هل يستطيع الذكاء الاصطناعي أن يحل محل الطبيب أو الكاتب؟
في المقالات السابقة من سلسلة «الذكاء الاصطناعي ببساطة» دخلنا إلى عالم الذكاء الاصطناعي من أبوابه المختلفة؛ من طريقة تعلّمه، إلى ChatGPT ونماذج اللغة الكبيرة، ثم Google Search والكلمات المفتاحية.
لكن الآن وصلنا إلى السؤال الذي يسبب بعض القلق للبشر… وربما بعض الحسد أيضًا! 😂
هل يأتي يوم يستيقظ فيه الطبيب فيجد روبوتًا جالسًا مكانه؟
ويستيقظ الكاتب فيجد الذكاء الاصطناعي قد أخذ قلمه واحتل مكتبه؟
الإجابة القصيرة:
ليس بهذه البساطة.
أولًا: هل يستطيع الذكاء الاصطناعي أن يكون طبيبًا؟
الذكاء الاصطناعي أصبح قادرًا على أداء مهام طبية مذهلة؛ مثل تحليل بعض الصور والبيانات، والمساعدة في تلخيص المعلومات، ودعم بعض المهام التشخيصية والإدارية والتعليمية.
بل إن الجهات التنظيمية أصبحت تتعامل بالفعل مع أجهزة طبية تستخدم الذكاء الاصطناعي، ومنها أجهزة حصلت على تقييمات تنظيمية للاستخدام الطبي.
لكن…
الطبيب ليس جهاز بحث سريعًا!
الطبيب لا يرى نتيجة تحليل أو صورة أشعة فقط، ثم يضغط زر «إجابة نهائية».
هناك تاريخ مرضي، وفحص سريري، وسياق، واحتمالات، ومسؤولية أخلاقية وإنسانية.
ولهذا تؤكد منظمة الصحة العالمية أن الذكاء الاصطناعي يمكن أن يقدم فوائد مهمة في الرعاية الصحية، لكنه قد ينتج أيضًا معلومات خاطئة أو ناقصة أو متحيزة، ولذلك يحتاج استخدامه الطبي إلى إشراف وتنظيم مناسبين.
ثانيًا: هل يستطيع أن يحل محل الطبيب؟
الأقرب إلى الواقع هو:
الذكاء الاصطناعي لن يستبدل الطبيب بسهولة… لكن الطبيب الذي يعرف كيف يستخدم الذكاء الاصطناعي قد يتفوق على الطبيب الذي يرفض استخدامه تمامًا.
فالمنافس الحقيقي ليس:
طبيب ضد روبوت.
بل:
طبيب يستخدم أدوات ذكية ضد طبيب يصرّ على العمل بالطريقة نفسها إلى الأبد.
وهنا تصبح التكنولوجيا مساعدًا للطبيب وليس بديلًا عنه.
ثالثًا: وماذا عن الكاتب؟
هنا تبدأ المشكلة الحقيقية! 😂
لأن الذكاء الاصطناعي يستطيع خلال ثوانٍ كتابة مقال، أو قصة، أو قصيدة، أو منشور على وسائل التواصل.
يعني زمان الكاتب كان يقول:
«أحتاج أسبوعًا حتى أنتهي من الفصل.»
أما الذكاء الاصطناعي فيقول:
«عايزه كام فقرة يا باشا؟» 😂
لكن هل هذا يعني أن الكاتب انتهى؟
لا.
فالكتابة ليست مجرد ترتيب كلمات صحيحة بجانب بعضها.
الكاتب لديه تجربة، وذاكرة، ومشاعر، وموقف من الحياة، وصوت خاص، وأسلوب، وقدرة على تحويل تجربة شخصية إلى فكرة تصل إلى شخص آخر.
يمكن للذكاء الاصطناعي أن يساعد الكاتب في العصف الذهني، وإعادة الصياغة، والتنظيم، والبحث، وتوليد الأفكار.
لكن امتلاك الأداة لا يعني امتلاك الصوت الإبداعي.
رابعًا: هل يستطيع الذكاء الاصطناعي أن يبدع؟
هنا السؤال يصبح أكثر تعقيدًا.
الذكاء الاصطناعي يستطيع إنتاج نصوص وصور وموسيقى وأفكار تبدو إبداعية جدًا.
لكن الإبداع البشري لا يتعلق فقط بالنتيجة النهائية، بل أيضًا بالنية والخبرة والاختيار والتجربة الإنسانية التي تقف خلف العمل.
ولهذا فإن مكتب حقوق الطبع والنشر الأمريكي أوضح في تقريره أن استخدام الذكاء الاصطناعي كأداة مساعدة لا يمنع حماية العمل الذي تتوافر فيه مساهمة بشرية إبداعية كافية، بينما لا تكفي مجرد كتابة الأوامر للحصول على حماية لنتيجة تحددت عناصرها التعبيرية بواسطة الآلة.
بمعنى آخر:
الذكاء الاصطناعي يستطيع أن يمسك القلم… لكن السؤال: من الذي يقرر ماذا يكتب؟
خامسًا: المشكلة ليست في الذكاء الاصطناعي وحده
المشكلة تبدأ عندما نتعامل معه وكأنه معصوم من الخطأ.
وهذا خطر حقيقي خصوصًا في الطب.
فالآلة قد تقدم إجابة تبدو واثقة جدًا… وهي خاطئة!
وهنا تكمن المفارقة:
كلما كانت إجابة الذكاء الاصطناعي مقنعة، زادت حاجتنا إلى إنسان يعرف كيف يتحقق منها.
وتحذر منظمة الصحة العالمية أيضًا من ظاهرة التحيز للأتمتة؛ أي أن يثق الإنسان في نتيجة النظام أكثر مما ينبغي، فيتجاهل خطأ كان يمكن اكتشافه بسهولة.
إذن… من سيبقى؟
ربما السؤال نفسه يحتاج إلى تعديل.
بدلًا من أن نسأل:
هل سيحل الذكاء الاصطناعي محل الطبيب أو الكاتب؟
قد يكون السؤال الأفضل:
كيف سيغيّر الذكاء الاصطناعي طريقة عمل الطبيب والكاتب؟
الطبيب سيستخدم أدوات أكثر ذكاءً
والكاتب سيستخدم أدوات أسرع
والباحث سيصل إلى المعلومات بطريقة مختلفة
والمهندس سيبني أنظمة أكثر قدرة
لكن في النهاية سيظل هناك إنسان يقرر، ويتحمل المسؤولية، ويضع الهدف، ويفهم السياق، ويختار بين البدائل.
الخلاصة
الذكاء الاصطناعي ليس طبيبًا كاملًا…
وليس كاتبًا كاملًا…
وليس إنسانًا أصلًا! 😁
إنه أداة شديدة القوة يمكنها أن تغيّر طريقة عملنا، وتختصر وقتًا هائلًا، وتفتح أبوابًا لم تكن موجودة من قبل.
لكن القوة الحقيقية لا تأتي من الأداة وحدها.
بل من الإنسان الذي يعرف متى يستخدمها، وكيف يستخدمها، ومتى يقول لها: استنى يا خابيبي… الإجابة دي غلط! 😂
وهكذا تنتهي رحلتنا في سلسلة «الذكاء الاصطناعي ببساطة» من السؤال:
ما هو الذكاء الاصطناعي؟
إلى السؤال الأصعب:
ماذا سيفعل الذكاء الاصطناعي بالإنسان نفسه؟
وربما…
هنا تبدأ الحكاية الحقيقية.
يتبع… 🤖🦅
✍️ د. سامح هدهود
المصادر
1. منظمة الصحة العالمية — أخلاقيات وحوكمة الذكاء الاصطناعي في الصحة.
2. منظمة الصحة العالمية — الذكاء الاصطناعي من أجل الصحة.
3. إدارة الغذاء والدواء الأمريكية FDA — الأجهزة الطبية المدعومة بالذكاء الاصطناعي.
4. مكتب حقوق الطبع والنشر الأمريكي — الذكاء الاصطناعي وقابلية حماية الأعمال بحقوق الطبع.









