مُقَدِّمَةٌ...
جَلَسْتُ فِي شُرْفَتِي المُطِلَّةِ عَلَى البَحْرِ أَتَأَمَّلُ الغُرُوبَ فَوْقَ الإِسْكَنْدَرِيَّةِ.
كَانَ قُرْصُ الشَّمْسِ يَهْبِطُ بِبُطْءٍ نَحْوَ الأُفُقِ كَشَيْخٍ وَقُورٍ أَنْهَكَهُ السَّفَرُ الطَّوِيلُ، بَيْنَمَا أَخَذَتِ الأَمْوَاجُ تَتَسَابَقُ نَحْوَ الشَّاطِئِ فِي إِصْرَارٍ لَا يَنْقَطِعُ، فَتَنْدَفِعُ نَحْوَ الرِّمَالِ البَيْضَاءِ ثُمَّ تَنْكَسِرُ عَلَيْهَا وَتَعُودُ إِلَى الأَعْمَاقِ مِنْ جَدِيدٍ، وَكَأَنَّهَا تَخُوضُ مَعْرَكَةً أَزَلِيَّةً تَعْرِفُ مُسْبَقًا أَنَّهَا لَنْ تَنْتَصِرَ فِيهَا أَبَدًا.
فِي الأَسْفَلِ، كَانَ الكُورْنِيشُ يُؤَدِّي دَوْرَهُ المُعْتَادَ. سَيَّارَاتٌ لَا تَكُفُّ عَنْ إِطْلَاقِ أَبْوَاقِهَا، وَشَبَابٌ يَتَحَلَّقُونَ حَوْلَ عَرَبَةِ ذُرَةٍ مَشْوِيَّةٍ، وَأَطْفَالٌ يُطَارِدُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا فِي سِبَاقَاتٍ لَا يَعْلَمُ أَحَدٌ مَا هِيَ جَائِزَتُهَا، بَيْنَمَا كَانَتْ رَائِحَةُ البَحْرِ تَخْتَلِطُ بِرَائِحَةِ القَهْوَةِ وَدُخَانِ الأَرَاجِيلِ المُتَصَاعِدِ مِنَ المَقَاهِي المُنْتَشِرَةِ عَلَى امْتِدَادِ الشَّاطِئِ. أَمَّا ذَاكَ البَائِعُ المِسْكِينُ الَّذِي يَحْمِلُ أَكْيَاسَ الحُمُّصِ وَالفُولِ السُّودَانِي، فَقَدْ بَدَا وَكَأَنَّهُ يَخُوضُ حَرْبًا عَالَمِيَّةً ثَالِثَةً لِإِقْنَاعِ المَارَّةِ بِشِرَاءِ بِضَاعَتِهِ، بَيْنَمَا كَانَ الجَمِيعُ يَفِرُّونَ مِنْهُ كَمَا يَفِرُّ الجُنُودُ مِنْ سَاحَةِ المَعْرَكَةِ.
كَانَتِ الإِسْكَنْدَرِيَّةُ كَعَادَتِهَا: جَمِيلَةٌ. صَاخِبَةٌ. مُرْهِقَةٌ. وَسَاحِرَةٌ.
وَضَعَتْ أَمَامِي طَبَقَ العَشَاءِ وَجَلَسَتْ إِلَى جَوَارِي فِي انْتِظَارِ الحُكْمِ النِّهَائِيِّ. إِنَّهَا لَحْظَةٌ خَطِيرَةٌ فِي حَيَاةِ كُلِّ رَجُلٍ مُتَزَوِّجٍ. فَقَدْ تَنْجُو الدُّوَلُ مِنَ الأَزَمَاتِ الاِقْتِصَادِيَّةِ، وَقَدْ تَنْجُو الطَّائِرَاتُ مِنَ الأَعْطَالِ المُفَاجِئَةِ، أَمَّا أَنْ تَنْجُوَ مِنْ سُؤَالِ: «مَا رَأْيُكَ فِي الطَّعَامِ؟»، فَذَلِكَ أَمْرٌ لَا أَظُنُّ أَنَّ العِلْمَ قَدْ تَوَصَّلَ إِلَى تَفْسِيرِهِ بَعْدُ.
تَنَاوَلْتُ أُولَى لُقَمِي. ثُمَّ الثَّانِيَةَ. ثُمَّ الثَّالِثَةَ. ثُمَّ تَوَقَّفْتُ.
رَفَعْتُ بَصَرِي إِلَيْهَا. كَانَتْ تُرَاقِبُنِي.
قَالَتْ: إِيـِه؟ مَنْ سَيَشْتَكِي اللَّيْلَةَ؟
قُلْتُ: لَا أَشْتَكِي، بَلْ أَتَأَمَّلُ البَحْرَ.
قَالَتْ: البَحْرُ بَعِيدٌ. وَالأَكْلُ بَيْنَ يَدَيْكَ.
رَفَعْتُ إِصْبَعِي نَحْوَ البَحْرِ وَقُلْتُ:
— أَتَعْلَمِينَ أَنَّ هَذَا الشَّيْءَ الأَبْيَضَ الَّذِي نَضَعُهُ عَلَى الطَّعَامِ بِدُونِ تَفْكِيرٍ، كَانَ يَوْمًا أَثْمَنَ مِنَ الذَّهَبِ؟
ضَحِكَتْ ضِحْكَةً صَادِرَةً مِنَ الحَلْقِ: آهٍ.. لَقَدْ بَدَأْتَ. تَذَكَّرْتُ أَنَّكَ لَسْتَ زَوْجًا، بَلْ أَنْتَ مُؤَرِّخٌ مُقَنَّعٌ يَتَسَلَّلُ إِلَى المَنْزِلِ كُلَّ مَسَاءٍ بِذَرِيعَةِ العَشَاءِ.
قُلْتُ: دَعْنِي أُكْمِلْ قِصَّتِي، ثُمَّ احْكُمِي.
اَلْمِلْحُ الَّذِي صَارَ رَاتِبًا...
قُلْتُ مُسْتَرْخِيًا كَمَنْ يَعْرِفُ أَنَّهُ وَاقِعٌ فِي فَخٍّ وَلَكِنَّهُ سَيَسْقُطُ بِأَنَاقَةٍ: أَتَعْلَمِينَ أَنَّ الرُّومَانَ القُدَمَاءَ كَانُوا يَدْفَعُونَ رَوَاتِبَ جُنُودِهِمْ بِالمِلْحِ؟
قَالَتْ: كَلَامٌ غَرِيبٌ. أَتُرِيدُنِي أَنْ أُصَدِّقَ أَنَّ جُنْدِيًّا كَانَ يَخُوضُ الحُرُوبَ ثُمَّ يَعُودُ إِلَى بَيْتِهِ حَامِلًا كِيسَ مِلْحٍ وَيَقُولُ لِزَوْجَتِهِ: «هَذَا رَاتِبُ شَهْرِي، لَا تَبْخَلِي عَلَيَّ بِقُرْصِ العِيشِ»؟
قُلْتُ وَأَنَا أَكْظِمُ ضَحِكًا: لَقَدْ تَصَوَّرْتِ المَشْهَدَ بِدِقَّةٍ مُخِيفَةٍ! نَعَمْ، فَكَلِمَةُ «Salary» فِي الإِنْجْلِيزِيَّةِ اشتُقَّتْ مِنَ الكَلِمَةِ اللَّاتِينِيَّةِ «Sal» الَّتِي تَعْنِي المِلْحَ. وَكَانَ الجُزْءُ المُخَصَّصُ لِلْمِلْحِ يُسَمَّى «سالاريُوم».
قَالَتْ مُتَهَكِّمَةً: إِذَنْ، كُنَّا نَسْخَرُ مِنَ العَامِلِ الَّذِي يَأْخُذُ أَجْرَهُ سُكَّرًا أَوْ أُرْزًا، وَالرُّومَانُ كَانُوا أَسْخَفَ مِنْ ذَلِكَ بِكَثِيرٍ!
قُلْتُ: بَلْ كَانُوا أَذْكَى. فَالْمِلْحُ فِي ذَلِكَ الزَّمَنِ كَانَ أَقْدَرَ عَلَى حِفْظِ الطَّعَامِ مِنَ الثِّلَاجَاتِ الَّتِي لَمْ تُخْتَرَعْ بَعْدُ. وَالجُنْدِيُّ إِذَا قُبِضَ عَلَيْهِ وَهُوَ يَسْرِقُ المِلْحَ، كَانَتْ عُقُوبَتُهُ أَشَدَّ مِنْ عُقُوبَةِ سَارِقِ الذَّهَبِ!
قَالَتْ مُتَعَجِّبَةً: وَهَلْ كَانَ المِلْحُ فِي أُمَمٍ أُخْرَى كَذَلِكَ؟
قُلْتُ: بَلْ إِنَّ الصِّينِيِّينَ القُدَمَاءَ صَنَعُوا عُمْلَاتٍ كَامِلَةً مِنَ المِلْحِ المُضَغُوطِ، وَفِي الحَبَشَةِ - يَعْنِي إِثْيُوبِيَا اليَوْمَ - ظَلَّتْ قُضْبَانُ المِلْحِ تُسْتَعْمَلُ نَقْدًا حَتَّى مَطْلَعِ القَرْنِ العِشْرِينَ! تَخَيَّلِي أَنْ تَدْخُلِي السُّوقَ وَتَقَدِّمِي كُتْلَةَ مِلْحٍ ثَمَنًا لِدَجَاجَةٍ، فَيَقُولَ البَائِعُ: «هَذِهِ الكُتْلَةُ مَزَوَّرَةٌ، فِيهَا رَمْلٌ كَثِيرٌ!».
اِنْفَجَرَتْ زَوْجَتِي ضَاحِكَةً رَغْمَ أَنْفِهَا.
مَنْسَى مُوسَى... الرَّجُلُ الَّذِي جَعَلَ الذَّهَبَ يُصِيبُ بِأَزْمَةٍ...
قُلْتُ وَأَنَا أَتَنَاوَلُ قَطْعَةَ خُبْزٍ أُخْرَى كَمَنْ يَسْتَعِدُّ لِقِصَّةٍ طَوِيلَةٍ: وَلَكِنْ إِنْ كُنْتِ تَظُنِّينَ أَنَّ هَذَا كُلَّ شَيْءٍ، فَاسْتَعِدِّي لِلْقِصَّةِ الحَقِيقِيَّةِ لِأَغْنَى رَجُلٍ فِي التَّارِيخِ.
قَالَتْ: إِلَيْسَ هُوَ ذَاكَ الَّذِي يَظْهَرُ فِي صُورِ الإِنْتَرْنِتِ بِبِطْنَةٍ كَبِيرَةٍ وَذَهَبٍ يَسِيلُ مِنْ جُيُوبِهِ؟
قُلْتُ: لَا تَهْزَئِي. إِنَّهُ مَنْسَى مُوسَى، سُلْطَانُ إِمْبِرَاطُورِيَّةِ مَالِي فِي القَرْنِ الرَّابِعَ عَشَرَ. وَيَزْعُمُ بَعْضُ المُؤَرِّخِينَ أَنَّهُ الأَغْنَى فِي تَارِيخِ البَشَرِيَّةِ قَاطِبَةً. نَعَمْ، لَقَدْ سَمِعْتِ صَحِيحًا.. أَغْنَى مِنْ جِيفْ بَازُوس وَإِيلُونْ مَسْكِ مَعًا.
قَالَتْ مُتَهَكِّمَةً: هَذَا مُسْتَحِيلٌ.
قُلْتُ مُتَجَاهِلًا الطَّعْنَةَ: فِي عَامِ 1324 لِلْمِيلَادِ، قَرَّرَ هَذَا الرَّجُلُ أَنْ يُؤَدِّيَ فَرِيضَةَ الحَجِّ إِلَى مَكَّةَ. وَلَمْ يَذْهَبْ كَأَيِّ حَاجٍّ عَادِيٍّ، بَلْ أَصَرَّ عَلَى أَنْ يَجُرَّ خَلْفَهُ مَا يُعَادِلُ مِيزَانِيَّةَ دَوْلَةٍ صَغِيرَةٍ.
قَالَتْ: مَاذَا حَمَلَ مَعَهُ؟
قُلْتُ: تَجَهَّزِي لِلصَّدْمَةِ. صَحِبَ مَعَهُ سِتِّينَ أَلْفَ رَجُلٍ، مِنْهُمْ اثْنَا عَشَرَ أَلْفَ عَبْدٍ، كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ يَحْمِلُ قَضِيبًا مِنَ الذَّهَبِ الخَالِصِ يَزِنُ أَكْثَرَ مِنْ كِيلُو غرامينِ. أَمَّا الجِمَالُ فَكَانَتْ ثَمَانِينَ جَمَلًا، كُلُّ جَمَلٍ يَحْمِلُ عَلَى ظَهْرِهِ ثَلَاثَمِائَةِ رَطْلٍ مِنْ تِبْرِ الذَّهَبِ. هَلْ تَعْلَمِينَ كَمْ يَكُونُ المَجْمُوعُ؟
قَالَتْ وَعَيْنَاهَا تَتَّسِعَانِ: لَا.. بَلْ أَخْشَى أَنْ أَعْلَمَ.
قُلْتُ: سَبْعَةَ عَشَرَ طُنًّا تَقْرِيبًا. أَيْ حَوَالَيْ ثَلَاثَةَ عَشَرَ طُنًّا وَنِصْفَ الطَّنِّ مِنَ الذَّهَبِ الصَّافِي. تَخَيَّلِي أَنَّكِ تَدْخُلِينَ إِلَى المَطْبَخِ وَتَجِدِينَ جَبَلًا مِنَ الذَّهَبِ بَدَلًا مِنْ كِيسِ الأَرُزِّ.
قَالَتْ: لَوْ دَخَلَ الذَّهَبُ مَطْبَخِي لَأَخَذْتُهُ وَتَرَكْتُ الأَرُزَّ لَكَ.
قُلْتُ: طَبْعًا.. لَكِنْ مَنْسَى مُوسَى لَمْ يَكُنْ بَخِيلًا. فَفِي كُلِّ مَدِينَةٍ مَرَّ بِهَا - سَوَاءٌ كَانَتِ القَاهِرَةَ أَمِ المَدِينَةَ المُنَوَّرَةَ - تَصَدَّقَ بِالذَّهَبِ بِيَدٍ سَخِيَّةٍ جِدًّا. هُوَ لَمْ يَمْنَحْهُمْ قِطَعًا صَغِيرَةً.. بَلْ أَطْلَقَ يَدَهُ فِي العَطَاءِ حَتَّى إِنَّ أَسْوَاقَ القَاهِرَةِ اغْتَصَّتْ بِالذَّهَبِ!
قَالَتْ: وَهَلْ يَضُرُّ الذَّهَبُ السُّوقَ؟
قُلْتُ: نَعَمْ، عِنْدَمَا يَفِيضُ الذَّهَبُ كَالطَّحِينِ، فَإِنَّ سِعْرَهُ يَنْهَارُ. وَهَذَا مَا حَدَثَ فِي القَاهِرَةِ. ظَلَّ الاِقْتِصَادُ المِصْرِيُّ يُعَانِي لِمُدَّةِ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ سَنَةً كَامِلَةً بِسَبَبِ كَرَمِ هَذَا الرَّجُلِ! وَلَمْ يَشْفَ السُّوقُ إِلَّا بَعْدَ أَنْ ضَخَّ السُّلْطَانُ المَمْلُوكِيُّ نَفْسُهُ الذَّهَبَ لِيُعِيدَ الأُمُورَ إِلَى نِصَابِهَا.
قَالَتْ: يَعْنِي الرَّجُلُ جَاءَ لِيَتَصَدَّقَ فَأَفْلَسَ مِصْرَ؟
قُلْتُ: هَذَا هُوَ التَّارِيخُ يَا عَزِيزَتِي.. تَصَدُّقَاتٌ تُفْلِسُ دُوَلًا.
قَالَتْ بَعْدَ صَمْتٍ: وَمَا شَأْنُ المِلْحِ بِكُلِّ هَذَا؟
قُلْتُ: آهِ! المِلْحُ. سَأَصِلُ إِلَيْهِ الآنَ. فِي إِمْبِرَاطُورِيَّةِ مَالِي، كَمَا فِي غَرْبِ أَفْرِيقْيَا كُلِّهَا، كَانَ المِلْحُ يُوزَنُ بِالذَّهَبِ. بَلْ كَانُوا أَحْيَانًا يُفَضِّلُونَ قَالِبَ مِلْحٍ عَلَى قَالِبِ ذَهَبٍ!
قَالَتْ مُنْدَهِشَةً: مُسْتَحِيلٌ. مَنْ فِي عَقْلِهِ سَيَخْتَارُ مِلْحًا عَلَى ذَهَبٍ؟
قُلْتُ: مَنْ يَمُوتُ جُوعًا لِأَنَّ اللَّحْمَ يَفْسُدُ بِدُونِ مِلْحٍ، أَوْ مَنْ يَسْكُنُ دَاخِلَ الصَّحْرَاءِ حَيْثُ لَا يَجِدُ قَطْرَةَ مِلْحٍ فِي عُشْرِ مِيلٍ مُرَبَّعٍ. كُنْتُ سَأَقُولُ لَكِ إِنَّ بَعْضَ المُلُوكِ كَانَ يَشْتَرِي عَبْدًا بِقَالِبِ مِلْحٍ، لَكِنِّي سَأُبْهِرُكِ أَكْثَرَ: كَانَ بَعْضُ الآبَاءِ يُزَوِّجُونَ بَنَاتِهِمْ بِقَوَالِبَ مِنَ المِلْحِ، وَكَانُوا يَعُدُّونَ هَذَا مَهْرًا كَرِيمًا جِدًّا.
قَالَتْ وَهِيَ تُضَعْضِعُ رَأْسَهَا: يَقُولُونَ إِنَّ الحُبَّ أَعْمَى.. لَكِنْ أَنْ يَتَزَوَّجَ رَجُلٌ مِنْ أَجْلِ المِلْحِ، فَهَذَا عَمًى أَزَلِيٌّ حَقًّا.
قُلْتُ: وَقَدْ قِيلَ إِنَّ المُؤَرِّخَ «أَبَا عُبَيْدٍ البَكْرِيَّ» ذَكَرَ أَنَّ تَاجِرًا وَاحِدًا حَمَلَ أَلْفَ بَعِيرٍ مَحَمَّلَةً بِالمِلْحِ، كُلَّ بَعِيرٍ يَحْمِلُ أَرْبَعَمِائَةِ رَطْلٍ، فَبَاعَ الرِّطْلَ بِدِينَارٍ ذَهَبِيٍّ. أَرَأَيْتِ الآنَ كَيْفَ يَصِيرُ المِلْحُ أَغْلَى مِنَ الذَّهَبِ؟
طُرُقُ المِلْحِ ...
قُلْتُ: وَمِنْ أَجْلِ هَذَا المِلْحِ العَظِيمِ، وُجِدَتْ شَبَكَةٌ مِنَ الطُّرُقِ تُسَمَّى «طُرُقَ المِلْحِ» . قَوَافِلُ كَامِلَةٌ كَانَتْ تَخْتَرِقُ الصَّحْرَاءَ الكُبْرَى، حَامِلَةً أَلْوَاحًا ضَخْمَةً مِنَ المِلْحِ الصَّخْرِيِّ، وَقَطْعًا أُخْرَى مِنَ الذَّهَبِ وَالعَاجِ. بَعْضُ الجِمَالِ كَانَتْ تَمْشِي شُهُورًا طَوِيلَةً، وَفِي آخِرِ الرِّحْلَةِ تَكْتَشِفُ أَنَّهَا حُمِّلَتْ فَقَطْ بِكِيلُو مِلْحٍ زَائِدٍ عَنِ المِائَةِ كِيلُو.
قَالَتْ: تَتَعَاطَفُونَ مَعَ الجِمَالِ اليَوْمَ؟
قُلْتُ: وَمَنْ لَا يَتَعَاطَفُ مَعَ جَمَلٍ حُمِّلَ فَوْقَ طَاقَتِهِ أَكْيَاسًا مِنْ عُمْلَةٍ بَيْضَاءَ ثُمَّ قِيلَ لَهُ: «تَقَدَّمْ، إِنَّهَا طُرُقُ المِلْحِ لَيْسَتْ طُرُقَ العَسَلِ»؟!
اِسْتَمَرَّتْ زَوْجَتِي تُصَافِحُ رَأْسَهَا ضَاحِكَةً، وَقَالَتْ: أَنْتَ مَرِيضٌ يَا رَجُلُ.
عَيْشٌ وَمِلْحٌ...
قُلْتُ بَعْدَ أَنْ هَدَأَ الضَّحِكُ: وَلَيْسَ التَّارِيخُ فَقَطْ هُوَ مَا يَجْعَلُ المِلْحَ خَاصًّا. الثَّقَافَاتُ كُلُّهَا تَعْبُدُ المِلْحَ. هَلْ سَمِعْتِ بِمَقُولَةِ «بَيْنَا عِيشْ وَمِلِحْ» أَوْ «خَانَ العِيشْ وَالمِلْحَ»؟
قَالَتْ: مَنْ لَا يَعْرِفُهَا فِي مِصْرَ؟
قُلْتُ: تَعْنِي أَنَّ مَنْ أَكَلَ مِلْحَ غَيْرِهِ صَارَ فِي ذِمَّتِهِ وَحِمَايَتِهِ. وَخِيَانَةُ هَذِهِ الذِّمَّةِ هِيَ أَقْبَحُ شَيْءٍ. لَا يَزَالُ المِصْرِيُّونَ حَتَّى اليَوْمِ إِذَا أَرَادُوا أَنْ يَصِفُوا شَخْصًا بِالنُّكْرَانِ وَالجُحُودِ قَالُوا: «فُلَانٌ خَانَ العِيشَ وَالمِلْحَ». تَخَيَّلِي شَخْصًا يَأْكُلُ خُبْزَكَ وَيَشْرَبُ مِلْحَكَ ثُمَّ يَطْعَنُكَ فِي ظَهْرِكَ؟
قَالَتْ: أَعْرِفُهُمْ.. بَعْضُ الأَقَارِبِ يَفْعَلُونَهَا وَهُمْ يَمْضَغُونَ بِفَمٍ مَمْلُوءٍ.
قُلْتُ: لَكِنَّ العَجِيبَ أَنَّ الرُّوسَ عِنْدَهُمْ طَقْسٌ أَجْمَلُ. يُسَمُّونَهُ «خْلِيبْ إِي سُولْ» ، أَيْ «хлеб и соль» (خُبْزٌ وَمِلْحٌ). عِنْدَمَا يَأْتِي ضَيْفٌ عَزِيزٌ إِلَى بَيْتٍ رُوسِيٍّ، يَخْرُجُ صَاحِبُ البَيْتِ لِيُقَابِلَهُ وَفِي يَدِهِ رَغِيفُ خُبْزٍ عَلَى مِنْشَفَةٍ مُزَخْرَفَةٍ، وَفِي وَسْطِ الخُبْزِ جُوَانِقُ مِلْحٍ. يَقْطَعُ الضَّيْفُ قِطْعَةً مِنَ الخُبْزِ، يَغْمِسُهَا فِي المِلْحِ وَيَأْكُلُهَا كَعَهْدٍ بِالصَّدَاقَةِ الأَبَدِيَّةِ.
قَالَتْ: أَمَامَ الجَمِيعِ؟ مَاذَا لَوْ كَانَ المِلْحُ كَثِيرًا مِثْلَ عَشَائِنَا اللَّيْلَةَ؟
قُلْتُ: فِي رُوسْيَا، يُصِيبُكَ المِلْحُ الزَّائِدُ قَبْلَ أَنْ يَلْحَقَ بِكَ ضَيْفُكَ. لَهُمْ مَثَلٌ يَقُولُونَهُ: «نَسِينَا الخُبْزَ وَالمِلْحَ» كِنَايَةً عَنْ نِسْيَانِ الجَمِيلِ. أَمَّا فِي بُلْغَارِيَا وَبُولَنْدَا فَهُمْ يَقُومُونَ بِنَفْسِ الطَّقْسِ تَقْرِيبًا.
قَالَتْ مُتَعَجِّبَةً: وَهَلْ هُنَاكَ مَنْ يَسْتَعْمِلُ المِلْحَ هَكَذَا فِي أَمَاكِنَ أُخْرَى؟
قُلْتُ: اليَابَانِيُّونَ يَرُشُّونَ المِلْحَ عَلَى مُصَارِعِي السُّومُو قَبْلَ المُبَارَاةِ لِطَرْدِ الأَرْوَاحِ الشِّرِّيرَةِ. تَخَيَّلِي مُصَارِعًا تَائِهًا يَبْحَثُ عَنْ رُوحِهِ بَيْنَ حَبَّاتِ المِلْحِ. أَمَّا العِبْرَانِيُّونَ القُدَمَاءُ فَكَانُوا يُسَمُّونَ المِلْحَ «مِلْحَ العَهْدِ» فِي التَّوْرَاةِ، وَاعْتَبَرُوهُ إِشَارَةً إِلَى العَهْدِ الأَبَدِيِّ مَعَ الخَالِقِ.
قَالَتْ بَعْدَ صَمْتٍ قَصِيرٍ: يَبْدُو أَنَّ البَشَرِيَّةَ كُلَّهَا كَانَتْ تَعِيشُ عَلَى حَبَّةِ مِلْحٍ وَاحِدَةٍ.
قُلْتُ: بَلْ عَلَى جُرْعَةٍ زَائِدَةٍ مِنَ الهُيَامِ بِهَذِهِ الحَبَّاتِ البَيْضَاءِ.
حَقِّ المِلْحِ… ذَهَبٌ فِي فِنْجَانِ القَهْوَة...
قُلْتُ وَأَنَا أُحَاوِلُ تَغْيِيرَ الجَوِّ قَلِيلًا قَبْلَ أَنْ تَقْتُلَنِي زَوْجَتِي: وَمِنْ جَمِيلِ أَعْمَالِ البَشَرِ بِالمِلْحِ، تِلْكَ القِصَّةُ الَّتِي تَنْبَعِثُ مِنْ دِيَارِ المَغْرِبِ العَرَبِيِّ، خَاصَّةً تُونِسَ وَالجَزَائِرَ وَالمَغْرِبَ.
قَالَتْ وَهِيَ تَنْصَبُّ قَهْوَةً جَدِيدَةً: هَلْ قِصَّةٌ تَارِيخِيَّةٌ أَمْ أُخْرَى سَيَاسِيَّةٌ؟
قُلْتُ: لَا هَذِهِ وَلَا تِلْكَ. إِنَّهَا قِصَّةُ «حَقِّ المِلْحِ» ، وَسَأَحْكِيهَا لَكِ كَمَا يُحْكَى لِلصِّغَارِ قَبْلَ النَّوْمِ، لَعَلَّكِ تَتَعَلَّمِينَ شَيْئًا عَنِ الامْتِنَانِ.
ثُمَّ أَخَذْتُ أَرْوِي بِصَوْتٍ دِرَامِيٍّ:
فِي قَلْبِ حَيٍّ قَدِيمٍ تَفُوحُ مِنْ أَزِقَّتِهِ رَائِحَةُ البَخُورِ وَمَاءِ الزَّهْرِ، كَانَتِ الشَّمْسُ تَشْرُقُ بِبُطْءٍ مُعْلِنَةً صَبَاحَ أَوَّلِ أَيَّامِ عِيدِ الفِطْرِ السَّعِيدِ.
دَاخِلَ أَحَدِ البُيُوتِ الدَّافِئَةِ، كَانَتْ فَاطِمَةُ قَدِ اسْتَيْقَظَتْ قَبْلَ الجَمِيعِ. رَتَّبَتْ بَيْتَهَا، وَبَخَّرَتْ أَرْكَانَهُ، وَارْتَدَتْ أَجْمَلَ مَلَابِسِهَا التَّقْلِيدِيَّةِ، وَجَلَسَتْ تَنْتَظِرُ عَوْدَةَ زَوْجِهَا أَحْمَدَ مِنْ صَلَاةِ العِيدِ.
طَوَالَ ثَلَاثِينَ يَوْمًا فِي شَهْرِ رَمَضَانَ، لَمْ تَكِلَّ فَاطِمَةُ وَلَمْ تَمَلَّ. كَانَتْ تَقْضِي السَّاعَاتِ الطِّوَالَ أَمَامَ نِيرَانِ المَطْبَخِ تَصْنَعُ مَا لَذَّ وَطَابَ. وَلِأَنَّهَا كَانَتْ صَائِمَةً، لَمْ يَكُنْ أَمَامَهَا سِوَى حِيلَةٍ وَاحِدَةٍ لِضَمَانِ جَوْدَةِ الطَّعَامِ: وَضْعُ طَرَفِ لِسَانِهَا عَلَى الأَكْلِ لِتَذَوُّقِ مُلُوحَتِهِ وَاعْتِدَالِ مَذَاقِهِ دُونَ أَنْ تَبْتَلِعَهُ، حِرْصًا مِنْهَا عَلَى أَنْ تُسْعِدَ عَائِلَتَهَا عِنْدَ الإِفْطَارِ.
دَخَلَ أَحْمَدُ مِنْ بَابِ البَيْتِ وَالِابْتِسَامَةُ تَمْلَأُ وَجْهَهُ، مُلْقِيًا تَحِيَّةَ العِيدِ. أَسْرَعَتْ فَاطِمَةُ بِابْتِسَامَتِهَا المَعْهُودَةِ، وَقَدَّمَتْ لَهُ فِنْجَانَ قَهْوَةِ الصَّبَاحِ السَّاخِنِ، وَإِلَى جَانِبِهِ طَبَقًا مِنْ حَلَوِيَّاتِ العِيدِ الَّتِي صَنَعَتْهَا بِيَدَيْهَا.
جَلَسَ أَحْمَدُ، رَشَفَ رَشْفَةً مِنْ فِنْجَانِهِ، وَنَظَرَ إِلَى زَوْجَتِهِ بِامْتِنَانٍ كَبِيرٍ. تَذَكَّرَ تَعَبَهَا، وَسَهَرَهَا، وَتِلْكَ التَّفَاصِيلَ الصَّغِيرَةَ الَّتِي قَدَّمَتْهَا بِحُبٍّ طَوَالَ الشَّهْرِ. شَرِبَ قَهْوَتَهُ كَامِلَةً، وَلَكِنَّهُ طِبْقًا لِلْوَعْدِ وَالتَّقْلِيدِ، لَمْ يَرُدَّ الفِنْجَانَ فَارِغًا.
مَدَّ أَحْمَدُ يَدَهُ إِلَى جَيْبِهِ، وَأَخْرَجَ خَاتَمًا ذَهَبِيًّا يَلْمَعُ، وَوَضَعَهُ بِهُدُوءٍ دَاخِلَ الفِنْجَانِ الفَارِغِ، ثُمَّ قَدَّمَهُ لِفَاطِمَةَ قَائِلًا: «هَذَا حَقُّ المِلْحِ يَا أُمَّ العِيَالِ، شُكْرًا عَلَى عِشْرَتِكِ الطَّيِّبَةِ وَتَعَبِكِ مَعَنَا» .
احْمَرَّتْ وَجْنَتَانِ فَاطِمَةُ خَجَلًا وَفَرَحًا، فَالأَمْرُ لَمْ يَكُنْ يَتَعَلَّقُ بِقِيمَةِ الذَّهَبِ، بَلْ بِتَقْدِيرِ زَوْجِهَا لِتِلْكَ اللَّمَسَاتِ الخَفِيَّةِ وَتَذَوُّقِهَا لِمِلْحِ الطَّعَامِ حُبًّا وَعَطَاءً. وَمُنْذُ ذَلِكَ اليَوْمِ، بَقِيَتْ هَذِهِ الحُدُوتَةُ تَتَكَرَّرُ فِي كُلِّ بَيْتٍ، لِتُذَكِّرَ الجَمِيعَ بِأَنَّ العِشْرَةَ وَالمَحَبَّةَ تُصَانُ بِالتَّقْدِيرِ وَالامْتِنَانِ.
قُلْتُ بَعْدَ انْتِهَاءِ الحِكَايَةِ: هَكَذَا يَا سَيِّدَتِي، حَقُّ المِلْحِ يُسَاوِي خَاتَمَ ذَهَبٍ فِي تُونِسَ، أَمَّا عِنْدَنَا فَحَقُّ المِلْحِ يُسَاوِي عَصَبًا مَشْدُودًا وَرَحِلَةً إِلَى صَيْدَلِيَّةِ الضَّغْطِ.
قَالَتْ بِنَبْرَةٍ جَافَّةٍ جِدًّا: أَنْتَ تُخْبِرُنِي بِهَذِهِ القِصَّةِ الآنَ، فِي اللَّيْلَةِ الَّتِي جَعَلْتَ فِيهَا المِلْحَ يُطِيرُ عَقْلِي، وَتُرِيدُنِي أَنْ أَتَأَثَّرَ؟
قُلْتُ: لَا، أُرِيدُكِ أَنْ تَفْهَمِي أَنَّ المِلْحَ كَانَ وَمَا زَالَ سَبَبًا فِي إِعْطَاءِ الذَّهَبِ لِلنِّسَاءِ، لَا سَبَبًا فِي تَسْمِيمِ الأَزْوَاجِ!
العِلْمُ يَأْتِي لِيُفْسِدَ الأَجْوَاءَ...
قَالَتْ وَهِيَ تُشِيرُ بِمِلْعَقَةٍ نَحْوَ صَدْرِي: حَسَنًا، يَا عَظِيمَ المُؤَرِّخِينَ، أَخْبِرْنِي الآنَ عَنِ الجَانِبِ العِلْمِيِّ. لِمَاذَا أَضَعُ المِلْحَ أَصْلًا؟
قُلْتُ (وَأَنَا أَشْعُرُ أَنَّنِي أَمْشِي فِي حَقْلِ أَلْغَامٍ): لِأَنَّ المِلْحَ - أَوْ كَمَا يُسَمِّيهِ العُلَمَاءُ كُلُورِيدَ الصُّودِيُومِ، وَاسْمٌ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ مَوْظَفًا فِي شَرِكَةِ كِهْرَبَاءَ - هُوَ أَسَاسِيٌّ لِعَمَلِ أَعْصَابِنَا وَعَضَلَاتِنَا. بِدُونِهِ، لَا يَسْتَطِيعُ عَقْلُنَا أَنْ يَقُولَ حَتَّى: «أَنَا جَائِعٌ».
قَالَتْ: إِذَنْ أَنَا أُنْقِذُ عَقْلَكَ كُلَّ يَوْمٍ.
قُلْتُ: لَكِنْ إِذَا زَادَ المِلْحُ كَثِيرًا، يَزْدَادُ ضَغْطُ الدَّمِ، وَيَشْتَكِي القَلْبُ، وَتَبْتَدِئُ الكُلَى بِإِرْسَالِ رَسَائِلَ احْتِجَاجِيَّةٍ. وَالمَرَضُ الأَخْطَرُ: أَنْ تَزُورَ طَبِيبًا يُخْبِرُكَ بِأَنَّ المِلْحَ سَيَقْتُلُكَ بِبُطْءٍ، فَتَعُودَ إِلَى البَيْتِ لِتَكْشِفَ أَنَّ المِلْحَ فِي الطَّعَامِ أَقْوَى مِنْ عَزِيمَتِكَ فِي الحَيَاةِ.
قَالَتْ وَهِيَ تَضَعُ يَدَهَا عَلَى خَصْرِهَا: إِذَنْ أَنْتَ تَطْلُبُ مِنِّي أَنْ أُقَلِّلَ المِلْحَ لِأَجْلِ صِحَّتِكَ؟
قُلْتُ: أَنَا أَطْلُبُ مِنْكِ أَنْ تُخْبِرِينِي بِمِقْدَارِ المِلْحِ الَّذِي وَضَعْتِهِ اللَّيْلَةَ، لِأَعْرِفَ هَلْ أَنَا سَأَمُوتُ اللَّيْلَةَ أَمْ سَأَكْتُبُ وَصِيَّتِي أَوَّلًا.
قَالَتْ: كُنْتُ أَظُنُّكَ تُحِبُّ التَّارِيخَ؟ سَيُصْبِحُ التَّارِيخُ يَتَذَكَّرُكَ إِذَا تَابَعْتَ الاِعْتِرَاضَاتِ.
سَكَتُّ بُرْهَةً. ثُمَّ قَرَّرْتُ أَنْ أَنْقُذَ مَا يُمْكِنُ إِنْقَاذُهُ.
الاِعْتِرَافُ الأَخِيرُ...
قُلْتُ مُسْتَسْلِمًا: لِنَكُنْ عَادِلِينَ.. رُبَّمَا أَنَا مَنْ أُفْرِطُ فِي الحَفَاءِ بِالمِلْحِ. رُبَّمَا لِسَانِي أَصْبَحَ عُضْوًا مُسْتَقِلًّا لَهُ رَأْيُهُ فِي مَجْلِسِ الأَمْنِ الخَاصِّ بِي.
قَالَتْ: رُبَّمَا يَعْنِي «نَعَمْ»؟
قُلْتُ: نَعَمْ يَعْنِي نَعَمْ.
قَالَتْ (وَابْتِسَامَةٌ خَفِيفَةٌ تَعُودُ إِلَى شَفَتَيْهَا): كَمْ أَحْبَبْتُ هَذَا الاِعْتِرَافَ. سَأُقَلِّلُ المِلْحَ غَدًا.
قُلْتُ بِسُرْعَةٍ: لَكِنْ لَا تَحْذِفِيهِ تَمَامًا. فَقَطْ أَعْطِينِي فُرْصَةَ تَفَاوُضٍ: كِيلُو طَعَامٍ عَلَيْهِ نِصْفُ مِلْعَقَةٍ مِثْلًا.
قَالَتْ: سَأُفَكِّرُ فِي الأَمْرِ. وَالآنَ، هَلِ انْتَهَتْ مُحَاضَرَتُكَ التَّارِيخِيَّةُ؟
قُلْتُ: كَادَتْ. لَكِنِّي سَأَكْتُمُ فِي نَفْسِي شَيْئًا وَاحِدًا.
قَالَتْ: وَمَا هُوَ؟
قُلْتُ: أَنَّ المِلْحَ لَمْ يَكُنْ يَوْمًا مُشْكِلَةَ البَشَرِيَّةِ. المُشْكِلَةُ أَنَّهُ صَادِقٌ جِدًّا. لَا يَتَجَمَّلُ، وَلَا يُجَامِلُ، وَلَا يَنَامُ عَنْ ظُلْمٍ. تَذُوقِينَهُ فِي أَوَّلِ لُقْمَةٍ، فَتُصْبِحِينَ أَمَامَ خِيَارَيْنِ: إِمَّا الصَّرَاحَةُ المُدَمِّرَةُ، أَوِ الصَّمْتُ المُهْلِكُ. وَأَنَا كَالْعَادَةِ، اخْتَرْتُ الصَّرَاحَةَ كَمُؤَرِّخٍ شَرِيفٍ.. ثُمَّ نِمْتُ عَلَى الأَرِيكَةِ.
قَالَتْ وَهِيَ تَجْمَعُ الأَطْبَاقَ مُهَزْهِزَةً رَأْسَهَا: «خَانَ العِيشَ وَالمِلْحَ».. هَذِهِ الجُمْلَةُ أَتَذَكَّرُهَا حِينَ أَرَاكَ تَتَلَوَّى كَالدُّودَةِ فِي السَّرِيرِ بَعْدَ أَكْلِ المِلْحِ الزَّائِدِ. صُبَاحَ الخَيْرِ يَا مَنْسَى مُوسَى الزَّمَانِ.
ثُمَّ تَرَكَتْنِي أَتَأَمَّلُ غُرُوبَ الإِسْكَنْدَرِيَّةِ وَأَنَا أَتَسَاءَلُ: كَمْ قَافِلَةَ مِلْحٍ سَتَكْفِي لِاسْتِرْضَائِهَا بَعْدَ هَذَا الحِوَارِ؟
الخَاتِمَةُ: تَارِيخٌ كَامِلٌ فِي طَبَقٍ وَاحِدٍ...
نَظَرْتُ إِلَى البَحَرِ مِنْ جَدِيدٍ. كَانَ الظَّلَامُ قَدْ هَبَطَ بِبُطْءٍ فَوْقَ الإِسْكَنْدَرِيَّةِ، وَأَخَذَتِ الأَضْوَاءُ تَتَرَاقَصُ فَوْقَ صَفْحَةِ المَاءِ كَأَنَّ المَدِينَةَ نَثَرَتْ حُفْنَةً مِنَ النُّجُومِ فَوْقَ الأَمْوَاجِ.
ثُمَّ قُلْتُ لِنَفْسِي:
بَعْدَ كُلِّ هَذَا التَّارِيخِ.. مِنْ رُومَا إِلَى مَالِي.. مِنَ الرُّوسْيَا إِلَى تُونِسَ.. مِنَ الذَّهَبِ الَّذِي أَغْرَقَ القَاهِرَةَ إِلَى المِلْحِ الَّذِي كَادَ يُغْرِقُ كُلْيَتَيَّ.. يَنْتَهِي المِلْحُ فِي النِّهَايَةِ إِلَى شَيْءٍ بَسِيطٍ جِدًّا:
هُوَ اخْتِبَارُ عَلَاقَتِي بِالحَيَاةِ.. وَالزَّوْجَةِ كَذَلِكَ.
وَلَوْ كَانَ مَنْسَى مُوسَى حَيًّا بَيْنَنَا اللَّيْلَةَ، لَرَجَوْتُهُ أَنْ يَبْخَلَ عَلَيَّ بِقَالِبِ مِلْحٍ وَاحِدٍ.. لِأَهْدِيَهُ لِزَوْجَتِي عِوَضًا عَنِ الذَّهَبِ الَّذِي لَا أَمْلِكُهُ.. فَتَقُولَ لِي: أَيْنَ الذَّهَبُ؟ فَأَقُولَ لَهَا: هَذَا ذَهَبٌ أَبْيَضٌ يَا سَيِّدَتِي، وَالذَّهَبُ الأَبْيَضُ يُطِيلُ العُمْرَ بِالاسْتِغْفَارِ.
هَدْهَدْتُ (أَيْ خَتَمْتُ الحَدِيثَ):
لَوْ كَانَ المُؤَرِّخُونَ يُحِبُّونَ المِلْحَ بِقَدْرِ حُبِّي لِلطَّعَامِ الخَفِيفِ، لَمَا كُتِبَ مِنَ الحُرُوبِ وَالضَّرَائِبِ مَا كُتِبَ.. وَلَمَا نِمْتُ اللَّيْلَةَ عَلَى الأَرِيكَةِ أَيْضًا.
انْتَهَتِ القِصَّةُ.. وَبَدَأَ صَمْتٌ طَوِيلٌ لَمْ يَقْطَعْهُ سِوَى صَوْتِ المَاءِ يُغْلَى لِفِنْجَانِ قَهْوَةٍ جَدِيدٍ لَا يَحْتَوِي عَلَى ذَهَبٍ.


















