حين تصبح الحروف مرايا للأرواح، وتغدو الأبجدية خريطةً للعمر، يولد نصٌّ لا يُقرأ بالعين وحدها، بل يُلامس القلب والعقل معًا.
تُقدِّم هدهوديات لقرائها الكرام تجربةً شعريةً استثنائية، ينسج فيها الكاتب د. طلعت سمير رحلةً إنسانيةً عميقة، تتخذ من حروف اللغة العربية محطاتٍ للتأمل في الذات، واكتشاف المعنى، ومواجهة الألم، والعبور نحو النضج والسكينة.
إنها قصيدة لا تروي سيرة الحروف، بل سيرة الإنسان وهو ينتقل من براءة البداية إلى حكمة النهاية، حتى يكتشف أن أعظم الرحلات ليست تلك التي نقطعها في الطرقات، بل تلك التي نخوضها في أعماق نفوسنا.
يسر هدهوديات أن تضع بين أيديكم هذه القصيدة الراقية، إيمانًا منها بأن الكلمة الجميلة قادرة على أن تضيء دروب الفكر، وأن تترك في الروح أثرًا لا يزول.
قصيدة: مِنِّي... إِلَيَّ
بقلم: د. طلعت سمير
مَكْتُوبٌ فِي دَفْتَرِ الأَحْيَاءِ
لَكِنَّ حَيَاتِي ارْتَحَلَتْ مِنْ مَحَطَّةِ أَلِفٍ إِلَى مَحَطَّةِ يَاءٍ.
◈
أَلِف
دَخَلْتُ الحَيَاةَ بِعُنْفُوَانِ الأَلِفِ،
مُسْتَقِيمًا كَسَيْفٍ لَا يَعْرِفُ الِانْكِسَارَ،
أَحْمِلُ فِي صَدْرِي أَلْفَ حُلْمٍ تَرْقُصُ كَالنُّجُومِ،
وَلَمْ أَدْرِ أَنَّ الطَّرِيقَ سَيَكْتُبُنِي قَبْلَ أَنْ أَكْتُبَهُ.
◈
بَاء
ثُمَّ انْحَنَيْتُ بَاءً،
أَجْلِسُ عَلَى نُقْطَةٍ وَاحِدَةٍ تَحْمِلُ السِّرَّ كُلَّهُ،
نُقْطَةَ عَطَاءٍ تَنْزِفُ فِي الْخَفَاءِ،
فَكَانَ الصَّمْتُ أَوَّلَ صِدْقٍ.
◈
تَاء
وَاجْتَهَدْتُ فَصِرْتُ تَاءً،
فَوْقَ رَأْسِي نُقْطَةُ شَقَاءٍ تُثْقِلُ،
وَفِي قَلْبِي نُقْطَةُ عَطَاءٍ تُضِيءُ،
وَبَيْنَهُمَا عُمْرٌ يَتَمَزَّقُ فِي صَمْتٍ مُقَدَّسٍ.
◈
ثَاء
فَاضَتْ رُوحِي فَصِرْتُ ثَاءً،
ثَلَاثُ نُقَطٍ تَرْقُصُ: دُمُوعٌ أَمْ نُجُومٌ أَمْ بَقَايَا قَلْبٍ عَجَزَ عَنِ الْكَرَاهِيَةِ؟
◈
جِيم
جَاءَتْ رِيَاحُ الشِّتَاءِ فَبَلَغْتُ الْجِيمَ،
فَالْتَفَّتِ الأَيَّامُ حَوْلَ رَأْسِي كَعِمَامَةِ بَرْدٍ،
وَلَمْ يَبْقَ لِي إِلَّا نُقْطَةٌ صَغِيرَةٌ مِنَ النَّقَاءِ أُدَافِعُ بِهَا عَنْ رُوحِي.
◈
خَاء
خَافَتْ نَفْسِي فِي مَحَطَّةِ الْخَاءِ،
لَا مِنَ الْمَوْتِ، بَلْ مِنْ أَنْ يَمُوتَ الْحَيُّ فِيَّ،
فَحَمَلْتُ رَأْسِي فَوْقَ نُقْطَةِ الْعَنَاءِ وَمَضَيْتُ.
◈
دَال
دُرْتُ مَعَ الدَّالِ حَتَّى عَلِمْتُ: الدُّنْيَا لَا تَدُورُ عَلَى هَوَايَ،
بَلْ أَدُورُ أَنَا فِي فَلَكِ قَدَرِهَا،
كُلَّمَا ظَنَنْتُ النِّهَايَةَ فَتَحَتْ لِي بَابًا لِابْتِدَاءٍ أَعْمَقَ.
◈
ذَال
أَشْرَقَتِ الذَّالُ فَوَضَعَتْ نُقْطَةَ الذِّكْرَى،
فَكُلُّ جُرْحٍ نَسِيتُهُ كَانَ يَتَذَكَّرُنِي بِحَنَانٍ قَاتِلٍ.
◈
رَاء
بَلَغْتُ الرَّاءَ فَانْحَنَى كِبْرِيَائِي وَلَمْ يَنْكَسِرْ،
تَعَلَّمْتُ أَنَّ الرُّقِيَّ فِي سَلَامَةِ الْقَلْبِ لَا فِي ارْتِفَاعِ الرَّأْسِ.
◈
زَاي
جَاءَتِ الزَّايُ بِنُقْطَةٍ صَغِيرَةٍ مِنْ أَمَلٍ،
كَانَتْ أَكْبَرَ مِنْ جَبَلِ يَأْسِي.
◈
سِين
مَشَيْتُ مَعَ السِّينِ ثَلَاثَ سَنَابِلَ صَبْرٍ تُطْعِمُنِي بَعْدَ الْجُوعِ الطَّوِيلِ.
◈
شِين
وَأَقْبَلَتِ الشِّينُ بِثَلَاثِ دُمُوعٍ، أَوْ دَعَوَاتٍ، أَوْ نُجُومٍ أَضَاءَتْ لَيْلِي.
◈
صَاد
احْتَوَتْنِي الصَّادُ كَمَا يَحْتَوِي الصَّدْرُ أَوْجَاعَهُ الْعَمِيقَةَ،
فَعَلِمْتُ أَنَّ الصَّمْتَ أَبْلَغُ لُغَاتِ الْقُلُوبِ.
◈
ضَاد
أَطَلَّتِ الضَّادُ بِنُقْطَةٍ وَاحِدَةٍ كَوَعْدٍ إِلَهِيٍّ،
تُبَشِّرُ أَنَّ الضِّيقَ، مَهْمَا طَالَ، لَا بُدَّ أَنْ يَلِدَ فَجْرًا مُبَارَكًا.
◈
طَاء
بَلَغْتُ الطَّاءَ فَارْتَفَعَتْ هَامَتِي،
لَكِنَّ الْأَيَّامَ عَلَّمَتْنِي أَنَّ كُلَّ ارْتِفَاعٍ يَحْتَاجُ قَلْبًا أَشَدَّ تَوَاضُعًا.
◈
ظَاء
أَقْبَلَتِ الظَّاءُ تُظَلِّلُنِي حِينَ أَحْرَقَتْنِي شُمُوسُ التَّجَارِبِ،
فَعَرَفْتُ أَنَّ الظِّلَّ رَحْمَةٌ، وَالنُّورَ لَيْسَ دَائِمًا دِفْئًا.
◈
عَيْن
فَتَحَتِ الْعَيْنُ عَيْنَيَّ، فَرَأَيْتُ مَا لَمْ تَرَهُ عُيُونُ الْبَشَرِ،
وَسَمِعْتُ صَوْتَ قَلْبِي بَعْدَ عُمْرٍ مِنْ صَمْتٍ مُقَدَّسٍ.
◈
غَيْن
احْتَضَنَتْنِي الْغَيْنُ فَغَابَ عَنِّي كَثِيرٌ،
لَكِنَّ اللهَ كَشَفَ لِي مَا هُوَ أَعْظَمُ.
◈
فَاء
وَقَفْتُ عِنْدَ الْفَاءِ، فَعَلِمْتُ أَنَّ الْفِرَاقَ وَالْفَرَحَ يَنْبُعَانِ مِنْ يَنْبُوعٍ وَاحِدٍ،
وَأَنَّ الدُّمُوعَ أَصْدَقُ مِنْ كُلِّ ابْتِسَامَةٍ.
◈
قَاف
دَقَقْتُ بَابَ الْقَافِ، فَفَتَحَ الْقَلْبُ قَبْلَ الْعَقْلِ،
وَعَرَفْتُ أَنَّ الْقُرْبَ لَيْسَ بِالْمَسَافَاتِ، بَلْ بِالْمَوَدَّةِ.
◈
كَاف
مَدَدْتُ يَدِي كَالْكَافِ، أُعْطِي وَلَا أَنْتَظِرُ الْجَزَاءَ،
فَكَانَ أَجْمَلُ مَا أَخَذْتُ هُوَ مَا وَهَبْتُهُ لِغَيْرِي.
◈
لَام
ارْتَفَعَتِ اللَّامُ كَدُعَاءٍ خَالِصٍ يَصْعَدُ إِلَى السَّمَاءِ،
فَمَا يَصْعَدُ بِإِخْلَاصٍ لَا يَسْقُطُ أَبَدًا.
◈
مِيم
أَحَاطَتْنِي الْمِيمُ كَحِضْنِ أُمٍّ رَحِيمَةٍ تُخْفِي أَوْجَاعِي،
فَتَذَكَّرْتُ أَنَّ أَوَّلَ الْحُبِّ وَآخِرَهُ رَحْمَةٌ.
◈
نُون
صِرْتُ نُونًا، نِصْفَ دَائِرَةٍ تَنْتَظِرُ كَمَالَهَا،
وَفَوْقِي نُقْطَةٌ، دَعْوَةٌ لَمْ تَبْرَحِ السَّمَاءَ.
◈
هَاء
تَنَفَّسَتِ الْهَاءُ، فَدَخَلَ الْهَوَاءُ إِلَى صَدْرِي مِنْ جَدِيدٍ،
وَعَلِمْتُ أَنَّ أَعْظَمَ النِّعَمِ هِيَ الَّتِي لَا نَلْتَفِتُ إِلَيْهَا.
◈
وَاو
دَارَتِ الْوَاوُ، فَأَعَادَتْنِي إِلَى كُلِّ مَا مَرَرْتُ بِهِ،
فَفَهِمْتُ أَنَّ الْحَيَاةَ دَائِرَةٌ كَامِلَةٌ، يَلْتَقِي فِيهَا الْبَدْءُ بِالْخِتَامِ.
◈
يَاء
ثُمَّ وَقَفْتُ أَمَامَ الْيَاءِ...
فَلَمْ أَجِدْ نِهَايَةً، بَلْ وَجَدْتُ رَجُلًا انْحَنَى كَالْيَاءِ تَوَاضُعًا،
قَلْبُهُ نَقَصَتْ مِنْهُ قِطَعٌ، وَلَكِنَّهُ أَصْبَحَ أَوْسَعَ مِنَ الْكَوْنِ فِي الْحُبِّ،
رُوحُهُ أَثْقَلَتْهَا الْجِرَاحُ، وَلَكِنَّهَا أَقْرَبُ إِلَى السَّمَاءِ.
◈
وَعَرَفْتُ الْحَقِيقَةَ الْكُبْرَى:
رِحْلَتِي لَمْ تَكُنْ مِنْ أَلِفٍ إِلَى يَاءٍ،
بَلْ كَانَتْ مِنِّي... إِلَيَّ...




