حلق مع هدهوديات في الفضاء السيبراني

recent
أخبار ساخنة

كيف يتعلم الذكاء الاصطناعي؟ من البيانات إلى القرار



كيف يتعلم الذكاء الاصطناعي؟ من البيانات إلى القرار

في المقال السابق، بدأنا رحلتنا من الكمبيوتر والإنترنت حتى وصلنا إلى عصر الذكاء الاصطناعي.


وعرفنا أن الآلة الحديثة لم تعد مجرد جهاز ينفذ تعليمات محددة، بل أصبحت قادرة على التعلم من كميات هائلة من البيانات، واكتشاف الأنماط، والتنبؤ، وإنشاء النصوص والصور وغيرها.


لكن هنا يظهر سؤال يبدو بسيطًا، بينما يخفي وراءه عالمًا كاملًا من الرياضيات والحوسبة:


كيف تتعلم الآلة أصلًا؟


هل يجلس أحد المبرمجين أمام الكمبيوتر ويخبره بكل شيء؟


هل يحفظ الذكاء الاصطناعي المعلومات كما يحفظ الإنسان دروسه؟


وهل يفهم ما يتعلمه بالطريقة نفسها التي يفهم بها الإنسان؟




لنبدأ من البداية.


هل نعلّم الكمبيوتر القواعد أم الأمثلة؟

في البرمجة التقليدية، يخبر الإنسان الكمبيوتر بما يجب أن يفعله من خلال مجموعة من التعليمات والقواعد.


فإذا أردنا مثلًا أن نصنع برنامجًا بسيطًا يحسب السعر النهائي لمنتج، يمكننا أن نكتب له القاعدة بوضوح:


السعر النهائي = السعر الأصلي + الضريبة.


لكن تخيل أننا نريد أن نجعل الكمبيوتر يتعرف على صور القطط.


هنا تصبح كتابة القواعد أصعب بكثير.


فما الذي يجعل القطة قطة؟


هل هو شكل الأذنين؟


أم حجم العينين؟


أم عدد الأرجل؟


وماذا لو كانت القطة صغيرة؟ أو كبيرة؟ أو سوداء؟ أو بيضاء؟ أو تظهر في الصورة من الخلف؟


هنا ظهرت فكرة مهمة جدًا:


بدلًا من أن نخبر الكمبيوتر بكل القواعد، يمكن أن نعطيه عددًا كبيرًا من الأمثلة، ونتركه يتعلم الأنماط بنفسه.


وهذه هي الفكرة الأساسية وراء التعلم الآلي Machine Learning.


ويعرّف المعهد الوطني الأمريكي للمعايير والتكنولوجيا NIST التعلم الآلي بأنه تطوير واستخدام أنظمة حاسوبية تتكيف وتتعلم من البيانات بهدف تحسين الدقة.


البيانات هي نقطة البداية

إذا أردنا تعليم نموذج للذكاء الاصطناعي، فنحن بحاجة إلى بيانات.




قد تكون هذه البيانات:


نصوصًا.


صورًا.


أصواتًا.


فيديوهات.


أرقامًا.


أو أنواعًا أخرى من المعلومات.


لكن البيانات وحدها لا تكفي.


فالنموذج يحتاج إلى أن يتعلم منها أنماطًا وعلاقات يمكن استخدامها لاحقًا في التعامل مع معلومات جديدة.


ولنفترض أننا نريد تدريب نظام يستطيع التمييز بين رسائل البريد الإلكتروني العادية والرسائل المزعجة.


يمكننا إعطاؤه عددًا كبيرًا من الرسائل، مع تحديد الرسائل المزعجة والرسائل العادية.


في البداية، قد يخطئ النموذج كثيرًا.


لكن مع التدريب المتكرر، يبدأ في اكتشاف خصائص وأنماط ترتبط بالرسائل المزعجة، ثم تتحسن قدرته على التنبؤ برسائل جديدة لم يرها من قبل.


وهنا نصل إلى كلمة أساسية:




التدريب.


ماذا يعني أن «يتدرب» الذكاء الاصطناعي؟

عندما نقول إن نموذجًا من نماذج الذكاء الاصطناعي «يتعلم»، فهذا لا يعني أنه يجلس ويفكر كما يفكر الإنسان.


المقصود أن النظام يقوم بتعديل عدد كبير من القيم الرياضية الداخلية، والتي تساعده على إنتاج نتائج أفضل.


يمكن تبسيط الفكرة كالتالي:


نعطي النموذج مثالًا.


يقدم توقعًا.


نقارن التوقع بالنتيجة المطلوبة أو بالهدف المحدد.


نحسب مقدار الخطأ.


ثم تُعدّل القيم الداخلية للنموذج بطريقة تساعده على تقليل الخطأ في المحاولات التالية.


وتتكرر هذه العملية مرات كثيرة جدًا.


ويصف NIST مرحلة التدريب بأنها المرحلة التي يتعلم فيها النموذج معاملات تساعد على تقليل الخطأ بالنسبة إلى الهدف المحدد اعتمادًا على بيانات التدريب.




إذن، يمكننا أن نقول بصورة مبسطة:


الذكاء الاصطناعي يتعلم من أخطائه الرياضية المتكررة.


كيف يعرف النموذج أنه أخطأ؟

تخيل أنك تعطي طالبًا مسألة رياضية.


يكتب الطالب إجابة.


ثم تخبره أن الإجابة الصحيحة مختلفة.


كلما عرف الطالب مقدار الخطأ، استطاع أن يعدل طريقته في الحل.


توجد فكرة مشابهة في تدريب نماذج التعلم الآلي، حيث تُستخدم دالة تسمى دالة الخسارة Loss Function لقياس مدى ابتعاد توقع النموذج عن النتيجة المطلوبة.


كلما كان الخطأ أكبر، احتاج النموذج إلى تعديل معاييره بصورة أكبر.


ومع التدريب المتكرر، يحاول النموذج الوصول إلى حالة تصبح فيها أخطاؤه أقل.


وتستخدم خوارزميات التدريب، ومنها الانحدار المتدرج Gradient Descent، لتعديل معاملات النموذج باتجاه يساعد على تقليل الخسارة. وتشرح مواد Google التعليمية للتعلم الآلي العلاقة بين دالة الخسارة والانحدار المتدرج، كما توضح كيفية استخدام الانتشار العكسي في تدريب الشبكات العصبية.


قد يبدو الأمر رياضيًا ومعقدًا، لكنه في جوهره يشبه فكرة بسيطة جدًا:


جرّب، قِس الخطأ، عدّل، ثم جرّب مرة أخرى.




هل كل الذكاء الاصطناعي يتعلم بالطريقة نفسها؟

لا.


هناك طرق متعددة لتدريب نماذج التعلم الآلي، ومن أشهرها التعلم الخاضع للإشراف، والتعلم غير الخاضع للإشراف، والتعلم بالتعزيز، كما توجد أساليب مهمة مثل التعلم الذاتي الإشراف.


التعلم الخاضع للإشراف

هنا نعطي النموذج أمثلة تحتوي على البيانات والإجابة الصحيحة.


مثلًا:


صورة → «قطة».


صورة أخرى → «كلب».


وهكذا.


يتعلم النموذج العلاقة بين المدخلات والنتائج الصحيحة، ثم يحاول استخدامها عند التعامل مع أمثلة جديدة.


ويُستخدم هذا النوع من التعلم في مهام كثيرة، مثل تصنيف الصور واكتشاف الرسائل المزعجة والتنبؤ بقيم معينة.




التعلم غير الخاضع للإشراف

هنا نعطي النموذج بيانات دون أن نقدم له الإجابات الصحيحة بصورة مباشرة.


ثم نتركه يبحث عن الأنماط والعلاقات والتجمعات الموجودة داخل البيانات.


تخيل أنك أمام آلاف الكتب، ولا توجد عليها تصنيفات.


قد يستطيع النظام تحليل محتوياتها واكتشاف أن بعضها يتحدث عن العلوم، وبعضها عن التاريخ، وبعضها عن الأدب، حتى دون أن نعطيه مسبقًا أسماء هذه المجموعات.


وهذه هي إحدى الأفكار الأساسية في التعلم غير الخاضع للإشراف.




التعلم بالتعزيز

وهنا نقترب أكثر من فكرة التعلم من التجربة والخطأ.


يتفاعل النظام مع بيئة معينة، ويتخذ قرارات، ثم يحصل على مكافأة عندما يسلك طريقًا جيدًا أو نتيجة سلبية عندما يتخذ قرارًا غير مناسب.


وبمرور الوقت، يتعلم النظام أي الأفعال تقوده إلى نتائج أفضل.


تُستخدم هذه الفكرة في مجالات مختلفة، ومنها بعض الأنظمة التي تحتاج إلى اتخاذ قرارات متتابعة.




لكن هناك نوعًا آخر من التعلم أصبح بالغ الأهمية في الذكاء الاصطناعي الحديث.


كيف تتعلم النماذج من مليارات الكلمات؟

هنا نصل إلى فكرة التعلم الذاتي الإشراف Self-Supervised Learning.


تخيل أن لديك كتابًا ضخمًا، لكنك لا تريد أن تجلس بنفسك وتضع علامة على كل جملة وتخبر الكمبيوتر بما إذا كانت صحيحة أم خاطئة.


بدلًا من ذلك، يمكن تصميم مهمة تجعل البيانات نفسها توفر الإشارة التي يحتاجها النموذج للتعلم.


وفي نماذج اللغة، يمكن أن تكون المهمة مثل:


«ذهبت إلى الطبيب لأنني كنت أشعر بـ...»


ويحاول النموذج توقع الكلمة أو الجزء التالي.


في البداية تكون توقعاته ضعيفة.


لكن عندما يتدرب على كميات هائلة من النصوص، يبدأ في اكتشاف العلاقات بين الكلمات والجمل والسياقات المختلفة.


وهذه الفكرة من أهم الأسس التي ساعدت على تطوير النماذج اللغوية الحديثة.


وتوضح NIST أن التدريب المسبق للنماذج العامة يمكن أن يعتمد على كميات ضخمة من البيانات غير المصنفة لاكتشاف الأنماط والعلاقات العامة، ثم يمكن أن يتبعه تدريب إضافي لتخصيص النموذج لمهام أو مجالات معينة.


فكيف يتعلم ChatGPT اللغة؟

هنا تصبح الصورة أكثر إثارة.


عندما يتعامل نموذج لغوي كبير مع نصوص ضخمة أثناء التدريب، فإنه لا يحفظ كل جملة بالطريقة التي يحفظ بها الإنسان كتابًا.


بل يتعلم أنماطًا وعلاقات إحصائية ورياضية بين الكلمات والأجزاء المختلفة من النص.


فعندما يقرأ النموذج عددًا هائلًا من الأمثلة، يبدأ في معرفة أن بعض الكلمات تظهر غالبًا في سياقات معينة، وأن بعض الجمل ترتبط بأنماط لغوية أو مفاهيم محددة.


وبصورة مبسطة، يمكن القول إن النموذج يتعلم توقع ما يأتي بعد ذلك.


إذا كتبت:


«ذهبت إلى المستشفى لأنني كنت أشعر بـ...»


فقد يتوقع كلمات مثل «الألم» أو «التعب» أو «المرض»، بحسب السياق.


لكن الأمر لا يتوقف عند كلمة واحدة.


إنه يتعامل مع السياق الكامل بدرجات كبيرة من التعقيد، ويستخدم ما تعلمه لإنتاج استجابة متماسكة.


وتوضح OpenAI أن نماذجها الأساسية تتعلم الأنماط من كميات كبيرة من المعلومات، وأن النماذج اللغوية تتعلم العلاقات بين الكلمات في سياقها ثم تستخدم هذه الأنماط للتنبؤ بالجزء التالي من النص أثناء توليد الإجابة.


هل معنى ذلك أن ChatGPT يحفظ الإنترنت كله؟

لا.


وهذه نقطة مهمة جدًا.


النموذج ليس محرك بحث يخزن صفحات الإنترنت في ذاكرته ثم ينسخ منها الإجابة حرفيًا في كل مرة.


أثناء التدريب، يتعلم النموذج أنماطًا وعلاقات من البيانات المستخدمة في التدريب.


وهذا يساعده بعد ذلك على إنتاج إجابات جديدة.


لكن هذا لا يعني أنه يعرف دائمًا الحقيقة، ولا يعني أن كل إجابة يقدمها صحيحة.


وماذا يحدث عندما يخطئ الذكاء الاصطناعي؟

هنا تظهر واحدة من أهم مشكلات الذكاء الاصطناعي:


قد يعطيك إجابة تبدو صحيحة وهي ليست صحيحة.


قد يقدم معلومة غير دقيقة.


وقد يخلط بين شخصين.


وقد يذكر مصدرًا غير موجود.


وقد يعطيك تاريخًا خاطئًا بثقة شديدة.


ولهذا فإن «طلاقة» الذكاء الاصطناعي ليست دليلًا على «صحة» كل ما يقوله.


فالنموذج اللغوي مصمم لإنتاج استجابة بناءً على الأنماط التي تعلمها، وليس ليكون معصومًا من الخطأ.


وهنا تظهر أهمية المراجعة البشرية، خصوصًا في المجالات الحساسة مثل الطب والقانون والعلوم والأخبار.


وهل ينتهي التعلم بمجرد انتهاء التدريب؟

ليس بالضرورة.


تمر النماذج الحديثة بمراحل متعددة.


هناك مرحلة تسمى التدريب المسبق Pre-training، يتعلم فيها النموذج الأنماط العامة من كميات كبيرة من البيانات.


ثم قد تأتي مراحل أخرى من التدريب والتخصيص، ومنها الضبط الدقيق Fine-tuning، بهدف جعل النموذج أكثر ملاءمة لمهام أو مجالات محددة.


وبعد ذلك تأتي مراحل التقييم والاختبار والتحسين، لأن النموذج لا يكفي أن يكون قادرًا على إنتاج إجابة؛ بل نريد أيضًا أن تكون الإجابة أكثر دقة وفائدة وأمانًا.


هل الذكاء الاصطناعي يتعلم مثل الإنسان؟

هنا يجب أن نتوقف قليلًا.


هناك تشابه في فكرة التعلم من الأمثلة والتغذية الراجعة، لكن طريقة عمل الآلة مختلفة جذريًا عن عقل الإنسان.


الإنسان لديه وعي وتجارب حسية وعاطفية وذاكرة وسياق اجتماعي وثقافي معقد.


أما نموذج الذكاء الاصطناعي فيعتمد على عمليات حسابية ومعايير رياضية وأنماط مستخرجة من البيانات.


لذلك عندما نقول إن «الآلة تتعلم»، فنحن نستخدم كلمة التعلم بصورة مفيدة لتبسيط الفكرة، لكن لا ينبغي أن نفهم منها أن الكمبيوتر يمر بالتجربة الإنسانية نفسها التي يمر بها الإنسان عندما يتعلم.


إذن ماذا تعلمت الآلة بالفعل؟

ربما تكون الإجابة الأكثر دقة هي:


تعلمت أن تكتشف الأنماط.


تعلمت أن تربط بين الأشياء.


تعلمت أن تتنبأ.


تعلمت أن تصنف.


تعلمت أن تتعامل مع اللغة والصور والصوت والبيانات بدرجات متقدمة من التعقيد.


وهذا هو السبب في أن أنظمة الذكاء الاصطناعي الحديثة تستطيع القيام بأشياء كانت تبدو قبل سنوات قليلة أقرب إلى الخيال العلمي.


لكن كلما زادت قدرتها، ظهر سؤال جديد أكثر أهمية:




ما الفرق بين الذكاء الاصطناعي والتعلم الآلي والتعلم العميق؟


وهل هذه المصطلحات الثلاثة تعني الشيء نفسه؟


ولماذا نسمع كثيرًا عن Deep Learning والشبكات العصبية عندما نتحدث عن الذكاء الاصطناعي الحديث؟


هذا ما سنحاول تبسيطه في المقال القادم.


المصادر والمراجع


  • NIST — Machine Learning: تعريف التعلم الآلي ومفهوم التعلم من البيانات.

  • NIST — Training Stage: شرح مرحلة تدريب نموذج التعلم الآلي وكيفية تقليل الخطأ.

  • NIST — Pre-training: شرح التدريب المسبق للنماذج العامة والتعلم من كميات كبيرة من البيانات.

  • Google for Developers — Machine Learning Crash Course: شرح أساسيات تدريب نماذج التعلم الآلي، والخسارة والانحدار المتدرج.

  • Google for Developers — Backpropagation: شرح الانتشار العكسي وتدريب الشبكات العصبية.

  • IBM — Machine Learning Algorithms: شرح أساليب التعلم الخاضع للإشراف وغير الخاضع للإشراف والتعلم بالتعزيز.

  • IBM — Self-Supervised Learning: شرح التعلم الذاتي الإشراف وأهميته في معالجة اللغة والرؤية الحاسوبية.

  • OpenAI — How ChatGPT and our foundation models are developed: شرح عام لكيفية تطوير النماذج الأساسية وآلية تعلم النماذج اللغوية.


بقلم

د. سامح هدهود



 

كيف يتعلم الذكاء الاصطناعي؟ من البيانات إلى القرار
admin

تعليقات

تعليق واحد
إرسال تعليق

مشاركات عشوائية [رأسي]

google-playkhamsatmostaqltradent