حلق مع هدهوديات في الفضاء السيبراني

recent
أخبار ساخنة

ما وراء الجبل

الصفحة الرئيسية


مقدمة …

ليس كلُّ جبلٍ حاجزاً يقطعُ الطريق، فبعضُ الجبالِ تخبئُ في أحشائها كنوزاً لا تُرى بالعين، بل تُدركُ بالروح. رواية "ما وراء الجبل" ليست مجردَ حكايةِ سفرٍ شاقٍّ عبرَ صخورٍ وعرةٍ وصحارى ملتهبة، بل هي رحلةُ البحثِ عن معنى الحياةِ ذاتها، وعن الكرامةِ المفقودةِ في زحامِ المدن، وعن البشرِ الذين يمنحونَ الصحراءَ روحاً، ويُخرجونَ من قلبِ الجمادِ جنّةً لا تذبلُ.

هي حكايةُ رؤوف، ذلك الشابِّ الذي ركبَ قطارَ الشقاء حاملاً في جعبتهِ دعاءً صامتاً، وأملَ الفقيرِ الذي لا يملكُ سوى يقينِه باللهِ وصدقِ سعيه. من بينِ زحامِ المساجينِ والغلابةِ على متنِ قطارٍ لا نوافذَ له، إلى عبورِ النيلِ الخالدِ على متنِ قاربٍ صغيرٍ كانَ أشبهَ بمعجزة، ثم إلى طريقِ الزعفرانةِ حيثُ الجمالُ تعبرُ بكرامةِ أهلِ الصحراء، وصولاً إلى ذلك المَدَقِّ الصخريِّ الضيِّق، حيث تبدأ الحكايةُ الحقيقية.

هناك، وراءَ الجبل، لا يجدُ رؤوفٌ منجَماً للذهبِ كما تمنَّى، بل يجدُ عالماً آخرَ؛ دولةً صغيرةً نحتها رجالٌ بأيديهم، حولوا الصخرَ إلى بيوتٍ، والماءَ النابعَ إلى حياةٍ، والغربةَ إلى ألفةٍ. يكتشفُ أنَّ أعظمَ الثرواتِ ليست في جوفِ الأرض، بل في صدقِ القلوبِ، وتآخي النفوسِ، والإتقانِ في العملِ، والسكينةِ التي لا يشعرُ بها إلا من عاشَ بعيداً عن صخبِ الدنيا.

وهناك، وراءَ الجبل، يتحوَّلُ الشابُّ المنهكُ إلى رجلٍ يعرفُ قيمةَ العطاء، ويتعلَّمُ أنَّ الحياةَ لا تُقاسُ بما نملكُ، بل بمن نكونُ ومن نُصاحبُ. إنها رحلةُ البحثِ عن الكنزِ المفقودِ داخلَ الإنسانِ قبلَ أن يُوجدَ في باطنِ الأرض، ودعوةٌ صامتةٌ إلى التأملِ في ذلك الجبلِ الذي يظنُّه الناسُ عقبةً، وهو في الحقيقةِ بابٌ إلى حياةٍ أخرى، أكثرُ نقاءً، وأعمقُ معنىً، وأبقى أثراً.

بينَ ثنايا هذه الروايةِ، تُبحرُ معَ رؤوفَ لتكتشفَ أنَّ الطريقَ الطويلَ لم يكنْ إلا درباً من النور، وأنَّ ما وراءَ الجبل ليسَ مجردَ أرضٍ جديدةٍ، بل هو أنت… حينَ تعبرُ جبالَ نفسِك، وتصعدُ فوقَ أوجاعِك، لترى الدنيا من علياءِ الإيمانِ والرجاء.

يَسُرُّنِي جِدّاً أَنْ أُقَدِّمَ الرِّوَايَةَ الأُولَى لِلدُّكْتُورِ طَلْعَتْ سَمِيرٍ، عَلَى مَنْصَّةِ هُدْهُدِيَات.

د. سَامِحْ هُدْهُودْ


قِطَارُ الشَّقَاءِ...

غَابَتْ شَمْسُ أَحَدِ أَيَّامِ السَّبْتِ مِنْ شَهْرِ يُونْيُو عَامَ ١٩٩٠، وَلَكِنَّ حَرَارَةَ النَّهَارِ لَمْ تَغِبْ. كَانَتْ لَا تَزَالُ تُرْسِلُ أَنْفَاسَهَا الْمُلْتَهِبَةَ عَلَى الْأَرْضِ، وَكَأَنَّهَا تُهَيِّئُ الْمُسَافِرِينَ لِرِحْلَةٍ لَيْسَ فِيهَا مِنَ الرَّاحَةِ شَيْءٌ.

وَمَا هِيَ إِلَّا لَحَظَاتٌ، حَتَّى دَخَلَ الْمَحَطَّةَ ذَلِكَ الْقِطَارُ الْعَجِيبُ، الَّذِي كَانَ النَّاسُ يُطْلِقُونَ عَلَيْهِ: قِطَارُ نَقْلِ الْمَسَاجِينِ وَالْغَلَابَةِ.

كَانَ نِصْفُهُ مُخَصَّصًا لِنَقْلِ الْمَسَاجِينِ، وَالنِّصْفُ الْآخَرُ لِلْغَلَابَةِ وَالْكَادِحِينَ، أُولَئِكَ الَّذِينَ يَطُوفُونَ الْبِلَادَ بَاحِثِينَ عَنْ لُقْمَةِ عَيْشٍ، أَوْ فُرْصَةِ عَمَلٍ، أَوْ بَابِ رِزْقٍ يَفْتَحُهُ اللَّهُ لَهُمْ.

لَمْ تَكُنْ فِي عَرَبَاتِهِ مَرَاوِحُ تُلَطِّفُ الْهَوَاءَ، وَلَا مُكَيِّفَاتٌ تُخَفِّفُ لَهِيبَ الصَّيْفِ.

وَلَمْ تَكُنْ فِيهَا نَوَافِذُ حَقِيقِيَّةٌ، وَلَا أَبْوَابٌ تُغْلَقُ، وَلَا مَصَابِيحُ تُضِيءُ ظُلْمَةَ اللَّيْلِ.

أَمَّا الْمَقَاعِدُ، فَلَمْ تَكُنْ سِوَى أَلْوَاحٍ خَشَبِيَّةٍ رَقِيقَةٍ، تَكَسَّرَ مُعْظَمُهَا، فَلَا مَقْعَدٌ يَسْتُرُ الْجَالِسَ، وَلَا ظَهْرٌ يَسْنُدُ الْمُتْعَبَ.

وَكَانَ الْمَحْظُوظُ وَحْدَهُ هُوَ مَنْ يَقْفِزُ أَوَّلًا، فَيَظْفَرُ بِمَقْعَدٍ يَجْلِسُ عَلَيْهِ.

أَمَّا مَنْ يَتَأَخَّرُ...

فَلَا يَجِدُ مَوْضِعًا لِقَدَمَيْهِ.

وَقَبْلَ أَنْ يَبْدَأَ الْقِطَارُ حَرَكَتَهُ، كَانَتْ كُلُّ عَرَبَةٍ تَتَحَوَّلُ إِلَى أَرْبَعَةِ طَوَابِقَ مِنَ الْبَشَرِ.

الطَّبَقَةُ الْأُولَى...

مَنْ يَجْلِسُونَ عَلَى الْأَرْضِ.

وَالطَّبَقَةُ الثَّانِيَةُ...

مَنْ ظَفِرُوا بِالْمَقَاعِدِ الْخَشَبِيَّةِ.

وَالطَّبَقَةُ الثَّالِثَةُ...

مَنْ تَسَلَّقُوا رَفَّ الْحَقَائِبِ، وَتَدَلَّتْ أَرْجُلُهُمْ فَوْقَ رُءُوسِ الْجَالِسِينَ وَالْوَاقِفِينَ.

أَمَّا الطَّبَقَةُ الرَّابِعَةُ...

فَكَانَتْ أَخْطَرَهَا جَمِيعًا.

فَوْقَ سَطْحِ الْقِطَارِ...

أَوْ بَيْنَ الْعَرَبَاتِ.

هُنَاكَ، كَانَ الْمَوْتُ يَسِيرُ جَنْبًا إِلَى جَنْبٍ مَعَ الْمُسَافِرِينَ.

وَكَانَ أَدْنَى خَطَأٍ كَافِيًا لِيَخْطَفَ رُوحًا لَا ذَنْبَ لَهَا، سِوَى أَنَّهَا خَرَجَتْ تَبْحَثُ عَنْ رِزْقٍ كَتَبَهُ اللَّهُ لَهَا.

وَبِهَذَا الْقِطَارِ...

اجْتَمَعَ الْمَسَاجِينُ، وَالْغَلَابَةُ، وَالْكَادِحُونَ، فِي رِحْلَةٍ وَاحِدَةٍ.

رِحْلَةِ الشَّقَاءِ...

وَالْعَنَاءِ...

وَالْبَحْثِ عَنْ لُقْمَةِ الْعَيْشِ.

وَكَانَ مِنْ بَيْنِهِمْ شَابٌّ يُدْعَى رُؤُوفًا.

لَمْ يَكُنْ هَارِبًا مِنْ شَيْءٍ.

وَلَا مُطَارَدًا.

وَلَا مُغَامِرًا.

إِنَّمَا كَانَ يَبْحَثُ عَنْ عَمَلٍ شَرِيفٍ، يُعِينُهُ عَلَى مُوَاجَهَةِ الْحَيَاةِ.

وَقَدْ عَلِمَ أَنَّ هُنَاكَ فُرْصَةَ عَمَلٍ فِي إِحْدَى مَنَاطِقِ الْبَحْرِ الْأَحْمَرِ، فِي مَكَانٍ بَعِيدٍ، شَدِيدِ الْوُعُورَةِ، صَعْبِ الْوُصُولِ.

لَكِنَّ لُقْمَةَ الْعَيْشِ...

كَانَتْ تَسْتَحِقُّ أَنْ يَسْلُكَ مِنْ أَجْلِهَا أَصْعَبَ الطُّرُقِ.

حَزَمَ حَقِيبَةً خَفِيفَةً، وَوَدَّعَ أَهْلَهُ، وَرَكِبَ الْقِطَارَ، وَفِي قَلْبِهِ دُعَاءٌ صَامِتٌ لَا يَنْقَطِعُ:

«يَا رَبِّ... أَنْتَ الْمُدَبِّرُ، وَأَنْتَ الْقَادِرُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ، فَاكْتُبْ لِي مِنْ فَضْلِكَ وَكَرَمِكَ.»




وَمَا إِنْ دَلَفَ رُؤُوفٌ إِلَى الْعَرَبَةِ، حَتَّى وَجَدَ نَفْسَهُ فِي بَحْرٍ مِنَ الْبَشَرِ.

الْتَفَتَ يَمِينًا...

ثُمَّ يَسَارًا...

فَلَمْ يَجِدْ مَقْعَدًا خَالِيًا، وَلَا مَكَانًا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَقِفَ فِيهِ عَلَى قَدَمَيْهِ بِارْتِيَاحٍ.

كَانَتِ الْأَكْتَافُ تَلْتَصِقُ بِالْأَكْتَافِ.

وَالْحَقَائِبُ مُعَلَّقَةٌ فِي كُلِّ مَوْضِعٍ.

وَأَصْوَاتُ الْمُسَافِرِينَ تَخْتَلِطُ بِصَفِيرِ الْقِطَارِ وَصَرِيرِ عَجَلَاتِهِ.

وَعِنْدَمَا أَيْقَنَ أَنَّهُ لَنْ يَجِدَ مَوْضِعًا يَسْتَقِرُّ فِيهِ...

رَفَعَ دُعَاءَهُ فِي صَمْتٍ، وَقَالَ فِي قَلْبِهِ:

«يَا رَحِيمُ... يَا رَحْمَنُ... يَا حَنَّانُ... الْمَشْوَارُ طَوِيلٌ، فَأَعِنِّي.»

وَكَأَنَّ الدُّعَاءَ لَمْ يَكَدْ يُتِمُّهُ...

حَتَّى امْتَدَّتْ يَدٌ مِنْ بَيْنِ الزِّحَامِ.

وَسَمِعَ صَوْتًا هَادِئًا يَقُولُ:

— تَعَالَ... اجْلِسْ بِجَوَارِي. أَنَا أَشْعُرُ أَنِّي أَعْرِفُكَ.

تَعَجَّبَ رُؤُوفٌ.

فَهُوَ لَمْ يَرَ هَذَا الرَّجُلَ مِنْ قَبْلُ، وَلَمْ يَجْمَعْهُ بِهِ مَكَانٌ، وَلَا زَمَانٌ.

لَكِنَّهُ لَمْ يَتَرَدَّدْ.

فَشَكَرَ اللَّهَ فِي قَلْبِهِ.

ثُمَّ شَكَرَ الرَّجُلَ، وَجَلَسَ إِلَى جَوَارِهِ.

وَمَعَ اهْتِزَازِ الْقِطَارِ، ابْتَدَأَ الْحَدِيثُ بَيْنَهُمَا.

حَدِيثٌ جَرَّ حَدِيثًا...

ثُمَّ سَمَرٌ طَوِيلٌ.

تَحَدَّثُوا عَنِ السَّفَرِ.

وَعَنِ الْغُرْبَةِ.

وَعَنِ الْكَفَاحِ فِي سَبِيلِ الرِّزْقِ.

وَعَنْ مُغَامَرَاتِ الْبَاحِثِينَ عَنْ لُقْمَةِ الْعَيْشِ.

وَكَانَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ يَحْمِلُ حِكَايَةً، لَوْ رُوِيَتْ، لَكَانَتْ كِتَابًا.

وَبَيْنَمَا هُمْ يَتَحَدَّثُونَ...

تَدَخَّلَ أَحَدُ الرِّجَالِ الْجَالِسِينَ بِجِوَارِهِمْ، وَقَالَ لِرُؤُوفٍ:

— إِلَى أَيْنَ أَنْتَ مُسَافِرٌ؟

فَأَخْبَرَهُ بِوِجْهَتِهِ.

فَقَالَ الرَّجُلُ:

— أَنْصَحُكَ أَنْ تَنْزِلَ فِي الْمَحَطَّةِ الْقَادِمَةِ، وَتُغَيِّرَ الْقِطَارَ. هُنَاكَ قِطَارٌ آخَرُ سَيُوصِلُكَ إِلَى أَقْرَبِ مَحَطَّةٍ، وَمِنْهَا تَسْتَطِيعُ أَنْ تُكْمِلَ رِحْلَتَكَ إِلَى الْوَاسِطِي.

أَنْصَتَ رُؤُوفٌ إِلَى النَّصِيحَةِ بِاهْتِمَامٍ.

وَعِنْدَمَا وَصَلَ الْقِطَارُ إِلَى الْمَحَطَّةِ الْمَقْصُودَةِ...

نَزَلَ مِنْهُ.

وَقَبْلَ أَنْ يُغَادِرَ، وَدَّعَ الرَّجُلَ الَّذِي أَجْلَسَهُ إِلَى جَوَارِهِ، وَوَدَّعَ مَنْ تَعَرَّفَ إِلَيْهِمْ فِي الرِّحْلَةِ.

ثُمَّ أَلْقَى نَظْرَةً أَخِيرَةً عَلَى عَرَبَاتِ الْمَسَاجِينِ.

كَانَ الْحَرُّ قَاسِيًا.

وَكَانَتِ الْوُجُوهُ مُتْعَبَةً.

فَدَعَا لَهُمْ فِي سِرِّهِ، أَنْ يُهَوِّنَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ، وَيُفَرِّجَ كُرُوبَهُمْ.

وَمَا هِيَ إِلَّا بَرْهَةٌ...

حَتَّى اسْتَقَلَّ الْقِطَارَ الْآخَرَ، مُوَاصِلًا رِحْلَتَهُ.

وَبَعْدَ سَاعَاتٍ مِنَ السَّيْرِ...

وَصَلَ إِلَى مَحَطَّةِ الْوَاسِطِي.

هُنَاكَ...

لَمْ يَكُنْ يَعْلَمُ أَنَّ الرِّحْلَةَ الْحَقِيقِيَّةَ لَمْ تَبْدَأْ بَعْدُ.





مَعْدِيَّةُ الْكَرِيمَاتِ...

أَمْضَى رُؤُوفٌ أَكْثَرَ مِنْ عَشْرِ سَاعَاتٍ وَنِصْفِ السَّاعَةِ فِي السَّفَرِ، مُنْذُ أَنْ غَادَرَ بَيْتَهُ، وَمَا زَالَتْ رِحْلَتُهُ فِي أَوَّلِ الطَّرِيقِ.

كَانَتْ كُلُّ مَحَطَّةٍ تَقُودُهُ إِلَى أُخْرَى، وَكُلُّ خُطْوَةٍ تَفْتَحُ أَمَامَهُ طَرِيقًا لَا يَعْرِفُهُ.

حَتَّى وَصَلَ إِلَى طَرِيقِ مَعْدِيَّةِ الْكَرِيمَاتِ، تِلْكَ الْمَعْدِيَّةِ الَّتِي كَانَتْ تَصِلُ بَيْنَ ضِفَّتَيِ النِّيلِ، وَتَنْقُلُ كُلَّ شَيْءٍ؛ الْبَشَرَ، وَالسَّيَّارَاتِ، وَالْمَوَاشِيَ، وَالْبَضَائِعَ، وَكَأَنَّهَا شِرْيَانُ حَيَاةٍ لَا يَتَوَقَّفُ.

وَكَانَ رُؤُوفٌ لَمْ يَسْبِقْ لَهُ أَنْ يَأْتِيَ هَذَا الْمَكَانَ.

فَأَخَذَ يَسْأَلُ النَّاسَ عَنِ الطَّرِيقِ.

وَكَانَ كُلَّمَا سَأَلَ أَحَدًا، أَجَابَهُ بِثِقَةٍ، ثُمَّ يَخْتِمُ كَلَامَهُ بِالْعِبَارَةِ الَّتِي لَا يَنْسَاهَا أَحَدٌ:

«قَالَ لَكْ فِين؟»

فَيُعِيدُ رُؤُوفٌ شَرْحَ مَا يَبْحَثُ عَنْهُ.

فَيَقُولُ الرَّجُلُ، وَهُوَ يَبْتَسِمُ:

— مِتْهَيَّأْلِي... الْحَارَةُ اللِّي بَعْدَ خَامِسِ حَارَةٍ... وَهُنَاكَ اسْأَلْ!

فَيَبْتَسِمُ رُؤُوفٌ فِي سِرِّهِ، وَيَقُولُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ نَفْسِهِ:

«لَوْ كَانَ الَّذِي أَسْأَلُهُ يَعْرِفُ الْمَكَانَ يَقِينًا، مَا احْتَجْتُ أَنْ أَسْأَلَ غَيْرَهُ!»

وَلَكِنَّهُ لَاحَظَ شَيْئًا لَمْ يَنْسَهُ مَا حَيِيَ.

فَكَثِيرٌ مِنَ الْمِصْرِيِّينَ لَا يُحِبُّ أَنْ يَقُولَ: «لَا أَعْرِفُ.»

بَلْ يَجْتَهِدُ، وَيُخَمِّنُ، وَيَقُولُ:

— مِتْهَيَّأْلِي...

وَيَتَبَرَّعُ بِالْإِجَابَةِ، رَغْبَةً فِي الْمُسَاعَدَةِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُتَأَكِّدًا.

وَبَعْدَ جُهْدٍ وَطُولِ سُؤَالٍ...

وَصَلَ رُؤُوفٌ إِلَى شَاطِئِ النِّيلِ.

وَكَانَ اللَّيْلُ يُوَدِّعُ الدُّنْيَا فِي هُدُوءٍ.

وَبَدَأَ خَيْطٌ أَبْيَضُ رَقِيقٌ مِنْ نُورِ الصَّبَاحِ يَشُقُّ ظُلْمَةَ الْأُفُقِ، وَيُفَتِّتُ بَقَايَا اللَّيْلِ، كَأَنَّهُ يَدْعُوهُ إِلَى الرَّحِيلِ.

وَانْبَعَثَتْ رَائِحَةُ مِيَاهِ النِّيلِ الْخَالِدِ، فَمَلَأَتْ أَنْفَاسَهُ.

فَشَعَرَ، عَلَى الرَّغْمِ مِنْ إِرْهَاقِهِ، بِأَنَّ حَيَاةً جَدِيدَةً تَدِبُّ فِي صَدْرِهِ.

غَيْرَ أَنَّ الْجُوعَ كَانَ قَدْ بَلَغَ مِنْهُ مَبْلَغًا شَدِيدًا.

وَالْعَطَشُ يَزْدَادُ.

وَكَانَ مَعَهُ جُنَيْهَاتٌ قَلِيلَةٌ، لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُفَرِّطَ فِي شَيْءٍ مِنْهَا؛ فَهِيَ زَادُهُ حَتَّى يَبْلُغَ مَنْجَمَ كَنْزِي، حَيْثُ يَرْجُو أَنْ يَجِدَ فُرْصَةَ الْعَمَلِ الَّتِي جَاءَ مِنْ أَجْلِهَا.

وَفَجْأَةً...

انْقَلَبَ الْهُدُوءُ إِلَى صِيَاحٍ وَضَجِيجٍ.

وَتَدَافَعَ النَّاسُ نَحْوَ الْمَعْدِيَّةِ.

وَارْتَفَعَ الْهَرَجُ وَالْمَرَجُ.

وَكَأَنَّ مَعْرَكَةً قَدِ اشْتَعَلَتْ.

فَالْمَعْدِيَّةُ هِيَ الْوَسِيلَةُ الْوَحِيدَةُ لِلْعُبُورِ.

وَمَنْ سَبَقَ...

رَكِبَ.

وَمَنْ تَأَخَّرَ...

انْتَظَرَ.

حَاوَلَ رُؤُوفٌ أَنْ يَشُقَّ طَرِيقَهُ بَيْنَ الْجُمُوعِ.

لَكِنَّهُ لَمْ يَسْتَطِعْ.

فَوَقَفَ عَلَى جَانِبِ الشَّاطِئِ، يَنْظُرُ إِلَى الْمَعْدِيَّةِ وَهِيَ تَبْتَعِدُ شَيْئًا فَشَيْئًا.

وَقَالَ فِي قَلْبِهِ:

«يَا كَرِيمُ... يَا حَنُونُ... يَا رَؤُوفُ... أَعِنِّي، فَإِنَّكَ تَعْلَمُ أَنِّي مَا خَرَجْتُ إِلَّا طَلَبًا لِلرِّزْقِ الْحَلَالِ.»




وَقَفَ رُؤُوفٌ عَلَى شَاطِئِ النِّيلِ، يُرَاقِبُ الْمَعْدِيَّةَ وَهِيَ تَبْتَعِدُ شَيْئًا فَشَيْئًا.

وَشَعَرَ لِوَهْلَةٍ أَنَّ الطَّرِيقَ قَدِ انْقَطَعَ أَمَامَهُ.

لَا يَعْرِفُ أَحَدًا.

وَلَا يَعْرِفُ الْمَكَانَ.

وَلَا يَمْلِكُ مِنَ الْمَالِ مَا يُسْعِفُهُ إِنْ طَالَ انْتِظَارُهُ.

فَخَفَقَ قَلْبُهُ بِالدُّعَاءِ، وَقَالَ فِي سِرِّهِ:

«يَا كَرِيمُ... يَا حَنُونُ... يَا رَؤُوفُ... أَعِنِّي، فَأَنْتَ أَعْلَمُ بِحَالِي، وَأَنْتَ الْمُدَبِّرُ لِأَمْرِي.»

وَمَا هِيَ إِلَّا لَحَظَاتٌ...

حَتَّى لَفَتَ انْتِبَاهَهُ صَيَّادُ سَمَكٍ كَانَ يُرَاقِبُهُ مِنْ بَعِيدٍ.

كَانَ جَالِسًا فِي قَارِبِهِ الصَّغِيرِ، الَّذِي لَمْ يَكُنْ يَتَّسِعُ إِلَّا لَهُ وَلِشَخْصٍ آخَرَ.

وَبَعْدَ أَنْ ابْتَعَدَتِ الْمَعْدِيَّةُ، رَفَعَ الصَّيَّادُ صَوْتَهُ مُنَادِيًا:

— يَا ابْنِي... تَعَالَ مَعِي. الْقَارِبُ صَغِيرٌ... بَسْ هَيَعَدِّيكَ.

لِوَهْلَةٍ...

لَمْ يُصَدِّقْ رُؤُوفٌ مَا سَمِعَ.

ثُمَّ رَفَعَ وَجْهَهُ نَحْوَ السَّمَاءِ.

وَكَانَتْ خُيُوطُ الصَّبَاحِ الْبَيْضَاءُ قَدْ بَدَأَتْ تَنْتَشِرُ فَوْقَ الْأُفُقِ.

وَأَصْبَحَ وَجْهُ النِّيلِ كَاللُّؤْلُؤِ، يَعْكِسُ أَنْوَارَ الْفَجْرِ فِي هُدُوءٍ مُهَيْبٍ.

فَهَمَسَ:

«الْحَمْدُ لَكَ يَا رَبِّ... وَالشُّكْرُ لَكَ.»

ثُمَّ تَقَدَّمَ نَحْوَ الْقَارِبِ.

وَمَا إِنْ جَلَسَ فِيهِ...

حَتَّى شَعَرَ بِالرَّهْبَةِ.

فَهُوَ لَا يُجِيدُ السِّبَاحَةَ أَصْلًا.

وَلَمْ يَكُنْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مِيَاهِ النِّيلِ إِلَّا قَبْضَةُ يَدٍ وَاحِدَةٍ.

وَكَانَ الْقَارِبُ الصَّغِيرُ يَتَمَايَلُ مَعَ الْمَوْجِ الْهَادِئِ.

فَيَرْتَفِعُ قَلِيلًا...

ثُمَّ يَنْخَفِضُ قَلِيلًا.

وَكَأَنَّ الْمِيَاهَ تُهَدْهِدُهُ، وَتُرَبِّتُ عَلَى قَلْبِهِ، وَتَقُولُ لَهُ:

لَا تَخَفْ... فَاللَّهُ مَعَكَ.

فَتَشَبَّثَ بِخَشَبِ الْقَارِبِ بِكِلْتَا يَدَيْهِ.

وَكَانَ كُلَّمَا نَظَرَ إِلَى الْمِيَاهِ، عَادَ بَصَرُهُ سَرِيعًا إِلَى السَّمَاءِ.

وَظَلَّ يُرْسِلُ نَظَرَهُ مَا بَيْنَ زُرْقَةِ السَّمَاءِ، وَلَمَعَانِ وَجْهِ النِّيلِ.

وَشَعَرَ، لِأَوَّلِ مَرَّةٍ، بِأَنَّ قُرْبَ الْإِنْسَانِ مِنَ الطَّبِيعَةِ يُقَرِّبُهُ أَيْضًا مِنْ خَالِقِهَا.

وَخُيِّلَ إِلَيْهِ أَنَّ الْمَلَائِكَةَ تُرَفْرِفُ فَوْقَ ذَلِكَ الْمَكَانِ الْهَادِئِ.

وَلَمْ يَشْعُرْ بِالزَّمَنِ...

حَتَّى قَطَعَ عَلَيْهِ تَأَمُّلَهُ صَوْتُ الصَّيَّادِ، وَهُوَ يَبْتَسِمُ:

— الْحَمْدُ لِلَّهِ عَلَى السَّلَامَةِ... وَصِلْنَا... اتْفَضَّلْ.

نَزَلَ رُؤُوفٌ مِنَ الْقَارِبِ، وَامْتَلَأَ قَلْبُهُ امْتِنَانًا.

وَمَدَّ يَدَهُ بِمَا تَيَسَّرَ مِنْ نَقْدٍ، لِيُعْطِيَهُ أُجْرَةَ الْعُبُورِ.

فَابْتَسَمَ الصَّيَّادُ، وَهَزَّ رَأْسَهُ رَافِضًا، وَقَالَ:

— لَا... ادْعِيلْنَا... رَبَّنَا يَرْزُقْنَا، وَيَرْزُقْ مَنْ فِي رَقَبَتِي.

فَنَظَرَ إِلَيْهِ رُؤُوفٌ بِعَيْنَيْنِ اغْرَوْرَقَتَا بِالدُّمُوعِ.

وَرَفَعَ يَدَيْهِ إِلَى السَّمَاءِ، وَقَالَ:

«اللَّهُمَّ ارْزُقْهُ رِزْقًا وَاسِعًا طَيِّبًا مُبَارَكًا، وَبَارِكْ لَهُ فِي أَهْلِهِ وَأَوْلَادِهِ، وَفِي كُلِّ مَنْ هُوَ مَسْؤُولٌ عَنْهُمْ.»

فَأَمَّنَ الصَّيَّادُ عَلَى الدُّعَاءِ، وَقَالَ:

«آمِينَ.»

وَانْطَلَقَ رُؤُوفٌ يُكْمِلُ رِحْلَتَهُ...

وَقَدْ أَدْرَكَ أَنَّ اللَّهَ يُرْسِلُ لِلْإِنْسَانِ عَوْنَهُ فِي أَوْقَاتٍ لَا يَتَوَقَّعُهَا، وَعَلَى أَيْدِي أُنَاسٍ لَا يَعْرِفُهُمْ، وَلَا يَعْرِفُونَهُ.

وَكَانَ ذَلِكَ أَوَّلَ دَرْسٍ تَعَلَّمَهُ عَلَى طَرِيقِ الرِّحْلَةِ... أَنَّ الْخَيْرَ لَا يَمُوتُ مَا دَامَتِ الْقُلُوبُ نَقِيَّةً.




طَرِيقُ الزَّعْفَرَانَةِ...

لَمْ يَكُنْ رُؤُوفٌ قَدْ سَافَرَ مِنْ قَبْلُ مِثْلَ هَذِهِ الْمَسَافَاتِ الْبَعِيدَةِ.

وَلَمْ تَطَأْ قَدَمَاهُ أَمَاكِنَ لَا يَعْرِفُهَا.

فَكَانَ دَلِيلُهُ فِي كُلِّ خُطْوَةٍ...

سُؤَالُ النَّاسِ.

وَبَعْدَ عَدَدٍ كَبِيرٍ مِنَ الْأَسْئِلَةِ، تَعَلَّمَ أَنَّ السُّؤَالَ لَيْسَ كَافِيًا، بَلْ لَا بُدَّ أَنْ يَعْرِفَ مَنْ يَسْأَلُ.

فَإِذَا أَرَادَ أَنْ يَعْرِفَ طَرِيقًا فِي الصَّحْرَاءِ، فَإِنَّ خَيْرَ مَنْ يَدُلُّهُ عَلَيْهِ هُمْ سَائِقُو سَيَّارَاتِ النَّقْلِ الثَّقِيلِ؛ فَهُمْ أَهْلُ الطُّرُقِ، وَأَصْحَابُ الْخِبْرَةِ بِالدُّرُوبِ وَالْمَدَقَّاتِ.

تَقَدَّمَ رُؤُوفٌ إِلَى أَحَدِهِمْ، وَسَأَلَهُ عَنِ الْمَكَانِ الَّذِي يُرِيدُ الْوُصُولَ إِلَيْهِ.

فَابْتَسَمَ السَّائِقُ، وَقَالَ:

— أَقْرَبُ مَكَانٍ لِلْمَنْجَمِ هُوَ الزَّعْفَرَانَةُ. تَبْعُدُ مِنْ هُنَا نَحْوَ مِائَةٍ وَخَمْسَةٍ وَسِتِّينَ كِيلُومِتْرًا، وَتَسْتَغْرِقُ الرِّحْلَةُ سَاعَتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا، بِحَسَبِ الطَّرِيقِ.

ثُمَّ نَظَرَ إِلَيْهِ، وَقَالَ بِبَسَاطَةٍ:

— ارْكَبْ مَعِي... أُوصِلْكَ إِلَى الزَّعْفَرَانَةِ، وَمِنْ هُنَاكَ تُكْمِلُ طَرِيقَكَ.

لَمْ يُصَدِّقْ رُؤُوفٌ مَا سَمِعَ.

فَشَكَرَ الرَّجُلَ، وَصَعِدَ مَعَهُ إِلَى كَابِينَةِ السَّيَّارَةِ.

وَكَانَتْ تِلْكَ هِيَ الْمَرَّةَ الْأُولَى الَّتِي يَرْكَبُ فِيهَا تِرِيلَّا نَقْلٍ ثَقِيلٍ.

وَمَا إِنِ ارْتَفَعَتِ السَّيَّارَةُ عَلَى الطَّرِيقِ، حَتَّى رَأَى الدُّنْيَا مِنْ عَلُوٍّ لَمْ يَعْتَدْهُ.

كَانَتِ السَّيَّارَاتُ الْمَلَكِيُّ تَبْدُو كَأَنَّهَا لُعَبٌ صَغِيرَةٌ فِي يَدِ طِفْلٍ.

وَكَانَتْ سَيَّارَاتُ الْمِيكْرُوبَاصِ تَمْضِي تَحْتَهُمْ، كَأَنَّهَا دَوَابٌّ صَغِيرَةٌ تُجَاوِرُ جَمَلًا ضَخْمًا.

فَابْتَسَمَ رُؤُوفٌ، وَهُوَ يَنْظُرُ إِلَى الطَّرِيقِ بِعَيْنَيْنِ مَلِيئَتَيْنِ بِالدَّهْشَةِ.

وَأَخَذَ السَّائِقُ يُحَدِّثُهُ عَنْ طُرُقِ الصَّحْرَاءِ، وَعَنْ رِحَلَاتِهِ الطَّوِيلَةِ، وَعَنِ اللَّيَالِي الَّتِي يَقْضِيهَا بَيْنَ الْجِبَالِ.

وَرُؤُوفٌ يُصْغِي إِلَيْهِ بِاهْتِمَامٍ.

وَفَجْأَةً...

خَفَّفَ السَّائِقُ سُرْعَتَهُ.

ثُمَّ تَوَقَّفَ.

وَإِذَا بِعَدَدٍ كَبِيرٍ مِنْ سَيَّارَاتِ النَّقْلِ الثَّقِيلِ وَالتِّرِيلَّاتِ مُتَوَقِّفَةٍ أَمَامَهُمْ.

فَظَنَّ رُؤُوفٌ أَنَّ هُنَاكَ حَادِثًا، أَوْ أَمْرًا جَلَلًا.

فَسَأَلَ السَّائِقَ:

— مَاذَا حَدَثَ؟

فَأَشَارَ الرَّجُلُ بِيَدِهِ، وَقَالَ:

— انْظُرْ... أَقْصَى يَمِينِكَ، نَحْوَ الْجَبَلِ.

فَنَظَرَ رُؤُوفٌ...

فَتَسَمَّرَ فِي مَكَانِهِ.

فَقَدْ رَأَى مِئَاتِ الْجِمَالِ، تَعْبُرُ الطَّرِيقَ فِي هُدُوءٍ.

جِمَالًا ضَخْمَةً.

وَأُخْرَى مُتَوَسِّطَةَ الْحَجْمِ.

وَصِغَارًا لَمْ يَمْضِ عَلَى وِلَادَتِهَا إِلَّا أَسَابِيعُ قَلِيلَةٌ.

ذُكُورًا وَإِنَاثًا.

كُلُّهَا تَعْبُرُ مِنْ جَانِبِ الطَّرِيقِ إِلَى الْجَانِبِ الْآخَرِ، فِي مَوْكِبٍ هَادِئٍ، كَأَنَّهَا تَعْرِفُ إِلَى أَيْنَ تَذْهَبُ.

فَقَالَ رُؤُوفٌ مُتَعَجِّبًا:

— أَلَيْسَ لِهَذِهِ الْقُطْعَانِ أَصْحَابٌ يُبْعِدُونَهَا عَنِ الطَّرِيقِ؟

فَأَجَابَ السَّائِقُ:

— هِيَ مِلْكٌ لِلْأَعْرَابِ الَّذِينَ يَعِيشُونَ هُنَا. وَلَوْ أَصَابَتْ سَيَّارَةٌ وَاحِدًا مِنْهَا، فَلَنْ يَقْبَلُوا بِالتَّعْوِيضِ الْعَادِيِّ، وَسَيُوقِفُونَ الطَّرِيقَ، وَلَا أَحَدَ يَسْتَطِيعُ أَنْ يُجَازِفَ بِذَلِكَ.

فَقَالَ رُؤُوفٌ:

— وَالْجَيْشُ؟

فَتَنَهَّدَ السَّائِقُ، وَقَالَ:

— الْجَيْشُ لَهُ مَهَامُّهُ الْكَبِيرَةُ. أَمَّا هَذِهِ الصَّحْرَاءُ الْوَاسِعَةُ، فَلَهَا طَبِيعَتُهَا، وَلِكُلِّ حَرَكَةٍ فِيهَا حِسَابَاتُهَا.

وَظَلَّ رُؤُوفٌ يُشَاهِدُ الْجِمَالَ، وَهِيَ تَمْضِي بِكِبْرِيَاءِ أَهْلِ الْمَكَانِ.

لَا يَحْجُزُهَا سُورٌ.

وَلَا يَقِيدُهَا حَبْلٌ.

تَرْعَى حَيْثُ تَشَاءُ.

وَتَرْتَوِي مِنْ حَيْثُ تَجِدُ الْمَاءَ.

وَتَعِيشُ فِي حُرِّيَّةٍ، كَأَنَّ الصَّحْرَاءَ كُلَّهَا وُجِدَتْ مِنْ أَجْلِهَا.

وَحِينَ فَرَغَ الْقَطِيعُ مِنَ الْعُبُورِ...

دَارَ مُحَرِّكُ التِّرِيلَّا مِنْ جَدِيدٍ.

وَاسْتَأْنَفَتِ الرِّحْلَةُ نَحْوَ الزَّعْفَرَانَةِ.

أَمَّا رُؤُوفٌ...

فَكَانَ يَنْظُرُ إِلَى الْجِبَالِ الشَّامِخَةِ، وَيُحَدِّثُ فِي قَلْبِهِ صَانِعَ الْجِبَالِ، وَخَالِقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ، وَيَحْمَدُهُ عَلَى مَا يَرَى مِنْ عَظَمَةِ خَلْقِهِ.




الْمَدَقُّ... وَالتُّفَّاحَتَانِ...

وَبَعْدَ نَحْوِ ثَلَاثِ سَاعَاتٍ مِنَ السَّيْرِ، وَصَلَتِ التِّرِيلَّا إِلَى نُقْطَةِ مُرُورِ الزَّعْفَرَانَةِ.

أَوْقَفَ السَّائِقُ السَّيَّارَةَ، ثُمَّ الْتَفَتَ إِلَى رُؤُوفٍ وَقَالَ:

— انْزِلْ هُنَا... فَمِنْ هَذَا الْمَكَانِ يَبْدَأُ طَرِيقُكَ إِلَى الْمَنْجَمِ.

ثُمَّ نَادَى عَلَى رَجُلِ الْمُرُورِ، وَقَالَ لَهُ:

— الرَّجُلُ ضَيْفُنَا... أَوْصِلْهُ إِلَى أَوَّلِ مَدَقِّ مَنْجَمِ كَنْزِي.

كَانَ رَجُلُ الْمُرُورِ مَعْرُوفًا لِجَمِيعِ سَائِقِي النَّقْلِ عَلَى هَذَا الطَّرِيقِ.

يُحِبُّهُ الْجَمِيعُ، وَلَا يَرُدُّ لَهُ أَحَدٌ طَلَبًا.

وَقَبْلَ أَنْ يُغَادِرَ رُؤُوفٌ، أَخْرَجَ ثَلَاثَةَ جُنَيْهَاتٍ، وَقَدَّمَهَا إِلَى سَائِقِ التِّرِيلَّا.

فَرَفَضَ الرَّجُلُ فِي الْبِدَايَةِ.

وَبَعْدَ إِلْحَاحٍ مِنْ رُؤُوفٍ، ابْتَسَمَ وَقَالَ:

— خَلِّيهَا... تَحِيَّةَ شَايٍ وَسَجَائِرَ.

وَأَخَذَهَا، وَدَعَا لَهُ بِالتَّوْفِيقِ.

شَعَرَ رُؤُوفٌ يَوْمَهَا أَنَّ الْكَرَمَ لَيْسَ فِي كِبَرِ الْعَطَاءِ، بَلْ فِي صِدْقِ النُّفُوسِ.

وَبَعْدَ دَقَائِقَ...

أَوْقَفَ رَجُلُ الْمُرُورِ حَافِلَةً مُتَّجِهَةً نَحْوَ الْجَبَلِ.

وَأَوْصَى السَّائِقَ قَائِلًا:

— أَنْزِلْهُ عِنْدَ أَوَّلِ مَدَقِّ مَنْجَمِ كَنْزِي.

وَبَعْدَ مَسِيرٍ قَصِيرٍ...

تَوَقَّفَتِ الْحَافِلَةُ.

وَقَالَ السَّائِقُ:

— هُنَا.

نَزَلَ رُؤُوفٌ.

وَنَظَرَ أَمَامَهُ...

فَلَمْ يَرَ قَرْيَةً.

وَلَا بَيْتًا.

وَلَا أَثَرًا لِمَنْجَمٍ.

إِنَّمَا مَدَقٌّ صَخْرِيٌّ ضَيِّقٌ، يَشُقُّ الْجِبَالَ شَقًّا، وَيَمْتَدُّ فِي عُمْقِ الصَّحْرَاءِ.

سَأَلَ أَحَدَ الْمَوْجُودِينَ:

— كَمْ تَبْعُدُ الْمَنْجَمُ؟

فَقَالَ:

— نَحْوَ اثْنَيْ عَشَرَ كِيلُومِتْرًا.

وَأَضَافَ:

— إِنْ وَجَدْتَ سَيَّارَةً دَاخِلَةً، فَهِيَ رَحْمَةٌ مِنَ اللَّهِ... وَإِلَّا فَامْشِ.

نَظَرَ رُؤُوفٌ إِلَى الشَّمْسِ.

كَانَتْ قَدِ اقْتَرَبَتْ مِنَ السَّاعَةِ الْحَادِيَةَ عَشْرَةَ صَبَاحًا.

شَهْرُ يُونْيُو...

وَحَرُّ الصَّحْرَاءِ لَا يَرْحَمُ.

وَقَدْ مَرَّ عَلَيْهِ أَكْثَرُ مِنْ خَمْسَ عَشْرَةَ سَاعَةً فِي السَّفَرِ.

لَمْ يَأْكُلْ شَيْئًا يُذْكَرُ.

وَالْعَطَشُ يَعْصِرُ حَلْقَهُ.

وَالتَّعَبُ يَنْخُرُ جَسَدَهُ.

انْتَظَرَ نِصْفَ سَاعَةٍ، عَلَّهُ يَرَى سَيَّارَةً تُقِلُّهُ.

وَلَكِنْ...

لَمْ يَأْتِ أَحَدٌ.




وَفِي هَذِهِ الْأَثْنَاءِ، وَصَلَ شَابٌّ يَحْمِلُ حَقِيبَةً خَفِيفَةً.

بَدَا مِنْ هَيْئَتِهِ أَنَّهُ مُعْتَادٌ عَلَى هَذَا الطَّرِيقِ.

تَبَادَلَا الْحَدِيثَ دَقَائِقَ قَلِيلَةً.

ثُمَّ قَالَ رُؤُوفٌ بِحَزْمٍ:

— عَلَى بَرَكَةِ اللَّهِ... سَأَمْشِي.

وَقَالَ الشَّابُّ:

— وَأَنَا مَعَكَ.

فَبَدَآ يَقْطَعَانِ الْمَدَقَّ الصَّخْرِيَّ.

وَالْجِبَالُ تَرْتَفِعُ عَلَى الْجَانِبَيْنِ، كَأَنَّهَا أَسْوَارٌ عِمْلَاقَةٌ تَحْرُسُ ذَلِكَ الطَّرِيقَ الْوَحِيدَ.

وَبَعْدَ نَحْوِ كِيلُومِتْرَيْنِ...

شَعَرَ رُؤُوفٌ أَنَّ قُوَّتَهُ قَدْ خَارَتْ.

فَجَسَدُهُ أَنْهَكَهُ السَّفَرُ.

وَبَطْنُهُ يَصْرُخُ مِنَ الْجُوعِ.

وَحَلْقُهُ يَلْتَهِبُ مِنَ الْعَطَشِ.

فَجَلَسَ عَلَى صَخْرَةٍ بِجَانِبِ الطَّرِيقِ.

وَرَفَعَ قَلْبَهُ إِلَى السَّمَاءِ، وَقَالَ فِي سِرِّهِ:

«يَا رَبِّ... أَعِنِّي.»

وَمَا إِنْ أَتَمَّ دُعَاءَهُ...

حَتَّى فَتَحَ رَفِيقُهُ حَقِيبَتَهُ.

فَأَخْرَجَ زُجَاجَةَ مَاءٍ.

فَسَقَاهُ مِنْهَا.

ثُمَّ بَلَّلَ وَجْهَهُ بِقَلِيلٍ مِنَ الْمَاءِ.

وَبَعْدَهَا...

أَدْخَلَ يَدَهُ مَرَّةً أُخْرَى فِي الْحَقِيبَةِ.

وَأَخْرَجَ تُفَّاحَتَيْنِ أَمْرِيكِيَّتَيْنِ كَبِيرَتَيْنِ.

كَانَتَا فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ مِنْ أَغْلَى الْفَاكِهَةِ، وَكَانَ ثَمَنُ الْكِيلُو مِنْهُمَا يَقْتَرِبُ مِنْ نِصْفِ مُرَتَّبِ مُوَظَّفٍ حُكُومِيٍّ.

تَنَاوَلَهُمَا رُؤُوفٌ.

وَمَا إِنْ تَذَوَّقَ أَوَّلَ لُقْمَةٍ...

حَتَّى شَعَرَ بِطَعْمٍ لَمْ يَذُقْهُ مِنْ قَبْلُ.

وَرَائِحَةٍ لَمْ يَعْرِفْهَا قَطُّ.

فَكَيْفَ وَهُوَ جَائِعٌ...

عَطْشَانُ...

مُنْهَكُ الْقُوَى؟

فَأَكَلَهُمَا، وَقَلْبُهُ يَسْجُدُ لِلَّهِ شُكْرًا قَبْلَ أَنْ تَسْجُدَ جَبْهَتُهُ.

وَمَا هِيَ إِلَّا دَقَائِقُ...

حَتَّى عَادَتْ إِلَيْهِ قُوَّةٌ كَانَ يَظُنُّ أَنَّهَا فَارَقَتْهُ.

وَقَامَ يُكْمِلُ السَّيْرَ.

وَبَعْدَ مِائَةِ مِتْرٍ تَقْرِيبًا...

سَمِعَا صَوْتَ كُلَاكْسِ سَيَّارَةٍ نِصْفِ نَقْلٍ، دَاخِلَةٍ إِلَى مَنْجَمِ كَنْزِي، وَهِيَ فَارِغَةٌ.

فَتَوَقَّفَتْ.

وَصَعِدَا إِلَى صُنْدُوقِهَا الْخَلْفِيِّ.

وَانْطَلَقَتْ بِهِمَا نَحْوَ الْمَنْجَمِ.

وَكَانَ رُؤُوفٌ يُطِيلُ النَّظَرَ إِلَى الطَّرِيقِ الَّذِي خَلَّفَهُ وَرَاءَهُ.

وَيُفَكِّرُ...

لَوْلَا الْعَطَشُ...

لَمَا تَوَقَّفَ.

وَلَوْلَا تَوَقُّفُهُ...

لَمَا شَرِبَ الْمَاءَ.

وَلَوْلَا الْمَاءُ...

لَمَا أَكَلَ التُّفَّاحَتَيْنِ.

وَلَوْلَا ذَلِكَ...

لَمَا لَحِقَ بِالسَّيَّارَةِ.

فَرَفَعَ عَيْنَيْهِ نَحْوَ السَّمَاءِ...

وَابْتَسَمَ.

وَعَرَفَ أَنَّ تَدْبِيرَ اللَّهِ أَلْطَفُ مِنْ تَدْبِيرِ الْإِنْسَانِ لِنَفْسِهِ




دَوْلَةٌ فِي قَلْبِ الْجَبَلِ...

وَمَا إِنْ تَوَقَّفَتِ السَّيَّارَةُ نِصْفُ النَّقْلِ، حَتَّى هَبَطَ رُؤُوفٌ مِنْ صُنْدُوقِهَا، وَأَخَذَ يَنْظُرُ حَوْلَهُ فِي دَهْشَةٍ.

لَمْ يَكُنْ أَمَامَهُ مُجَرَّدُ مَنْجَمٍ، كَمَا كَانَ يَتَخَيَّلُ طَوَالَ الرِّحْلَةِ.

بَلْ كَانَ عَالَمًا كَامِلًا، قَائِمًا وَحْدَهُ فِي قَلْبِ الْجِبَالِ.

دَوْلَةً صَغِيرَةً، صَنَعَهَا الرِّجَالُ بِأَيْدِيهِمْ، وَأَقَامُوهَا عَلَى قَدْرِ مَا مَنَحَتْهُمُ الطَّبِيعَةُ.

وَكَانَ سِرُّ هَذِهِ الْحَيَاةِ...

عَيْنَ مَاءٍ تَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّخُورِ.

لَا يَعْرِفُ أَحَدٌ مَنْبَعَهَا.

وَلَا كَيْفَ ظَلَّتْ تَجْرِي سِنِينَ طِوَالًا.

كَانَتْ مِيَاهُهَا بَارِدَةً، صَافِيَةً، نَقِيَّةً، عَذْبَةَ الرَّائِحَةِ.

يَشْرَبُ مِنْهَا الرَّجُلُ قَلِيلًا...

فَيَشْعُرُ أَنَّ الْحَيَاةَ دَبَّتْ فِي جَسَدِهِ مِنْ جَدِيدٍ.

وَكَأَنَّهَا مَاءٌ مَمْزُوجٌ بِالْبَرَكَةِ.

وَحَوْلَ هَذِهِ الْعَيْنِ...

وُلِدَ مَنْجَمُ كَنْزِي.

لَمْ يَتْرُكِ الرِّجَالُ صَخْرَةً إِلَّا وَرَوَّضُوهَا.

وَلَا مُنْحَدَرًا إِلَّا وَحَوَّلُوهُ إِلَى مُصَطَّبَةٍ.

وَلَا شِعْبًا إِلَّا وَزَرَعُوا فِيهِ شَجَرًا وَخُضْرَةً.

كَسَّرُوا الصُّخُورَ.

وَنَقَلُوا التُّرَابَ.

وَخَلَطُوهُ بِالسِّمَادِ الطَّبِيعِيِّ.

حَتَّى أَخْرَجُوا مِنْ قَلْبِ الْجَبَلِ جَنَّاتٍ صَغِيرَةً، تَسُرُّ النَّاظِرِينَ.

وَأَدْرَكَ رُؤُوفٌ أَنَّ الْإِنْسَانَ، إِذَا أَحَبَّ الْمَكَانَ، اسْتَطَاعَ أَنْ يُحَوِّلَ الْمُسْتَحِيلَ إِلَى وَاقِعٍ.

وَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ كُلُّ شَيْءٍ.

فَقَدِ اسْتَأْنَسَ رِجَالُ الْمَنْجَمِ كَثِيرًا مِنَ الطُّيُورِ الْمُهَاجِرَةِ.

وَرَبَّوْا الْغِزْلَانَ الْجَبَلِيَّةَ.

وَالْأَرَانِبَ الْبَرِّيَّةَ.

وَالنَّعَامَ.

وَغَيْرَهَا مِمَّا تَحْيَا بِهِ الصَّحْرَاءُ.

وَكَانَتِ الْحَيَوَانَاتُ تَتَجَوَّلُ فِي هُدُوءٍ، لَا تَخَافُ أَحَدًا، كَأَنَّهَا وَجَدَتْ بَيْنَ أُولَئِكَ الرِّجَالِ أَمَانًا لَمْ تَجِدْهُ فِي مَكَانٍ آخَرَ.

وَكَانَ لِكُلِّ صَخْرَةٍ حِكَايَةٌ.

وَلِكُلِّ شَجَرَةٍ سِنُونَ مِنَ الصَّبْرِ.

وَلِكُلِّ نَسْمَةِ هَوَاءٍ ثَمَنٌ دَفَعَهُ رِجَالٌ لَمْ يَعْرِفُوا الْكَسَلَ يَوْمًا.

وَلَمْ تَكُنْ ثَرْوَتُهُمْ فِي الْأَحْجَارِ الَّتِي يَسْتَخْرِجُونَهَا فَقَطْ...

بَلْ كَانَتْ فِي أَخْلَاقِهِمْ، وَتَعَاوُنِهِمْ، وَاحْتِرَامِهِمْ لِلْعَمَلِ.

وَهُنَاكَ...

أَدْرَكَ رُؤُوفٌ أَنَّ الرِّزْقَ لَيْسَ مَالًا فَقَطْ...

بَلْ بِيئَةٌ طَيِّبَةٌ، وَقُلُوبٌ صَادِقَةٌ، وَنَفْسٌ مُطْمَئِنَّةٌ.

وَقَبْلَ أَنْ يَبْدَأَ عَمَلَهُ...

وَقَفَ لَحْظَةً.

وَنَظَرَ إِلَى السَّمَاءِ.

ثُمَّ هَمَسَ:

«الْحَمْدُ لَكَ يَا رَبِّ... لَقَدْ أَوْصَلْتَنِي.»




رِجَالُ الْجَبَلِ...

اسْتَقْبَلَ مَسْؤُولُ الْعُمَّالِ رُؤُوفًا بِوَجْهٍ بَشُوشٍ، وَكَأَنَّهُ يَعْرِفُهُ مُنْذُ زَمَنٍ.

سَأَلَهُ عَنْ اسْمِهِ، وَمِنْ أَيْنَ جَاءَ، وَمَا الْعَمَلُ الَّذِي يُجِيدُهُ.

فَأَجَابَهُ رُؤُوفٌ فِي هُدُوءٍ.

فَنَظَرَ إِلَيْهِ الرَّجُلُ، ثُمَّ قَالَ:

— مِنَ الْيَوْمِ... أَنْتَ وَاحِدٌ مِنَّا.

ثُمَّ حَدَّدَ لَهُ أَجْرَهُ:

جُنَيْهٌ وَرُبْعُ الْجُنَيْهِ فِي الْيَوْمِ، وَالْإِقَامَةُ، وَالطَّعَامُ، وَالشَّرَابُ عَلَى حِسَابِ الْمَنْجَمِ.

لَمْ يَكُنِ الْمَبْلَغُ كَبِيرًا بِمَقَايِيسِ الْأَغْنِيَاءِ.

وَلَكِنَّهُ كَانَ لِرُؤُوفٍ ثَرْوَةً.

فَقَدْ جَاءَ لَا يَبْحَثُ عَنِ الرَّفَاهِيَّةِ...

بَلْ عَنْ كَرَامَةِ الْعَمَلِ.

سَلَّمَهُ الْمَسْؤُولُ إِلَى أَحَدِ الرِّجَالِ، وَقَالَ:

— هَذَا سَيُعَلِّمُكَ كُلَّ شَيْءٍ.

وَمِنْ ذَلِكَ الْيَوْمِ...

بَدَأَ رُؤُوفٌ يَتَعَلَّمُ.

لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ مَنْ يَبْخَلُ بِخِبْرَةٍ.

وَلَا مَنْ يَخْشَى أَنْ يُعَلِّمَ غَيْرَهُ.

كَانَ الْجَمِيعُ يَعْمَلُونَ كَأَنَّهُمْ أُسْرَةٌ وَاحِدَةٌ.

إِذَا تَعِبَ وَاحِدٌ...

حَمَلَ الْبَاقُونَ عَنْهُ.

وَإِذَا احْتَاجَ أَحَدٌ...

وَجَدَ الْجَمِيعَ حَوْلَهُ قَبْلَ أَنْ يَطْلُبَ.

وَكَانَ يَوْمُهُمْ يَبْدَأُ قَبْلَ طُلُوعِ الْفَجْرِ.

فِي السَّاعَةِ الرَّابِعَةِ صَبَاحًا.

يَخْرُجُ كُلُّ رَجُلٍ وَحْدَهُ.

يَتَمَشَّى بَيْنَ الْجِبَالِ.

يَتَنَفَّسُ هَوَاءَهَا النَّقِيَّ.

وَيُرِيحُ قَلْبَهُ فِي سُكُونِ اللَّيْلِ.

وَيَنْظُرُ إِلَى السَّمَاءِ الْمُمْتَلِئَةِ بِالنُّجُومِ.

هُنَاكَ...

كَانَ الصَّمْتُ عِبَادَةً.

وَكَانَتِ الطَّبِيعَةُ تُعَلِّمُ الْإِنْسَانَ أَنْ يَكُونَ مُتَوَاضِعًا.

ثُمَّ يَبْدَأُ الْعَمَلُ مَعَ أَوَّلِ خُيُوطِ النُّورِ.

وَيَسْتَمِرُّ حَتَّى غُرُوبِ الشَّمْسِ.

عَمَلٌ شَاقٌّ...

لَكِنَّهُ لَمْ يَكُنْ يُتْعِبُ النُّفُوسَ.

لِأَنَّ الْقُلُوبَ كَانَتْ رَاضِيَةً.

وَعِنْدَ الْمَسَاءِ...

يَعُودُ كُلُّ وَاحِدٍ إِلَى غُرْفَتِهِ الْمَنْحُوتَةِ فِي الْجَبَلِ.

غُرَفٌ مُتَبَاعِدَةٌ.

بَسِيطَةٌ.

وَلَكِنَّهَا مَمْلُوءَةٌ بِالسَّكِينَةِ.

لَا صِرَاعَ.

وَلَا حَسَدَ.

وَلَا تَنَافُسَ عَلَى الدُّنْيَا.

بَلْ كَانَ كُلُّ رَجُلٍ يُسَابِقُ نَفْسَهُ فِي الْإِتْقَانِ.

وَمَعَ مَرُورِ الْأَيَّامِ...

لَمْ يَعُدْ رُؤُوفٌ هُوَ رُؤُوفَ الَّذِي وَصَلَ مُنْهَكًا بَعْدَ رِحْلَةِ الشَّقَاءِ.

صَارَ أَقْوَى جَسَدًا.

وَأَهْدَأَ نَفْسًا.

وَأَوْسَعَ صَدْرًا.

وَأَعْمَقَ إِيمَانًا.

وَأَدْرَكَ أَنَّ الْإِنْسَانَ لَا يَتَغَيَّرُ بِكَثْرَةِ مَا يَمْلِكُ...

بَلْ بِالْبِيئَةِ الَّتِي يَعِيشُ فِيهَا، وَالرِّجَالِ الَّذِينَ يُصَاحِبُهُمْ.

وَكَانَ رِجَالُ مَنْجَمِ كَنْزِي...

أَعْظَمَ ثَرْوَةٍ وَجَدَهَا فِي رِحْلَتِهِ.




وَدَاعُ الْجَبَلِ...

مَرَّتِ الْأَيَّامُ سَرِيعًا...

حَتَّى أَصْبَحَ رُؤُوفٌ وَاحِدًا مِنْ رِجَالِ مَنْجَمِ كَنْزِي.

يَعْمَلُ مَعَهُمْ.

وَيَأْكُلُ مَعَهُمْ.

وَيَتَعَلَّمُ مِنْهُمْ.

وَيَشْعُرُ أَنَّهُ وُلِدَ مِنْ جَدِيدٍ بَيْنَ هَؤُلَاءِ الرِّجَالِ.

لَمْ يَكُنْ تَعَلَّمَ مِنْهُمْ الْعَمَلَ فَقَطْ...

بَلْ تَعَلَّمَ أَنَّ الْإِنْسَانَ تَبْنِيهِ الْأَخْلَاقُ قَبْلَ أَنْ يَبْنِيَهُ الْمَالُ.

وَأَنَّ التَّعَاوُنَ يَصْنَعُ مَا لَا تَصْنَعُهُ الْقُوَّةُ.

وَأَنَّ الرِّزْقَ يَحِلُّ حَيْثُ تَحِلُّ الْأَمَانَةُ.

وَحِينَ انْتَهَتْ مُدَّةُ عَمَلِهِ...

اسْتَدْعَاهُ مَسْؤُولُ الْعُمَّالِ.

وَحَاسَبَهُ عَلَى كُلِّ يَوْمٍ عَمِلَ فِيهِ.

ثُمَّ سَلَّمَهُ أَجْرَهُ كَامِلًا، دُونَ أَنْ يَنْقُصَ مِنْهُ مِلِّيمًا وَاحِدًا.

أَمْسَكَ رُؤُوفٌ بِالنُّقُودِ.

وَظَلَّ يَعُدُّهَا مَرَّةً بَعْدَ أُخْرَى.

لَمْ يَكُنْ يُصَدِّقُ أَنَّهَا أَصْبَحَتْ مِلْكًا لَهُ.

كَانَ مَبْلَغًا يَكْفِي نَفَقَاتِ أُسْرَتِهِ نَحْوَ سِتَّةِ أَشْهُرٍ.

وَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ هُوَ الْكَنْزَ الْحَقِيقِيَّ.

فَقَبْلَ أَنْ يُغَادِرَ...

اجْتَمَعَ بِهِ رِجَالُ الْمَنْجَمِ.

وَقَدَّمُوا لَهُ بَعْضَ الْهَدَايَا الْبَسِيطَةِ، تَذْكَارًا مِنْهُمْ.

وَصَافَحَهُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ.

وَدَعَا لَهُ بِالرِّزْقِ وَالسَّلَامَةِ.

وَكَأَنَّهُمْ يُوَدِّعُونَ أَخًا عَاشَ بَيْنَهُمْ سِنِينَ، لَا أَيَّامًا.

وَاغْرَوْرَقَتْ عَيْنَا رُؤُوفٍ بِالدُّمُوعِ.

وَنَظَرَ إِلَى الْجِبَالِ الَّتِي احْتَضَنَتْهُ.

وَإِلَى عَيْنِ الْمَاءِ الَّتِي أَحْيَتْهُ.

وَإِلَى الْمَدَرَّجَاتِ الْخَضْرَاءِ الَّتِي صَنَعَتْهَا سَوَاعِدُ الرِّجَالِ.

وَقَالَ:

«أَعِدُكُمْ... إِنْ أَذِنَ اللَّهُ... سَأَعُودُ.»

لَكِنَّ الْحَيَاةَ...

كَانَ لَهَا رَأْيٌ آخَرُ.

فَلَمْ يَعُدْ رُؤُوفٌ إِلَى مَنْجَمِ كَنْزِي مَرَّةً أُخْرَى.

غَيْرَ أَنَّ الْمَنْجَمَ لَمْ يُفَارِقْهُ أَبَدًا.

ظَلَّ يَعِيشُ فِي ذَاكِرَتِهِ.

وَفِي قَلْبِهِ.

وَفِي كُلِّ حِكَايَةٍ يَرْوِيهَا.

فَقَدْ ذَهَبَ إِلَيْهِ شَابًّا يَبْحَثُ عَنْ لُقْمَةِ عَيْشٍ...

وَعَادَ مِنْهُ رَجُلًا يَعْرِفُ مَعْنَى الْعَمَلِ.

وَمَعْنَى الْكَرَامَةِ.

وَمَعْنَى الْإِيمَانِ بِأَنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ مَنْ خَرَجَ سَاعِيًا فِي طَلَبِ الرِّزْقِ الْحَلَالِ.




الخاتمة…

لم تنتهِ رحلةُ رؤوفٍ بعودتِه إلى أهلهِ، بل دخلَ الجبلُ إلى روحِه فصارَ جزءاً من كيانِه وميزاناً يزنُ به الحياةَ. تعلَّمَ أنَّ الكنزَ الحقيقيَّ ليسَ في باطنِ الأرضِ بل في القلوبِ النقيَّةِ، والأخلاقِ الباقيةِ، والرجالِ الذين علَّموه أنَّ الكرامةَ في العملِ وأنَّ العونَ الإلهيَّ يأتي من حيثُ لا يحتسبُ المرءُ، كما جاءه الماءُ والتفاحتانِ والقاربُ الصغيرُ في أشدِّ لحظاتِ الضعفِ.

أوصى رؤوفٌ أحفادَه ألَّا يخافوا من طولِ الطريقِ ولا حرِّ الصحراءِ، فما وراءَ كلِّ تعبٍ راحةٌ، وما وراءَ كلِّ جبلٍ كنزٌ، لكنَّ الكنزَ الأكبرَ هو رضا اللهِ ونقاءُ السريرةِ. وصارَ قطارُ الشقاء في ذاكرتِه رمزاً لقسوةِ الدنيا التي تُحوِّلُها رحمةُ اللهِ إلى مركبةٍ نحوَ النورِ إذا صَحبَها الدعاءُ وحُسنُ الظنِّ.

وخلاصةُ الحكمةِ الخالدةِ التي تتركُها الروايةُ في القلوبِ: أنَّ ما وراءَ الجبل ليسَ أرضاً جديدةً فحسبُ، بل هو الإنسانُ نفسُه حينَ يعبرُ جبالَ روحِه ويصعدُ فوقَ أوجاعِه، ليرى الدنيا من علياءِ الإيمانِ والرجاءِ والسكينةِ.

تبقى هذه الروايةُ شهادةً حيَّةً على أنَّ الخيرَ لا يموتُ، وأنَّ اللهَ لا يُضيعُ أجرَ من سعى في طلبِ الرزقِ الحلالِ صابراً محتسباً.

د. طلعت سمير





google-playkhamsatmostaqltradent