مقدمة...
أأَسَرُوكِ يا قمرَ الأكوان؟!
لِمَ لا تَبكِ يا كون؟! لِمَ لا تَصْرُخُ يا زمان؟!
إلى مَن سَأَلْجَأُ الآن؟!
كي أَحْكِيَ حِكايَةَ إنسان...
وقد صِرْتُ قِصَّةً بلا عنوان...
يَمٌّ ضائِعٌ بلا شَطْآن...
وسَتَبْحَثُ عنها يا ولدي في كلِّ مكان...
وسَتَسْأَلُ عنها مَوْجَ البحر، وتَسْأَلُ فَيْرُوزَ الشَّطْآن...
أَفْراقٌ ثُمَّ فِراقٌ فَفِراق؟!
أَهْوَ قَدَرٌ لي مَساق؟!
يا وَيْلَ قَلْبٍ مُشْتاقٍ...
من لَوْعَةِ العِشْقِ قد رَاق...
أَلَمْ تَجِدْ سِواها يا كون؟!
أنا لم ولن أَجِدَ لها في الكونِ بَديلًا...
لِمَ جَعَلْتَ الفِراقَ لنا سَبيلًا؟!
لِمَ أَفْقِدُها كُلَّ مَرَّةٍ...
في انْفِجارٍ، وفي المِرِّيخِ، وعلى حافَةِ المَجَرَّة؟!
لِمَ حَلَّتْ بَيْني وبَيْنَ المَسَرَّة؟!
لِمَ تَأْخُذُها مِنِّي دَوْمًا على حِينِ غِرَّةٍ؟!
صَه... صَه يا كون، لا إجابَة...
سَيَكونُ لُطْفُ رَبِّي الأَعْظَمِ رَحابَةً...
كَفى... كَفى يا كون، لا كلام...
لن أَسْمَعَك، وأنتَ المَلام...
لِمَ رَحَلَتْ وبأَحْشائِها طِفْلًا مِنِّي؟!
لِمَ قَرَّرْتَ أنتَ والزَّمانُ نِيابَةً عَنِّي؟!
رَغْمًا عَنِّي...
أنا مِنْها، وهي مِنِّي...
صَه... صَه يا كون، لا كلام...
صَه يا كون، ناهِشٌ لِلأَحْلامِ...
صَه... صَه يا كون، لا حِوار...
فَوَّضْتُ أَمْرِي إلى المُنْتَقِمِ الجَبّارِ...
مِنْ دُونِها الكَوْنُ...
ولِلَّهِ الأَمْرُ...
وسَتَبْحَثُ عنها يا ولدي يا ولدي في كلِّ مكان...
وسَتَسْأَلُ عنها مَوْجَ البحر، وتَسْأَلُ فَيْرُوزَ الشطئان ...
رسالة من ملك الظلمات...
توقفَ الزمنُ داخلَ المقاتلةِ طيبة١٧، وكأنها تُحلِّقُ داخلَ ثقبٍ أسود، وهي تُحلِّقُ ببطءٍ في الفضاءِ وسطَ تشكيلِ مقاتلاتِ الأسطولِ الفضائيِّ لاتحادِ كواكبِ مجرةِ أندروميدا...
مقاتلةٌ قد جائتْ من الطرفِ الآخرِ من الكونِ لأجلِها... لأجلِ فقط... لأجلِ روبينا...
و بداخلِ قمرةِ القيادة... جلسَ آدم... وحيدًا...مرةً أخرى... قد فقدها... مرةً أخرى... قد ذهبت...مرةً أخرى...
و ستبحثُ عنها يا ولدي في كلِّ مكان...
و ستسألُ عنها موجَ البحرِ و تسألُ فيروزَ الشطئان...
لم يعد يملكُ القدرةَ على... البكاءِ...
سادَ صمتٌ فاقَ صمتَ الكونِ ذاتِه...
روبينا... روبينا... روبينا...
لا مِن مُجيب...
شققَ صوتَ الصمتِ صوتُ حبيبة...
ـ أيها القائد...نتلقي طلبَ إتصال...إتصالٍ مرئي...
آدم: ......
حبيبة: إنه إتصالٌ من....من امبراطورِ الظلام...الملكِ ست...
آدم: ماذا!!! اللعنة...صليني بهذا اللعين...
حبيبة: حسنًا أيها القائد...سأحرصُ علي الترجمة...
و تأقلتِ الشاشةُ الرئيسيةُ داخلَ المقاتلة... و كان هناك... ملكُ الظلمات... ست... كيانٌ أسودُ مخيف...بدرجاتِ سوادٍ لم تألفها عينا آدم يومًا ما... ظلماتُ الكونِ السحيق... ربما ظلماتٌ لم تألفها عينٌ بشريةٌ من قبل... لكن للحزنِ الممتزجِ بالغضبِ تأثيرٌ أعتي من الخوفِ ذاتِه...
ست: أنظر...
و ترائتْ أمامَ عيونِ آدم علي الشاشة... روبينا... محبوسةٌ داخلَ مكعبٍ عملاقٍ اسودِ اللون... تقفُ حبيسةً وحيدةً أمامها شاشهٌ ضخمة... شاشةٌ عليها عدٌّ تنازلي... 23 س: 59 دقيقه : 59 ثانية عددٌ تنازليٌّ ليومٍ كامل...
آدم: أيها اللعين...سأريك...
ست: أخرسْ يا هذا...حبيبتُك حبيسةُ سجنِ الزمن...
آدم: ماذا!!! سجنُ الزمن!!!
ست: بلي، سجنٌ داخلَ فجوةٍ زمنيةٍ في البعدِ الخامس...ما أن ينتهي العدُّ التنازليُّ لفتحِ بابِ السجنِ حتي يبدأَ من جديد...بلا نهايه...ها ها ها
آدم: خسئت...سأنتقمُ منك...سوف أجعلُك هبائًا منثورًا في الفضاء....
ست: التسليم...أو...
آدم:....
ست: الإستسلامُ التام... تسليمُ الأسطولِ الفضائيِّ بالكامل...أو ستصبحُ وليةُ عهدِ الكوكبِ روبي أسيرةً أبديةً داخلَ سجنِ الزمن... أمامكَ حتي انتهاءِ العدِّ التنازليِّ لليومِ الأولِ أيها الأرضي...
و انقطعَ الاتصال...
و أطبقَ صمتُ الكونِ مرةً أخرى...
لأجلك يا قمر الأكوان...
داخل المقاتلة طيبة١٧...
ساد الصمت...
كانت النجوم تنساب ببطء خلف الزجاج الأمامي، بينما بقيت الشاشة السوداء شاهدة على تهديد الملك ست.
وقفت حبيبة تنظر إلى آدم.
حبيبة: أيها القائد... ما هي أوامرك؟
رفع آدم رأسه ببطء.
آدم: سنذهب إلى روبينا.
حبيبة: هذا مستحيل... لقد أخبرنا ست بنفسه أن السجن داخل البعد الخامس.
ابتسم آدم ابتسامة خفيفة.
آدم: لهذا السبب بالذات... سنستخدم البعد الخامس.
نظرت إليه حبيبة في دهشة.
حبيبة: ولكن... لا توجد مركبة في الكون تستطيع دخول البعد الخامس.
آدم: لأن الجميع يحاول إدخال السفينة... وأنا لن أفعل.
ساد الصمت.
حبيبة: لم أفهم...
اقترب آدم من شاشة الملاحة، ثم رسم بيده خطين متوازيين.
آدم: انظري إلى هذين الخطين... تخيلي أن أحدهما يمثل الأرض، والآخر يمثل سجن الزمن.
حبيبة: المسافة بينهما ملايين السنين الضوئية.
آدم: داخل الأبعاد الأربعة... نعم.
ثم مرر إصبعه في الهواء.
آدم: لكن البعد الخامس لا يعترف بالمسافات.
حبيبة: كيف ذلك؟
آدم: نحن نعيش داخل ثلاثة أبعاد للمكان، وبعد واحد للزمن. لذلك نتحرك بالسفن والمحركات لأننا مضطرون إلى عبور المسافة.
حبيبة: صحيح.
آدم: أما البعد الخامس... فهو يرى المسافة كما نرى نحن خطًا مرسومًا على ورقة.
ضغط آدم على الشاشة، فانطوت الخريطة الفضائية على نفسها.
آدم: تخيلي أن الورقة قد طُويت... ماذا يحدث؟
اتسعت عينا حبيبة.
حبيبة: النقطتان أصبحتا متجاورتين...
آدم: بالضبط.
حبيبة: إذن الانتقال الآني ليس حركة...
آدم: بل اختصار للمكان نفسه.
ساد الصمت للحظات.
حبيبة: إذا كان الأمر بهذه البساطة... فلماذا لم يستخدمه أحد؟
تنهد آدم.
آدم: لأن هناك قانونًا واحدًا يمنع الجميع.
حبيبة: وما هو؟
آدم: المادة.
حبيبة: المادة؟
آدم: أي جسم مادي يدخل نقطة الطي البعدية يتمزق قبل أن يصل.
حبيبة: إذن لا يمكن لأحد أن يعبر.
ابتسم آدم.
آدم: إلا إذا توقف عن كونه مادة.
نظرت إليه حبيبة طويلًا.
ثم همست:
حبيبة: لا...
آدم: نعم.
حبيبة: أنت تقصد...
آدم: سأحول جسدي بالكامل إلى فوتونات.
ساد صمت ثقيل.
حبيبة: هذا جنون.
آدم: لا... هذا فيزياء.
حبيبة: ولكن الفوتونات لا تمتلك كتلة.
آدم: وهذا ما نحتاج إليه تمامًا.
حبيبة: وإذا تحولت إلى ضوء... فمن يضمن أنك ستعود آدم مرة أخرى؟
آدم: برنامج إعادة البناء الكمي.
حبيبة: لم يُجرب قط على إنسان.
آدم: إذن سأكون أول إنسان.
خفضت حبيبة رأسها.
حبيبة: وإذا فشل؟
ابتسم آدم وهو ينظر إلى النجوم.
آدم: سأصبح شعاعًا من الضوء يجوب الكون... لكنني سأكون قد حاولت.
ارتجف صوت حبيبة.
حبيبة: وحتى إذا وصلت... كيف ستخرج روبينا؟
نظر إليها آدم بثبات.
آدم: لن أخرجها وهي مادة.
حبيبة: ماذا تعني؟
آدم: سأحولها هي أيضًا إلى فوتونات.
اتسعت عينا حبيبة.
حبيبة: داخل سجن الزمن؟
آدم: نعم.
حبيبة: ثم؟
آدم: سنعبر معًا نقطة الطي في البعد الخامس.
حبيبة: وبعد العودة؟
آدم: تعيدين بناء أجسادنا ذرةً بذرة... داخل طيبة١٧.
ساد الصمت.
ثم قالت حبيبة بصوت منخفض:
حبيبة: أيها القائد...
آدم: نعم؟
حبيبة: نظريًا... ما تقوله صحيح.
ابتسم آدم.
آدم: أعلم.
حبيبة: لكن نسبة النجاح؟
نظر إليها طويلًا...
ثم قال:
آدم: لا يهمني الاحتمال...
ما يهمني...
أن روبينا لن تقضي الأبد وحدها….
فوتون...
آدم: حبيبة، ضَعِينِي عَلَى الموجةِ السِّرِّيَّةِ للأسطولِ الفضائي...
حبيبة: تمَّ فتحُ القناةِ المُشَفَّرَةِ للاتصالِ مع الأسطولِ، أيُّها القائد...
آدم: يا سادةَ المجرَّة... سأشرعُ الآنَ بالتَّحوُّلِ إلى ضوء... طيفٍ من الفوتوناتِ من أجلِ إنقاذِ روبينا...
الملك فليد: يا خالقَ السَّماوات... ستتحوَّلُ إلى أصغرِ مركَّباتِ الضَّوء!!! هذا انتحار... مستحيل...
آدم: لا يوجدُ حلٌّ آخرُ من أجلِ اختراقِ البُعدِ الخامسِ واستعادةِ روبينا...
يا سادةَ المجرَّة...
سيتمُّ التَّحوُّلُ واستعادةُ روبينا وإعادةُ التَّكوُّنِ مرَّةً أخرى داخلَ طيبة ١٧ لا زمن...
الملك فليد: نُدرِكُ ذلك جيِّدًا... تباطُؤُ الزَّمنِ مع زيادةِ السُّرعةِ في الفضاء... وصولًا إلى سرعةِ الضَّوء... الزمكان... الزَّمنُ صفر...
آدم: تمامًا... الزَّمنُ صفر... يعلمُ اللهُ وحدَه كيف سيمرُّ الزَّمنُ عليَّ أنا وروبينا عندما نعود... هذا إن عدنا... لكن بالنسبةِ لكم جميعًا سيكونُ الزَّمنُ صفر...
الملك فليد: إذًا!!!
آدم: لو تأخَّرتُ أكثرَ من ثانيةٍ واحدة... اعلموا أنَّ مهمَّتي كانت الأخيرة... إذًا فهي سياسةُ الأرضِ المحروقة...
حبيبة: يا خالقَ السَّماوات... أتريدُ منَّا إطلاقَ النَّارِ عليكما أيُّها القائد؟! هذا مستحيل... مستحيل...
آدم: وقتَها لن أكونَ هناك يا حبيبة... سأكونُ مجرَّدَ طيفٍ ضوئيٍّ هائمٍ في الفضاء... أو لربَّما يبتلعني ثقبٌ أسودُ في الفضاءِ العميق... أو أسيرًا أبديًّا مع روبينا في سجنِ الزَّمنِ على أحسنِ تقدير...
حبيبة: ربَّاه...
آدم: يا سادةَ المجرَّة... وصيَّتي الأخيرة... من بعدِ اللَّحظةِ الثانيةِ من التَّحوُّل، إن لم تُخبركم حبيبةُ إنَّنا عدنا... أحيلوا الكوكبَ المظلمَ وجيوشَ ست... أو نصفَ المجرَّةِ إذا لزمَ الأمر... إلى جحيم... حوِّلوهم إلى هباءٍ منثورًا في الفضاء...
الملك فليد: فليرحمِ اللهُ أرواحَنا جميعًا... فليكنِ اللهُ معكَ أيُّها القائد...
آدم: حبيبة... قومي بفتحِ مكثِّفِ الجزيئات...
حبيبة: تم...
دلفَ آدمُ إلى داخلِ مكثِّفِ الجزيئاتِ الأنبوبيِّ الشَّكل، وأحكمتْ حبيبةُ غلقَ بابِ الكوَّة...
ومن الدَّاخلِ أنصتَ آدمُ إلى صوتِ حبيبةَ المتردِّدِ داخلَ المكثِّف...
جاري شحنُ الطَّاقةِ المضادَّةِ من أجلِ بدءِ سلسلةِ التَّحوُّلِ الآني...
50%... 70%... 95%...
تمَّ الشحن...
مرحلةُ التَّفتيت...
وانقطعَ الصَّوتُ من حولِ آدم...
ومن داخلِ المكثِّف... روى آدمُ لاحقًا...
يا خالقَ السَّماوات... أرى جسدي يتفتَّت... يذوب... أرى أطيافًا تنسابُ من جسدي... كلُّ طيفٍ يذوبُ إلى آلاف... ملايين... بلايينِ الجزيئات... بلايينُ من الأطيافِ تنشأُ بدلًا من كلِّ طيفٍ يتحلَّل...
لا أشعرُ بالضَّغط... بل بالانسحاق... أنا أنسحق... أنسحق، وكأنَّ الكونَ ذاتَه يمرُّ من فوقي... أنسحقُ ولا أتألَّم... أنسحقُ ولا أملكُ القدرةَ على حتَّى الصُّراخ...
ها أنا أفقدُ كلَّ صلةٍ بيني وبينَ صفاتِ البشر... أنا أتحوَّلُ إلى كيانٍ مختلف... كيانٍ يعالجُ البياناتِ دونَ أيِّ مشاعر...
أشعرُ بسريانٍ مخيفٍ من الطَّاقةِ يتدفَّقُ داخلَ جسدي... جسدي!!! لا أعلمُ بأيِّ كلماتٍ كيف أصفُ كياني الحالي...
كلُّ ما حولي سواي... مظلم...
كلُّ ما حولي سواي... بطيء...
كلُّ ما حولي سواي... يحتاجُني...
أنا ضوء...
أنا طيفٌ من الفوتونات...
أنا السُّرعةُ المطلقةُ في الكونِ السَّرمدي...
أنا نابعٌ من اندماجٍ نوويٍّ هيدروجينيٍّ تمَّ مع خلقِ الكونِ ذاتِه...
أنا وليدُ الطَّاقة...
أنا أصلُ الحياة...
من حولي توارتْ جدرانُ المكثِّف...
توارتْ جدرانُ طيبة ١٧...
أنا أخترقُ الفضاء...
أنا جزءٌ من نسيجِ الكون...
أنا الضَّوء...
أنا فوتون...
حكايةُ ضوء...
ها أنا ذا أُحلِّقُ حُرًّا في الفضاءِ للمرةِ الأولى... دونَ بذلةٍ فضائية... دونَ مقاتلةٍ تابعةٍ للأسطولِ الفضائي... دونَ أيِّ دروعِ حماية... ودونَ أيِّ مشاعر...
أرى ذلك الكوكبَ المارقَ الذي يسيرُ هائمًا في الفضاء، دونَ مسارٍ محددٍ حولَ نجمٍ يدورُ حولَه... أراه منطلقًا يخترقُ المجرَّةَ في سبيلِه إلى الاصطدامِ بأحدِ الكواكبِ البائسة، مُنهيًا حياةَ كِلَيْهِما بعدَ وقتٍ لا يعلمُه إلا الله...
أرى مجرتَي دربِ التبانة وأندروميدا، الجارتين، على مسارٍ تصادميٍّ حتميٍّ يُقدَّرُ بحوالي مليارينِ ونصفِ المليارِ سنة...
احذرْ يا آدم...
ذلك الثقبُ الأسودُ الضخمُ ينظرُ إليكَ في جشع...
لا... لا...
لن أكونَ وجبتَكَ القادمة...
أبدًا...
أنظرُ إلى كوكبِ الأرض...
قبلَ مليارٍ ونصفِ المليارِ سنة... أراه كتلةً من الجحيم... بلايينُ البراكينِ تثور... غلافٌ جويٌّ كبريتيٌّ لا يحملُ أيَّ مقوماتِ الحياة... الكوكبُ لا يزالُ يتشكَّل...
قبلَ نحوِ خمسةٍ وستينَ مليونَ عام... ذلك الكويكبُ الضخمُ يخترقُ الغلافَ الجويَّ للأرض... هناك قطيعٌ من الديناصوراتِ النباتيةِ الضخمةِ يرعى في إحدى السهولِ الجبلية...
اهربوا... اهربوا أيها الحمقى...
ستهلكون...
لكن... إلى أينَ المفر؟!
قبلَ عدةِ آلافِ السنين... أرى الملكَ مينا في مراسمِ تتويجِه بتاجَيِ القطرينِ القبليِّ والبحريِّ... الميلادُ الأولُ للدولةِ المصرية... كِمِت... وإنشاءُ العاصمةِ منف...
كريستوفر كولومبس يذبحُ السكانَ الأصليين، ويدَّعي اكتشافَ العالمِ الجديد...
أربعينياتُ القرنِ العشرين... الجيشُ الأحمرُ يسحقُ ما تبقَّى من الرايخِ الثالث... وسقوطُ برلين...
الخطوةُ الأولى على سطحِ القمر...
انفجارٌ نوويٌّ هناك...
ثم طفلٌ يبكي في إحدى جزرِ الكاريبي...
حفلُ زفافٍ في إحدى القرى الإفريقية...
نهائيُّ كأسِ العالمِ في بداياتِ القرنِ الحادي والعشرين...
أرى كلَّ هذا... في الآنِ ذاته...
أنا الضوء...
أنا فوتون...
وسَتَبْحَثُ عنها يا ولدي في كلِّ مكان...
وسَتَسْأَلُ عنها موجَ البحر، وتَسْأَلُ فَيْرُوزَ الشَّطْآن...
هناك أطيافٌ أخرى من الضوءِ حولي...
مرحبًا...
إنهم يتحدثونَ معي...
أحدُهم يقول:
— مرحبًا... أنت جديدٌ هنا؟!
وآخر:
— افتقدتُك كثيرًا يا صاح... لم أرك منذ ثلاثينَ مليارَ سنة!
وثالثٌ يصيح:
— هل معكَ فِكَّةٌ من فئةِ سبعةٍ وثلاثينَ زاحو؟!
عذرًا يا أصدقاء...
فليس لديَّ وقتٌ للتعارف...
لديَّ زوجةٌ يجبُ أن أُنقذَها...
لكن...
تبًّا...
هل توجدُ ورقةٌ نقديةٌ من فئةِ سبعةٍ وثلاثينَ زاحو؟!
ومن أينَ جاءَ بها؟!
هل يبيعونَ الحشيشَ في الفضاء؟!
نيا... هاهاهاهاها!
الفضاءُ ينزاحُ من حولي...
ينزاحُ...
وينزاحُ...
في اللازمن...
أراه يقترب...
سجنُ الزمن...
والآن...
حانَ وقتُ الاختراق...
قبسانِ من الضَّوء...
أخيرًا...
أراه...
أمامي مباشرةً...
سجنُ الزمن...
أنا أخترقُ الجدرانَ بمنتهى اليُسر...
أجتازُ حواجزَ الزمانِ والمكانِ وكأنها لم تكن...
أعبرُ إلى البُعدِ الخامسِ في اللازمن...
أنا انحرافٌ في نسيجِ الزمكان...
أراها...
روبينا...
تفترشُ أرضيةَ سجنِ الزمنِ كطفلةٍ مذعورة...
أميرةُ الكوكبِ روبي تجلسُ باكيةً مكسورة...
وليةُ العهدِ تدمعُ، ودموعُ الكونِ سواء...
قمري أنا...
تتلمسُ الرحمةَ والرجاء...
جوارَها يرقدُ المكعبُ الرهيب...
الذي يحملُ سرَّ الخلاصِ العجيب...
سوبر نوفا...
مكعبٌ يحوي طاقةَ ألفِ نجمٍ مهيب...
يا صغيرتي...
ترى قبسًا من الضوءِ يخترقُ الجدران...
ترفعُ رأسَها باكيةَ العينينِ في تساؤل...
في رأسِها ألفُ سؤالٍ حائر...
لا تُدركُ أن همَّها قد صارَ في حكمِ الزائل...
يا قمري أنا...
لا تبكي...
من دونِكِ الكونُ...
ونفسي...
يا صغيرتي...
أنا أُطلقُ عليكِ الشعاعَ كي تُصبحي مثلي...
فوتونات...
كي أُبدِّلَ دموعَكِ بابتسامات...
ولنُحلِّقَ معًا، وإلى الأبد، في المجرات...
دونَ ما يُخيفُنا من الذكريات...
يا صغيرتي...
ها أنتِ قد عدتِ إلى أصلِك...
نور...
يا مَن عرفَها قلبي بالسرور...
هيا بنا...
عبرَ الجدرانِ إلى الفضاءِ المسحور...
ولنعبرْ معًا ألفَ سورٍ وسور...
وأخيرًا...
صرنا معًا...
مرةً أخرى...
قبسين من الضوء في الفضاء...
حرفيًّا...
وهمستْ:
— آدم... ما الذي يحدث؟!
— لا شيء يا صغيرتي... كان مجردَ حلمٍ غيرِ لطيف...
— أشعرُ بشيءٍ لم آلفه من قبل... كيف نُحلِّقُ في الفضاءِ هكذا؟! وكيف حررتني؟!
ابتسم آدم.
— وهل كان لديكِ شكٌّ في أنني سأتأخرُ عليكِ يا قمري أنا؟!
كدنا أن نصل...
ها هي طيبة١٧ تتجسدُ أمامنا...
حبيبة...
أعلمُ أنكِ قادرةٌ على استقبالِ إشارتي...
ما إن نصلَ إليكِ حتى ابدئي في إعادةِ تكوينِ ذراتِنا، كي نعودَ إلى هيئتِنا الأصلية...
ثم...
فعِّلي أمرَ تفجيرِ مكعبِ السوبر نوفا داخلَ سجنِ الزمن...
سيكونُ لدى أولئكَ الأوغاد...
انفجارُ سوبر نوفا أبدي...
يُبقي كوكبَهم المظلمَ اللعين...
إلى الأبد...
في قلبِ النور...
سجنُ الضوء...
وأخيرًا...
أرسلي أمرًا إلى جميعِ مقاتلاتِ الأسطولِ الفضائيِّ بالانسحابِ السريع...
خشيةَ أن يسحقَهم الانفجار...
وفي لحظةٍ واحدة...
بدأت الفوتوناتُ تتباطأ...
وعادت الذراتُ تتجمع...
ذرةً...
بعد ذرة...
حتى تجسدَ آدمُ وروبينا...
مرةً أخرى...
داخلَ طيبة١٧...
وفجأة... اهتزَّ الفضاءُ كلُّه... كأنَّ ألفَ شمسٍ قد وُلِدَتْ في اللحظةِ ذاتِها... لقد بدأ انفجارُ السوبر نوفا... وكان الملكُ ستُّ يُدرك، للمرةِ الأولى... أنَّ الإنسانَ الذي سخرَ منه... قد حوَّلَ سجنَ الزمنِ إلى مقبرةٍ من الضوء…
الخاتمة...
اجتمعا مرةً أخرى...
طيفين من الضوء...
عادا مرةً أخرى...
آدم... وروبينا...
تشكَّلا من جديد...
احتضنها...
وامتزجت خلاياهما من جديد، كما امتزجت فوتوناتُهما قبل قليلٍ في الفضاءِ البعيد...
سالت دموعُ عيونهما بلا شطآن...
وافترشا أرضيةَ قمرةِ القيادةِ سويًّا...
أراحت رأسَها على كتفِه...
وأراحت خدَّها على كفِّ يده...
همس لها في حنان...
— ألم أطلبْ منكِ ألَّا تغادري البيتَ مرةً أخرى وحيدة؟!
أجابت...
— ومَن سوف يبتاعُ لي الشوكولاتة؟!
أجاب...
— سأرسلُ نصفَ الأسطولِ الفضائيِّ كي يُحضِرَ لكِ شوكولاتةَ روبينا...
قالت...
— أأنتَ كسولٌ إلى هذه الدرجة؟! لن تُحضِرَها لأجلي؟!
أجاب...
— لن أُفارقَكِ مرةً أخرى، ولو للحظة...
لن أفقدَكِ مرةً أخرى...
أبدًا...
تساءلت في رقة...
— كيف أنقذتني يا صغيري؟!
أجاب...
— إنَّه البعدُ الخامس...
ضحكت قائلةً...
— يا خالقَ السماوات... يحتوي الفضاءُ على أحدَ عشرَ بُعدًا... لا يزالُ لدينا الكثيرُ إذًا...
لكن...
لِمَ كلُّ ذلك؟!
لِمَ لا نجلسُ جوارَ المدفأةِ ليلًا، ونحتسي الشوكولاتةَ الساخنةَ يا صغيري؟!
أجاب ضاحكًا...
— إنَّه ذلك المؤلفُ المخبول...
نيا هاهاهاهاها...
ضحكت وقالت...
— لا بأس...
ما دامَ يستمرُّ في دفعِ رواتبِنا بالزاحو...
هاهاهاهاها...
أردف...
— ما رأيكِ في إجازةٍ يا صغيرتي؟!
تساءلت...
— أين؟!
أجاب...
— في مصر...
حيثُ تضعينَ ولدَنا في عشِّ حبِّنا يا طائرَ ليلِي المُغرِّد...
همست...
— يا لها من فكرة...
لكن أخبرني...
بمَ سوف تُسمي ولدَنا؟!
أجاب...
— مصطفى...
هتفت...
— الله...
يا له من اسمٍ جميل...
لِمَ اخترتَ هذا الاسمَ بالذات؟!
أجاب...
— هو اسمٌ عزيزٌ لديَّ...
مثلُه مثلُ حبيبة...
همست في حنان...
— كما ترى يا صغيري...
حبيبة: طائرُ ليلِك المغرد... عشُّ حبِّكم...
إذًا...
روبينا سوف تبيض...
نيا هاهاهاهاها...
آدم: سوف أُحوِّلكِ إلى جهاز PlayStation 5 يا حبيبة...
حبيبة: رباه...
تكنولوجيا عتيقة منذ خمسةَ عشرَ قرنًا...
لن أتنمرَ على روبينا مرةً أخرى عندما تبيضُ، أيها القائد...
نيا هاهاهاهاها...
روبينا: لا عليكَ منها يا آدم...
فهي حبيبتي...
آدم: إذًا سنطوفُ الفضاءَ معًا سويًّا...
أنا...
وأنتِ...
وحبيبة...
ومصطفى...
روبينا: إن شاء الله.
آدم: وما رأيكِ أن نذهبَ إلى حفلِ افتتاحِ الهرمِ الأكبر؟!
روبينا: ألقيتُ دعوةً من صديقِك نفرع...
كيف حالُه يا تُرى؟!
هل تزوج؟!
آدم: ومَن سترضى بذلك المخبولِ زوجًا سوى مومياءَ مُرضعةِ سكنن رع؟!
نيا هاهاهاهاها...
آدم:
حبيبة...
إلى الأرض...
اخترقي الفضاء...
حبيبة: حسنًا أيها القائد...
الفضاءُ السيبرانيُّ أحلى مع هدهوديات.
د سامح هدهود






























