حلق مع هدهوديات في الفضاء السيبراني

recent
أخبار ساخنة

أينَ أنت يا أبي؟

الصفحة الرئيسية

 


مقدمة...

في صخب الطريق، وفي دفء المطبخ، وفي صمت النيل، كان "بابا" هو المعنى الذي لا ينتهي. هو اليد التي تمسح الخطأ قبل أن يُطلب السماح، وهو النكهة التي لا تنسى في طفولتنا، وهو الحكمة التي تهطل علينا كالمطر في لحظات العمر الأكثر عطشاً. لكن ما هو الأب في الحقيقة؟ إنه السؤال الذي لا نعرف إجابته إلا حين يصبح الجواب غائباً. حين يرحل، نكتشف أن كل المقلمات التي اشتراها، وكل البسبوسات التي صنعها، وكل الحكم التي ألقاها، لم تكن سوى أوراق شجر تتساقط من شجرة كانت تظلل الكون كله. الفقد ليس لحظة، إنه أسلوب حياة جديد، نتعلم فيه أن نكرم الله في خلقه، كما علمنا، وأن نتحمل الجحود، كما صبر هو، وأن نبكي بصمت لأن الصوت الذي كان يردد "بابا" قد تحول إلى صدى يرن في أعماقنا فقط.


«بَابَا... مُمْكِنْ تُسَامِحْنِي؟»


بَعْدَ يَوْمٍ شَاقٍّ، ذَهَبَ إِلَى بَيْتِهِ، وَاسْتَرَاحَ قَلِيلًا، ثُمَّ طَلَبَتْ مِنْهُ زَوْجَتُهُ وَابْنَتُهُ فُسْحَةً؛ فَهُمَا لَا ذَنْبَ لَهُمَا فِي يَوْمِهِ الصَّعْبِ.

فَاسْتَجَابَ لَهُمَا، وَقَالَ: «جَهِّزُوا أَنْفُسَكُمْ لِلْخُرُوجِ». وَارْتَدَى مَلَابِسَ الْخُرُوجِ، وَجَلَسَ خَلْفَ مِقْوَدِ السَّيَّارَةِ، وَبِجِوَارِهِ زَوْجَتُهُ، وَفِي الْخَلْفِ جَلَسَتِ ابْنَتُهُ الطِّفْلَةُ.

ثُمَّ قَطَعَ ضَجِيجَ الشَّارِعِ، وَصَوْتَ الْكَلَاكِسَاتِ، وَصَخَبَ السَّيْرِ، يَدٌ صَغِيرَةٌ تَنْخُسُهُ فِي كَتِفِهِ الْأَيْمَنِ، وَصَوْتٌ رَقِيقٌ يَقُولُ:

«بَابَا... بَابَا.»

فَالْتَفَتَ، وَابْتَسَمَ، وَقَالَ:

«مَاذَا تُرِيدِينَ؟»

فَطَأْطَأَتِ الطِّفْلَةُ وَجْهَهَا، وَضَمَّتْ يَدَيْهَا، وَقَالَتْ بِصَوْتٍ خَافِتٍ:

«بَابَا... مُمْكِنْ تُسَامِحْنِي؟»

صَمَتَ لَحْظَةً، وَتَسَاءَلَ فِي نَفْسِهِ عَنْ سَبَبِ السُّؤَالِ، ثُمَّ قَالَ:

«أُسَامِحُكِ عَلَى مَاذَا؟»

فَقَالَتْ مُنْدَفِعَةً، وَعَيْنَاهَا تَلْمَعَانِ:

«عَلَى أَيِّ حَاجَةٍ غَلَطٍ أَنَا عَمَلْتُهَا.»




فَصَمَتَ لَحْظَةً، وَأَخَذَ يُفَتِّشُ فِي ذَاكِرَتِهِ عَنْ أَقْرَبِ مَوْقِفٍ خَاطِئٍ صَدَرَ مِنْهَا، فَتَذَكَّرَ شَيْئًا كَانَ قَدْ نَبَّهَهَا إِلَيْهِ مِنْ قَبْلُ، وَلَكِنَّهَا لَمْ تَبْدُ مُقْتَنِعَةً بِهِ.

فَقَالَ لَهَا:

«طَيِّبْ... أَنَا مُسَامِحُكِ، لَكِنْ مَا تِعْمَلِيشِ الْغَلَطَ دَهْ تَانِي، وَمَا تُكَرِّرِيهُوشْ، وَافْهَمِي أَنَّ بَابَا بِيْعَرِّفِكِ الصَّحَّ؛ عَلَشَانْ تِبْقِي أَشْطَرَ، وَأَفْضَلَ بَنُوتَةٍ حِلْوَةٍ.»

فَانْفَرَجَ وَجْهُهَا، وَأَشْرَقَتْ عَيْنَاهَا بِفَرْحٍ لَا يُوصَفُ، وَقَالَتْ:

«شُكْرًا.»

ثُمَّ احْتَضَنَتْهُ مِنْ خَلْفِهِ، فَشَعَرَ بِأَنَّ ذِرَاعَيْهَا الصَّغِيرَتَيْنِ أَثْقَلُ فِي قَلْبِهِ مِنْ كُلِّ تَعَبِ يَوْمِهِ.

وَبَعْدَ لَحَظَاتٍ، رَبَّتَتْ عَلَى كَتِفِهِ، وَقَالَتْ:

«بَابَا... بَابَا.»

فَقَالَ:

«نَعَمْ.»

قَالَتْ:

«مُمْكِنْ أَطْلُبْ طَلَبًا؟»

فَصَمَتَ بُرْهَةً، وَظَنَّ أَنَّهَا سَتَطْلُبُ حَلْوَى، كَمَا يَفْعَلُ مُعْظَمُ الْأَطْفَالِ، وَاسْتَعَدَّ نَفْسِيًّا لِسَمَاعِ الطَّلَبِ، ثُمَّ قَالَ:

«اطْلُبِي.»

فَقَالَتْ، بِدَلَالٍ وَنَغْمَةٍ مُقَطَّعَةٍ:

«مُمْكِنْ تِجِيبْ لِي مِقْلَمَةً؟»

صَمَتَ، وَتَعَجَّبَ، وَارْتَسَمَتْ عَلَى وَجْهِهِ ابْتِسَامَةٌ دَافِئَةٌ، ثُمَّ قَالَ:

«كَبِيرَةً وَلَّا صَغِيرَةً؟»

فَقَالَتْ، بِكُلِّ لَهْفَةٍ وَدَلَالٍ:

«إِلِّي يَهُونْ عَلَيْكْ يَا أَحْلَى بَابَا... إِلِّي تِجِيبُهُولِي أَنَا رَاضِيَةٌ بِهِ.»

فَرَقَصَتْ مَشَاعِرُ قَلْبِ الْأَبِ، وَذَابَ مَا بَقِيَ مِنْ تَعَبِ يَوْمِهِ، وَلَمْ يَتَمَالَكْ نَفْسَهُ، فَنَزَلَ مِنَ السَّيَّارَةِ أَمَامَ أَكْبَرِ مَكْتَبَةٍ فِي الْمَدِينَةِ، وَأَخَذَهَا مَعَهُ، وَاخْتَارَ لَهَا أَكْبَرَ مِقْلَمَةٍ تَسَعُ جَمِيعَ أَنْوَاعِ الْأَقْلَامِ، وَالْأَلْوَانِ، وَالْمَسَاطِرِ، وَكَافَّةَ مُسْتَلْزَمَاتِ الْفَصْلِ الدِّرَاسِيِّ، وَكَانَتْ مِنْ أَفْخَمِ الْأَنْوَاعِ.

ثُمَّ دَخَلَ بِهَا مَحَلَّ حَلْوَيَاتٍ؛ لِتَخْتَارَ مَا يُعْجِبُهَا مِنَ الْأَصْنَافِ، وَكَانَ يَنْظُرُ إِلَيْهَا وَهِيَ تَفْرَحُ، وَيُدْرِكُ أَنَّ أَجْمَلَ مَا نَالَهُ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ لَمْ يَكُنْ الرَّاحَةَ، بَلْ كَلِمَةُ: «بَابَا... مُمْكِنْ تُسَامِحْنِي؟».


بَسْبُوسَةُ «بَابَا جَدُّو»


انْتَهَى «بَابَا جَدُّو» مِنْ إِعْدَادِ صِينِيَّةِ بَسْبُوسَةٍ بِالْمُكَسَّرَاتِ، فَتَرَكَهَا حَتَّى بَرَدَتْ، ثُمَّ وَضَعَهَا قَلِيلًا فِي الثَّلَّاجَةِ لِتَأْخُذَ قِوَامًا وَمَذَاقًا أَجْمَلَ.

أَخْرَجَهَا بَعْدَ ذَلِكَ، وَقَطَّعَهَا بِعِنَايَةٍ، وَرَتَّبَ قِطَعَهَا فِي عُلْبَةٍ أَنِيقَةٍ، ثُمَّ لَفَّهَا بِشَرِيطِ هَدِيَّةٍ جَمِيلٍ، وَثَبَّتَ عَلَيْهَا قَلْبًا صَغِيرًا كُتِبَ عَلَيْهِ اسْمُ حَفِيدَتِهِ.

ابْتَسَمَ، ثُمَّ نَادَى:

ــ يَا حَبِيبَةَ بَابَا جَدُّو... عِنْدِي لَكِ مُفَاجَأَةٌ.

أَسْرَعَتْ إِلَيْهِ وَعَيْنَاهَا تَلْمَعَانِ فَضُولًا.

ــ إِيهِ هِيَ؟

ضَحِكَ وَقَالَ:

ــ لَوْ قُلْتُهَا... مَا بَقِيَتْ مُفَاجَأَةً. اجْلِسِي هُنَا، وَأَغْمِضِي عَيْنَيْكِ.

فَعَلَتْ مَا طَلَبَ مِنْهَا، فَوَضَعَ الْعُلْبَةَ أَمَامَهَا، وَقَالَ:

ــ قَبْلَ أَنْ تَفْتَحِي عَيْنَيْكِ... قُولِي لِي، مَاذَا تَشُمِّينَ؟

أَخَذَتْ نَفَسًا عَمِيقًا، ثُمَّ قَالَتْ:

ــ رَائِحَةُ فَانِيلْيَا... وَحَاجَةٌ حُلْوَةٌ جِدًّا.

ابْتَسَمَ وَقَالَ:

ــ الْآنَ... افْتَحِي.

فَتَحَتْ عَيْنَيْهَا، فَرَأَتِ اسْمَهَا عَلَى الْقَلْبِ، فَضَحِكَتْ، ثُمَّ أَسْرَعَتْ تَفُكُّ الشَّرِيطَ.

وَمَا إِنْ رَفَعَتِ الْغِطَاءَ حَتَّى صَاحَتْ:

ــ بَسْبُوسَة!

قَفَزَتْ تُعَانِقُ «بَابَا جَدُّو»، وَقَالَتْ:

ــ شُكْرًا يَا بَابَا جَدُّو.




قَدَّمَ لَهَا قِطْعَةً، فَأَكَلَتْهَا بِشَهِيَّةٍ، ثُمَّ قَالَتْ:

ــ بَسْبُوسَتُكَ حُلْوَةٌ جِدًّا... مِنْ أَيْنَ أَحْضَرْتَهَا؟

ابْتَسَمَ وَقَالَ:

ــ بَعْدَ أَنْ تَغْسِلِي يَدَيْكِ، وَتُفَرِّشِي أَسْنَانَكِ... سَأَحْكِي لَكِ الْحِكَايَةَ.

لَمْ تَتَأَخَّرْ.

رَكَضَتْ إِلَى الْحَمَّامِ، ثُمَّ عَادَتْ مُسْرِعَةً، وَارْتَمَتْ فِي حُضْنِهِ.

رَبَّتَ عَلَى شَعْرِهَا، وَقَالَ:

ــ لَمَّا كُنْتُ فِي سِنِّكِ، كَانَ عِنْدَنَا فِي الْمَدْرَسَةِ حِصَّةٌ اسْمُهَا «التَّدْبِيرُ الْمَنْزِلِيُّ».

اتَّسَعَتْ عَيْنَاهَا دَهْشَةً.

ــ فِي الْمَدْرَسَةِ؟

ــ نَعَمْ. كُنَّا نَشْتَرِي الْمُكَوِّنَاتِ مَعَ الْمُعَلِّمِ، ثُمَّ يَعْلَمُنَا كَيْفَ نُعِدُّ الْبَسْبُوسَةَ بِأَيْدِينَا، وَيُحَدِّثُنَا عَنْ فَوَائِدِهَا، وَعَنْ أَنَّ طَعَامَ الْبَيْتِ أَنْظَفُ، وَأَوْفَرُ، وَأَشْهَى.

ثُمَّ نُدْخِلُهَا الْفُرْنَ، وَنَنْتَظِرُ حَتَّى تَمْلَأَ رَائِحَتُهَا الْفَصْلَ، وَبَعْدَ أَنْ تَسْتَوِي نُقَسِّمُهَا بَيْنَنَا، وَنُسَاعِدُ فِي تَنْظِيفِ الْمَكَانِ.

سَكَتَ لَحْظَةً، ثُمَّ قَالَ:

ــ الْبَسْبُوسَةُ الَّتِي أَكَلْتِهَا الْيَوْمَ... هِيَ نَفْسُهَا الَّتِي تَعَلَّمْتُهَا فِي تِلْكَ الْحِصَّةِ مُنْذُ سِنِينَ طَوِيلَةٍ.

أَشْرَقَ وَجْهُهَا، وَقَالَتْ بِحَمَاسٍ:

ــ وَأَنَا... هَلْ سَأَتَعَلَّمُهَا؟

ابْتَسَمَ، وَأَمْسَكَ يَدَهَا، وَقَالَ:

ــ بَلْ سَتُعِدِّينَهَا بِيَدَيْكِ. أَعِدُكِ أَنَّنَا سَنَذْهَبُ مَعًا لِنَشْتَرِي الْمُكَوِّنَاتِ، وَسَأُعَلِّمُكِ خُطْوَةً خُطْوَةً، كَمَا عَلَّمَنِي مُعَلِّمِي.

صَفَّقَتْ بِفَرَحٍ، وَاحْتَضَنَتْهُ مِنْ جَدِيدٍ.

وَمُنْذُ تِلْكَ اللَّحْظَةِ، لَمْ تَعُدْ تَنْتَظِرُ قِطْعَةَ بَسْبُوسَةٍ أُخْرَى...

بَلْ أَصْبَحَتْ تَنْتَظِرُ الْيَوْمَ الَّذِي سَتَصْنَعُ فِيهِ بِيَدَيْهَا أَحْلَى بَسْبُوسَةٍ... وَأَجْمَلَ ذِكْرَى.


كيف نُكرمُ الكريم؟


بَعْدَ يَوْمٍ طَوِيلٍ وَشَاقٍّ مِنَ الْعَمَلِ فِي جَزِيرَةٍ فِي وَسَطِ النِّيلِ فِي أَقْصَى جَنُوبِ مِصْرَ، وَفِي لَحْظَةٍ مَا بَيْنَ الشُّعُورِ بِالتَّعَبِ الْجَسَدِيِّ وَالتَّشَوُّقِ النَّفْسِيِّ لِلَحْظَةِ هُدُوءٍ وَالتَّفْكِيرِ فِي اللَّاشَيْءِ فَقَطْ، رَفَعَ الْأَعْيُنَ نَحْوَ مَنْظَرٍ طَبِيعِيٍّ يَجْمَعُ بَيْنَ صُخُورٍ وَجَبَلٍ وَمِيَاهِ النِّيلِ الصَّافِيَةِ وَسَمَاءٍ فِي تَوْقِيتِ قُرْبِ الْغُرُوبِ، سَقَطَ جَسَدِي عَلَى مَقْعَدٍ حَجَرِيٍّ الْتَقَطَهُ جَسَدِي قَبْلَ أَنْ يُفَكِّرَ بِعَقْلِي هَلْ سَيُنَاسِبُ أَوْ لَا يُنَاسِبُ لِأَيِّ خَطَرٍ فِي الْجُلُوسِ.

وَإِذْ تَاهَتِ النَّفْسُ وَغَابَتِ الرُّوحُ وَسَكَنَ الْجَسَدُ عَلَى مَا سَقَطَ عَلَيْهِ، إِذْ بِالْعَيْنَيْنِ يَلْتَقِيَانِ مَعَ عَالِمٍ جَلِيلٍ عَظِيمٍ فِي الْعِلْمِ، كَبِيرٍ فِي التَّوَاضُعِ، فَرِيدٍ فِي الْجَاذِبِيَّةِ وَنَقَاءِ الْقَلْبِ وَالسِّيرَةِ، يَجْلِسُ بِالْقُرْبِ لِنَفْسِ اللَّحْظَةِ وَلِنَفْسِ السَّبَبِ، وَرُبَّمَا نَفْسِ الشُّعُورِ.

فَابْتَسَمْتُ وَابْتَسَمَ لِي، ثُمَّ قَالَ: كُلُّ مَا حَوْلَنَا الْآنَ يُعَلِّمُنَا أَنْ نَحْمَدَ اللهَ وَنَشْكُرَهُ وَنُسَبِّحَهُ وَنُحِبَّهُ وَنُكْرِمَهُ.

فَقُلْتُ: رُبَّمَا أَتَى بِي قَدَرُ الْقَادِرِ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ لِأَتَعَلَّمَ شَيْئًا.

ثُمَّ أَرْدَفْتُ سَائِلًا الْجَلِيلَ الْفَضِيلَ وَقُلْتُ: رُبَّمَا أَعْرِفُ مَعْنَى الْحَمْدِ وَالشُّكْرِ وَالتَّسْبِيحِ وَالْحَمْدِ، لَكِنِّي غَيْرُ قَادِرٍ عَلَى مَعْرِفَةِ كَيْفَ نُكْرِمُ الْكَرِيمَ وَهُوَ لَا يَحْتَاجُ لِشَيْءٍ، وَكَيْفَ نُكْرِمُ مَنْ نَسْأَلُهُ أَنْ يُكْرِمَنَا.

وَمِنْ هُنَا بَدَأَتِ السَّمَاءُ تَتَكَلَّمُ.




فَقَالَ:

تُكْرِمُ اللهَ بِأَنْ تُكْرِمَ خَلِيقَتَهُ وَخَلْقَ اللهِ دُونَ تَمْيِيزٍ، وَبِحُبٍّ خَالِصٍ وَبِتَوَاضُعٍ وَبِصَبْرٍ وَطُولِ أَنَاةٍ وَصَلَاةٍ وَدُمُوعٍ مِنْ أَجْلِ مَنْ يُقَابِلُ ذَلِكَ بِجُحُودٍ أَوْ بِجَهْلٍ أَوْ بِقَسَاوَةِ قَلْبٍ وَغِلَاظَةِ رَقَبَةٍ أَوْ رَدٍّ بِإِسَاءَةٍ، مُلْتَمِسًا عُذْرًا وَأَعْذَارًا لِكُلِّ الْخَلْقِ وَالْخَلِيقَةِ، مُتَفَكِّرًا فِي أَنَّهُ مَا أَتَاكُمْ مِنْهُمْ هُوَ أَدَوَاتُ اخْتِبَارِ اللهِ لَكَ وَعَلَامَةُ قَبُولِ اللهِ لِإِكْرَامِكَ الْخَالِقَ فِي خَلْقِهِ وَخَلِيقَتِهِ.

﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا ۖ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَىٰ وَالْيَتَامَىٰ وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَىٰ وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ۗ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا﴾. سورة النساء ٣٦ . 

فَسَافَرَ عَقْلِي رِحْلَةً إِلَى عَالَمٍ كَانَ فِي تَارِيخِ الْعَالَمِ قَبْلَنَا، وَتَوَاتَرَتْ قِصَصُهُ فِي الْكُتُبِ وَالْمَوْرُوثَاتِ، لِأَصِلَ إِلَى أَنَّ إِكْرَامَ اللهِ فِي خَلِيقَتِهِ وَخَلْقِهِ، سَادَةً كَانُوا أَمْ عَبِيدًا أَمْ ضُعَفَاءَ أَوْ مَرْضَى أَوْ أُسْرَتَنَا الصَّغِيرَةَ أَوِ الْكَبِيرَةَ أَوْ كُلَّ مَا هُوَ مِنْ صُنْعِ اللهِ، هُوَ أَكْثَرُ عِبَادَةٍ وَدِيَانَةٍ مَقْبُولَةٍ لِلَّهِ، وَيَا بَخْتَ مَنْ يَسْتَطِيعُ أَنْ يَكُونَ خَدَّامَ هٰذِهِ الْعِبَادَةِ.

«اخْدِمُوا الله بِكُلِّ تَوَاضُعٍ وَدُمُوعٍ كَثِيرَةٍ»


د. طَلْعَتْ سَمِير



أينَ أنت يا أبي؟


يا مَنْ مَضَى وَتَرَكْتَ فِي الدُّنْيَا سُؤَالَا

كَيْفَ الْحَيَاةُ وَفِي شِرَاعِكَ قَدْ مَالَا؟


كُنْتَ الْمَدَى وَكُنْتَ طَعْمَ الطِّفْلِ فِي فَمِهِ

وَكُنْتَ صَمْتَ النَّيْلِ إِنْ نَطَقَ الْجَبَلْ


أَغْلَقْتَ بَاباً لَيْسَ يُشْبِهُهُ بَابٌ

فَأَصْبَحَ الْبَيْتُ مِثْلَ الْقَلْبِ مُنْعَزِلْ


أَيْنَ الَّذِي كَانَ يَمْحُو الْخَوْفَ مِنْ نَظَرِي

وَيَرْسُمُ الْأَمَلَ الْبَاقِي لِيَحْيِينَا؟


لَوْ كَانَ فِي الْإِكْرَامِ بَعْدَكَ مَنْجَاةٌ

لَكُنَّا أَكْرَمْنَا الْخَلْقَ لِتَرْجِعِينَا


لَكِنَّهَا سُنَّةُ الْأَيَّامِ جَارِيَةٌ

يَا أَوَّلَ الْحُزْنِ فِي قَلْبٍ تَوَلْوَلَا


فَالْيَوْمَ أَبْكِيكَ وَالدُّنْيَا بِغُرْبَتِهَا

لَا تَسْتَطِيعُ أَنْ تَجْبُرَ لِي مَنْ تَخَلَّلَا


وَأَيْنَ ذَاكَ النَّدَى يَا بَابَ مَكْتَبَةٍ

كُنْتَ الْيَدَ الْحَارَةَ الْمَمْدُودَةَ الْأَمَلَا؟


كُلُّ الْمَقَالِمِ أَصْبَحْنَ الْيَوْمَ عَاجِزَةً

عَنْ رَسْمِ صُورَتِكَ الْغَالِيَةِ الْجُمَلَا


وَإِنْ بَكَتْ بَسْبُوسَتِي أَمْسَتْ مُمَلَّحَةً

فَقَدْ رَحَلْتَ، وَمَا بَقَّيْتَ فِيهَا الْحَلَا


كُنْتَ الَّذِي يَرْفَعُ الْأَطْبَاقَ مِنْ يَدِهَا

وَيَغْسِلُ الصَّحْنَ وَالْأَوْعِيَةَ الْمُثُلَا


فَالْيَوْمَ أَطْبُخُهَا وَحْدِي وَأَسْأَلُهَا

عَنْ سِرِّ طَعْمِكَ، تَقْضِي الْقَلْبَ وَالْمُقَلَا




رُبَّمَا سَامَحْتُ مَنْ أَخْطَأْتُ فِي حَقِّهِمُ

كَمَا عَلَّمْتَنِي، إِنَّ السَّمَاحَ عُلَا


لَكِنْ مَنْ يُسَامِحُنِي إِنْ كُنْتُ مُذْ غَدِوٍ

أَقْسُو عَلَى الرُّوحِ، أَوْ أَنْسَى الَّذِي كَمُلَا؟


أَدْرِي بِأَنَّكَ فِي الْفِرْدَوْسِ مُرْتَفِعٌ

تَرَى بُكَائِي وَتَدْعُو اللهَ أَنْ يَجْبُرَا


لَكِنَّ قَلْبِيَ إِنْ يُصْغِي إِلَى صَدًى

يَسْمَعْكَ تَهْمِسُ: يَا وَلَدِي لَا تَهْبِلَا


فَالْعُمْرُ يَمْضِي، وَكُلُّ الْخَلْقِ رَاحِلَةٌ

وَالْأَبْصَرُ النَّاسِ مَنْ فِي الْحُزْنِ تَعَقَّلَا


وَفِي الْجِنَانِ إِذَا مَا الْخَلْقُ جَمَّعَنَا

سَأَسْأَلُ اللهَ: أَبْقِيَنَا عَلَى الْجَدَلَا؟


يَا رَبِّ وَحِّدْ لَنَا الْجَمْعَ الَّذِي فَرَقَتْ

دُنْيَا الْفَنَاءِ، وَجَمِّلْ فِي النَّعِيمِ لَنَا


وَاجْعَلْ رِضَاكَ لَهُ الْغَايَةَ الَّتِي نَتَوَخَّى

فِي كُلِّ فَجْرٍ يُنَادِينَا فَنَسْتَقِلَا


أينَ أنت يا أبي؟


أَيْنَ أَنْتَ؟ أَيْنَ أَنْتَ يَا قَلْبِي الَّذِي غَادَرَا؟

قَالُوا: بِجَنَّاتِ الْخُلُودِ، فَقُلْتُ: نَعَمْ، تَذَكَّرَا




لَكِنَّنِي أَسْمَعُهُ فِي الزَّادِ يُسْبِحُنِي

وَفِي السَّمَاحِ لِمَنْ أَسَاءَ تَكَبَّرَا


إِنْ كُنْتَ فِي الْفِرْدَوْسِ تَسْكُنُ آمِنًا

فَالْأَرْضُ مِنْ بَعْدِكَ صَارَتْ كَالمَدَى تَعْثُرَا


أَرْسَلْتُ رُوحِي تَسْأَلُ الرِّيحَ: هَلْ مَرَّتْ

بِطَيْفِكَ الْحَانِي فَرُدَّتْ لِي مُعَطَّرَا؟


لَا تَسْأَلِ الْقَلْبَ عَنْ جَوَابٍ إِنَّمَا

دُنْيَا الْفَنَاءِ تُجِيبُنِي: قَدْ عُطِّلَا


فَأُجِيبُ نَفْسِي: إِنَّ مَا تَبْقَى لَنَا

مِنْكَ الدُّعَاءُ، وَبَعْضُ ذِكْرٍ يُذْكَرَا



خاتِمةُ الدعاءِ لكَ ولكلِّ مَنْ فَقَدَ أباهُ:

اللهمَّ اجْعَلْ قَبْرَهُ رَوْضَةً من رياضِ الجنةِ، وأَسْكِنْهُ الفِرْدَوْسَ الأعلى بغيرِ حسابٍ ولا سابِقِ عذابٍ. اللهمَّ اجْمَعْنا به في مستقرِّ رحمتِكَ، وارْزُقْنا صَبْراً جَميلاً، وحُسْنَ ظَنٍّ بوعدِكَ. إنَّا للهِ وإنَّا إليهِ راجِعُونَ.


د. سَامِحْ هَدْهُود




google-playkhamsatmostaqltradent