظَهْرِهِ، نَقْشٌ لَوْحَةِ "الْمَرْأَةِ الْمَصْعُوقَةِ" الَّتِي رَأَيْتُهَا فِي الْبَازَارِ! هِيَ نَفْسُهَا! تَبْتَسِمُ لِي بِلَاهَةٍ، لَكِنَّ دُمُوعًا سَوْدَاءَ تَسِيلُ مِنْ عَيْنَيْهَا.


"سُونْيَــــاااا..."، زَمْجَرَ الْمَخْلُوقُ. "أَنَا السُّلَحْفُرَيْتُ الْحَقِيقِيُّ... لَيْسَ الَّذِي يُمَزِّحُ بِهِ زَوْجُكِ... أَنَا الَّذِي يُكْتَبُ فَلَا يُمْحَى".



حَاوَلْتُ الصُّرَاخَ، لَكِنَّ فَمِي امْتَلَأَ بِالظِّلِّ.

زَحَفَ نَحْوِي، ثُمَّ قَالَ وَهُوَ يُحَدِّقُ فِي عَيْنَيَّ:

"أَنْتِ كَتَبْتِ... لَا تَسْأَلِينِي كَيْفَ... أَنْتِ فَتَحْتِ الْبَابَ. وَالْآنَ سَأَكْتُبُ أَنَا".

مَدَّ لِسَانًا أَسْوَدَ طَوِيلًا كَالسَّوْطِ، وَكَتَبَ عَلَى الْحَائِطِ بِأَحْرُفٍ مُلْتَهِبَةٍ:

«زَوْجَةُ الْكَاتِبِ لَنْ تَسْتَيْقِظَ أَبَدًا».

صَرَخْتُ. صَرَخْتُ بِكُلِّ مَا لَدَيَّ مِنْ قُوَّةٍ. فَاسْتَيْقَظْتُ.


جَسَدِي مُتَجَمِّدٌ. الْغُرْفَةُ مُعْتَمَةٌ. إِلَى جِوَارِي، آدَمُ يَنَامُ بِهُدُوءٍ. تَنَفَّسْتُ بِعُمْقٍ. حُلْمٌ. فَقَطْ حُلْمٌ.

لَكِنَّ يَدِي الْيُسْرَى... كَانَتْ مُشْتَبِكَةً بِشَيْءٍ بَارِدٍ. رَفَعْتُهَا أَمَامَ عَيْنَيَّ: الْقَلَمُ. كُنْتُ أَمْسِكُهُ وَلَمْ أَضَعْهُ تَحْتَ السَّرِيرِ.

وَعَلَى جِدَارِ الْغُرْفَةِ، فَوْقَ السَّرِيرِ، كَانَتْ هُنَاكَ نُقُوطٌ سَوْدَاءُ رَطْبَةٌ تُشَكِّلُ حَرْفَ «س» غَيْرَ مُكْتَمِلٍ. كَأَنَّ شَيْئًا مَا كَانَ يَكْتُبُ وَلَكِنَّهُ قُوطِعَ.

نَظَرْتُ إِلَى الْقَلَمِ. ارْتَعَشْتُ. قُمْتُ هَارِبَةً مِنَ الْفِرَاشِ، وَجَرَيْتُ إِلَى الْمَطْبَخِ، وَأَغْلَقْتُ عَلَى نَفْسِي الْبَابَ. كَتَبْتُ بِعَجَلَةٍ عَلَى أَوَّلِ وِرَاقَةٍ وَجَدْتُهَا:

«اخْتَفِ يَا سُلَحْفُرَيْتُ. ارْجِعْ حَيْثُ جِئْتَ».

لَحْظَةُ صَمْتٍ. ثُمَّ سَمِعْتُ ضَحِكَةً بَعِيدَةً، مُنْكَسِرَةً، كَضَحِكِ الرَّجُلِ الْعَجُوزِ مِنَ الْبَازَارِ. تَلَاشَتْ.


وَقَفْتُ أُرَعْدُ. حَتَّى أَشْرَقَ النُّورُ خَائِفًا مِنْ خَارِجِ النَّافِذَةِ.


هَدِيَّةُ عِيدِ الْمِيلَادِ


لَمْ أَسْتَطِعْ أَنْ أَمْحُوَ مَا رَأَيْتُهُ. لَكِنَّنِي قَرَّرْتُ أَنْ أُقَدِّمَ الْقَلَمَ هَدِيَّةً لِآدَمَ فِي عِيدِ مِيلَادِهِ، بَعْدَ أَنْ كَتَمْتُ عَنْهُ جُزْءًا كَبِيرًا مِنَ الْحِكَايَةِ. قُلْتُ لَهُ بِبُرُودٍ:

"هَذَا قَلَمٌ أَثَرِيٌّ جِدًّا... الْبَائِعُ قَالَ إِنَّهُ يُحَقِّقُ مَا يُكْتَبُ بِهِ! هَاهَاهَاهَا...".

تَلَمَّعَتْ عَيْنَا آدَمَ. أَمْسَكَ الْقَلَمَ كَأَنَّهُ وَلَدُهُ الْبِكْرُ، وَأَخَذَ يَتَأَمَّلُ الطُّوطَمَ الْإِفْرِيقِيَّ بِدَهْشَةٍ طِفْلِيَّةٍ.

"سُونْيَا... هَذَا شَيْءٌ خُرَافِيٌّ جَمِيلٌ! سَأَكْتُبُ بِهِ الْفَصْلَ الْأَوَّلَ مِنْ رِوَايَتِي الْجَدِيدَةِ الْيَوْمَ نَفْسَهُ!"


أَرَدْتُ أَنْ أَقُولَ لَهُ "لَا"، لَكِنَّ فَمِي لَمْ يَنْطِقْ. فَرَأَيْتُهُ يَصْعَدُ دَرَجَ الْبَيْتِ مَسْرُورًا. سَمِعْتُ بَابَ غُرْفَتِهِ يُغْلَقُ. ثُمَّ صَمْتًا طَوِيلًا. سَاعَاتٌ.


قَرَّرْتُ أَنْ أَصْعَدَ لِأَرَاهُ بَعْدَ غُرُوبِ الشَّمْسِ. دَفَعْتُ الْبَابَ قَلِيلًا، فَإِذَا هُوَ غَارِقٌ فِي النَّوْمِ، وَرَأْسُهُ عَلَى الْمَكْتَبِ. الْقَلَمُ لَا يَزَالُ بَيْنَ أَصَابِعِهِ. وَإِلَى جَانِبِهِ وَرَقَاتٌ مَكْتُوبَةٌ بِخَطٍّ جَمِيلٍ غَرِيبٍ — لَيْسَ "نَقْشَ الدَّجَاجِ" الَّذِي أَعْرِفُهُ، بَلْ خَطٌّ أُنْسِيٌ مُتَنَاسِقٌ كَأَنَّ يَدًا غَيْرَ يَدِهِ كَتَبَتْهُ.

تَصَفَّحْتُ الْوَرَقَاتِ بِهُدُوءٍ. كَانَتْ بِدَايَةَ رِوَايَةٍ جَدِيدَةٍ. وَعُنْوَانُهَا:

«زَوْجَةُ الْكِتَابَةِ».

تَحَتَ الْعُنْوَانِ، سَطْرٌ وَاحِدٌ:

«لَمْ تَكُنْ سُونْيَا تَعْلَمُ أَنَّهَا لَيْسَتْ زَوْجَةَ الْكَاتِبِ فَقَطْ... بَلْ كَانَتْ الْكَلِمَةَ الَّتِي يَكْتُبُ بِهَا».

تَلَتْ مَا يَلِي:

«فَاسْتَيْقَظَتْ سُونْيَا ذَاتَ صَبَاحٍ لِتَجِدَ يَدَيْهَا قَدْ تَحَوَّلَتَا إِلَى صَفْحَتَيْنِ مِنْ وَرَقٍ أَبْيَضَ. وَكَانَ الْقَلَمُ يَكْتُبُ عَلَيْهِمَا بِدُونِ إِرَادَتِهَا: "أُحِبُّكِ... أُحِبُّكِ... أُحِبُّكِ..." حَتَّى امْتَلَأَتِ الصَّفْحَتَانِ. ثُمَّ قَلَبَتْهُمَا... فَوَجَدَتِ السَّطْرَ التَّالِيَ: "وَلَكِنَّ الْحِبْرَ نَفَدَ".»




أَسْقَطْتُ الْوَرَقَ مِنْ يَدِي. نَظَرْتُ إِلَى آدَمَ النَّائِمِ، ثُمَّ إِلَى الْقَلَمِ.

وَفِي تِلْكَ اللَّحْظَةِ، فَتَحَ آدَمُ عَيْنَيْهِ فَجْأَةً، لَكِنَّهُمَا لَمْ تَكُونَا عَيْنَيْهِ. كَانَتَا غَائِرَتَيْنِ، عَمِيقَتَيْنِ، تَحْتَوِيَانِ ظِلَالًا تَتَحَرَّكُ.

قَالَ بِصَوْتٍ لَيْسَ صَوْتَهُ:

"مَا أَرْوَعَ هَذَا الْقَلَمَ يَا سُونْيَا... إِنَّهُ يَكْتُبُ أَفْضَلَ مِمَّا كَتَبْتُ أَنَا فِي عُمْرِي كُلِّهِ. لَكِنَّهُ يَطْلُبُ ضَرِيبَةً".

نَظَرَ إِلَى يَدَيْهِ. كَانَ الْجِلْدُ عَلَيْهِمَا يَتَشَقَّقُ، وَتَخْرُجُ مِنَ الشُّقُوقِ رُقُوقٌ صَغِيرَةٌ مُحْتَرِقَةُ الْحَوَافِّ.

صَرَخْتُ: "آدَمُ! دَعِ الْقَلَمَ! دَعْهُ فَوْرًا!"



لَكِنَّهُ ضَحِكَ. ضِحْكَةً جَافَّةً لَيْسَتْ مِنْ هَذَا الْعَالَمِ.

"فَوَاتُ الْأَوَانِ يَا سُونْيَا. هُوَ يَكْتُبُنِي الْآنَ... وَسَيَنْتَهِي بِي قَرِيبًا. لَكِنَّ الْمَسْأَلَةَ لَيْسَتْ فِي مَوْتِي... بَلْ فِيمَا سَيَكْتُبُهُ بَعْدِي".

أَغْمَضَ عَيْنَيْهِ، ثُمَّ عَادَ يَنَامُ كَأَنَّ شَيْئًا لَمْ يَكُنْ. لَكِنَّ الْوَرَقَاتِ عَلَى الْمَكْتَبِ تَسَاقَطَتْ عَلَى الْأَرْضِ، مُشَكِّلَةً جُمْلَةً وَاحِدَةً:

«سَتَكُونُ هُنَاكَ مَخْطُوطَةٌ... انْظُرِي تَحْتَ السَّرِيرِ».


مَا وَرَاءَ الصَّفْحَةِ


نَزَلْتُ تَحْتَ سَرِيرِنَا كَالمَجْنُونَةِ. وَجَدْتُ صُنْدُوقًا آخَرَ، مُغْبَرًّا، غَيْرَ الَّذِي أَتَيْتُ بِالْقَلَمِ فِيهِ. فَتَحْتُهُ. كَانَ مُكَتَّبًا بِخَطِّ يَدِي أَنَا! نَعَمْ، خَطِّ "نَقْشِ الدَّجَاجِ" الْفَظِّ. عُنْوَانُهُ:

«زَوْجَةُ الْكَاتِبِ (الْمُسَوَّدَةُ الْأُولَى)».

تَصَفَّحْتُهُ مُرْتَعِدَةً. وَجَدْتُ الْمُقَدِّمَةَ الَّتِي كَتَبْتُهَا بِعَيْنِهَا: "أَكْتُبُ إِلَيْكُمْ كَلِمَاتِي هَذِهِ كَيْ أَحْكِيَ عَنْ أَبْعَادٍ مُخْتَلِفَةٍ..." إِلَى أَنْ وَصَلْتُ إِلَى آخِرِ الْمُسَوَّدَةِ — آخِرِ مَا كَتَبْتُهُ فِي الْمَاضِي. وَجَدْتُ الْكَلِمَاتِ:

«حَتَّى جَاءَ ذَلِكَ الْيَوْمُ... وَاشْتَرَيْتُ الْقَلَمَ».

وَتَلَتْهَا جُمْلَةٌ لَمْ أَكْتُبْهَا أَنَا بِالْبَتَّةِ:

«وَكَانَ الْقَلَمُ يَنْتَظِرُهَا مُنْذُ مِئَاتِ السِّنِينَ. لِأَنَّهَا لَيْسَتْ أَوَّلَ زَوْجَةِ كَاتِبٍ تَسْقُطُ فِي الْفَخِّ... وَلَكِنَّهَا الْأَخِيرَةُ».

خَلْفِي، سَمِعْتُ حَفِيفَ ثَوْبٍ. الْتفتُّ، فَإِذَا بِالرَّجُلِ الْعَجُوزِ مِنْ بَازَارِ مَارِي أَنْطُوَانِيتْ. نَفْسُ الْعُيُونِ الَّتِي لَا تَرْمُشُ. نَفْسُ الِابْتِسَامَةِ الْبَاهِتَةِ.




"آنِسَةُ سُونْيَا... أَلَمْ أَقُلْ لَكِ إِنَّ الْقَلَمَ يَخْتَارُ ضَحَايَاهُ بِنَفْسِهِ؟"

أَرَدْتُ أَنْ أَصْرُخَ، لَكِنَّ فَمِي الْتَصَقَ. هُوَ مَشَى بِبُطْءٍ نَحْوِي، مَادًّا يَدَهُ الزُّجَاجِيَّةَ.

"الْآنَ... سَأَسْتَرِدُّ الْقَلَمَ. وَسَأَكْتُبُ بِهِ النِّهَايَةَ. نِهَايَةً تَلِيقُ بِسَخَرِيَّاتِكِ الَّتِي لَا تَنْتَهِي".

قَبْلَ أَنْ يَمُدَّ يَدَهُ إِلَى الْقَلَمِ الَّذِي كُنْتُ أَمْسِكُهُ بَعْدُ، قَفَزَ قَلْبِي نَحْوَ حُلْقُومِي وَصَرَخْتُ:

— لَنْ تُكْمِلَ كِتَابَتِي يَا عَجُوزُ! أَنَا مَنْ أَكْتُبُ قِصَّتِي!

انْتَزَعْتُ الْقَلَمَ مِنْ يَدِ آدَمَ النَّائِمِ، وَبِسُرْعَةِ الْخَوْفِ كَتَبْتُ عَلَى سَاعِدِيَ الْأَيْمَنِ بِحُرُوفٍ كَبِيرَةٍ مُعْوَجَّةٍ:

«اخْتَفِ يَا رَجُلُ الْبَازَارِ... وَامْحُ كُلَّ كَلِمَةٍ كَتَبْتَهَا ضِدِّي».


صَرَخَ الرَّجُلُ صَرْخَةً لَمْ تَكُنْ بَشَرِيَّةً. تَشَقَّقَ جَسَدُهُ كَالْخَشَبِ الْقَدِيمِ، وَتَحَوَّلَ إِلَى غُبَارٍ أَسْوَدَ تَنَاثَرَ فِي الْهَوَاءِ، ثُمَّ... زَالَ كَأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ.

سَكَتَ كُلُّ شَيْءٍ. نَظَرْتُ إِلَى الْقَلَمِ. إِلَى جَسَدِ آدَمَ الَّذِي لَا يَزَالُ نَائِمًا. إِلَى الْمُسَوَّدَةِ الَّتِي حَوَتْ قِصَّتِي كَامِلَةً... وَلَكِنَّ الْآنَ، جُزْءًا مِنْهَا قَدْ تَحَوَّلَ إِلَى حِبْرٍ خَفِيفٍ يَمَّحَى بِبُطْءٍ.


نَهَضْتُ.. أَغْلَقْتُ الْمُسَوَّدَةَ وَوَضَعْتُهَا تَحْتَ السَّرِيرِ ثَانِيَةً. الْقَلَمَ أَخْفَيْتُهُ فِي حَقِيبَتِي. لَنْ أُعْطِيَهُ لِآدَمَ. لَنْ أَكْتُبَ بِهِ أَبَدًا.

لَكِنِّي قَبْلَ أَنْ أَنَامَ، تَذَكَّرْتُ جُمْلَةَ آدَمَ فِي حُلْمِ يَقَظَتِهِ: "لَيْسَتِ الْمَسْأَلَةُ فِي مَوْتِي... بَلْ فِيمَا سَيَكْتُبُهُ بَعْدِي".

وَجُمْلَةَ الرَّجُلِ الْعَجُوزِ قَبْلَ أَنْ يَتَفَتَّتَ: "لَنْ تَكُونِي آخِرَ زَوْجَةِ كَاتِبٍ تَسْقُطُ فِي الْفَخِّ".

وَسَطْرَ الْمَخْطُوطَةِ الْغَامِضَ: "لَمْ تَكُنْ سُونْيَا تَعْلَمُ أَنَّهَا الْكَلِمَةُ الَّتِي يَكْتُبُ بِهَا".


ثُمَّ سَأَلْتُ نَفْسِي سُؤَالًا لَمْ أَجِدْ لَهُ جَوَابًا:

هَلْ أَنَا مَنْ تَخْتَارُ الْكَلِمَاتِ... أَمِ الْكَلِمَاتُ مَنْ تَخْتَارُنِي؟

لَمْ أَنَمْ تِلْكَ اللَّيْلَةَ. فَقَطْ حَدَّقْتُ فِي سَاعِدِي، حَيْثُ كُنْتُ قَدْ كَتَبْتُ أَمْرَ الِاخْتِفَاءِ. الْحُرُوفُ كَانَتْ لَا تَزَالُ هُنَاكَ، لَكِنَّهَا كَانَتْ تَتَغَيَّرُ بِبُطْءٍ. تَتَحَوَّلُ إِلَى جُمْلَةٍ جَدِيدَةٍ، كَأَنَّ قَلَمًا خَفِيًّا يَكْتُبُ مِنْ دَاخِلِ جِلْدِي:

«سَيَعُودُ. وَسَتَكُونُ الْقِصَّةُ أَطْوَلَ مِمَّا تَظُنِّينَ».


أَغْمَضْتُ عَيْنَيَّ، وَتَمَنَّيْتُ لَوْ أَنِّي لَمْ أَدْخُلْ ذَلِكَ الْبَازَارِ أَبَدًا. لَوْ أَنِّي لَمْ أَشْتَرِ هَدِيَّةً لِآدَمَ. لَوْ أَنِّي... لَمْ أَكُنْ زَوْجَةَ كَاتِبٍ.

لَكِنَّ الْكَلِمَاتِ كَانَتْ قَدْ كُتِبَتْ. وَمَا يُكْتَبُ بِقَلَمٍ مِثْلِ هَذَا... لَا يُمْحَى كُلُّهُ.

وَالْآنَ، وَأَنَا أَكْتُبُ هَذِهِ السُّطُورَ إِلَيْكُمْ، لَا أَدْرِي أَأَنَا مَنْ يَكْتُبُ أَمِ الْقَلَمُ أَمْ شَيْءٌ آخَرُ. لَكِنِّي أَعْرِفُ شَيْئًا وَاحِدًا:

الْقِصَّةُ لَمْ تَنْتَهِ بَعْدُ…

بَلْ هِيَ فَقَطْ... بَدَأَتْ…


وَفِي صَبَاحِ الْيَوْمِ التَّالِي...


لَمْ أَسْتَطِعْ أَنْ أَنْظُرَ فِي عَيْنَيْ آدَمَ. هُوَ جَلَسَ عَلَى طَاوِلَةِ الْفُطُورِ كَالْعَادَةِ، يَقْلِبُ الْجَرِيدَةَ وَيَتَمَتْمَعُ بِبَعْضِ الْأَشْعَارِ الَّتِي يَحْفَظُهَا عَنْ ظَهْرِ قَلْبٍ لَا يَعْلَمُ أَحَدٌ مِنْ أَيْنَ يَأْتِي بِهَا.


"صَبَاحُ الْخَيْرِ يَا سُونْيَا... أَحْلَمْتُ اللَّيْلَةَ بِأَنِّي طَيَّارٌ مُقَاتِلٌ ثَانِيَةً، لَكِنَّنِي هَاجَمْتُ بَاخِرَةً قُرْصَانَةً مَرَّةً وَاحِدَةً. الْقَصَفُ كَانَ مُرِيعًا. ثُمَّ اسْتَيْقَظْتُ عَلَى صَوْتِ طَرْقَةٍ عَلَى الْبَابِ".

تَلَوَّنَ وَجْهِي. "طَرْقَةِ بَابٍ؟ مَنْ يَطْرُقُ فِي الثَّالِثَةِ فَجْرًا؟"

"لَا أَعْرِفُ. لَمْ أَجِدْ أَحَدًا حِينَ فَتَحْتُ. لَكِنَّنِي وَجَدْتُ هَذَا عَلَى الْعَتَبَةِ".

رَمَى إِلَيَّ بِظَرْفٍ أَسْوَدَ، مَخْتُومٍ بِشَمْعٍ أَحْمَرَ، وَعَلَيْهِ نَفْسُ الرَّمْزِ الْغَرِيبِ الَّذِي رَأَيْتُهُ عَلَى الْقَلَمِ وَعَلَى تَمَاثِيلِ الزُّولُو. فَتَحْتُهُ بِأَصَابِعَ مُرْتَعِشَةٍ. دَاخِلَهُ قِطْعَةُ قُمَاشٍ حَمْرَاءُ، مُغَرْقَةٌ فِي شَيْءٍ يَبْدُو كَالزَّعْفَرَانِ الْيَابِسِ… لَكِنَّ رَائِحَتَهُ كَانَتْ أَقْرَبَ إِلَى الدَّمِ الْقَدِيمِ. وَبِجَانِبِهَا، وِرَاقَةٌ مَكْتُوبٌ عَلَيْهَا بِخَطٍّ أُنْسِيٍّ مُتَنَاسِقٍ:



«يَا سُونْيَا،


لَمْ تَنْتَهِ الْقِصَّةُ. أَنَا لَمْ أَمُتْ. أَنَا فَقَطْ تَفَكَّكْتُ لِلِإِيحَاءِ. وَالْآنَ أَنَا فِي كُلِّ زَاوِيَةٍ مِنْ بَيْتِكِ. أَنَا فِي مِرْآةِ حَمَّامِكِ. أَنَا فِي صَرِيرِ بَابِ غُرْفَةِ النَّوْمِ. أَنَا فِي حُلْمِ آدَمَ التَّالِي. سَوْفَ أَعُودُ. وَسَوْفَ أَحْمِلُ مَعِي الْقَلَمَ الْآخَرَ. لَيْسَ الطُّوطَمَ الْإِفْرِيقِيَّ فَقَطْ... بَلْ طُوطَمَ الْقَبَائِلِ السَّبْعِ الْمَنْسِيَّةِ. أَمَّا أَنْتِ، فَاسْتَمِرِّي فِي الْكِتَابَةِ. لِأَنَّكِ إِنْ تَوَقَّفْتِ، سَيَكْتُبُ غَيْرُكِ نِهَايَتَكِ.


رَجُلُ الْبَازَارِ (لَمْ يَمُتْ بَعْدُ)»


أَغْلَقْتُ الْوَرَقَةَ وَأَخْفَيْتُهَا فِي حَذَائِي. نَظَرْتُ إِلَى آدَمَ الَّذِي كَانَ قَدْ عَادَ إِلَى تَقْلِيبِ الْجَرِيدَةِ، يَهِمْهِمُ بِأَغْنِيَةٍ غَيْرِ مَوْزُونَةٍ. لَمْ يَرَ شَيْئًا. لَمْ يَشَمَّ الْخَطَرَ.


فِي ذَلِكَ الْمَسَاءِ، بَيْنَمَا آدَمُ نَائِمٌ مُبَكِّرًا (قَدْ أَرْهَقَتْهُ أَحْلَامُهُ الْمُقَاتِلَةُ)، نَزَلْتُ إِلَى قَبْوِ الْبَيْتِ. مَكَانٌ لَمْ أَدْخُلْهُ مُنْذُ سَنَةٍ، مُذْ تَسَلَّقَتِ الْفَأْرَةُ مِنْ هُنَاكَ وَأَنَا أَصْرُخُ كَالطِّفْلَةِ. الْقَبْوُ مَعْزُولٌ، مُظْلِمٌ، فِيهِ رَائِحَةُ التُّرَابِ وَالْعَنْكَبُوتِ. مَكَانٌ مِثَالِيٌّ لِمَا كُنْتُ أُخَطِّطُ لَهُ.

أَخْرَجْتُ الْقَلَمَ مِنْ حَقِيبَتِي. كُنْتُ قَدْ جَلَبْتُ مَعِي دَفْتَرًا قَدِيمًا غَطَّاهُ الْغُبَارُ. جَلَسْتُ عَلَى صُنْدُوقٍ خَشَبِيٍّ وَفَتَحْتُ الدَّفْتَرَ. قُلْتُ لِنَفْسِي: "لَا مَفَرَّ. إِمَّا أَنْ أَكْتُبَ قِصَّتِي أَنَا، أَوْ يَكْتُبَهَا غَيْرِي".

كَتَبْتُ الْعُنْوَانَ:

«زَوْجَةُ الْكَاتِبِ: الْفَصْلُ الْمَفْقُودُ»


ثُمَّ أَخَذْتُ أَسْرُدُ كُلَّ مَا حَدَثَ مُنْذُ دَخُولِي الْبَازَارَ. لَكِنَّ الْقَلَمَ كَانَ يَتَصَرَّفُ بِشَكْلٍ غَرِيبٍ. بَيْنَمَا كُنْتُ أَكْتُبُ: "دَخَلْتُ الْقَبْوَ وَجَلَسْتُ عَلَى الصُّنْدُوقِ"، كَانَ الْقَلَمُ يُضِيفُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِهِ كَلِمَاتٍ إِلَى جَنْبِ كَلِمَاتِي، وَكَأَنَّهُ يُحَاوِرُنِي:

«لَمْ تَكُنْ وَحِيدَةً فِي الْقَبْوِ. ثَمَّةَ أَرْبَعَةُ ظِلَالٍ فِي الزَّاوِيَةِ الْبَعِيدَةِ. أَحَدُهُمْ يَبْكِي. وَالْآخَرُ يُشِيرُ إِلَيْهَا بِأُصْبُعٍ عَظْمِيَّةٍ جَافَّةٍ».

رَفَعْتُ رَأْسِي بِذُعْرٍ. نَظَرْتُ إِلَى الزَّاوِيَةِ الْبَعِيدَةِ. لَمْ أَرَ سِوَى الظُّلْمَةِ. لَكِنَّنِي سَمِعْتُ بُكَاءً. بُكَاءَ طِفْلٍ صَغِيرٍ، مُنْكَسِرًا، بَعِيدًا جِدًّا.

وَقَفْتُ مُرْتَجِفَةً، وَأَنَا أَهْتِفُ: "مَنْ هُنَاكَ؟"


بَكَاءٌ فَقَطْ. ثُمَّ صَوْتٌ أَجَشُّ كَأَنَّهُ يَخْرُجُ مِنْ جِدَارٍ رَطْبٍ:

"نَحْنُ الَّذِينَ كَتَبُوا قَبْلَكِ. نَحْنُ أَصْحَابُ الْأَقْلَامِ الْمَاضُونَ. نَحْنُ زَوْجَاتُ كُتَّابٍ... وَكُتَّابٌ أَنْفُسُهُمْ... كُلُّنَا دُفِنَّا هُنَا. لِأَنَّ الْقَلَمَ لَا يَرْضَى إِلَّا بِالْوَفَاءِ الدَّائِمِ. اسْتَعِدِّي يَا سُونْيَا".



وَيْلِي...


أَكَادُ أَسْمَعُهُنَّ يُغَنِّينَ:


حَسْرَةً عَلَيْهَا يَا حَسْرَةً عَلَيْهَا...

جَاتْ رِجْلَيْهَا مَا جَاتْ رِجْلَيْهَا...

حَسْرَةً عَلَيْهَــــاااااااااا...

جَاتْ رِجْلَيْهَــــاااااااااا...


أَصْوَاتُ الدُّفُوفِ...


حَسْبُ اللهِ وَعَبْدُ الْعَالِ...


حَسْرَةً عَلَيْهَــــاااااااااا...

جَاتْ رِجْلَيْهَــــاااااااااا...



صَرَخْتُ. صَرَخْتُ حَتَّى أَجَابَنِي صَدَى الْقَبْوِ بِأَصْوَاتٍ أُخْرَى لَيْسَتْ صَوْتِي. هَرَبْتُ إِلَى الطَّابِقِ الْعُلْوِيِّ، غَاضِيَةً الْقَلَمَ وَالدَّفْتَرَ فِي يَدَيَّ. دَخَلْتُ غُرْفَةَ النَّوْمِ فَإِذَا بِآدَمَ جَالِسٌ عَيْنَاهُ مَفْتُوحَتَانِ، لَا تَطْرِفَانِ، وَهُوَ يَتَحَدَّثُ بِلُغَةٍ لَا أَفْهَمُهَا.

"آدَمُ! آدَمُ! اسْتَيْقِظْ!"

لَمْ يَسْتَجِبْ. بَدَلًا مِنْ ذَلِكَ، رَفَعَ يَدَهُ الْيُمْنَى وَكَتَبَ بِإِصْبَعِهِ فِي الْهَوَاءِ، وَكَأَنَّ الْهَوَاءَ قَدْ تَحَوَّلَ إِلَى لَوْحٍ زُجَاجِيٍّ غَيْرِ مَرْئِيٍّ. كَتَبَ:

«سَوْفَ أَذْهَبُ فِي رِحْلَةٍ. سَوْفَ أَكْتُبُ هُنَاكَ. سَوْفَ أَكُونُ كَاتِبًا حُرًّا. دُونِكِ يَا سُونْيَا».

ثُمَّ أَغْمَضَ عَيْنَيْهِ وَسَقَطَ فِي النَّوْمِ ثَانِيَةً.



لَمْ أَفْهَمْ مَعْنَى الْجُمْلَةِ. لَكِنَّنِي شَعَرْتُ فِي قَلْبِي أَنَّ آدَمَ لَيْسَ آدَمَ بَعْدُ. أَنَّ شَيْئًا مِنْ رُوحِ الْقَلَمِ قَدْ تَسَلَّلَ إِلَيْهِ، وَأَنَّ الرِّحْلَةَ الَّتِي يَتَحَدَّثُ عَنْهَا لَيْسَتْ رِحْلَةَ جَسَدٍ... بَلْ رِحْلَةَ الْكَلِمَةِ نَفْسِهَا إِلَى عَوَالِمَ أُخْرَى.

نَظَرْتُ إِلَى الْقَلَمِ فِي يَدِي. إِلَى الدَّفْتَرِ الْمَفْتُوحِ. إِلَى الْكَلِمَاتِ الَّتِي لَمْ أَكْتُبْهَا. وَعَلِمْتُ يَقِينًا أَنَّ الْقِصَّةَ قَدِ انْقَلَبَتْ رَأْسًا عَلَى عَقِبٍ. لَسْتُ أَنَا مَنْ يَكْتُبُ الْخَاتِمَةَ.

الْخَاتِمَةُ هِيَ مَنْ تَكْتُبُنِي.

أَغْلَقْتُ الدَّفْتَرَ، وَخَبَّأْتُ الْقَلَمَ فِي أَعْمَقِ جَيْبٍ فِي مِعْطَفِي، وَقَرَّرْتُ أَنْ أَفْعَلَ شَيْئًا لَمْ أَفْعَلْهُ قَطُّ مُنْذُ زَوَاجِي:


أَنْ أَذْهَبَ وَحْدِي إِلَى حَيْثُ لَا يَصِلُنِي الْقَلَمُ. حَيْثُ لَا تَكْتُبُنِي الْكَلِمَاتُ. لَكِنَّنِي أَعْرِفُ أَنَّ هَذَا الْمَكَانَ لَا يَوْجَدُ. لِأَنَّنِي — يَا لَلْعَجَبِ — أَنَا نَفْسِي صِرْتُ كَلِمَةً. كَلِمَةً تَبْحَثُ عَنْ قَلَمٍ لَا يَظْلِمُهَا. كَلِمَةً تَئِنُّ فِي الْبَيَاضِ.

وَقَبْلَ أَنْ أَخْرُجَ مِنَ الْغُرْفَةِ، الْتَفَتُّ إِلَى آدَمَ نَائِمًا، فَرَأَيْتُ فَمَهُ يَتَحَرَّكُ وَيَهْمِسُ: "سُونْيَـــــااااااا... سُونْيَـــــااااااا... أَيْنَ الْقَلَمُ؟ لَا تَذْهَبِي... لَا تَذْهَبِي... سَيَأْتِي الرَّجُلُ مِنَ الْمَرْآةِ...".

نَظَرْتُ إِلَى الْمِرْآةِ الْمُعَلَّقَةِ بِالْحَائِطِ. وَجْهِيَ الْمُنْعَكِسُ كَانَ يَبْكِي... لَكِنْ وَجْهِيَ الْحَقِيقِيُّ كَانَ جَامِدًا.

أَنَا لَا أَبْكِي. إِذًا مَنْ ذَلِكَ الَّذِي يَبْكِي فِي الْمِرْآةِ؟



هَرَبْتُ مِنَ الْبَيْتِ دُونَ حِذَاءٍ. نِعَمْ، حَافِيَةً، فِي شَارِعٍ مُظْلِمٍ، وَأَنَا أَحْمِلُ قَلَمًا لَعِينًا فِي جَيْبِي، وَدَفْتَرًا يُكْتَبُ مِنْ دَاخِلِهِ، وَزَوْجًا يَسْكُنُهُ شَيْطَانٌ إِفْرِيقِيٌّ قَدِيمٌ.

وَالْآنَ، وَأَنَا أَجْلِسُ فِي مَقْهًى مُغْلَقٍ عِنْدَ شَاطِئِ الْبَحْرِ، أَكْتُبُ هَذِهِ الْكَلِمَاتِ إِلَيْكُمْ، لَا أَدْرِي هَلْ سَتَصِلُ إِلَى أَحَدٍ أَمْ لَا. لَكِنْ إِنْ صَلَتْ...

فَاعْلَمُوا أَنِّي لَمْ أَمُتْ بَعْدُ.

لَكِنَّ الْقَلَمَ لَا يَزَالُ يَكْتُبُ فِي دَفْتَرِي مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِهِ. هَا هُوَ ذَا يَكْتُبُ:

«سَوْفَ تَرْجِعُ سُونْيَا إِلَى الْبَيْتِ صَبَاحًا. سَوْفَ تَجِدُ آدَمَ قَدِ اخْتَفَى. سَوْفَ تَجِدُ فِي مَكَانِهِ شَيْئًا آخَرَ. شَيْئًا يُشْبِهُهَا. شَيْئًا يَحْمِلُ الْقَلَمَ. شَيْئًا هُوَ هِيَ. شَيْئًا هُوَ الْقَلَمُ. شَيْئًا لَيْسَ كِتَابَةً. بَلْ هُوَ الصَّمْتُ الَّذِي يَكْتُبُ».

أَنَا لَا أَرِيدُ أَنْ أَرْجِعَ. لَكِنَّنِي أَعْرِفُ أَنَّ الْكَلِمَاتِ تُسَافِرُ دَائِمًا إِلَى حَيْثُ لَا نُرِيدُ.


وَالْآنَ... دَعُونِي أَغْمِضُ عَيْنَيَّ لِدَقِيقَةٍ. فَقَطْ دَقِيقَةٍ. ثُمَّ سَأَفْتَحُهُمَا عَلَى نِهَايَةٍ. أَوْ عَلَى بِدَايَةٍ جَدِيدَةٍ.

لَا أَعْرِفُ. وَلَا أُرِيدُ أَنْ أَعْرِفَ.

لِأَنَّ الْمَعْرِفَةَ كَانَتْ أَوَّلَ كَلِمَةٍ كَتَبْتُهَا بِهَذَا الْقَلَمِ... وَلَعَلَّهَا سَتَكُونُ الْأَخِيرَةَ.


الْمُوَاجَهَةُ النِّهَائِيَّةُ


عُدْتُ إِلَى الْبَيْتِ عِنْدَ الْفَجْرِ. قَدَمَايَ حَافِيَتَانِ تَنْزِفَانِ مِنْ شُقُوقِ الْأَسْفَلْتِ، وَالْقَلَمُ لَا يَزَالُ فِي جَيْبِي، ثَقِيلًا كَجُثَّةِ طِفْلٍ. كُنْتُ أَعْرِفُ أَنَّهُ يَنْتَظِرُنِي. لَا، لَيْسَ الْقَلَمُ فَقَطْ... بَلْ هُوَ. رَجُلُ الْبَازَارِ. أَوْ كُلُّ مَا تَبَقَّى مِنْهُ.

فَتَحْتُ الْبَابَ. سَكَنَ الْبَيْتَ صَمْتٌ غَيْرُ طَبِيعِيٍّ. لَا صَرِيرَ، لَا أَصْوَاتَ، لَا أَشْعَارَ آدَمَ الَّتِي يَتْلُوهَا وَهُوَ يَتَحَمَّمُ. لَا شَيْءَ. إِلَّا الْعُيُونُ. الْعُيُونُ فِي كُلِّ مَكَانٍ. عَلَى الْجُدْرَانِ. عَلَى الْأَبَاجُورَاتِ. عَلَى قِطَعِ الْأَثَاثِ. عُيُونٌ مَحْفُورَةٌ فِي الْخَشَبِ، فِي الزُّجَاجِ، حَتَّى فِي الْمَاءِ الْمُنْسَكِبِ مِنَ الصُّنْبُورِ.


نَادَيْتُ: "آدَمُ؟"

لَمْ يُجِبْ أَحَدٌ. لَكِنَّ الْبَابَ الْمُؤَدِّيَ إِلَى غُرْفَةِ الْجُلُوسِ انْفَتَحَ بِبُطْءٍ، وَرَأَيْتُهُ. رَجُلَ الْبَازَارِ. لَكِنَّهُ لَمْ يَعُدْ عَجُوزًا. كَانَ شَابًّا، شَبِيهًا بِآدَمَ إِلَى حَدٍّ مُرْعِبٍ، إِلَّا أَنَّ عَيْنَيْهِ كَانَتَا تِلْكَ الْعَيْنَيْنِ اللَّتَيْنِ لَا تَرْمُشَانِ.

"أَهْلًا يَا سُونْيَا... كُنْتُ أَعْرِفُ أَنَّكِ سَتَرْجِعِينَ. الْإِفْلَاتُ مُسْتَحِيلٌ. الْإِفْلَاتُ كَذِبَةٌ".

جَرَيْتُ نَحْوَ طَاوِلَةِ الْمَطْبَخِ، مُمْسِكَةً الْقَلَمَ كَخَنْجَرٍ. صَرَخْتُ:

"لَا تَقْتَرِبْ مِنِّي. أَنَا مَنْ يَكْتُبُ نِهَايَتِي، لَا أَنْتَ".

ضَحِكَ. ضِحْكَةً جَافَّةً انْقَسَمَ مَعَهَا جِلْدُ وَجْهِهِ إِلَى شِقَّيْنِ، فَبَدَا كَقِنَّاعٍ مُنْهَارٍ.

"اكْتُبِي إِذًا. اكْتُبِي أَيَّتُهَا الْحَمْقَاءُ. وَلَكِنْ تَذَكَّرِي: الْقَلَمُ الَّذِي فِي يَدِكِ لَيْسَ قَلَمَكِ. هُوَ قَلَمِي. هُوَ أَنَا. كُلُّ كَلِمَةٍ تَكْتُبِينَهَا تُطْعِمُنِي. كُلُّ سَطْرٍ يُطِيلُ عُمْرِي. كُنْتُ أَنْتَظِرُ زَوْجَةَ كَاتِبٍ مِثْلَكِ مُنْذُ قُرُونٍ. أَنْتِ الْأَخِيرَةُ. بَعْدَكِ... لَا أَحَدَ".

شَعَرْتُ بِالْأَرْضِ تَتَحَرَّكُ تَحْتَ قَدَمَيَّ. الْقَلَمُ فِي يَدِي بَدَأَ يَرْتَعِشُ، وَكَأَنَّهُ نَبْضُ قَلْبٍ مَيِّتٍ حَاوَلَ أَنْ يَنْبِضَ ثَانِيَةً. فَجْأَةً، سَمِعْتُ صَوْتَ آدَمَ مِنْ وَرَاءِ الْجِدَارِ، مُنْكَسِرًا، خَافِتًا:


"سُونْيَا... أَلَا تَذْكُرِينَ مَا قُلْتِ يَوْمًا؟ "إِنَّنَا دَوْمًا رُوحٌ وَاحِدَةٌ تَسْكُنُ جَسَدَيْنِ" ... لَا تَسْمَحِي لَهُ بِأَنْ يَكْتُبَنَا. نَحْنُ لَسْنَا حِبْرًا. نَحْنُ جَسَدٌ وَرُوحٌ. لَا تَسْمَحِي..."

قُطِعَ صَوْتُهُ. نَظَرْتُ إِلَى رَجُلِ الْبَازَارِ. وَجْهُهُ الَّذِي كَانَ يَضْحَكُ أَصْبَحَ جَامِدًا. أَدْرَكْتُ شَيْئًا. أَدْرَكْتُ أَنَّ نُقْطَةَ ضَعْفِهِ هِيَ الْقَلَمُ نَفْسُهُ. لَيْسَ كَسِحْرٍ... بَلْ كَنَفْسِيَّةٍ. الْقَلَمُ يَعِيشُ عَلَى الْكَلِمَاتِ. بِدُونِ كَلِمَاتٍ... يَمُوتُ.

وَضَعْتُ الْقَلَمَ عَلَى الطَّاوِلَةِ. لَمَسْتُهُ بِيَدَيَّ كِلْتَيْهِمَا، ثُمَّ... قُمْتُ بِأَغْبَى شَيْءٍ فِي الْعَالَمِ: أَدْخَلْتُهُ فِي فَمِي. نَعَمْ، عَضَضْتُهُ بِأَسْنَانِي. لَمْ أَكْتُبْ بِهِ. بَلْ أَكَلْتُهُ. قَضِمْتُ الْخَشَبَ الْأَسْوَدَ. كَانَ طَعْمُهُ كَالرَّمَادِ، حَارًّا، لَكِنَّنِي اسْتَمَرَرْتُ. تَحَطَّمَ الْقَلَمُ بَيْنَ أَضْرَاسِي، وَانْسَكَبَ حِبْرٌ أَسْوَدُ مِنْ فَمِي عَلَى ثَوْبِي، عَلَى وَجْهِي، عَلَى الْأَرْضِ.


صَرَخَ رَجُلُ الْبَازَارِ صَرْخَةً لَمْ تَكُنْ مِنْ هَذَا الْعَالَمِ:

"مَاذَا فَعَلْتِ؟! مَاذَا فَعَلْتِ أَيَّتُهَا الْجَاهِلَةُ؟! الْقَلَمُ لَيْسَ لِلْأَكْلِ! الْقَلَمُ لَيْسَ..."

تَفَتَّتَ. لَيْسَ كَالْمَرَّةِ السَّابِقَةِ. هَذِهِ الْمَرَّةَ تَفَتَّتَ إِلَى غُبَارٍ ذَهَبِيٍّ، ثُمَّ اخْتَفَى. وَمَعَهُ، تَلَاشَتِ الْعُيُونُ مِنَ الْجُدْرَانِ، وَتَبَخَّرَ الصَّمْتُ الْمَرِيضُ، وَعَادَ الْبَيْتُ بَيْتًا عَادِيًّا قَذِرًا كَمَا كَانَ.

نَظَرْتُ إِلَى يَدَيَّ. كَانَتَا مُرْتَعِشَتَيْنِ. نَظَرْتُ إِلَى فَمِي فِي الْمِرْآةِ. كُنْتُ كَالْوَحْشِ. ثُمَّ سَمِعْتُ خَطَوَاتٍ مِنَ الطَّابِقِ الْعُلْوِيِّ. آدَمُ يَنْزِلُ الدَّرَجَ، يَفْرُكُ عَيْنَيْهِ، حَافِيًا مِثْلِي تَقْرِيبًا.


"سُونْيَا... مَا هَذِهِ الضَّوْضَاءُ؟ وَلِمَاذَا وَجْهُكِ كُلُّهُ أَسْوَدُ؟ هَلْ كُنْتِ تَأْكُلِينَ فَحْمًا فِي الْمَطْبَخِ ثَانِيَةً؟"

أَرَدْتُ أَنْ أَضْحَكَ، لَكِنِّي بَكَيْتُ. بَكَيْتُ طَوِيلًا، وَآدَمُ يَحْتَضِنُنِي وَهُوَ لَا يَفْهَمُ شَيْئًا. وَلَنْ يَفْهَمَ أَبَدًا. سَأُخْبِرُهُ أَنِّي حَلِمْتُ كَابُوسًا. سَيُصَدِّقُنِي. هُوَ دَائِمًا يُصَدِّقُنِي.


لَكِنَّ الْحِكَايَةَ لَمْ تَنْتَهِ بِذَلِكَ.


بَعْدَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ، بَيْنَمَا كُنْتُ أُرَتِّبُ غُرْفَةَ الضُّيُوفِ، وَجَدْتُ تَحْتَ السَّجَّادَةِ... شَيْئًا صَغِيرًا. رَائِحَتُهُ كَالْخَشَبِ الْمُحْتَرِقِ. شَكْلُهُ كَالشُّظَايَا. لَقَدْ كُنْتُ أَظُنُّ أَنِّي الْتَهَمْتُ الْقَلَمَ كَامِلًا. لَكِنَّ يَدَيَّ ارْتَعَشَتَا حِينَ أَمْسَكْتُ بِشُظِيَّةٍ وَاحِدَةٍ. فِي طَرَفِهَا، نَقْشٌ صَغِيرٌ جِدًّا، لَا يُرَى إِلَّا بِالْعَيْنِ الْمُجَرَّدَةِ بِصُعُوبَةٍ، يَحْمِلُ حَرْفًا وَاحِدًا:


«س»


حَرْفُ سُونْيَا. حَرْفُ السُّلَحْفُرَيْتِ. حَرْفُ السِّلْسِلَةِ الَّتِي لَا تَنْتَهِي.

أَمْسَكْتُ الشُّظِيَّةَ بِيَدٍ مُرْتَعِشَةٍ، وَقَرَّرْتُ أَنْ أَفْعَلَ الشَّيْءَ الْوَحِيدَ الَّذِي لَمْ أَفْعَلْهُ قَطُّ: أَنْ أَضَعَهَا فِي صُنْدُوقٍ مِنْ حَدِيدٍ، ثُمَّ أَصُبَّ عَلَيْهَا الشَّمْعَ، ثُمَّ أَرْمِيَهَا فِي الْبَحْرِ. لَيْسَ فِي بَحْرِ مَدِينَتِنَا... بَلْ فِي بَحْرٍ بَعِيدٍ، لَمْ أَزُرْهُ قَطُّ.


سَافَرْتُ وَحْدِي. أَخْبَرْتُ آدَمَ أَنِّي ذَاهِبَةٌ لِزِيَارَةِ صَدِيقَةٍ. صَعِدْتُ الْعَبَّارَةَ، وَفِي مُنْتَصَفِ اللَّيْلِ، أَلْقَيْتُ الصُّنْدُوقَ الْمُحْكَمَ فِي الْمَاءِ. شَاهَدْتُهُ يَغْرَقُ. وَشَاهَدْتُ رَقْمَ السَّاعَةِ: 11:59 لَيْلًا.



عِنْدَمَا عُدْتُ إِلَى الْبَيْتِ، كَانَ آدَمُ يَكْتُبُ رِوَايَةً جَدِيدَةً. جَلَسْتُ بِجِوَارِهِ، وَنَظَرْتُ إِلَى الْوَرَقَةِ. لَمْ يَكُنْ قَلَمُهُ هُوَ الْقَلَمَ اللَّعِينَ. كَانَ قَلَمًا عَادِيًّا أَزْرَقَ اللَّوْنِ. ارْتَحْتُ.

لَكِنَّنِي لَمْ أَسْتَطِعْ أَنْ أَمْنَعَ نَفْسِي مِنَ السُّؤَالِ:

هَلْ مَحَوْتُ الْقِصَّةَ حَقًّا؟ أَمْ أَنَّ الْقِصَّةَ كَانَتْ تَكْتُبُنِي طَوَالَ الْوَقْتِ، وَكُنْتُ أَظُنُّ أَنِّي أَنَا مَنْ يَكْتُبُ؟


نَظَرْتُ إِلَى يَدِيَ الْيُمْنَى. إِلَى ظَاهِرِ الْكَفِّ. فَوَجَدْتُ تَحْتَ الْجِلْدِ شَيْئًا لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ قَبْلَ السَّفَرِ. حَرْفٌ صَغِيرٌ جِدًّا، أَزْرَقُ اللَّوْنِ:


«ك»


كَافُ كِتَابَةٍ. كَافُ كَاتِبٍ. كَافُ كَلَامٍ.

أَنَا لَمْ أَعُدْ زَوْجَةَ كَاتِبٍ. أَنَا صِرْتُ الْكِتَابَةَ نَفْسَهَا.

ضَحِكْتُ ضِحْكَةً عَالِيَةً حَتَّى الْتَفَتَ آدَمُ نَحْوِي.

"مَا بِكِ يَا سُونْيَا؟"

قُلْتُ: "لَا شَيْءَ يَا صَغِيرِي... فَقَطْ كَتَبْتُ نِهَايَتِي".

"نِهَايَةَ رِوَايَتِكِ؟ مُنْذُ مَتَى تَكْتُبِينَ رِوَايَةً؟"


تَمَنَّيْتُ لَوْ أَنَّهُ أَكْمَلَ سُؤَالَهُ. لَكِنَّ الْجَوَابَ كَانَ فِي دَاخِلِي، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ فِيهِ نَصِيبٌ.

نَعَمْ، كُنْتُ أَكْتُبُ رِوَايَةً. رِوَايَةً اسْمُهَا «زَوْجَةُ الْكَاتِبِ». رِوَايَةً كُنْتُ أَظُنُّ أَنَّهَا عَنْ آدَمَ، فَإِذَا هِيَ عَنِّي. رِوَايَةً كُنْتُ أَظُنُّ أَنَّهَا انْتَهَتْ، فَإِذَا هِيَ لَمْ تَبْدَأْ بَعْدُ.


الْآنَ، وَأَنَا أَكْتُبُ هَذِهِ السُّطُورَ الْأَخِيرَةَ، أَجِدُ أَنَّ الْحَرْفَ «ك» فِي كَفِّي يَخْفُتُ قَلِيلًا، كَأَنَّهُ يَرْتَاحُ. وَأَجِدُ أَنَّ عَيْنَيَّ تَنْظُرَانِ إِلَى الْوَرَقَةِ الْبَيْضَاءِ بِلَا خَوْفٍ.


لِأَنِّي تَعَلَّمْتُ شَيْئًا وَاحِدًا:

الْكَلِمَاتُ لَا تَقْتُلُ. الْكَلِمَاتُ لَا تَلْعَنُ. الْكَلِمَاتُ تَحْتَاجُ قَارِئًا. وَقَارِئُهَا الْحَقِيقِيُّ هُوَ مَنْ يُحَرِّرُهَا. لَسْتُ ضَحِيَّةَ الْقَلَمِ. أَنَا مَنْ أَكَلْتُ الْقَلَمَ.

لِذَا، إِذَا وَجَدْتُمْ هَذِهِ الْكَلِمَاتِ تَقْرَؤُونَهَا الْآنَ... فَلَا تَخَافُوا. أَنَا سُونْيَا. أَنَا زَوْجَةُ الْكَاتِبِ. وَأَنَا الْكَاتِبَةُ الْحَقِيقِيَّةُ.

لَمْ يَعُدْ هُنَاكَ قَلَمٌ يَكْتُبُ فِي ظُلْمَةٍ.

بَلْ هُنَاكَ فَتَاةٌ تَضْحَكُ، وَتَقُولُ فِي سِرِّهَا:

"آدَمُ... لَا تَقْرَأْ هَذَا أَبَدًا. هَذَا لَيْسَ لَكَ. هَذَا لَهُمْ".

وَهُمْ... أَنْتُمْ.

النِّهَايَةُ

أَمَّا الْبِدَايَةُ فَقَدْ بَدَأَتْ مِنَ الْآنَ.





 





google-playkhamsatmostaqltradent