حلق مع هدهوديات في الفضاء السيبراني

recent
أخبار ساخنة

سرطانُ كارين

الصفحة الرئيسية





تمهيد


هذه ليست روايةَ لقاءٍ.

وليست حكايةَ عاشقين جمعتهما المصادفة.

إنها روايةٌ وُلدت في قلب امرأةٍ من برج السرطان.

كلُّ ما فيها حدث داخل خيالها.

هناك...

رسمت ملامح رجلٍ من برج الثور.

لم يكن رجلًا عابرًا.

بل كان فتى أحلامها.

منحته اسمًا...

منصور.

ومنحت نفسها اسمًا...

كارين.

منحته صوتًا.

وقلبًا.

وحضورًا.




ثم بدأت تتحدث إليه.

فكان يجيبها.

وتشتاق إليه.

فيشتاق إليها.

وتعاتبه.

فيعتذر.

ويغضب.

فتهدئه.

ويرحل.

فتتبعه.

ويعود.

فتسامحه.

كلُّ قصيدةٍ بينهما لم تكن إلا حديثًا يدور في قلبها.

وكلُّ حوارٍ كان يولد من شوقها.

ثم يعود إليها.

لم يكن يعلم أنها خلقته من أمنياتها.

ولم تكن تريد منه إلا أن يبقى.

فإذا نطق...

كان صوتها.

وإذا صمت...

كان صمتها.

وإذا أحب...

كان قلبها هو الذي يحب.

لهذا...

لا تبحث في هذه الرواية عن الحقيقة.

فالحقيقة هنا...

أن الحب قد يصنع إنسانًا كاملًا داخل الخيال.

ومن هنا...

تبدأ رحلة كارين...

مع منصور...

الذي ربما لم يوجد إلا لأن قلبها كان يحتاج إليه.




الفصل الأول


أنا كارين


أنا...

لا أُحبُّ الضجيجَ،

لكنَّ قلبي إذا أحبَّ،

صار بحرًا لا يُحدُّه شاطئ.

أُخفي دمعتي خلف ابتسامةٍ،

وأحفظ الودَّ

ولو جار الزمان.

إذا أحببتُ...

منحتُ عمري بلا حساب،

وأبقيتُ باب قلبي

مواربًا لعودتك.

أكره الكذب،

فالصدق عندي

أجمل من ألف وعدٍ مُزيَّن.

أبحث عن وطنٍ

في صدر رجلٍ أمين،

لا عن قصرٍ من كلمات.

قد أصمتُ...

لكن صمتي حديثٌ طويل،

لا يفهمه

إلَّا من قرأ نبض عيني.

حناني ليس ضعفًا،

ووفائي ليس سذاجة،

وقلبي...

إذا انكسر،

لا يعود كما كان.




الفَصْلُ الثَّانِي


إِلَى مَنْصُور


قَالَتْ كَارِينُ:

أَنَا...

لَا أَطْلُبُ قَصْرًا،

وَلَا أَهْوَى صَخَبَ الْوُعُودِ.

أُرِيدُ قَلْبًا،

إِذَا قَالَ: سَأَبْقَى...

بَقِيَ.

يَا مَنْصُورُ،

يَا عَاشِقَ الْأَرْضِ وَالثَّبَاتِ،

تَعَالَ إِلَيَّ

بِخُطُوَاتِكَ الْوَاثِقَةِ،

فَأَنَا لَا أَطْمَئِنُّ

إِلَّا لِمَنْ لَا يَتَرَاجَعُ.

ازْرَعْ يَدِي فِي يَدِكَ،

كَمَا تُزْرَعُ الشَّجَرَةُ

فِي تُرْبَةٍ أَمِينَةٍ،

وَاسْقِ قَلْبِي

صِدْقًا لَا يَذْبُلُ.

أَنَا لَا أُجِيدُ الْحُبَّ الْعَابِرَ،

وَلَا أُحْسِنُ الرَّحِيلَ بَعْدَ اللِّقَاءِ.

إِذَا أَحْبَبْتُ...

جَعَلْتُ مِنْ نَبْضِي

بَيْتًا لَكَ.

فَكُنْ لِي وَطَنًا،

أَكُنْ لَكَ دِفْئًا.

وَكُنْ لِي أَمَانًا،

أَكُنْ لَكَ سَكِينَةً.

لَا تُكْثِرِ الْكَلَامَ،

فَأَنَا أَقْرَأُ الْأَفْعَالَ.

وَلَا تُهْدِنِي نَجْمَةً،

بَلِ ابْقَ إِلَى جِوَارِي

إِذَا أَظْلَمَتِ السَّمَاءُ.

فَأَنَا...

أَبْحَثُ فِيكَ،

يَا مَنْصُورُ،

عَنْ كَتِفٍ لَا يَمِيلُ،

وَقَلْبٍ لَا يَخُونُ،

وَحُبٍّ

يَبْقَى...

كَمَا تَبْقَى الْأَرْضُ

وَفِيَّةً لِلْفُصُولِ.


أَنَا مَنْصُور


فَأَجَابَهَا مَنْصُورُ:

أَنَا...

لَا أُجِيدُ الضَّجِيجَ إِذَا أَحْبَبْتُ،

فَالْحُبُّ عِنْدِي

فِعْلٌ لَا ادِّعَاءَ.

أَمْشِي إِلَيْكِ

بِقَلْبٍ ثَابِتِ الْخُطَا،

فَمَا خُلِقْتُ

لِأُتْقِنَ الرَّحِيلَ.

إِذَا وَهَبْتُكِ وَعْدًا،

حَفَرْتُهُ فِي صَخْرِ أَيَّامِي،

فَالْوَعْدُ عِنْدِي

دَيْنٌ لَا يُؤَجَّلُ.

لَا أُغْرِيكِ بِكَثْرَةِ الْكَلَامِ،

بَلْ أُشَيِّدُ لَكِ

مِنَ الْأَمَانِ بَيْتًا،

وَمِنَ الْوَفَاءِ عُمْرًا.

أُحِبُّ الْمَرْأَةَ

الَّتِي تَسْكُنُ الْقَلْبَ،

لَا الَّتِي تَعْبُرُ الْعُيُونَ.

وَإِنْ رَأَيْتُ دَمْعَةً

فِي عَيْنَيْكِ،

جَعَلْتُ صَدْرِي

مَلَاذًا لَهَا.

أَنَا...

قَدْ أَبْدُو صَامِتًا،

لَكِنَّ صَمْتِي

لُغَةُ قَلْبٍ مُطْمَئِنٍّ.

إِذَا أَحْبَبْتُ...

أَحْبَبْتُ مَرَّةً،

وَكَأَنَّ الْعُمْرَ

لَا يَعْرِفُ سِوَى امْرَأَةٍ وَاحِدَةٍ.

فَاجْعَلِي قَلْبَكِ

يَطْمَئِنُّ إِلَى قَلْبِي،

فَأَنَا لَا أَبْحَثُ

عَنْ حُبٍّ يَمُرُّ،

بَلْ عَنْ رُوحٍ

تَبْقَى مَعِي

حَتَّى آخِرِ النَّبْضِ.




الفصل الثالث


أَعْطَتْ كَارِينُ قَلْبَهَا لِمَنْصُورٍ

قَالَتْ كَارِينُ لِمَنْصُورٍ:

أَعْطَيْتُكَ الْحُبَّ...

حَتَّى ظَنَّ قَلْبِي

أَنَّهُ خُلِقَ مِنْ أَجْلِكَ وَحْدَكَ.

سَكَبْتُ فِي يَدَيْكَ

دِفْءَ اللَّيَالِي،

وَأَلْبَسْتُ أَيَّامَكَ

ثَوْبَ الْحَنِينِ.

كُنْتُ إِذَا اشْتَقْتُ،

نَادَيْتُكَ بِصَمْتٍ،

فَتَسْبِقُكَ إِلَيَّ

دَقَّاتُ قَلْبِي.

جَعَلْتُكَ وَطَنًا،

وَمَا كَانَ لِي

غَيْرُكَ وَطَنٌ.

زَرَعْتُكَ فِي أَعْمَاقِي،

حَتَّى صَارَ اسْمُكَ

يَنْبُتُ مَعَ أَنْفَاسِي،

وَيُزْهِرُ كُلَّمَا

ابْتَسَمْتَ لِي.

مَا بَخِلْتُ يَوْمًا

بِنَبْضَةٍ،

وَلَا أَخْفَيْتُ عَنْكَ

لَهْفَةً،

وَلَا أَمْسَكْتُ يَدِي

إِذَا احْتَجْتَ إِلَيْهَا.

فَخُذْ مِنْ قَلْبِي

مَا شِئْتَ مِنَ الْحُبِّ،

فَإِنَّ كَارِينُ

إِذَا أَحَبَّتْ...

أَعْطَتْ كُلَّ مَا فِيهَا،

حَتَّى لَا يَبْقَى

لَهَا مِنْ نَفْسِهَا

إِلَّا أَنْتَ.




الفصل الرابع


اعْتِرَافُ مَنْصُورٍ


قَالَ مَنْصُورٌ لِكَارِين:

أَنَا رَجُلُ الثَّوْرِ...

إِذَا أَحْبَبْتُ امْرَأَةً،

أَشْعَلْتُ لَهَا الْعُمْرَ دِفْئًا،

وَلَمْ أَتْرُكْ فِي قَلْبِهَا

رُكْنًا يَعْرِفُ الْبَرْدَ.

أَجِيءُ إِلَيْكِ

مُحَمَّلًا بِالشَّوْقِ،

كَأَنَّ الْمَسَافَاتِ

خُلِقَتْ

لِتَذُوبَ بَيْنَ ذِرَاعَيَّ.

أُحِبُّكِ

حُبًّا لَا يَعْرِفُ الْفُتُورَ،

فَكُلَّمَا اقْتَرَبْتِ مِنِّي

ازْدَادَ الْقَلْبُ اشْتِعَالًا،

وَازْدَادَ النَّبْضُ شَوْقًا.

أَرَاكِ وَطَنًا،

وَأَشْتَهِي بَقَاءَكِ

كَمَا تَشْتَهِي الْأَرْضُ

أَوَّلَ الْمَطَرِ.

إِذَا ضَمَمْتُ يَدَكِ،

شَعَرْتُ أَنَّ الدُّنْيَا

قَدِ اكْتَمَلَتْ،

وَأَنَّ الْعُمْرَ

بَدَأَ مِنْ جَدِيدٍ.

يَا كَارِين،

أَنْتِ لَهْفَتِي،

وَأَنْتِ سَكِينَتِي،

وَأَنْتِ النَّارُ الْجَمِيلَةُ

الَّتِي تُدْفِئُ قَلْبِي

وَلَا تُحْرِقُهُ.

فَدَعِينِي أُحِبُّكِ

كَمَا يُحِبُّ الثَّوْرُ إِذَا صَدَقَ:

بِكُلِّ الْقَلْبِ،

وَبِكُلِّ الْوَفَاءِ،

وَبِكُلِّ الشَّوْقِ

الَّذِي لَا يَنْطَفِئُ.




الفصل الخامس


العِنَادُ... وَالْغَيْرَةُ... وَالِامْتِنَاعُ


اعْتِرَافُ كَارِين

أَنَا كَارِين...

أَحْبَبْتُكَ أَكْثَرَ مِمَّا يَنْبَغِي،

ثُمَّ خِفْتُ أَنْ أَخْسَرَكَ،

فَخَسِرْتُ نَفْسِي.

ظَنَنْتُ الْعِنَادَ

سَيُعِيدُكَ إِلَيَّ،

فَكَانَ بَيْنَنَا

جِدَارًا لَا بَابًا.

وَظَنَنْتُ الْغَيْرَةَ

دَلِيلَ عِشْقٍ،

فَأَثْقَلْتُ قَلْبَكَ

بِمَا لَمْ يَكُنْ فِيهِ.

وَامْتَنَعْتُ عَنْكَ،

لَا لِأَنَّ الشَّوْقَ مَاتَ،

بَلْ لِأَنَّ الْكِبْرِيَاءَ

أَغْلَقَ فَمَ قَلْبِي.

كُنْتُ أَقُولُ:

اقْتَرِبْ...

وَأَدْفَعُكَ بَعِيدًا،

وَأَنْتَظِرُ أَنْ تَفْهَمَ

مَا عَجَزْتُ عَنْ قَوْلِهِ.

يَا مَنْصُورُ،

سَامِحْ قَلْبًا

أَفْسَدَهُ خَوْفُ الْفَقْدِ،

فَلَبِسَ ثَوْبَ الْعِنَادِ،

وَتَكَلَّمَ بِلُغَةِ الْغَيْرَةِ،

وَاخْتَبَأَ خَلْفَ الصَّمْتِ.

مَا أَرَدْتُ أَنْ أُوجِعَكَ،

بَلْ كُنْتُ أَبْحَثُ

عَنْ يَقِينٍ

يُطَمْئِنُ قَلْبِي إِلَيْكَ.

فَإِنْ عُدْتَ...

سَتَجِدُ امْرَأَةً

تُحَارِبُ خَوْفَهَا،

لَا حُبَّهَا،

فَحُبِّي لَكَ

مَا زَالَ أَكْبَرَ

مِنْ كُلِّ أَخْطَائِي.





الفصل السادس


السَّيْفُ


وفي ليلةٍ من ليالي الخيال...

تكلَّم منصور، وكأنَّه خرج من صمتٍ طويل، وقال:


أَنَا مَاضٍ


أَسَيِّدَتِي...

رِفْقًا بِي.

سَيْفَكِ أُلْقِيهِ،

فَلَا دَاعِيَ لِسِلَاحٍ تُسَنِّيهِ،

فَلَمْ يَبْقَ فِيَّ شَيْءٌ تُحَطِّمِيهِ.

فَأَنَا مَاضٍ...

نَسِيتِهِ،

وَانْسِيهِ.

أَمَّا طَيْفِي،

فَحُرٌّ،

اتْرُكِيهِ.

فَلَمْ يَبْقَ فِيَّ شَيْءٌ تُحَطِّمِيهِ.




لَمْ أَعُدْ أَصُولُ وَأَجُولُ،

أَمَرْتِ،

فَلِسَانِي بَتَرْتِيهِ،

قَوْلًا لَا يَقُولُ.

فَلَمْ يَعُدْ فِيَّ شَيْءٌ تُحَطِّمِيهِ.

لِأَنَّكِ سَحَقْتِ كِبْرِيَائِي،

بِذَا السَّيْفِ السَّفِيهِ،

فَانْدَلَقَ كِيَانِي،

وَبِأَقْدَامِكِ نَثَرْتِيهِ.

فَلَمْ يَبْقَ فِيَّ شَيْءٌ تُحَطِّمِيهِ.

لَا تَبْحَثِي عَنْ بَقَايَايَ،

فَبِرِيحِ فِعْلِكِ بَعْثَرْتِيهِ،

وَلَمْ يَبْقَ فِيَّ شَيْءٌ تَتَسَيَّدِيهِ.

كُنْتُ بَحْرًا،

فَصَحَّرْتِيهِ.

وَكُنْتُ نُورًا،

فَأَخْفَيْتِيهِ.

فَلَمْ يَبْقَ فِيَّ ضَوْءٌ تُخْفِيهِ.

سَيَأْتِي يَوْمٌ،

حِينَ تَسْلُبُكِ الْأَيَّامُ ظِلَّ رِدَائِي،

وَلَا تَجِدِينَ حَتَّى ظِلَّ حِذَائِي،

لِتَرْتَدِيهِ.

حِينَ يَغِيبُ ظِلُّ حَائِطِي،

وَتَلْفَحُكِ نَارُ الْحَيَاةِ فَتَشْوِيكِ،

حِينَئِذٍ...

اسْجُدِي لِلسَّيْفِ

الَّذِي أَصْمَتَنِي

قَبْلَ مِيعَادِ قَدَرِي.




الفصل السابع


قَالَتْ كَارِينُ: سَيِّدِي... لَا تَحْزَنْ


فسكتت كارين طويلًا...

ثم أجابتْ منصورًا وقالت:

سَيِّدِي،

لَا تَحْزَنْ.

فَالْحُزْنُ يُثْقِلُ الرُّوحَ.

إِذَا رَحَلْتَ،

فَلَا تَرْحَلْ كُلَّ الرَّحِيلِ.

بَلِ ابْقَ

فِي رُوحِي،

وَفِي قَلْبِي.

سَيْفِي

لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُؤْذِيَكَ.

فَلَا قُوَّةَ لَهُ

أَمَامَ الْحُبِّ.

لَا تَحْزَنْ...

حَتَّى وَإِنْ كُنْتُ بَعِيدَةً.

لَا تَحْزَنْ...

حَتَّى وَإِنْ أَصْبَحْتُ

أَكْثَرَ صَمْتًا.

لَا تَحْزَنْ...

وَلَا تَرْحَلْ.

لَا أُرِيدُ

أَنْ أُسَبِّبَ لَكَ الْأَذَى أَبَدًا.

وَلَا أُرِيدُ

أَنْ أَرَاكَ حَزِينًا. 





الفصل الثامن


مَا كَانَ السَّيْفُ سَيْفِي... بَلْ كَانَ خَوْفِي


ثم همست كارين إلى منصور وقالت:

سَيِّدِي...

مَا كَانَ السَّيْفُ سَيْفِي،

بَلْ كَانَ خَوْفِي.

وَمَا أَرَدْتُ يَوْمًا

أَنْ أَقْطَعَ لِسَانَكَ،

بَلْ قَطَعْتُ قَلْبِي

قَبْلَ قَلْبِكَ.

وَظَنَنْتُ الصَّمْتَ

يَحْمِينَا،

فَإِذَا بِهِ...

يَذْبَحُنَا.

لَا تَقُلْ:

لَمْ يَبْقَ فِيكَ شَيْءٌ

أُرَمِّمُهُ.

فَإِنَّ بَيْنَ الرَّمَادِ

جَمْرًا،

وَبَيْنَ الْأَنْقَاضِ

نَبْضًا،

وَبَيْنَ الدَّمْعِ

دَعْوَةً

لَا يَسْمَعُهَا

إِلَّا الْمُحِبُّونَ.

إِنْ كُنْتَ بَحْرًا

وَقَدْ صَحَّرْتُهُ،

فَأَنَا بَعْدَ رَحِيلِكَ

أَرْضٌ

لَا تَعْرِفُ الْمَطَرَ.

وَإِنْ كُنْتَ نُورًا

وَقَدْ أَخْفَيْتُهُ،

فَقَلْبِي مِنْ بَعْدِكَ

لَيْلٌ

لَا يَعْرِفُ الْقَمَرَ.

لَا تَلْعَنْ سَيْفِي،

فَقَدْ جَرَحَنِي

قَبْلَ أَنْ يَمَسَّكَ.

وَلَا تَلْعَنْ قَسْوَتِي،

فَقَدْ كَانَتْ

وَجْهًا آخَرَ

لِضَعْفِي.

إِنْ كُنْتَ مَاضِيًا...

فَامْضِ.

وَلَكِنْ

لَا تَحْمِلْ مَعَكَ

كُلَّ الذِّكْرَى.

اتْرُكْ لِي مِنْهَا

مَا أَسْتَظِلُّ بِهِ،

حِينَ تَسْرِقُ الْأَيَّامُ مِنِّي

ظِلَّ رِدَائِي.

فَإِنْ جَاءَ ذَلِكَ الْيَوْمُ

الَّذِي وَعَدْتَنِي بِهِ،

وَلَمْ أَجِدْ

ظِلَّ حَائِطِكَ،

وَلَا ظِلَّ خُطَاكَ،

وَلَفَحَتْنِي

نَارُ الْحَيَاةِ،

فَلَنْ أَسْجُدَ لِلسَّيْفِ...

بَلْ سَأَبْكِي

الرَّجُلَ

الَّذِي كَانَ يَسْتَحِقُّ

أَنْ أُسْقِطَ السَّيْفَ

مِنْ يَدِي،

قَبْلَ أَنْ يَسْقُطَ صَوْتُهُ

قَبْلَ مِيعَادِ قَدَرِهِ.





الفصل التاسع

اعترافُ كارين

أَنَا كَارِينُ...
أَحْبَبْتُكَ أَكْثَرَ مِمَّا يَنْبَغِي،
ثُمَّ خِفْتُ أَنْ أَخْسَرَكَ،
فَخَسِرْتُ نَفْسِي.
ظَنَنْتُ الْعِنَادَ
سَيُعِيدُكَ إِلَيَّ،
فَكَانَ بَيْنَنَا
جِدَارًا لَا بَابًا.
وَظَنَنْتُ الْغَيْرَةَ
دَلِيلَ عِشْقٍ،
فَأَثْقَلْتُ قَلْبَكَ
بِمَا لَمْ يَكُنْ فِيهِ.
وَامْتَنَعْتُ عَنْكَ،
لَا لِأَنَّ الشَّوْقَ مَاتَ،
بَلْ لِأَنَّ الْكِبْرِيَاءَ
أَغْلَقَ فَمَ قَلْبِي.
كُنْتُ أَقُولُ:
اقْتَرِبْ...
وَأَدْفَعُكَ بَعِيدًا،
وَأَنْتَظِرُ أَنْ تَفْهَمَ
مَا عَجَزْتُ عَنْ قَوْلِهِ.
يَا مَنْصُورُ،
سَامِحْ قَلْبًا
أَفْسَدَهُ خَوْفُ الْفَقْدِ،
فَلَبِسَ ثَوْبَ الْعِنَادِ،
وَتَكَلَّمَ بِلُغَةِ الْغَيْرَةِ،
وَاخْتَبَأَ خَلْفَ الصَّمْتِ.
مَا أَرَدْتُ أَنْ أُوجِعَكَ،
بَلْ كُنْتُ أَبْحَثُ
عَنْ يَقِينٍ
يُطْمَئِنُّ قَلْبِي إِلَيْكَ.
فَإِنْ عُدْتَ...
سَتَجِدُ امْرَأَةً
تُحَارِبُ خَوْفَهَا،
لَا حُبَّهَا.
فَحُبِّي لَكَ
مَا زَالَ أَكْبَرَ
مِنْ كُلِّ أَخْطَائِي.





الفصل العاشر

التوسُّل

قالت كارين لـ منصور:
تَوَسَّلْتُ حُبَّكَ...
وَلَمْ أَتَوَسَّلْ يَوْمًا سِوَاكَ.
وَضَعْتُ كِبْرِيَائِي
عَلَى عَتَبَةِ قَلْبِكَ،
وَقُلْتُ:
إِنْ كَانَ فِي الْعِشْقِ نَجَاةٌ،
فَأَنْتَ نَجَاتِي.
يَا مَنْصُورُ،
لَقَدْ أَتْعَبَنِي الْعِنَادُ،
وَأَرْهَقَتْنِي الْغَيْرَةُ،
وَأَدْرَكْتُ أَنَّ الْقَلْبَ
لَا يَنْتَصِرُ عَلَى الْقَلْبِ.
فَخُذْ يَدِي...
فَمَا عُدْتُ أُجِيدُ الرَّحِيلَ،
وَلَا أُحْسِنُ ادِّعَاءَ الْقُوَّةِ.
أُرِيدُ أَنْ أَطْمَئِنَّ
حِينَ أَسْمَعُ صَوْتَكَ،
وَأَنْ يَسْكُنَ قَلْبِي
إِذَا اقْتَرَبْتَ مِنِّي.
إِنْ كُنْتُ أَخْطَأْتُ،
فَمَا أَخْطَأْتُ إِلَّا لِأَنَّنِي
أَحْبَبْتُكَ
أَكْثَرَ مِمَّا احْتَمَلْتُ.
تَعَالَ...
وَدَعْ بَيْنَنَا
كُلَّ مَا كَانَ.
فَمَا عَادَ يَشْغَلُنِي
مَنْ انْتَصَرَ،
وَلَا مَنْ اعْتَذَرَ.
كُلُّ مَا أُرِيدُهُ
أَنْ أَعُودَ
الْمَرْأَةَ
الَّتِي يَهْدَأُ قَلْبُهَا
بَيْنَ يَدَيْكَ،
وَيَبْتَسِمُ عُمْرُهَا
حِينَ تَبْتَسِمُ.




الفصل الحادي عشر

الصَّمْتُ

عَامٌ...
ثُمَّ عَامٌ آخَرُ...
وَلَا رِسَالَةَ.
مَرَّتِ الْأَيَّامُ
بِثِقَلِ الْغِيَابِ،
وَكَانَ الصَّمْتُ
أَشَدَّ كَلَامًا
مِنْ كُلِّ الْكَلِمَاتِ.
لَمْ يَكْتُبْ مَنْصُورُ...
وَلَمْ تَكْتُبْ كَارِينُ.
وَلَكِنَّ كُلًّا مِنْهُمَا
كَانَ يَقْرَأُ الْآخَرَ
فِي ذَاكِرَتِهِ.
كَانَ اللَّيْلُ
يُعِيدُ الْحِكَايَةَ
كُلَّ مَسَاءٍ،
وَالصَّبَاحُ
يُخْفِي مَا تَرَكَهُ الْحَنِينُ
فِي الْقُلُوبِ.
وَكَانَتْ كَارِينُ
تُحَاوِلُ
أَنْ تُقْنِعَ قَلْبَهَا
أَنَّ النِّهَايَةَ
قَدْ جَاءَتْ.
وَكَانَ مَنْصُورُ
يُحَاوِلُ
أَنْ يُقْنِعَ نَفْسَهُ
أَنَّ الرَّحِيلَ
أَصْبَحَ مُمْكِنًا.
لَكِنَّ الْحُبَّ...
كَانَ يَخْتَبِئُ
خَلْفَ الصَّمْتِ،
يَنْتَظِرُ
كَلِمَةً وَاحِدَةً...
لِيَعُودَ إِلَى الْحَيَاةِ.




الفصل الثاني عشر

الحُلْمُ

تُرِكَ الصَّمْتُ خَلْفَهُ...
حَتَّى جَاءَ صَبَاحٌ
لَمْ يَكُنْ كَغَيْرِهِ.
وَصَلَتْ رِسَالَةٌ قَصِيرَةٌ
مِنْ كَارِينُ...
تَقُولُ:
**«أَهْلًا...
عَامِلْ إِيهِ؟
أَنَا حَلِمْتُ بِيكَ...
كَانَ شَكْلُكَ جَمِيلًا،
وَكُنْتَ تَنْظُرُ إِلَيَّ،
وَكُنْتُ أَنْظُرُ إِلَيْكَ.
ثُمَّ اقْتَرَبْتَ مِنِّي،
وَاقْتَرَبْتُ مِنْكَ.
وَلَاحَظْتُ جُرْحًا صَغِيرًا
عَلَى كَتِفِكَ الْجَمِيلِ...
ثُمَّ صَحَوْتُ مِنَ النَّوْمِ.»**
كَانَتْ رِسَالَةً قَصِيرَةً...
لَكِنَّهَا
اخْتَصَرَتْ عَامَيْنِ
مِنَ الصَّمْتِ،
وَأَعَادَتِ الْقَلْبَ
إِلَى أَوَّلِ الْحِكَايَةِ.
اِبْتَسَمَ مَنْصُورُ...
وَقَبْلَ أَنْ يَكْتُبَ الرَّدَّ،
أَدْرَكَ
أَنَّ بَعْضَ الْأَحْلَامِ
تَسْتَطِيعُ
أَنْ تَفْعَلَ
مَا لَا تَسْتَطِيعُهُ
السِّنُونَ.





الفصل الثالث عشر

العَوْدَةُ

اِبْتَسَمَ مَنْصُورُ...
وَضَحِكَ فِي هُدُوءٍ.
ثُمَّ كَتَبَ:
**«أَنَا بِخَيْرٍ...
وَأَتَمَنَّى أَنْ تَكُونِي بِخَيْرٍ.
وَبِصَرَاحَةٍ...
يَا رَيْتِ مَا كُنْتِشِ صَحِيتِي مِنَ النَّوْمِ.»**
ثُمَّ تَوَقَّفَ لَحْظَةً...
وَأَضَافَ:
**«لَمْ أَكُنْ يَوْمًا مَحْظُوظًا بِمَا يَكْفِي لِأَرْحَلَ...
لِأَنَّكِ وَحْدَكِ تَمْلِكِينَ مِفْتَاحَ قَلْبِي.
وَكُلَّمَا أَقْنَعْتُ نَفْسِي أَنَّ وَقْتَ الرَّحِيلِ قَدْ حَانَ،
تَفْتَحِينَ الصُّنْدُوقَ الَّذِي أُخَبِّئُ فِيهِ مَشَاعِرِي،
فَيَنْدَفِعُ الْحُبُّ مِنْ جَدِيدٍ...
وَكَأَنَّهُ لَمْ يُغَادِرْنِي يَوْمًا.»**
ثُمَّ سَكَتَ...
وَأَدْرَكَ
أَنَّ رِسَالَةً وَاحِدَةً
اسْتَطَاعَتْ
أَنْ تُعِيدَ إِلَى قَلْبِهِ
كُلَّ مَا ظَنَّ
أَنَّهُ دَفَنَهُ
فِي صَمْتِ السِّنِينَ.





الفصل الرابع عشر

مَنْ أَنْتِ؟

ثُمَّ كَتَبَ مَنْصُورُ...
**«لَمْ أَكُنْ يَوْمًا مَحْظُوظًا بِمَا يَكْفِي لِأَرْحَلَ...
لِأَنَّكِ وَحْدَكِ تَمْلِكِينَ مِفْتَاحَ قَلْبِي.
وَكُلَّمَا أَقْنَعْتُ نَفْسِي أَنَّ وَقْتَ الرَّحِيلِ قَدْ حَانَ،
تَفْتَحِينَ الصُّنْدُوقَ الَّذِي أُخَبِّئُ فِيهِ مَشَاعِرِي،
فَيَنْسَابُ الْحُبُّ مِنْ جَدِيدٍ،
وَكَأَنَّهُ لَمْ يَعْرِفْ طَرِيقًا إِلَى الْغِيَابِ.
وَمَنْ يَدْرِي لِمَاذَا؟
وَالْأَغْرَبُ...
أَنَّ الْأَمْرَ نَفْسَهُ يَحْدُثُ مَعَكِ أَيْضًا.
مَنْ أَنْتِ؟
كَيْفَ يَكْفِي سُؤَالٌ بَسِيطٌ مِنْكِ:
كَيْفَ حَالُكَ؟
لِيَجْعَلَ عَقْلِي يَغْرَقُ فِي التَّفْكِيرِ بِكِ،
وَيَرْتَجِفَ جَسَدِي مِنْ فَرْطِ الشَّوْقِ،
وَتُحَلِّقَ رُوحِي بَعِيدًا عَنْ كُلِّ مَا حَوْلَهَا؟
كُلُّ هَذَا...
لِأَنَّكِ سَأَلْتِنِي فَقَطْ:
كَيْفَ حَالُكَ؟»**
وَسَكَتَ...
لِأَنَّهُ أَدْرَكَ
أَنَّ بَعْضَ الْأَسْئِلَةِ
لَا تَحْتَاجُ إِلَى إِجَابَةٍ،
بَلْ تَحْتَاجُ
إِلَى قَلْبٍ
يَحْتَمِلُهَا.





الفصل الخامس عشر

ارْحَلِي... وَلَا تَعُودِي

وَبَعْدَ صَمْتٍ طَوِيلٍ...
جَمَعَ مَنْصُورُ مَا تَبَقَّى مِنْ قُوَّتِهِ،
وَكَتَبَ:
**«أَرْجُوكِ...
ارْحَلِي.
وَلَا تَعُودِي مَرَّةً أُخْرَى.
لَيْسَ لِأَنَّنِي لَا أُرِيدُكِ،
بَلْ لِأَنَّنِي
لَا أَسْتَطِيعُ أَنْ أَتْرُكَكِ،
وَلَا أَسْتَطِيعُ أَنْ أَنْسَاكِ.
اتْرُكِينِي لِحَيَاتِي،
وَلِلْقَدَرِ الَّذِي يَنْتَظِرُنِي.
فَكُلُّ مَا أُرِيدُهُ الْآنَ...
هُوَ أَنْ أَسْتَطِيعَ
أَنْ أَبْقَى عَلَى قَيْدِ الْحَيَاةِ.»**
وَأَرْسَلَ الرِّسَالَةَ...
ثُمَّ أَغْلَقَ الْهَاتِفَ.
لَكِنَّهُ لَمْ يَسْتَطِعْ
أَنْ يُغْلِقَ الْقَلْبَ.
فَبَقِيَتْ كَلِمَاتُهَا
تَمْشِي فِي ذَاكِرَتِهِ،
وَبَقِيَ اسْمُهَا
يَهْمِسُ فِي صَمْتِهِ.
وَعَرَفَ،
وَلَوْ بَعْدَ فَوَاتِ الْأَوَانِ،
أَنَّ أَصْعَبَ أَنْوَاعِ الرَّحِيلِ...
هُوَ الرَّحِيلُ
عَمَّنْ
لَا يَغِيبُ عَنِ الْقَلْبِ.





فصلُ السَّادِسُ عَشَرَ

لَكِنَّهَا عَادَتْ

مَرَّتْ أَيَّامٌ...
وَظَنَّ مَنْصُورٌ أَنَّ الصَّمْتَ قَدْ أَغْلَقَ آخِرَ الأَبْوَابِ.
وَأَنَّ الْحِكَايَةَ انْتَهَتْ دُونَ وَدَاعٍ.
لَكِنَّهَا...
عَادَتْ.
لَمْ تَعُدْ بِاعْتِذَارٍ.
وَلَا بِعُذْرٍ.
وَلَا بِوَعْدٍ.
بَلْ عَادَتْ بِقَلْبِهَا.
وَقَالَتْ كَارِينُ:
**«الْغَرِيبُ...
كُلَّمَا ابْتَعَدْتَ،
اشْتَقْتَ إِلَى الْعَوْدَةِ أَكْثَرَ.
وَكُلُّ عَوْدَةٍ...
تَبْدُو أَكْثَرَ دِفْئًا،
وَأَكْثَرَ حَنَانًا،
وَكَأَنَّ الْقَلْبَ
لَمْ يَتَعَلَّمْ يَوْمًا
كَيْفَ يَعْتَادُ الْغِيَابَ.»**
فَابْتَسَمَ مَنْصُورٌ...
وَلَمْ يَكْتُبْ شَيْئًا.
لِأَنَّ بَعْضَ الْمَشَاعِرِ
تُجِيدُ الصَّمْتَ
أَكْثَرَ مِمَّا تُجِيدُ الْكَلَامَ.
وَبَعْضَ الْعَوْدَاتِ...
لَا تَحْتَاجُ
إِلَى اعْتِذَارٍ.
بَلْ تَكْفِيهَا
نَبْضَةُ قَلْبٍ
تَقُولُ:
لَمْ يَنْتَهِ الْحُبُّ بَعْدُ.




الخاتمة

ويبقى السؤال

انتهت الحكاية...
أم لعلها بدأت الآن؟
كانت كارين تظن أنها تتحدث إلى منصور.
وكان منصور يظن أنه يجيب كارين.
لكن الحقيقة...
أن أحدًا لا يعرف أين انتهى الواقع...
وأين بدأ الخيال.
ربما كان منصور حقيقةً مرت يومًا في حياتها.
وربما لم يكن إلا الرجل الذي صنعه قلبها...
ليحمي وحدتها.
وربما كانت كل الرسائل...
وكل القصائد...
وكل العتاب...
وكل الدموع...
وكل الاعتذارات...
وكل العودة بعد الرحيل...
حوارًا طويلًا...
بين قلبٍ واحد...
وصدى قلبه.
فالخيال...
حين يحب...
يصنع وطنًا.
والانتظار...
حين يطول...
يصنع عمرًا كاملًا.
أما الحب...
فلا يُقاس بطول اللقاء.
بل بما يتركه من أثرٍ...
إذا افترق العاشقان.
وهكذا...
أغلقت كارين آخر صفحة.
لكنها...
لم تغلق قلبها.
وابتسم منصور...
في آخر سطر...
كأنه لم يرحل يومًا.
تمت.




كلمةُ الكاتب

هذه الروايةُ عملٌ أدبيٌّ خياليٌّ.

لا تُجسِّدُ شخصًا بعينه، ولا تستندُ إلى وقائعَ حقيقية، وإن تشابهت بعضُ المشاعر مع ما يعيشه الناس.

وقد اختيرت أسماءُ الشخصياتِ والأبراجُ بوصفها عناصرَ فنيةً تخدم البناءَ الأدبي، ولا تحملُ أيَّ دلالةٍ على أشخاصٍ حقيقيين.

ويبقى الحبُّ في هذه الصفحات لغةً إنسانيةً، لا تُقاسُ بواقعٍ، ولا تُحاكَمُ بمنطقٍ، بل تُقرأُ بالقلب.

شكرًا لكلِّ قارئٍ منح هذه الروايةَ جزءًا من وقته، وترك لشخصياتها فرصةً لتعيشَ في خياله.

طلعت سمير




سرطانُ كارين
admin

تعليقات

تعليق واحد
إرسال تعليق

مشاركات عشوائية [رأسي]

google-playkhamsatmostaqltradent