حلق مع هدهوديات في الفضاء السيبراني

recent
أخبار ساخنة

ثَمَنُ الحَلْوَى

الصفحة الرئيسية




بودكاست "حكاوي المحروسة" 


(يُفتتح التسجيل بصوت أسماء الهادئ)


أسماء :

في مساءٍ هادئ، بعد نجاح حلقة "قلم رصاص"، اجتمعنا مجدداً في الاستوديو الصغير الذي صار يشبه ذاكرةً لا تنام.

الأوراق مبعثرة، وأضواء التسجيل خافتة، وكأن المكان كله يستعد لاعتراف جديد لا لحلقة عادية.


لقد انتهينا من القلم… لكنه لم ينتهِ منّا بعد.


(يضحك آدم ويُخرج قلم رصاص آخر من جيبه كالعادة)


آدم:

وهل سنظل عالقين في الأدوات المكتبية إلى الأبد؟


أسماء (وهي تجلس أمام الميكروفون):

اليوم لن نتحدث عن أداة تكتب… بل عن شيءٍ يذوب.

عن شيءٍ بدأ كشجرة في الغابات البعيدة، ثم انتهى كقطعة صغيرة في يد طفل، أو كوب ساخن في يد متعب.




سكتت لحظة، ثم أضافت:


أسماء:


اليوم نتحدث عن …


"ثَمَنُ الحَلْوَى..


لَيْسَ ثَمَنَهَا فِي المَحَلِّ،

بَلْ ثَمَنُهَا فِي التَّارِيخِ.

ثَمَنُهَا أَيْدٍ قُطِعَتْ فِي الغَابَاتِ،

وَعُيُونٌ بَكَتْ عَلَى شَوَاطِئِ الكُونْغُو،

وَأَحْلَامُ أَزْتِيكِيَّةٍ ذَابَتْ مَعَ الغَزْوِ الإِسْبَانِيِّ.

ثُمَّ جَاءَ السُّوَيْسْرِيُّونَ، فَحَوَّلُوا المَرَارَةَ إِلَى نُعُومَةٍ،

وَالبُخَارَ إِلَى قَالَبٍ لَامِعٍ.

وَفِي النِّهَايَةِ، تَصِلُ إِلَى يَدِ طِفْلٍ مِصْرِيٍّ،

لَا يَدْرِي أَنَّ لُقْمَتَهُ حَمَلَتْ ثَمَنَ عَالَمٍ كَامِلٍ.


اليوم نتحدث عن الشوكولاتة…

لكن ليس كما يعرفها الناس في المتاجر، بل كما عرفها التاريخ:

مرةً دمويةً أحياناً، إمبراطوريةً في أوقات، وحلوةً في النتيجة فقط.


أَهْلًا بِكُمْ فِي حَلَقَةٍ جَدِيدَةٍ مِنْ 'حَكَاوِي المَحْرُوسَةِ'..

حَيْثُ نَكْشِفُ مَعًا: مَنْ دَفَعَ الثَّمَنَ، وَمَنِ اسْتَمْتَعَ بِالحَلْوَى؟"


آدم (ناظراً إليها):

هل نبدأ من الطعم؟


أسماء:

بل نبدأ من الجذر… من الكاكاو… قبل أن يتعلم العالم كيف يبتسم له.


(بعد المقدمة، يضع آدم قلم الرصاص على الطاولة ويلتفت إلى أسماء)


آدم (وهو يحرك قلم الرصاص بين أصابعه):

أسماء، قبل أن نغوص في عالم الكاكاو الساخن، دعوني أستغلكِ في سؤال يخص اسم بودكاستنا. أنا كمصري، أعشق تاريخ بلدي، ولكن دائماً ما أتساءل: لماذا سميت مصر بـ "المحروسة" و"أم الدنيا"؟ بحثتُ في الكتب وجمعتُ لكِ ملخصاً، ولكن أريد أن أسمع رأيكِ، فأنتِ ابنة البلد، وخبيرة ثقافية!


أسماء (مبتسمة بفضول):

تفضل يا دكتور، أنا أسمع، ولكن أظن أنك ستُفاجئني بمعلوماتي أنا نفسي!


آدم (مستعداً لسرد الحكاية كالراوي الشعبي):

الحكاية طويلة وجميلة يا أسماء، وتبدأ من قديم الزمان، حيث لم تكن مصر مجرد أرض تعبرها الأنهار، بل كانت قصة ترويها الشعوب. ولكل قصة أسرار، وأسرار مصر تكمن في اسمين ارتبطا بها كتميمة حظ لا تفارقها.


أولاً: "أم الدنيا".

لها روايتان عظيمتان:

الرواية الأولى: بعد طوفان نوح عليه السلام، كان سيدنا نوح يوزع أبناءه وأحفاده في الأرض ليعمروها، وكان له حفيد يحبه كثيراً اسمه "مصرايم" (ابن حام بن نوح). دعا له نوح بدعوة مباركة: "اللهم إنه قد أجاب دعوتي، فبارك فيه وفي ذريته، وأسكنه الأرض المباركة، التي هي أم البلاد، وغوث العباد". فاستجاب الله، ورحل مصرايم واستقر على ضفاف النيل، فسميت الأرض باسمه "مصر".

الرواية الثانية: وهي الأعمق والأجمل، ترجع إلى السيدة هاجر المصرية، زوجة النبي إبراهيم وأم النبي إسماعيل عليهما السلام. وبما أن إسماعيل هو جد العرب المستعربة، فإن مصر تعتبر بمثابة "الأم" التي أنجبت نسل العرب! فهي أم بالدم قبل أن تكون أمّاً بالحضارة. ولما بنت الأهرامات، واخترعت الكتابة، وأطعمت العالم من خيراتها، تأكد الجميع أنها أم الدنيا حقاً.


أما "المحروسة"، فتأتي من العصر الفاطمي. ففي ليلة من ليالي عام 969 ميلادية، كان القائد جوهر الصقلي يبني سوراً ضخماً يلتف حول القاهرة، ووضع حراساً أشداء يقفون على الأسوار ليلاً ونهاراً، لا ينامون ولا يغفلون. فكان التجار والرحالة يقولون: "إنها المدينة المحروسة". ثم جاءت بركة آل البيت، ودعوة النبي يوسف عليه السلام في القرآن: {ادْخُلُوا مِصْرَ إِن شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ}، فامتزجت حراسة الأسوار بعناية الله، وأصبح اللقب لمصر كلها.




أسماء (مصفقة باستحسان):

ما شاء الله! درسٌ تاريخي متكامل! أنت بحثت في تاريخ مصر أكثر من بعض المؤرخين!


آدم (ضاحكاً):

أقول لك يا أسماء: لو كان الفراعنة قد عرفوا الكاكاو، لكنّا نجد اليوم أهراماً من الشوكولاتة، وكانوا يدفنون الملوك بقطع منها عوضاً عن الذهب!


(يضحكان سويًّا، ثم يعود آدم إلى محور الحلقة)


آدم:

والآن، دعينا نرجع إلى كاكاوينا. أسمع أنه يمر برحلة تعذيب أطول من رحلة بناء الأهرامات! حدثيني كيف يُصنع؟ بالتفصيل الممل الساخر الذي تعودت عليه!


أسماء (تضحك):

تفضل، أنا هنا لأتعلم!


آدم (يفرك يديه ويبدأ الشرح بشغف):

للوصول إلى قطعة شوكولاتة واحدة، تمر حبات الكاكاو بمراحل أكثر تعقيداً من مراحل التقاعد في مصر!

أولاً: التخمير. تُقطف القرون الناضجة، وتُفتح لاستخراج الحبوب اللزجة البيضاء. توضع في أوعية خشبية وتُغطى بأوراق الموز لتتخمر من 5 إلى 7 أيام. وكأننا نصنع الجبن، لكن بدل رائحة الجبن، ننتهي برائحة الجنة المطلوبة!

ثانياً: التجفيف. تُجفف الحبوب تحت الشمس لأسابيع، كأنها في عطلة صيفية في المزرعة.

ثالثاً: التحميص. تدخل الأفران بدرجة حرارة تتراوح بين 120 و150 درجة مئوية. هنا تنفجر النكهة الحقيقية، ويتطاير الغلاف الخارجي، وتظهر رائحة الشوكولاتة التي نعرفها.

رابعاً: الطحن والخلط. تُطحن الحبوب في مطاحن عملاقة لساعات، حتى تتحول إلى عجينة سائلة تُسمى "ماسة الكاكاو". تُستخرج منها زبدة الكاكاو (الدهون الثمينة)، ثم يُضاف السكر والحليب والمستحلبات حسب نوع الشوكولاتة المطلوب.

خامساً: الصقل أو "الكونشينغ" (وهي مرحلة سويسرية عبقرية). تُعرض الشوكولاتة السائلة للحرارة (60-80 درجة) والتقليب المستمر لمدة تتراوح بين 24 إلى 72 ساعة! ثلاثة أيام كاملة، والمكسات تدور بلا كلل، كأنها أم تهز مهد طفل عنيد لا يريد النوم! هذه العملية تُخرج الأحماض الطيارة، وتُغلّف جزيئات الكاكاو بالدهون، فتصبح ناعمة كالحرير، وتختفي أي نتوءات خشنة على اللسان.

سادساً: التبلور أو "التطبيع". وهنا يكمن السر الأعظم! تُحكَم السيطرة على حرارة الشوكولاتة بدقة متناهية (تُرفع إلى 45 درجة، ثم تُخفض إلى 28، ثم تُعاد إلى 32 درجة). هذه اللعبة السحرية هي التي تكسب الشوكولاتة بريقها اللامع، وطقطقتها المقرمشة عندما تُكسر، وثباتها في درجة حرارة الغرفة. تخيلي أن السويسريين يأخذون هذا الأمر بجدية أكبر من جدية وكالة ناسا في إطلاق الصواريخ!


وبعد كل هذا الجنون، تُبرد في قوالب، وتُغلف بأوراق الألومنيوم اللامعة. وفي النهاية، تصل إلى يدك لتذوب في فمك في ثلاث ثوانٍ!




أسماء (مذهولة):

يا إلهي! كل هذا الجهد، ثم نبتلعها في لحظة! طيب، دعنا نضحك قليلاً. سمعت أن هناك أنواعاً غريبة جداً من الشوكولاتة في العالم، ما هي أغربها؟


آدم (يضحك وهو يرفع حاجبيه):

أغرب أنواع الشوكولاتة؟ دعيني أخبرك عن جنون البشر حين يقررون إفساد أشياء جميلة!


أولاً: شوكولاتة الثوم والبصل! تباع في بعض المتاجر الأمريكية، تخيلي أن تقدم لحبيبتك قطعة شوكولاتة، فتأكلها ثم تقول لك: "رائحة فمك كأنك أكلت فولاً بالثوم طبخته جدتك!" أين الرومانسية هنا؟


ثانياً: شوكولاتة البيكون المقدد (Bacon Chocolate). خلطوا الدهون المالحة مع الحلاوة، وكأن الإنسان يقول لنفسه: "لماذا لا أدمر وجداني بسعادة واحدة؟" إنها مكّارة شيطانية لجعلك تأكل اللحم والتحلية في نفس اللحظة دون شعور بالذنب!


ثالثاً: شوكولاتة الحشرات! في اليابان، يبيعون شوكولاتة محشوة بالصراصير المقلية، أو بدقيق الجندب. تفتت الحشرات وتخلط مع الكاكاو، فتصير وجبة متكاملة من البروتين والسكر معاً! يُقال إن طعمها لذيذ، لكني أتساءل: من كان أول إنسان نظر إلى صرصور وقال: "هذا سيكون رائعاً مع القشدة!"؟


رابعاً: شوكولاتة الفلفل الحار القاتل! في المكسيك، يخلطون الكاكاو مع فلفل "كارولينا ريبر" الذي يكاد يكون أداة تعذيب أكثر منه طعاماً. تأكلها فتدمع عيناك وتشعر بأن فمك في حالة حرب نووية مع معدتك!


خامساً: شوكولاتة الجبن الأزرق! نعم، خلطوا العفن النفيس بالكاكاو السويسري. من قال إن الحلاوة والنفاذة لا يجتمعان؟ هو يقول ذلك، لكن بطنه قد يختلف!


سادساً: الشوكولاتة الفاخرة التي تباع بثمن خيالي، تُزيّن بالذهب الصالح للأكل واللؤلؤ. قطعة واحدة منها تكسب أكثر من راتب شهر! تخيلي أن تدفع آلاف الدولارات لتأكل معدناً لامعاً، ثم تذهب إلى الحمام كأنك أكلت شوكولاتة عادية! هذا ليس رفاهية، هذا كرم نفس زائد عن الحد!




أسماء (مذهولة):

يا إلهي! دعنا نرجع قليلاً إلى التاريخ. قلت لي أن القصة بدأت عند الأزتيك والمايا، حدثني عنها بالتفصيل. وكيف انتقلت إلى أوروبا؟


آدم (يتنفس بعمق ويبدأ بسرد الحكاية كراوٍ شعبي):

لنبدأ من عند الجذور نفسها يا أسماء.

نحن اليوم نأكل الشوكولاتة ونحن نبتسم، لكن أسلافنا في حضارة "الأولمك" القديمة في المكسيك كانوا يبكون أو يضحكون عليها أيضاً. فقد اكتشفوا أن بذور شجرة "ثيوبروما كاكاو" — والتي تعني باليونانية "طعام الآلهة" — يمكن طحنها وتحويلها إلى مشروب، لكنه لم يكن حلواً إطلاقاً!


تخيلي يا أسماء أنهم كانوا يخلطون الكاكاو بالفلفل الحار والذرة والتوابل، ويشربونه رغوةً مرةً وباردةً، وكانوا يظنون أنه يمنح الحكمة والقوة الجنسية للأباطرة. ثم جاء المايا والأزتيك ورفعوا قيمته إلى مرتبة العملة! نعم، العملة!

في حضارة الأزتيك، كانت حبة الكاكاو الواحدة تساوي حبة طماطم كبيرة، ومئة حبة كانت تشتري لك أرنباً بالغاً! والإمبراطور مونتيزوما كان يشرب حوالي خمسين كوباً في اليوم، ليس لأنه عطشان، بل لأنه كان يعتقد أن الكاكاو منشطٌ جنسي لا يضاهيه شيء. ولسخرية القدر، كان فقراء الأزتيك يستخدمون قشور الكاكاو المطحونة ليخلطوها مع الطين ويصنعوا منها طعاماً وهمياً، كي يوهموا بطونهم بالشبع!


أسماء (مذهولة):

إذاً هم كانوا يأكلون الفلوس حرفياً؟!


آدم:

نعم! ولو سافرتِ بالزمن إلى سوق الأزتيك، لربما ساومتِ البائع على ثمن خبز، ودفعتِ له كيساً من البذور، ليردّ لك الباقي على شكل حبتين كاكاو! أليس هذا جنوناً؟ لكن الأوروبي لم يعرف هذا السرّ إلا عندما وطأت قدم كريستوفر كولومبوس الأمريكتين، ثم جاء الفاتح الإسباني هرنان كورتيس، ليكتشف أن هذه البذور المرّة تساوي أكثر من الذهب لدى الهنود الحمر. وهنا بدأت الكارثة الحقيقية.




أسماء (بفضول حاد):

الكارثة؟ قصدك كيف تحولت الشوكولاتة من مشروب الملوك إلى لعنة الشعوب؟


آدم (يحاول تهدئة صوته):

تماماً. الإسبان هم أول من نقل الكاكاو إلى أوروبا، لكنهم فعلوا شيئاً عبقرياً: أضافوا إليه السكر والفانيليا والقرفة، وسخنوه. وهكذا وُلد المشروب الذي غزا القصور الأوروبية في القرن السابع عشر. كانت الكنائس تتخاصم حوله، هل هو شراب دنيوي يحرم الصوم، أم مشروب روحي؟ حتى وصل إلى فرنسا بفضل "آن النمساوية" التي كانت تقول: "الشوكولاتة تريح الأعصاب وتطيل العمر".

لكن المشكلة أن الطلب الأوروبي على الكاكاو ازداد لدرجة أن أراضي أمريكا الجنوبية لم تعد تكفيهم. وهنا، وبكل بشاعة، انتقلت عدوى الشوكولاتة إلى أفريقيا. زرع الأوروبيون أشجار الكاكاو في غرب أفريقيا، لكنهم احتاجوا إلى أيادٍ عاملة، وبدأت قصص الاستعباد التي لم تتوقف حتى اليوم في بعض المزارع.


ثم تأتي القصة الأكثر فظاعة، يا أسماء، قصة بلجيكا والكونغو.


أسماء (مقاطعة):

أعرف شيئاً عن هذا، كان الملك ليوبولد الثاني، أليس كذلك؟


آدم (بصوتٍ يقطر تهكماً):

الملك "الإنساني"! ذلك الرجل الذي قال إنه سيحارب تجارة الرقيق ويُحضّر أفريقيا، لكنه في السرّ حوّل الكونغو إلى مزرعة موت جماعي لنهب المطاط والعاج، ثم لاحقاً لزراعة الكاكاو وقصب السكر. كان الجنود البلجيكيون يقطعون أيدي العمال الأفارقة إذا لم يصلوا إلى حصصهم اليومية من الإنتاج. تخيلي، أيدٍ مبتورة، ودماء تسيل على تراب الكونغو، فقط ليصنع الأوروبيون لوحاً من الشوكولاتة ليأكلوه في قصورهم الدافئة.


أسماء (بصوت متأثر):

يا للهول... ونحن نأكلها الآن وكأنها براءةٌ مطلقة.


آدم:

بل وأكثر. لقد ظلّت بلجيكا (التي تعتبر الآن من أعظم دول صناعة الشوكولاتة في العالم) تتاجر بذكرى تلك المأساة، وكأنها تضع السكر على جروح التاريخ. أليس من السخرية أن تأتي إلى متجرٍ بلجيكي، وتشتري "برالين" فاخراً، والبائع يبتسم لك، بينما خلف قطعة الشوكولاتة تلك ظلٌّ لطفل كونغولي فقد يده منذ مئة عام، لأنه لم يجمع ما يكفي من حبات الكاكاو؟


(صمت للحظة، ثم يغير آدم نبرته قليلاً ليخفف الأجواء)


آدم:

لكن، كما يحدث دائماً، البشرية لا تتعلم من أخطائها، بل تتعلم كيف تُحسّن نكهتها.




أسماء (تحاول استعادة الروح المرحة):

حسناً، دعنا ننتقل إلى الجانب المشرق. كيف تحولت هذه البذور المرّة إلى ذلك القالب الأملس الذي نعشقه؟ ومن اخترع شوكولاتة الحليب؟


آدم (يفرك يديه كالصبي الذي يدخل معملاً للحلويات):

هنا تبدأ عبقرية الصناعة، وتدخل سويسرا على الخط، يا عزيزتي.

في عام 1828، اخترع الهولندي "كونراد فان هوتن" آلة ضغط هيدروليكية تستطيع فصل زبدة الكاكاو عن المسحوق. هذه الآلة غيّرت كل شيء! فجأة أصبح بإمكاننا صنع مسحوق كاكاو ناعم يذوب في الماء، وظهرت "الشوكولاتة الصلبة" لأول مرة.

لكن المعجزة الكبرى حدثت في سويسرا. فالبلاد التي ليس فيها شجرة كاكاو واحدة، أصبحت عاصمة الشوكولاتة العالمية. كيف؟


أسماء:

ربما لأنهم لا يضيعون الوقت في الحروب، بل في التقطير والهندسة؟


آدم (مشيراً بإصبعه):

بالضبط! أولاً، اخترع السويسري "دانيال بيتر" شوكولاتة الحليب عام 1875، بعد أن تعاون مع صديقه "هنري نستله" (صاحب علامة الحليب المكثف)، وقد وضع الحليب المجفف في الكاكاو ليكون الطعم أكثر نعومة. ثم جاء "رودولف لينت" واخترع آلة التكرير الدائرية التي تجعل حبيبات الكاكاو صغيرة جداً لدرجة أنها لا تُحسّ على اللسان، فأصبحت الشوكولاتة تذوب كالحرير.

أما سبب تفوّق سويسرا، فهو ليس السحر يا أسماء، إنه المياه النقية والحليب الطازج من الأبقار التي ترعى على أعالي الجبال، والدقة السويسرية في التصنيع. إنهم لا يصنعون الشوكولاتة، بل يصنعون الساعات أيضاً، وكأنهم يريدون أن يقولوا للعالم: نحن نضبط الوقت، ونضبط المذاق. ولا تنسي أن سويسرا لم تستعمر أحداً، فهي كانت محايدة، فجاءت إلى السوق دون حمل ثقل دماء المزارع، وهو ما منحها احترام المستهلك، وإن كنا نعرف أن حبات الكاكاو نفسها كانت تأتي من مستعمرات الآخرين!


أسماء (تضحك):

إذاً سويسرا أفضل صانع شوكولاتة لأنها لم تقطع أيدي أحد؟


آدم:

لأنها قطعت المنافسة فقط! ولأن المواطن السويسري يأكل حوالي 9 كيلوغرامات من الشوكولاتة سنوياً، أي أكثر من وزنه في بعض الحالات. 




أسماء (ناظرة إلى إحصائياتها):

دعنا نتحدث عن الاقتصاد. أريد أرقاماً، ما حجم هذه اللعبة الساخنة؟


آدم (وهو يخرج ورقةً صغيرةً من جيبه):

حجم سوق الشوكولاتة العالمي الآن، يتجاوز 130 مليار دولار أمريكي سنوياً. تخيلي! هناك دول بأكملها دخلها القومي أقل من قيمة ما نأكله من حلويات في عام واحد.

الدول الكبرى المنتجة هي ساحل العاج وغانا، حيث يزرعان أكثر من 60% من كاكاو العالم، لكنهما لا يصنعان سوى 1% من الشوكولاتة النهائية. الفارق يصنعه المستعمرون القدامى وسويسرا وألمانيا وبلجيكا.

أما أمريكا، فتشرب وحدها 40% من إنتاج العالم من الشوكولاتة الساخنة، وكأنها تحاول تدفئة قلبها البارد! وبالمناسبة، أغلى شوكولاتة في العالم تُباع بـ 2600 دولار للرطل الواحد، لأنها تُصنع يدوياً بحليب الماعز النادر وذهب صالح للأكل.




أسماء (بلهفة):

وماذا عن صحتنا؟ نحن نسمع أن الشوكولاتة مفيدة، ونسمع أنها تدمر الأسنان. ما هي الحقيقة؟


آدم (بتنهد طويل):

هذا هو أعظم ألغاز الحياة، إلى جانب سر الفراعنة وأين يضع الرجال أغطية الحمام!

الحقيقة الفيزيولوجية: الشوكولاتة الداكنة (التي تحتوي على 70% كاكاو فأكثر) غنية بمضادات الأكسدة التي تحسن صحة القلب وتخفض ضغط الدم، وتُفرز هرمون الإندورفين، هرمون السعادة، لدرجة أنك تشعر وكأنك في جلسة تأمل.

لكن، الطامة الكبرى هي السكر والدهون المضافة في شوكولاتة الحليب أو البيضاء. هذه هي التي تسد الشرايين وتُصيب الأطفال بالنشاط الزائد، وتجعلنا نلوم أنفسنا كل صباح على الميزان.

باختصار: الشوكولاتة الداكنة هي دواء، وشوكولاتة الحليب هي حب، والشوكولاتة البيضاء ليست شوكولاتة بالأساس، إنها زبدة كاكاو وسكر، أي أنها مجرد كذبة جميلة نرضي بها أنفسنا!


أسماء (وهي ترفع فنجاناً صغيراً من الشوكولاتة الساخنة أمام الميكروفون):

يبدو أن الرحلة كانت طويلة يا دكتور. في النهاية، ماذا تعني لك الشوكولاتة؟ وكيف تختم حديثك للمستمعين؟


آدم (يأخذ رشفة وينظر بعيداً):

الشوكولاتة، يا أسماء، هي أجمل كذبة في الكون. فهي تبدأ بحبة مرّة، تمرّ عبر قرون من الاحتلال والعبودية والابتكار، وتنتهي بابتسامة طفل أو بوقتٍ هادئ مع الحبيب. هي مثل التاريخ البشري نفسه: حلو المذاق، مرير الخلفية.

لقد تحدثنا عن اقتصاداتها، ومستعمراتها، وأضرارها وفوائدها، وعن أجدادنا المصريين الذين لو عرفوها لصنعوا منها تماثيل. لكني أريد أن أنهي حلقتنا اليوم بشيء يخصنا نحن، أهل هذه الأرض "المحروسة"، بخاتمة من ذهب.


أسماء (بفضول):

ماذا تقصد؟


آدم:

نحن هنا في مصر، لم نصنع الشوكولاتة، ولم نستعمر من أجلها، لكننا شعب يعشق الحلاوة. ونحن في "حكاوي المحروسة"، لا نجد أجمل من أن نختتم الحكاية بشعر خفيف، يليق بجمال البلد التي لم تغب عنها الشمس، حتى ولو كانت لم تذق الكاكاو إلا متأخرة.

سأقرأ لكِ الآن قصيدة للشاعر المصري العظيم صلاح جاهين، التي كتبها بالعامية المصرية، لأنها الأقرب إلى قلب مصر، وهي تُغنّي لهذا البلد المحروس.


(يأخذ آدم نفساً، ويقرأ بصوته الدافئ، والعامية المصرية تنساب كالشوكولاتة المذابة)


آدم (بالعامية المصرية):

" لسه فيكي حيل تعافري؟ لسه واخدة العِند غية؟


رغم إن الكل سابك.. لسه صالبة الطول قوية!


الحديد من الدق لانَ.. وإنتي أبدًا لمّ تليني


شايلة فوق حِمل الجبال.. وماشية بالله تستعيني


وإن وقعتي تقومي أقوى.. وتنفُضي تراب الوجع


(يصمتان لحظة، ثم تقول أسماء بصوت خافت)


أسماء:

يا جمال الكلمات! كأن مصر نفسها قطعة شوكولاتة داكنة، مرة التاريخ، حلوة الحضور، محروسة بالذكريات.


آدم (وهو يطفئ قلم الرصاص الخيالي):

ولكن، يا أسماء، كل هذه الحكاوي لا تنتهي هنا. فما زال في الأرض كنز، وفي التاريخ نافذة تطل على عجائب لم نرها بعد. الشوكولاتة مضت، والقلم مضى، وستأتي حكايات أخرى.


أسماء (مبتسمة إلى الميكروفون):

ولا زالت حكاوي المحروسة تنساب كالنيل في عروق الزمان، تحمل في طياتها عجباً ومعرفة وضحكة تخفيفية. وإلى أن نلتقي في حلقة جديدة، كنت معكم أسماء، ومعي دكتور آدم... وتذكروا: كلما أكلتم شوكولاتة، فكروا في جذورها، لكن لا تتركوا المُرّ يمنعكم من الحلاوة.


وإلى لقاء قريب على "هدهوديات" — حيث تُروى الحكايات بالضاد، وتُصان الذكريات كالقلم الرصاصي في جيب الشعراء.


(يُطفأ الميكروفون، وتظل رائحة الشوكولاتة وذكرى مصر تعلقان في الهواء)




 

google-playkhamsatmostaqltradent