مقدمة: فوضى المعرض الجميلة...
وَسَطَ الزِّحَامِ في مَعْرِضِ الْقَاهِرَةِ الدَّوْلِيِّ لِلْكِتَابِ، حَيْثُ يَجِدُ آدَمُ نَفْسَهُ فَجْأَةً بَطَلًا لِحِوَارٍ صِحَافِيٍّ يَتَحَوَّلُ إِلَى رِحْلَةٍ عَبْرَ خَمْسَةِ قُرُونٍ مِنَ التَّارِيخِ.
كَانَ جَنَاحُ دَارِ النَّشْرِ مُزْدَحِمًا عَلَى غَيْرِ الْعَادَةِ. طَابُورٌ طَوِيلٌ مِنَ الْقُرَّاءِ يَنْتَظِرُونَ الْحُصُولَ عَلَى نُسْخَةٍ مُوَقَّعَةٍ مِنْ رِوَايَتِي الْجَدِيدَةِ، وَعَدَسَاتُ الْكَامِيرَاتِ تَتَحَرَّكُ بَيْنَ الْوُجُوهِ، بَيْنَمَا كَانَتْ أَصْوَاتُ الْبَاعَةِ وَالنَّاشِرِينَ وَالنَّدَوَاتِ الْمُتَجَاوِرَةِ تَمْتَزِجُ في سِيمْفُونِيَّةٍ فَوْضَوِيَّةٍ لَا تَسْمَعُهَا إِلَّا في مَعْرِضِ الْقَاهِرَةِ الدَّوْلِيِّ لِلْكِتَابِ — مَزِيجٌ عَجِيبٌ مِنْ رَائِحَةِ الْوَرَقِ وَصَرِيخِ الْبَائِعِينَ وَضَحِكَاتِ الْأَطْفَالِ، كَأَنَّ الْعَالَمَ كُلَّهُ قَرَّرَ أَنْ يَتَعَلَّمَ الْقِرَاءَةَ في نَفْسِ اللَّحْظَةِ.
وَقَّعْتُ النُّسْخَةَ الْأَخِيرَةَ، ثُمَّ رَفَعْتُ رَأْسِي لِأَجِدَ شَابَّةً تَحْمِلُ مِيكْرُوفُونًا صَغِيرًا، وَكَامِيرَا تَتْبَعُهَا مِنَ الْخَلْفِ. ابْتَسَمَتْ قَائِلَةً:
— مَسَاءُ الْخَيْرِ يَا دُكْتُورَ آدَمَ، أَنَا أَسْمَاءُ مِنْ إِحْدَى الْمُنَصَّاتِ الثَّقَافِيَّةِ.
— أَهْلًا وَسَهْلًا.
— أُتَابِعُ أَعْمَالَكَ مُنْذُ فَتْرَةٍ، وَهُنَاكَ سُؤَالٌ يَتَكَرَّرُ دَائِمًا بَيْنَ الْقُرَّاءِ... كَيْفَ تَكْتُبُ؟
ضَحِكْتُ قَائِلًا:
— أَهَذَا كُلُّ شَيْءٍ؟ كُنْتُ أَظُنُّ أَنَّكِ سَتَسْأَلِينَنِي عَنْ مُؤَامَرَةٍ دَوْلِيَّةٍ أَوْ كَنْزٍ فِرْعَوْنِيٍّ مَفْقُودٍ، أَوْ لِمَاذَا لَا أَرْتَدِي قُبَّعَةً كَالْكِتَّابِ الْقُدَمَاءِ؟
ابْتَسَمَتْ أَسْمَاءُ وَقَالَتْ:
— لَا تَقْلَقْ، مَا زَالَ أَمَامَنَا وَقْتٌ لِلْأَسْئِلَةِ الْخَطِيرَةِ.
الكتابة.. بين الوهم والحقيقة...
قُلْتُ:
— حَسَنًا، نِظَامُ الْكِتَابَةِ عِنْدِي بَسِيطٌ جِدًّا مِنَ الْخَارِجِ، مُعَقَّدٌ جِدًّا مِنَ الدَّاخِلِ. كَالْجِهَازِ الَّذِي يُقَالُ عَنْهُ "فَصَلَ الرُّوحَ مِنَ الْجَسَدِ" وَهُوَ لَا يَفْصِلُ حَتَّى شَحْنَ الْجَوَّالِ!
— كَيْفَ؟
— أَبْدَأُ أَوَّلًا بِالْبَحْثِ عَنْ فِكْرَةٍ. ثُمَّ أَتَخَيَّلُ الْأَحْدَاثَ الرَّئِيسِيَّةَ. ثُمَّ أَبْدَأُ رِحْلَةَ جَمْعِ الْمَعْلُومَاتِ. فَإِذَا كَانَ في الرِّوَايَةِ طَبِيبٌ، أُرَاجِعُ الْمَعْلُومَاتِ الطِّبِّيَّةَ. وَإِذَا كَانَ فِيهَا عَالِمُ آثَارٍ، أُرَاجِعُ الْمَصَادِرَ التَّارِيخِيَّةَ. وَإِذَا كَانَ فِيهَا طَيَّارٌ أَوْ رَائِدُ فَضَاءٍ أَوْ قُرْصَانٌ أَوْ لِصٌّ مُحْتَرِفٌ، فَإِنَّنِي أَقْضِي سَاعَاتٍ طَوِيلَةً في الْبَحْثِ حَتَّى أَتَأَكَّدَ أَنَّ كُلَّ مَعْلُومَةٍ وَرَدَتْ في الْعَمَلِ يُمْكِنُ أَنْ تَصْمُدَ أَمَامَ الْقَارِئِ الْمُتَخَصِّصِ. لَا أُرِيدُ أَنْ يَقُولَ لِي طَبِيبٌ: "هَذَا الْقَلْبُ يَنْبُضُ مِنَ الْجَانِبِ الْأَيْمَنِ يَا سَيِّدِي، أَرْجُوكَ تَوَاضَعْ!"
— إِذَنْ أَنْتَ تُوَثِّقُ كُلَّ شَيْءٍ؟
— قَدْرَ الْإِمْكَانِ. فَالْخَيَالُ يَسْتَطِيعُ أَنْ يَطِيرَ إِلَى الْمَجَرَّاتِ الْبَعِيدَةِ، لَكِنَّ الْحَقَائِقَ يَجِبُ أَنْ تَبْقَى وَاقِفَةً عَلَى الْأَرْضِ، حَتَّى لَوْ تَعَبَتْ قَدَمَاهَا.
ثُمَّ أَضَعُ الْقَالَبَ الدِّرَامِيَّ، وَأَبْدَأُ الْكِتَابَةَ.
— مُبَاشَرَةً عَلَى الْكُمْبْيُوتَرِ؟
— لَا. أَبَدًا.
نَظَرَتْ إِلَيَّ أَسْمَاءُ بِدَهْشَةٍ، كَأَنِّي أَخْبَرْتُهَا أَنِّي أَكْتُبُ عَلَى جِلْدِ الْبَعِيرِ.
— مَا زِلْتَ تَكْتُبُ بِالْقَلَمِ؟
— لَيْسَ بِالْقَلَمِ فَقَطْ. بَلْ بِقَلَمِ رَصَاصٍ.
— في عَامِ 2026؟
— نَعَمْ. أَنَا رَجُلٌ مُتَحَضِّرٌ جِدًّا كَمَا تَرَيْنَ. لَكِنَّنِي أَكْتُبُ النُّسْخَةَ الْأُولَى كَامِلَةً بِقَلَمِ الرَّصَاصِ، كَأَنَّنِي أَرْسُمُ خَرَائِطَ كَنْزٍ لَا يَعْرِفُ أَحَدٌ مَكَانَهُ. ثُمَّ أَنْتَقِلُ إِلَى الْكُمْبْيُوتَرِ لِصِنَاعَةِ نُسْخَةٍ ثَانِيَةٍ أَكْثَرَ تَرْتِيبًا. ثُمَّ تَأْتِي النُّسْخَةُ الثَّالِثَةُ وَالْأَخِيرَةُ بَعْدَ أَشْهُرٍ مِنَ الْحَذْفِ وَالْإِضَافَةِ وَالتَّعْدِيلِ حَتَّى تُصْبِحَ جَاهِزَةً لِلطِّبَاعَةِ. تُشْبِهُ عَمَلِيَّةَ تَجْمِيلِ الْأَسْنَانِ لَكِنَّ النَّتِيجَةَ تَكُونُ رِوَايَةً، لَا ضِحْكَةً مُصْطَنَعَةً.
— وَلِمَاذَا قَلَمُ الرَّصَاصِ تَحْدِيدًا؟
— لِأَنَّهُ يُشْبِهُ الْكَاتِبَ. كِلَاهُمَا يَرْتَكِبُ أَخْطَاءً كَثِيرَةً وَيَحْتَاجُ إِلَى مِمْحَاةٍ بِاسْتِمْرَارٍ. الْفَرْقُ أَنَّ الْمِمْحَاةَ تَمْحُو الْخَطَأَ، أَمَّا الْكَاتِبُ فَغَالِبًا مَا يَحْمِلُ الْأَخْطَاءَ مَعَهُ إِلَى الْقَبْرِ.
ضَحِكَتْ أَسْمَاءُ، وَكِدْتُ أَرَى الدُّمُوعَ تَتَكَوَّنُ في عَيْنَيْهَا مِنَ الضَّحِكِ.
ثُمَّ سَأَلَتْ:
— وَمَا الْفِكْرَةُ الْجَدِيدَةُ الَّتِي تَدُورُ في رَأْسِكَ الْآنَ؟
الأحلام.. حيث تُولَدُ الرِّواياتُ...
نَظَرْتُ حَوْلِي. إِلَى الْكُتُبِ. إِلَى الْقُرَّاءِ. إِلَى أَكْوَامِ الْأَوْرَاقِ. ثُمَّ أَخْرَجْتُ قَلَمَ رَصَاصٍ مِنْ جَيْبِي وَرَفَعْتُهُ أَمَامَهَا، وَقُلْتُ بِغَمْزَةٍ:
— هَذِهِ.
— مَاذَا تَقْصِدُ؟
— رِوَايَتِي الْقَادِمَةُ.
— أَيْنَ؟
— هُنَا. في هَذَا الْقَلَمِ.
نَظَرَتْ إِلَيْهِ مُتَعَجِّبَةً، كَمَنْ يَنْظُرُ إِلَى كُرَةٍ بَلُورِيَّةٍ تَتَكَلَّمُ.
فَقُلْتُ مُبْتَسِمًا:
— قَلَمُ رَصَاصٍ.
ثُمَّ تَنَفَّسْتُ عَمِيقًا، وَقُلْتُ وَأَنَا أُحَدِّقُ في فَرَاغٍ مَا وَرَاءَ كَتِفِهَا:
— هَلْ تَعْلَمِينَ يَا أَسْمَاءُ، أَنَّ نِصْفَ أَفْكَارِي الْجَنُونِيَّةِ لَا تَأْتِينِي وَأَنَا وَاعٍ، بَلْ وَأَنَا نَائِمٌ؟
— حَقًّا؟ أَحْلَامٌ؟
— نَعَمْ، وَالْعَجَبُ أَنَّ الْأَحْلَامَ لَا تُحَاسَبُ عَلَى الْمَنْطِقِ. فِيهَا يَطِيرُ الْجَمَلُ، وَيَتَكَلَّمُ الْحَجَرُ، وَيَكُونُ الشَّيْطَانُ هُوَ مُدِيرُكَ الَّذِي لَمْ تُحِبَّهُ يَوْمًا أَوْ لَرُبَّمَا يَكُونُ خَطِيبَكِ فَتَهْتِفِينَ فِي حَمَاسٍ... كُنْتُ دَائِمًا مُتَأَكِّدَةً أَنَّهُ لَيْسَ طَبِيعِيًّا... لَيْسَ بَشَرِيًّا... أَوُوهْ كَمْ أَنَا فَخُورَةٌ بِنَفْسِي... ثُمَّ تَصْرُخِينَ فِي هَلَعٍ: رَبَّاهُ، مَاذَا سَوْفَ أَفْعَلُ الْآنَ؟ وَمِنْ ثُمَّ تُطْعِنِي فُرْصَةً كَيْ أَبْدَأَ الْبَحْثَ عَنْ أَفْكَارِ الْجُزْءِ التَّالِي بَيْنَمَا أَتْرُكُكِ بِالدَّجَاجَةِ الْمَذْعُورَةِ حَتَّى أَجِدَ الْحَلَّ لِإِنْقَاذِكِ مِنْ ذَلِكَ الشَّيْطَانِ نِيَاهاهاهاها. فَلِمَاذَا لَا نَسْتَغِلُّهَا؟
أَطْرَقَتْ بِرَأْسِهَا مُشَجِّعَةً، فَتَابَعْتُ:
ذَاتَ لَيْلَةٍ، حَلِمْتُ بِجَيْشٍ مِنَ الْإِبِلِ الْعِمْلَاقَةِ، كَالْجِبَالِ تَمَامًا، تَشْرَبُ كُلَّ مَاءِ بُحَيْرَةِ السَّدِّ الْعَالِي فِي جَرْعَةٍ وَاحِدَةٍ، ثُمَّ تَتَّجِهُ شِمَالًا نَحْوَ الدِّلْتَا. اسْتَيْقَظْتُ مَذْعُورًا، وَأَنَا أَرَى الْأَرَاضِي الزِّرَاعِيَّةَ تَتَحَوَّلُ إِلَى صَحْرَاءَ، وَالْفَلَّاحِينَ يَرْكُضُونَ وَرَاءَ الْجِمَالِ بِالْمَعَازِلِ! ضَحِكْتُ فِي سَرِيرِي، ثُمَّ قُمْتُ وَكَتَبْتُ الْفِكْرَةَ، وَصَارَتْ رِوَايَةً تُدْعَى "بَطَلَةٌ مِنْ مِصْرَ". فِيهَا تُصْبِحُ إِسْرَاءُ — تِلْكَ الْفَتَاةُ الْجَمِيلَةُ الَّتِي وُلِدَتْ يَوْمَ سُطُوعِ الْجَبَّارِ وَأَوَّلُ حَرْفٍ مِنِ اسْمِهَا كَآخِرِهِ — هِيَ الْمُنْقِذَةَ الْوَحِيدَةَ، حَيْثُ تَكْتَشِفُ سِرَّ اللَّعْنَةِ الْقَدِيمَةِ الَّتِي أَطْلَقَهَا طَاهِرْقَا عَلَى النِّيلِ، وَتُوَاجِهُ تِلْكَ الْجِمَالَ الْمَلْعُونَةَ بِحَقْنَةِ فِيرُوسِ الْكَلَبِ، بَعْدَ أَنْ تَعْلَمَ أَنَّ قُوَّتَهَا تَكْمُنُ فِي الْمَاءِ، فَيَنْقَلِبُ السِّحْرُ عَلَى أَصْحَابِهِ وَيَعُودُ النِّيلُ إِلَى مَجْرَاهُ.
وَفِي لَيْلَةٍ أُخْرَى، حَلِمْتُ بِمُضَخِّمٍ لِمَوْجَاتِ أَلْفَا فِي الْمُخِّ، يَجْعَلُ الْأَحْلَامَ حَقِيقَةً وَاقِعِيَّةً. تَخَيَّلِي أَنَّكَ تَحْلُمُ بِقِصَّةٍ كَامِلَةٍ عَنْ قَصْرٍ غَامِضٍ وَسَيِّدَةٍ جَمِيلَةٍ تَدْعُو النَّاسَ لِحَفْلِ اكْتِمَالِ الْقَمَرِ، ثُمَّ تَفْزَعُ حِينَ تَرَى فَارِسَةً تَخْرُجُ مِنَ اللَّوْحَةِ الزُّجَاجِيَّةِ وَتَقْطَعُ رَأْسَ زَوْجَتِكَ! كَابُوسٌ مَرْعِبٌ، لَكِنَّهُ فِكْرَةُ رِوَايَةٍ. كَتَبْتُهَا وَسَمَّيْتُهَا "مَأْسَاةُ حُلْمٍ"، وَكَانَ بَطَلُهَا طَبِيبًا مِثْلِي، يَكْتَشِفُ أَنَّ زَوْجَتَهُ — الَّتِي تَعْمَلُ فِي الْوَاقِعِ الِافْتِرَاضِيِّ — قَدْ صَنَعَتِ الْجِهَازَ سِرًّا، فَيَسْتَيْقِظُ عَلَى كَابُوسِهِ يَتَحَقَّقُ فِي غُرْفَةِ الْجُلُوسِ، حَيْثُ تَتَجَسَّدُ اللَّوْحَةُ نَفْسُهَا وَتَكُونُ النِّهَايَةُ مَأْسَاةً حَقِيقِيَّةً لَا حُلْمِيَّةً!
وَفِي حُلْمٍ ثَالِثٍ، جَاءَنِي مَشْهَدُ قَطِيعٍ مِنَ الذِّئَابِ الشَّرِسَةِ تُهَاجِمُ شَرًّا مُتَجَسِّدًا فِي صُورَةِ سَاحِرٍ عَجُوزٍ، وَامْرَأَةٍ أَشَرُّ مِنَ الشَّيَاطِينِ، تُذْبِحُ طِفْلًا رَضِيعًا لِتُجَدِّدَ عَهْدَ الدَّمِ مَعَ إِبْلِيسَ نَفْسِهِ! كَانَ الْمَشْهَدُ مُرْعِبًا، وَالذِّئَابُ تَتَحَدَّثُ بِلُغَةٍ فَصِيحَةٍ، وَزَعِيمُهَا "هَايْسِكِي" يُنْشِدُ أُنْشُودَتَهُ الشَّهِيرَةَ فِي ضَوْءِ الْبَدْرِ. اسْتَيْقَظْتُ وَقَلْبِي يَخْفِقُ، وَأَمْسَكْتُ بِقَلَمِي، وَوَلَدَتْ رِوَايَةُ "أُنْشُودَةُ ذِئْبٍ"، حَيْثُ يَكُونُ الذِّئْبُ هُنَا الْبَطَلَ الرَّئِيسِيَّ الَّذِي يُعَاقِبُ أَشَرَّ مَخْلُوقَاتِ الْإِنْسِ، حَتَّى إِنَّ إِبْلِيسَ نَفْسَهُ يَفِرُّ مِنْ تِلْكَ الْمَرْأَةِ الَّتِي تَفَوَّقَتْ عَلَيْهِ فِي الْغُرُورِ وَالْإِجْحَافِ، وَيَنْتَهِي الْمَطَافُ بِتَمْزِيقِ كُلِّ شَرٍّ وَتَطْهِيرِ الْأَرْضِ مِنْ دَنَسِ الْبَشَرِ.
هَلْ تَعْرِفِينَ رِوَايَةَ "الطَّابِقُ الرَّابِعُ شُقَّةُ 9"؟ جُزْؤُهَا الْأَوَّلُ كَانَ حُلْمًا مَحْضًا! حَلِمْتُ بِفِيلَا غَامِضَةٍ يَسْكُنُهَا سَاحِرٌ يُمَارِسُ السِّحْرَ الْأَسْوَدَ، وَطِفْلٌ رَضِيعٌ يُذْبَحُ فِي طُقُوسٍ شَيْطَانِيَّةٍ، ثُمَّ أَجِدُ نَفْسِي أَهْرُبُ فِي شَوَارِعِ الْإِسْكَنْدَرِيَّةِ حَتَّى أُقَابِلَ رَجُلًا يَمْنَحُنِي عُنْوَانًا غَرِيبًا. اسْتَيْقَظْتُ مَرْعُوبًا، وَفِي الْيَوْمِ التَّالِي سَافَرْتُ إِلَى الْإِسْكَنْدَرِيَّةِ لِأَجِدَ الْفِيلَا مُحْتَرِقَةً مُنْذُ أَرْبَعِينَ عَامًا، وَرَجُلًا اسْمُهُ آدَمُ يُخْبِرُنِي أَنَّنِي مَنْ أَنْقَذْتُهُ مِنْ تِلْكَ الطُّقُوسِ مِنْ غَيْرِ أَنْ أَعْلَمَ، وَيُهْدِينِي وَرْدَةً جَوْرِيَّةً تَخْتَفِي حِينَ أَسْتَيْقِظُ، لَكِنَّهَا تَعُودُ فِي طَرْدٍ غَامِضٍ مَعَ خَاتِمٍ فِضِّيٍّ وَرِسَالَةٍ تَقُولُ: "قَدْ رَأَيْتُكِ فِي حُلْمِي — إِلَى أَنْ نَلْتَقِيَ، آدَمُ". قُلْتُ فِي نَفْسِي: "هَذِهِ مَادَّةٌ دَسِمَةٌ لِلرِّوَايَاتِ الْغَامِضَةِ، بَلْ أَظُنُّ أَنَّ الْحُلْمَ مَا زَالَ مُسْتَمِرًّا!"
ضَحِكَتْ أَسْمَاءُ حَتَّى انْحَنَتْ، ثُمَّ قَالَتْ:
— إِذَنْ، أَنْتَ تَسْتَوْحِي مِنَ الْكَابُوسِ أَكْثَرَ مِنَ الْوَاقِعِ؟
قُلْتُ بِجِدِّيَّةٍ مُصَنَّعَةٍ:
— الْوَاقِعُ مُمِلٌّ يَا سَيِّدَتِي، يَتَكَرَّرُ كَالْفَلَّافِلِ كُلَّ صَبَاحٍ. أَمَّا الْأَحْلَامُ، فَهِيَ الْقَارَةُ الْخَامِسَةُ الَّتِي لَمْ يَكْتَشِفْهَا كُولُومْبُسُ بَعْدُ.
ثُمَّ أَخَذْتُ الْقَلَمَ مِنْ جَيْبِي وَرَفَعْتُهُ عَالِيًا كَالْجَائِزَةِ.
القلم الرصاص... الخداع العظيم...
قُلْتُ وَأَنَا أُلَوِّحُ بِهِ:
— أَتَعْلَمِينَ يَا أَسْمَاءُ أَنَّ أَوَّلَ حَقِيقَةٍ صَادِمَةٍ بِشَأْنِ الْقَلَمِ الرَّصَاصِ، هِيَ أَنَّهُ لَا يَحْتَوِي عَلَى أَيِّ رَصَاصٍ؟
— مَاذَا؟
— نَعَمْ. الْبَشَرُ كَذَبُوا عَلَيْنَا مُنْذُ الطُّفُولَةِ. نَحْنُ لَا نَكْتُبُ بِالرَّصَاصِ أَصْلًا. بَلْ بِمَادَّةٍ اسْمُهَا الْجَرَافِيتُ. الْغَرِيبُ أَنَّ الْجَرَافِيتَ هُوَ نَفْسُهُ الْمَادَّةُ الَّتِي تُصْنَعُ مِنْهَا أَقْلَامُ الرَّصَاصِ الْفَاخِرَةِ، وَأَيْضًا مَادَّةُ التَّزْلِيقِ في الْمُحَرِّكَاتِ! نَكْتُبُ بِمَادَّةِ تَزْلِيقٍ! وَكَأَنَّنَا نَكْتُبُ بِالزَّبْدَةِ!
— إِذَنْ لِمَاذَا يُسَمُّونَهُ قَلَمَ رَصَاصٍ؟
— لِلْأَسْبَابِ نَفْسِهَا الَّتِي تَجْعَلُ بَعْضَ النَّاسِ يُطْلِقُونَ عَلَى هَوَاتِفِهِمِ الذَّكِيَّةِ اسْمَ "التِّلِيفُونْ" رَغْمَ أَنَّهَا تَفْعَلُ كُلَّ شَيْءٍ إِلَّا التِّلِيفُونْ الْمُقَلَّدَ. بَلْ إِنَّ كَلِمَةَ "بِنْسِل" نَفْسَهَا تَأْتِي مِنَ اللَّاتِينِيَّةِ "pencillus" وَمَعْنَاهَا "ذَيْلٌ صَغِيرٌ"، كَانَتْ تُطْلَقُ عَلَى الْفُرَشَاتِ الصَّغِيرَةِ الَّتِي يَسْتَخْدِمُهَا الرَّسَّامُونَ! تَخَيَّلِي، نَحْنُ نَكْتُبُ بِـ "ذَيْلٍ صَغِيرٍ"!
ضَحِكَتْ أَسْمَاءُ وَقَالَتْ:
— حَسَنًا، هَذِهِ مُفَاجَأَةٌ ثَانِيَةٌ! وَمَاذَا أَيْضًا؟
— في عَامِ 1564، اكْتَشَفَ بَعْضُ الرُّعَاةِ في مَنْطِقَةِ كُمْبِرْلَنْدَ بِإِنْجِلْتِرَا مَادَّةً سَوْدَاءَ لَامِعَةً تَحْتَ الْأَرْضِ. ظَنَّ النَّاسُ أَنَّهَا نَوْعٌ مِنَ الرَّصَاصِ. فَأَطْلَقُوا عَلَيْهَا هَذَا الِاسْمَ. وَبَعْدَ سِنِينَ طَوِيلَةٍ، اكْتَشَفَ الْعُلَمَاءُ أَنَّهُمْ كَانُوا مُخْطِئِينَ تَمَامًا. لَكِنَّ الِاسْمَ بَقِيَ. كَعَادَةِ الْأَخْطَاءِ الْبَشَرِيَّةِ النَّاجِحَةِ! فَلَوْ أَنَّ أَجْدَادَنَا أَطْلَقُوا عَلَيْهِ اسْمَ "قَلَمِ الْجِرَافِيتْ"، لَكُنَّا الْيَوْمَ نَقُولُ "هَاتِ الْجِرَافِيتْ"، وَسَيَبْدُو أَنَّنَا نَطْلُبُ وَصْفَةَ طَبِيبٍ!
— وَهَلْ كَانَ الْجِرَافِيتُ مُهِمًّا لِهَذِهِ الدَّرَجَةِ؟
— مُهِمٌّ جِدًّا. لِدَرَجَةِ أَنَّ الْحُكُومَةَ الْإِنْجِلِيزِيَّةَ كَانَتْ تَحْرُسُ بَعْضَ مَنَاجِمِهِ بِالْجُنُودِ. وَالْأَغْرَبُ أَنَّ رَوَاسِبَ كُمْبِرْلَنْدَ كَانَتْ فَرِيدَةً فِي الْعَالَمِ مِنْ حَيْثُ النَّقَاوَةُ وَالصَّلَابَةُ، لَمْ يُوجَدْ مِثْلُهَا فِي أَيِّ مَكَانٍ آخَرَ!
— جُنُودٌ لِحِرَاسَةِ أَقْلَامِ الرَّصَاصِ؟
— لَا. في ذَلِكَ الْوَقْتِ، لَمْ تَكُنْ أَقْلَامًا بَعْدُ. كَانَ الْجِرَافِيتُ يُسْتَخْدَمُ في صِنَاعَةِ قَوَالِبِ الْمَدَافِعِ وَالْأَسْلِحَةِ، وَكَانَ يُعْتَبَرُ مَادَّةً اسْتِرَاتِيجِيَّةً. بِمَعْنَى آخَرَ... لَوْ كُنْتِ تَعِيشِينَ في الْقَرْنِ السَّادِسَ عَشَرَ، فَقَدْ يَكُونُ مِنَ الْأَسْهَلِ عَلَيْكِ سَرِقَةُ تَاجِ الْمَلِكِ مِنْ سَرِقَةِ قِطْعَةِ جِرَافِيتٍ. التَّاجُ يَتَأَلَّقُ، أَمَّا الْجِرَافِيتُ فَلَا يَتَأَلَّقُ، لَكِنَّهُ يَصْنَعُ الْقُذُوفَ الَّتِي تُسْقِطُ الْمُلُوكَ! وَنَشَأَ سُوقٌ سَوْدَاءٌ لِتَهْرِيبِ الْجِرَافِيتِ، كَأَنَّهُ مُخَدِّرٌ ثَقِيلٌ!
— يَا لَلصَّدْمَةِ! وَكَيْفَ تَحَوَّلَ إِلَى قَلَمٍ؟
— هُنَا تَبْدَأُ الْعَبْقَرِيَّةُ الْبَشَرِيَّةُ. في الْبِدَايَةِ، كَانَ النَّاسُ يَمْسِكُونَ قِطَعَ الْجِرَافِيتِ مُبَاشَرَةً، وَكَانَتْ أَيْدِيهِمْ تَصِيرُ سَوْدَاءَ كَأَيْدِي عُمَّالِ الْمَنَاجِمِ. ثُمَّ لَفُّوهَا بِالْخَيْطِ. ثُمَّ بِالْجِلْدِ. ثُمَّ جَاءَ أَحَدُهُمْ بِفِكْرَةٍ ثَوْرِيَّةٍ وَهِيَ: أَلَّا تَتَّسِخَ أَصَابِعُنَا كُلَّ خَمْسِ دَقَائِقَ! فَوَضَعُوا الْجِرَافِيتَ دَاخِلَ قِطْعَةِ خَشَبٍ. وَبِذَلِكَ وُلِدَ الْقَلَمُ الرَّصَاصُ. وَهُوَ اخْتِرَاعٌ يُثْبِتُ أَنَّ مُعْظَمَ التَّقَدُّمِ الْبَشَرِيِّ سَبَبُهُ الْكَسَلُ. لَوْ كُنَّا مُجْتَهِدِينَ، لَكُنَّا نَظَلُّ نَكْتُبُ بِأَصَابِعِنَا الْمُتَّسِخَةِ حَتَّى الْيَوْمِ!
ضَحِكَتْ أَسْمَاءُ وَقَالَتْ:
— هَذِهِ أَوَّلُ مَرَّةٍ أَسْمَعُ تَعْرِيفًا لِلْحَضَارَةِ بِهَذِهِ الطَّرِيقَةِ.
— انْتَظِرِي فَقَطْ. الْأَفْضَلُ لَمْ يَأْتِ بَعْدُ. في نِهَايَةِ الْقَرْنِ الثَّامِنَ عَشَرَ، كَانَتْ فَرَنْسَا في حَرْبٍ مَعَ بَرِيطَانِيَا. وَأَصْبَحَتْ مَنَاجِمُ الْجِرَافِيتِ الْإِنْجِلِيزِيَّةِ بَعِيدَةَ الْمَنَالِ. فَوَجَدَ الْفَرَنْسِيُّ نِيكُولَا كُونْتِي نَفْسَهُ أَمَامَ مُشْكِلَةٍ: كَيْفَ يَصْنَعُ أَقْلَامًا دُونَ الْجِرَافِيتِ الْإِنْجِلِيزِيِّ النَّقِيِّ؟ فَخَلَطَ مَسْحُوقَ الْجِرَافِيتِ بِالطِّينِ، ثُمَّ خَبَزَهُ في الْأَفْرَانِ. وَمِنْ هُنَا وُلِدَ الْقَلَمُ الرَّصَاصُ الْحَدِيثُ الَّذِي نَعْرِفُهُ الْيَوْمَ. بِاخْتِصَارٍ... نِصْفُ الْأَشْيَاءِ الْعَظِيمَةِ في التَّارِيخِ وُلِدَتْ بِسَبَبِ الْحُرُوبِ، وَالنِّصْفُ الْآخَرُ وُلِدَ بِسَبَبِ أَشْخَاصٍ حَاوَلُوا حَلَّ مُشْكِلَةٍ مُزْعِجَةٍ، كَالْجُوعِ أَوْ قِلَّةِ الْجِرَافِيتِ أَوْ زَوْجَةٍ نَمَّامَةٍ.
— وَمَاذَا عَنِ الْحُرُوفِ الْمَكْتُوبَةِ عَلَى الْأَقْلَامِ؟ HB، 2B، 4B؟
— سُؤَالٌ مُمْتَازٌ. حَرْفُ H يَعْنِي أَنَّ الْقَلَمَ أَكْثَرُ صَلَابَةً. وَحَرْفُ B يَعْنِي أَنَّ الْخَطَّ أَكْثَرُ سَوَادًا. أَمَّا HB فَهُوَ الْمُوَاطِنُ الْمُسَالِمُ الَّذِي يُحَاوِلُ إِرْضَاءَ الْجَمِيعِ. لَا هُوَ شَدِيدُ الصَّلَابَةِ، وَلَا شَدِيدُ السَّوَادِ. إِنَّهُ الْقَلَمُ الدِّبْلُومَاسِيُّ في عَالَمِ الْأَقْلَامِ. يُشْبِهُ تِلْكَ الْأَحْزَابَ السِّيَاسِيَّةَ الَّتِي لَا تُعْرَفُ مَاذَا تُرِيدُ، لَكِنَّ الْجَمِيعَ يَشْتَرُونَهَا!
— وَهَلْ صَحِيحٌ أَنَّ رُوَّادَ الْفَضَاءِ اسْتَخْدَمُوا أَقْلَامَ الرَّصَاصِ؟
— نَعَمْ. في الْبِدَايَاتِ. لَكِنْ ظَهَرَتْ مُشْكِلَةٌ صَغِيرَةٌ.
— مَا هِيَ؟
— الْجِرَافِيتُ قَابِلٌ لِلِاشْتِعَالِ، وَالْفُتَاتُ الْمُتَطَايِرُ مِنْهُ قَدْ يُسَبِّبُ أَعْطَالًا كَهْرَبَائِيَّةً دَاخِلَ الْمَرْكَبَةِ. تَخَيَّلِي رِحْلَةً فَضَائِيَّةً تَكْلُفُ مِلْيَارَاتِ الدُّولَارَاتِ تَنْتَهِي لِأَنَّ رَائِدًا حَكَّ قَلَمَهُ بِعُنْفٍ فَتَطَايَرَ الْغُبَارُ فَتَمَاسَّتِ الْأَسْلَاكُ! أَكِيدُ أَنَّ الْمُدِيرَ في الْأَرْضِ كَانَ يَصْرُخُ: "مَنْ حَرَّكَ الْقَلَمَ؟ قُلْتُ لَكُمْ لَا تَحُكُّوا الْأَقْلَامَ بِشِدَّةٍ!" لِهَذَا السَّبَبِ تَمَّ تَطْوِيرُ أَقْلَامٍ خَاصَّةٍ لِلْعَمَلِ في الْفَضَاءِ، تُكَلِّفُ آلافَ الدَّلَارَاتِ، وَمَهْمَّتُهَا نَفْسُهَا: أَنْ تَكْتُبَ خَطًّا رَمَادِيًّا عَلَى الْوَرَقِ، كَمَا تَفْعَلُ الْمَجَانِينُ بِقَلَمِ 2B! وَالْأَطْرَفُ أَنَّ نَاسَا اشْتَرَتْ 34 قَلَمًا مِيكَانِيكِيًّا سِعْرُ الْوَاحِدِ 128.89 دُولَارًا! تَخَيَّلِي ثَمَنَ قَلَمٍ أَكْثَرَ مِنْ ثَمَنِ سَاعَةٍ فَاخِرَةٍ!
— يَا إِلَهِي! وَهَلْ مِنْ مَفَاجَآتٍ أُخْرَى؟
— بِالطَّبْعِ! هُنَاكَ أَقْلَامٌ تُكْتَبُ تَحْتَ الْمَاءِ، نَعَمْ تَحْتَ الْمَاءِ! وَأَقْلَامٌ خَاصَّةٌ بِالْجَرَّاحِينَ لِتَحْدِيدِ مَوَاقِعِ الْجِرَاحَاتِ قَبْلَ الْعَمَلِيَّاتِ. وَلَوْ لَا أَنَّ الْمِمْحَاةَ لَمْ تُخْتَرَعْ إِلَّا عَامَ 1858، لَكُنَّا نَمْحُو أَخْطَاءَنَا بِفُتَاتِ الْخُبْزِ كَالْأَجْدَادِ!
— فُتَاتِ الْخُبْزِ؟!
— نَعَمْ، كَانُوا يَسْتَخْدِمُونَ رَغِيفًا بَالِيًا لِمَسْحِ الْآثَارِ! أَمَّا اللَّوْنُ الْأَصْفَرُ الشَّهِيرُ فَسَبَبُهُ أَنَّ أَفْضَلَ جِرَافِيتٍ كَانَ يَأْتِي مِنَ الصِّينِ، وَاللَّوْنُ الْأَصْفَرُ كَانَ رَمْزًا لِلْمَلِكِيَّةِ الصِّينِيَّةِ، فَطَلَتِ الشَّرِكَاتُ أَقْلَامَهَا بِهِ لِتُشِيرَ إِلَى الْجَوْدَةِ الْفَاخِرَةِ!
— مَا أَرْوَعَ هَذَا! وَهَلْ لِلْكُتَّابِ شَغَفٌ خَاصٌّ بِالْقَلَمِ الرَّصَاصِ؟
— طَبْعًا! جُونْ شْتَايْنْبِكْ كَانَ يَبْدَأُ يَوْمَهُ بِصُنْدُوقٍ فِيهِ 24 قَلَمًا مُبَرَاةً بِالْكَامِلِ، وَكَانَ يَقُولُ إِنَّ الْأَقْلَامَ تُشْحِنُهُ بِالطَّاقَةِ. وَرُولْدْ دَالْ كَانَ يَحْفَظُ سِتَّةَ أَقْلَامٍ صَفْرَاءَ في جَرَّةٍ عَلَى مَكْتَبِهِ. وَمُرَاكَامِي يَكْتُبُ مَسُوَّدَاتِهِ الْأُولَى بِقَلَمِ رَصَاصٍ مُبَرَاةٍ جَيِّدًا. أَمَّا أَنَا فَلَا أَكْتُبُ إِلَّا بِقَلَمٍ وَاحِدٍ، لِأَنَّ التَّعَدُّدَ يُفْسِدُ الْإِخْلَاصَ!
— وَكَمْ يَسْتَطِيعُ الْقَلَمُ الْوَاحِدُ أَنْ يَكْتُبَ؟
— في الْمُتَوَسِّطِ حَوَالَيْ خَمْسَةٍ وَأَرْبَعِينَ أَلْفَ كَلِمَةٍ. أَيْ مَا يَكْفِي لِرِوَايَةٍ كَامِلَةٍ، أَوْ مَنْشُورَاتِ مَوَاقِعِ التَّوَاصُلِ الِاجْتِمَاعِيِّ لِمُدَّةِ أُسْبُوعَيْنِ، أَوْ نِقَاشٍ عَائِلِيٍّ وَاحِدٍ حَوْلَ كُرَةِ الْقَدَمِ!
— وَهَلْ تُوجَدُ أَقْلَامُ رَصَاصٍ بَاهِظَةُ الثَّمَنِ؟
— بِالطَّبْعِ. الْبَشَرُ لَدَيْهِمْ مَوْهِبَةٌ فَرِيدَةٌ في تَحْوِيلِ أَبْسَطِ الْأَشْيَاءِ إِلَى مُنْتَجَاتٍ فَاخِرَةٍ. هُنَاكَ أَقْلَامُ رَصَاصٍ مَصْنُوعَةٌ مِنْ أَخْشَابٍ نَادِرَةٍ، وَمُزَيَّنَةٌ بِالذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ. يُبَاعُ بَعْضُهَا بِمِئَاتٍ وَآلَافِ الدُّولَارَاتِ.
— آلافُ الدُّولَارَاتِ مُقَابِلَ قَلَمِ رَصَاصٍ؟
— نَعَمْ. وَالْأَجْمَلُ أَنَّ مَهَمَّتَهُ النِّهَائِيَّةَ مَا زَالَتْ هِيَ نَفْسُهَا: أَنْ يَتْرُكَ خَطًّا رَمَادِيًّا عَلَى الْوَرَقِ. أَحْيَانًا أَشْعُرُ أَنَّ الْبَشَرِيَّةَ كُلَّهَا عِبَارَةٌ عَنْ طِفْلٍ كَبِيرٍ يَضَعُ الذَّهَبَ عَلَى أَلْعَابِهِ الْقَدِيمَةِ ثُمَّ يُعْلِنُ أَنَّهُ أَصْبَحَ رَاشِدًا!
كيف يُحَوِّلُ القلمُ الفكرةَ إلى واقِعٍ؟
أَغْلَقَتْ أَسْمَاءُ دَفْتَرَ مُلَاحَظَاتِهَا وَهِيَ تَضْحَكُ، ثُمَّ قَالَتْ:
— لَمْ أَكُنْ أَتَوَقَّعُ أَنْ يَحْمِلَ قَلَمُ رَصَاصٍ وَاحِدٌ كُلَّ هَذَا التَّارِيخِ وَهَذِهِ الْحِكَايَاتِ الطَّرِيفَةِ.
نَظَرْتُ إِلَى الْقَلَمِ بَيْنَ أَصَابِعِي، وَتَأَمَّلْتُ رَأْسَهُ الْخَشَبِيَّ الَّذِي يَحْتَوِي عَلَى ذَلِكَ الْخَيْطِ الرَّمَادِيِّ، وَقُلْتُ:
— هَذِهِ هِيَ الْمُشْكِلَةُ يَا أَسْمَاءُ. الْأَشْيَاءُ الَّتِي نَسْتَخْدِمُهَا كُلَّ يَوْمٍ تَبْدُو عَادِيَّةً جِدًّا. لَكِنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهَا يُخْفِي وَرَاءَهُ قِصَّةً أَطْوَلَ مِنْ عُمْرِ دُوَلٍ بِأَكْمَلِهَا.
أَمَّا كَيْفَ يُحَوِّلُ الْقَلَمُ الْفِكْرَةَ إِلَى وَاقِعٍ؟ إِنَّهُ سِحْرٌ بَسِيطٌ. تُمْسِكُ بِهِ، تَضَعُ رَأْسَهُ عَلَى الْوَرَقِ، وَتَتَخَيَّلُ. ثُمَّ تَتَحَرَّكُ يَدُكَ، لَا لِتَرْسُمَ شَيْئًا مَرْئِيًّا فَقَطْ، بَلْ لِتُشَكِّلَ عَوَالِمَ كَامِلَةً. كَلِمَاتٌ تَنْزِلُ مِنَ الْخَيَالِ إِلَى الْجِرَافِيتِ، ثُمَّ تَسْتَقِرُّ بَيْنَ السُّطُورِ. كُلُّ حَرْفٍ هُوَ لَبِنَةٌ في قَصْرٍ، وَكُلُّ فَاصِلَةٍ هِيَ نَافِذَةٌ يُطِلُّ مِنْهَا الْبَطَلُ. الْقَلَمُ لَيْسَ أَدَاةً فَقَطْ، بَلْ جِسْرٌ بَيْنَ الْعَقْلِ الْمُضْطَرِبِ وَالْوَرَقِ الصَّامِتِ. وَكَمْ مِنْ مَرَّةٍ أَمْسَكْتُ بِهِ وَأَنَا لَا أَعْرِفُ نِهَايَةَ الْقِصَّةِ، لَكِنَّهُ — كَالْحِمَارِ الْعَنِيدِ — يَجُرُّنِي إِلَى الْآخِرِ.
ثُمَّ وَقَّعْتُ نُسْخَةً جَدِيدَةً مِنَ الرِّوَايَةِ، وَسَلَّمْتُهَا إِلَى أَحَدِ الْقُرَّاءِ، وَأَعَدْتُ الْقَلَمَ إِلَى جَيْبِي. فَمَنْ يَدْرِي؟ رُبَّمَا كَانَتِ الرِّوَايَةُ الْقَادِمَةُ كُلُّهَا مُخْتَبِئَةً دَاخِلَ تِلْكَ الْقِطْعَةِ الصَّغِيرَةِ مِنَ الْخَشَبِ وَالْجِرَافِيتِ، تَنْتَظِرُ فَقَطْ أَنْ تَخْرُجَ إِلَى النُّورِ.
خاتمة...
وَفِي اللَّحْظَةِ الَّتِي هَمَّتْ أَسْمَاءُ بِالذَّهَابِ، أَمْسَكْتُ الْقَلَمَ وَرَفَعْتُهُ كَالشَّاعِرِ الْقَدِيمِ، وَأَنْشَدْتُ أَبْيَاتِيَ الَّتِي كَتَبْتُهَا مُنْذُ زَمَنٍ في حُبِّ هَذَا الصَّدِيقِ الْخَشَبِيِّ:
يَا قَلَمِي، يَا سِحْرَ الْبَيَانْ وَالْعَطَاءْ
فِي جَوْفِكَ الْأَسْرَارُ تَخْبُو وَالضِّيَاءْ
تُخْرِجُ مَا فِي الْخَاطِرِ مِنْ غَمْرِ الرَّجَاءْ
وَتَكُونُ صَاحِبِي إِذَا انْقَطَعَ الْهَنَاءْ
نَصَرْتَنِي حِينَ أَظْلَمَتْ فَوْقِي السَّمَاءْ
وَحَمَلْتَنِي فِي بِيدَاءِ الرُّوحِ إِلَى الْخَضْرَاءْ
وَإِنْ كُسِرْتَ يَوْمًا، فَالْفَنَاءُ هُوَ الْفَنَاءْ
لَكِنَّ حَرْفَكَ فِي الْوُجُودِ بَقِيَ ضِيَاءْ
بِكَ كَتَبْتُ دُعَاءً يَصْعَدُ إِلَى السَّمَاءْ
مَقْرُونًا بِاسْمِ حَبِيبٍ هُوَ الْبَهَاءْ
حَبِيبٌ أَنَارَ طَرِيقِي كَلَمْعِ السَّنَاءْ
وَأَعَادَنِي إِلَيْكَ فَكَانَ الْعَطَاءْ
فَقُلْ لِلْحَبِيبِ: رِفْقًا بِقَلْبٍ أَدْهَشَهُ الْعَطَاءْ
وَإِنْ كُنْتَ حُلْمًا، فَكُنْ بِلَا انْتِهَاءْ
فَلَنْ أُوفِيَكَ حَقَّكَ، لَوْ رَوَّضْتُ الْعَنْقَاءْ
وَلَكِنِّي سَأَكْتُبُ اسْمَكَ فَوْقَ كُلِّ بَهَاءْ
سَلَامًا لِمَنْ دَفَعَ عَنِّي بَرْدَ الشِّتَاءْ
سَلَامًا لِمَنْ كَتَبَ اسْمِي عَلَى الْمَاءْ
سَلَامًا عَلَى مَنْ كَانَ اسْمُهُ الْوَفَاءْ
فَلَعَلِّي أَصْنَعُ لَهُ مَلِكًا مِنَ الْأَمَانِي الْهَنِيئَةِ بِغَيْرِ عَنَاءْ
وَلَا أَرَاهُ إِلَّا نَاعِمًا فِي جَنَّةٍ غَيْدَاءْ
وَلَا أَلْفَاهُ إِلَّا سَعِيدَ الرُّوحِ زَهْرَاءْ
وَأَهْدِيهِ رُوحًا خَاطَبَتْهُ بِلَا انْقِضَاءْ
وَقَلْبًا يَكُنُّ لَهُ رِضًا، وَعَقْلًا يُشِيرُ بِالنَّصْرِ وَاللِّوَاءْ
وَأَضَعُ بَيْنَ يَدَيْهِ عُمْرًا يَكُونُ فِدَاءْ
وَأُثْلِجُ صَدْرَهُ، وَأَنْسِيهِ الْبُكَاءْ
وَأَتَغَنَّى بِهِ حَتَّى تَصْعَدَ رُوحِي إِلَى السَّمَاءْ
فَقُلْ لَهُ: إِنَّ حُرُوفِي لَهُ دُعَاءْ
غَنَّتْ بِهِ الذِّئَابُ فَأَوْقَفَتِ الْعُوَاءْ
وَقَالَتِ الْحِيتَانُ: هُوَ أَعْذَبُ الْأَسْمَاءْ
وَاهْتَدَتْ بِهِ الْقَوَافِلُ فِي الْبِيدَاءْ
حَتَّى بَلَغَتْ مَطْلَعَ الْفَجْرِ دُونَ عَنَاءْ
فَكَيْفَ أَقْوَى عَلَى هَذَا الْجَمَالِ فَرَحًا عِشْتُ لَهُ مُرْتَجَاءْ؟
فَلَا تَنْقَطِعْ قَطَرَاتُكَ يَا قَلَمِي، إِذَا كَتَبْتَ اسْمَهَا فِي الْعَلْيَاءْ
وَأَمْنَحُ اسْمَهَا لِقَبًا لِكُلِّ مَدِينَةٍ شَهْبَاءْ
حَتَّى إِذَا سُطِّرَ اسْمُنَا سَوِيًّا إِلَى يَوْمِ الْفَنَاءْ
هُنَا انْتَهَى الْحِوَارُ، لَكِنَّ الْكَلِمَاتِ بَقِيَتْ تَتَدَفَّقُ كَالنِّيلِ، وَكَمَا قِيلَ: "رُبَّ قَلَمٍ أَنْبَأَ مِنْ سَيْفٍ" — لَكِنَّ الْفَرْقَ أَنَّ السَّيْفَ يَقْطَعُ الْأَجْسَادَ، وَالْقَلَمَ يَبْنِي الْعُقُولَ. وَكُلَّمَا أَمْسَكْتُ بِهَذَا الْقَلَمِ الرَّصَاصِيِّ، أَتَذَكَّرُ أَنَّ أَعْظَمَ الِاخْتِرَاعَاتِ وُلِدَتْ مِنَ الْحَاجَةِ وَالْكَسَلِ وَحُلْمٍ غَبِيٍّ في مُنْتَصَفِ اللَّيْلِ.
وَسَوْفَ يَظَلُّ قَلَمِي يُنْشِدُ وَيَرْوِي حِكَايَةَ إِنْسَانٍ حَتَّى تَنْفُذَ الْحُرُوفُ مِنَ الْأَكْوَانِ.
د/ سامح هدهود



















