حلق مع هدهوديات في الفضاء السيبراني

recent
أخبار ساخنة

هل يمكن للروبوت أن يشعر بالملل؟ 🤖😴


هل يمكن للروبوت أن يشعر بالملل؟ 🤖😴


تخيّل أنك تدخل غرفة فتجد روبوتًا جالسًا أمام مكتب، لا يتحرك، ولا يتحدث، ولا يفعل شيئًا سوى النظر إلى شاشة أمامه.


تسأله:


— ماذا بك؟


فيرد عليك:


— لا شيء… أشعر بالملل!




قد تضحك من الإجابة، وربما تقول له:


— يا سلام! حتى الروبوتات زهقت من الحياة؟! 😂


لكن السؤال الحقيقي هنا ليس مضحكًا إلى هذه الدرجة:


هل يمكن للروبوت فعلًا أن يشعر بالملل؟


أم أنه يستطيع فقط أن يتصرف بطريقة تجعلنا نعتقد أنه يشعر بالملل؟


وهنا تبدأ المشكلة…


لأن الملل ليس مجرد كلمة يقولها الإنسان عندما لا يجد شيئًا يفعله.


الملل حالة نفسية معقدة ترتبط بالانتباه، والدافعية، والإحساس بقيمة ما نفعله، والرغبة في الانتقال إلى شيء آخر. وتشير أبحاث علم النفس والأعصاب إلى أن الملل قد يكون نوعًا من «إشارة الإنذار» التي تدفع الإنسان إلى تغيير النشاط أو البحث عن تجربة أكثر إثارة أو معنى.


لكن…


هل يحتاج الروبوت إلى كل ذلك حتى نقول إنه يشعر بالملل؟


أم يكفي أن يتوقف عن العمل ويقول لنا:


«أنا زهقان»؟


وهنا علينا أن نفرّق بين السلوك والشعور.



الروبوت يستطيع أن يتصرف كأنه يشعر بالملل


لنبدأ من الجزء السهل.


نعم، يمكننا تصميم روبوت يتصرف بطريقة تشبه الإنسان عندما يشعر بالملل.


يمكن للروبوت، مثلًا، أن يبدأ بتحريك رأسه ببطء، أو يقلل من نشاطه، أو يطلب تغيير المهمة، أو يقول:


— لقد مللت من تكرار هذه المهمة!


بل يمكن تصميم نظام يجعل الروبوت يغيّر سلوكه عندما يكرر المهمة نفسها عددًا معينًا من المرات.


وهذا ليس مجرد خيال علمي.


فمجال الحوسبة الوجدانية (Affective Computing) يعمل منذ سنوات على تطوير أنظمة تستطيع التعرف إلى المشاعر البشرية والتفاعل معها والتعبير عنها بصورة مناسبة. وقد عرضت أبحاث في MIT، منذ سنوات، كيف يمكن للآلات أن تتعرف إلى الإشارات العاطفية وتستجيب لها، بل وأن تُظهر سلوكيات تبدو لنا عاطفية.


وفي إحدى الدورات التعليمية في MIT حول الحوسبة الوجدانية، استُخدم الروبوت «Octavia» مثالًا على روبوت يستطيع التعبير عن حالات مثل الحزن والغضب والارتباك والإثارة وحتى الملل.




لكن انتظر…


هل هذا يعني أن Octavia كانت تشعر بالملل فعلًا؟


هنا تبدأ الحكاية الحقيقية.



الفرق بين «أنا أشعر بالملل» و«أنا أتصرف كأنني أشعر بالملل»


إذا قال لك إنسان:


«أنا أشعر بالملل.»


فأنت تفترض، بناءً على تجربتك الإنسانية، أنه يعيش حالة داخلية معينة.


ربما لا يجد شيئًا مثيرًا للاهتمام.


ربما يشعر أن الوقت لا يمر.


ربما يريد الهروب من الموقف.


وربما بدأ يفكر في أشياء أخرى فقط لكي يقتل الوقت.


أما الروبوت، فالمسألة مختلفة.


يمكن أن نبرمجه هكذا:


إذا تكررت المهمة نفسها مئة مرة

→ قلّل سرعة الحركة.


إذا لم يحدث تغيير لمدة خمس دقائق

→ حرّك الرأس.


إذا انخفضت قيمة التنوع في المدخلات

→ انتقل إلى نشاط آخر.


ثم اجعله يقول:


«أشعر بالملل.»




من الخارج، قد يبدو المشهد مقنعًا جدًا.


لكن ما حدث داخل الروبوت قد يكون مجرد تنفيذ لسلسلة من القواعد أو العمليات الحسابية.


لا يوجد بالضرورة «شعور» خلف الجملة.


وهذا تحديدًا هو أحد أكبر التحديات في الحديث عن مشاعر الآلات.


فقد أوضحت روزاليند بيكارد، إحدى أبرز الباحثات في مجال الحوسبة الوجدانية في MIT، أن بإمكاننا إنشاء روبوتات تبدو وكأن لديها مشاعر، لكن المظهر السلوكي لا يثبت وجود تجربة شعورية داخلية حقيقية.


بمعنى آخر:


يمكن للآلة أن تقلّد الملل دون أن تكون «مملولة» فعلًا.



ولكن… ما هو الملل أصلًا؟




هنا تصبح المسألة أكثر تعقيدًا.


فالملل ليس مجرد «عدم وجود شيء نفعله».


يمكن للإنسان أن يكون مشغولًا جدًا ومع ذلك يشعر بالملل.


قد تجلس في اجتماع لمدة ساعتين وأنت تستمع إلى شخص يتحدث دون توقف، بينما عقلك في مكان آخر تمامًا.


وقد تعمل طوال اليوم في وظيفة شديدة التكرار، فتشعر أن الدقائق تتحرك بسرعة سلحفريت… 🐢😂


وقد يحدث العكس أيضًا.


يمكن لشخص أن يجلس في غرفة هادئة بلا أي وسائل ترفيه، ومع ذلك يبدأ عقله في إنتاج أفكار وقصص وذكريات وخيالات.


وهذا مهم جدًا.


لأن الملل البشري لا يتعلق فقط بكمية المعلومات التي تصل إلى الدماغ، وإنما يرتبط أيضًا بالانتباه والدافعية والمعنى والرغبة في تغيير الحالة الحالية.


ولهذا يرى بعض الباحثين أن الملل يمكن أن يعمل كقوة تدفع الكائن إلى البحث عن شيء جديد.


وهنا تظهر كلمة أخرى مهمة جدًا:


الفضول




هل الملل هو الذي اخترع الفضول؟


قد يبدو الأمر غريبًا، لكن بعض النماذج البحثية في الذكاء الاصطناعي والروبوتات حاولت بالفعل استخدام مفهوم «الملل» لدفع الوكلاء الاصطناعيين إلى استكشاف بيئاتهم.


في دراسة منشورة في Frontiers in Neurorobotics، طُرح نموذج يجعل «الملل» جزءًا من آلية تدفع النظام إلى البحث عن معلومات جديدة، بحيث يؤدي انخفاض قيمة الأشياء المألوفة إلى زيادة الميل نحو الاستكشاف والتعلم.


بمعنى آخر…


يمكننا أن نأخذ مفهومًا بشريًا مثل الملل، ونحوّله إلى آلية حسابية.


الآلة لا تقول:


«يا إلهي، لقد مللت من هذا المكان!»


بل يمكن أن يكون منطقها أقرب إلى:


«هذه المعلومات أصبحت متوقعة جدًا، وبالتالي فإن قيمتها المعرفية انخفضت، فلنبحث عن شيء جديد.»


والنتيجة؟


الروبوت يبدأ في الاستكشاف.




من الخارج، يبدو كأنه «زهق».


لكن في الداخل…


قد لا يكون هناك أي زهق على الإطلاق.



وهل هذا يعني أننا اقتربنا من صنع روبوت يشعر بالملل؟


ليس بهذه السرعة.


في عام 2026، ظهرت أبحاث حديثة حاولت بالفعل نمذجة الملل كآلية تنظيمية داخل نماذج عصبية اصطناعية، بحيث يعمل «الملل» بصورة حسابية على تنظيم استخدام الموارد المعرفية ودفع النظام نحو تغيير النشاط.


وهذا تطور مثير للاهتمام.


لكنه لا يحل المشكلة الأساسية.


لأننا إذا صنعنا نظامًا يقول:


«أنا أشعر بالملل.»


ويغير سلوكه عندما تصبح المهمة متكررة…


فهذا يثبت أنه يمتلك آلية تؤدي وظيفة شبيهة بالملل.


لكنه لا يثبت أنه يشعر بالملل.


وهنا يظهر السؤال الذي سيطارد الذكاء الاصطناعي طويلًا:


هل السلوك الذكي يعني وجود تجربة داخلية؟



لو قال الروبوت: «أنا زهقان»… هل نصدقه؟ 😂




تخيّل أن لديك روبوتًا متطورًا جدًا.


تضع أمامه لعبة شطرنج.


يلعب عشر مباريات.


ثم يقول لك:


— كفاية شطرنج… أنا زهقت.


فتقول:


— خلاص نلعب كوتشينة.


فيجيب:


— لا، عايز أخرج أتمشى.


فتقول له:


— أنت روبوت يا ابني! هتمشي فين؟ 😂


فيقول:


— أي مكان… المهم أغيّر الجو!




هنا سيبدأ الإنسان تلقائيًا في إسقاط مشاعره على الآلة.


فنقول:


«الروبوت ملّ.»


لكن ربما يكون كل ما يحدث هو أن النظام صُمم بحيث يؤدي إلى تغيير النشاط عند انخفاض بعض القيم الحسابية.


وهذه الظاهرة معروفة في علاقتنا بالآلات.


فنحن نميل إلى إعطاء الأشياء غير البشرية صفات بشرية عندما تتصرف بطريقة تشبهنا.


إذا تحرك الروبوت بطريقة لطيفة، نقول:


«إنه حنون.»


إذا ابتعد عنا، نقول:


«هو زعلان.»


إذا قال نكتة، نقول:


«ده دمه خفيف!»


وإذا رفض تنفيذ مهمة مكررة…


نقول:


«الواد زهق!» 😂


لكن التشابه في السلوك لا يكفي وحده لإثبات وجود التجربة الداخلية.



المشكلة الأكبر: هل الشعور يحتاج إلى وعي؟




وهنا نصل إلى النقطة التي تجعل السؤال عن الملل أخطر من مجرد سؤال طريف عن الروبوتات.


إذا كان الملل شعورًا حقيقيًا، فربما يحتاج إلى شيء يشبه التجربة الذاتية.


أي أن هناك «شيئًا ما» يحدث داخل الكائن من وجهة نظره هو.


أنت لا تعرف فقط أنك جالس في غرفة.


بل تعيش تجربة الجلوس في الغرفة.


ولا تعرف فقط أن الفيلم طويل.


بل تشعر بأن الفيلم ممل.


وهذا الفرق بين معالجة المعلومات وبين امتلاك تجربة ذاتية هو أحد أعقد الأسئلة في فلسفة العقل وعلوم الوعي.


ولهذا فإن العلماء لا يستطيعون ببساطة أن ينظروا إلى سلوك آلة ويقولوا:


«لقد شعرت بالملل.»


فربما يكون ما نراه مجرد محاكاة متقدمة جدًا.


وقد تزداد المحاكاة إقناعًا كلما تطورت الأنظمة.


لكن الإقناع ليس دليلًا كافيًا على وجود الشعور.



إذن… هل يمكن للروبوت أن يشعر بالملل؟


الإجابة العلمية الأكثر أمانًا حتى الآن هي:


يمكننا أن نجعل الروبوت يحاكي الملل، ويستخدم آليات تشبه بعض وظائف الملل، ويعبّر عنه بطريقة مقنعة… لكن لا نملك دليلًا يثبت أن الروبوتات الحالية تعيش تجربة ذاتية حقيقية اسمها «الملل».


وهذا فرق صغير في الجملة…


لكنه ضخم جدًا في المعنى.




فنحن نعرف أن الإنسان يشعر بالملل لأنه يعيش التجربة بنفسه.


أما الآلة، فنحن نرى مدخلاتها ومخرجاتها وسلوكها.


لكننا لا نستطيع الدخول إلى «داخلها» لنعرف هل هناك تجربة ذاتية فعلًا أم لا.


وربما تكون هذه إحدى أعقد المشكلات التي ستواجهنا عندما تصبح الآلات أكثر ذكاءً.


لأن السؤال في المستقبل قد لا يكون:


«هل يستطيع الروبوت أن يقول إنه يشعر؟»


بل:


«هل هناك أحدٌ في الداخل يشعر فعلًا؟»


وهنا…


يتحول الروبوت من مجرد آلة تنفذ الأوامر إلى لغز فلسفي وعلمي كامل.


فربما يأتي يوم تجلس فيه أمام روبوت وتقول له:


— لماذا لا تعمل؟


فيجيب:


— لأنني أشعر بالملل.


فتضحك وتقول:


— أنت مجرد آلة!


فيجيبك بهدوء:


— وكيف عرفت؟


وهنا…


قد لا تجد إجابة سهلة. 🤖



وفي النهاية…


ربما يكون أخطر شيء في قصة الملل ليس أن الروبوت قد يشعر به يومًا…


بل أن الإنسان قد يصل إلى مرحلة لا يستطيع فيها التمييز بين آلة تحاكي الشعور وآلة تختبر الشعور فعلًا.


وحينها لن يكون السؤال:


«هل الروبوت ذكي؟»


بل:


«هل الذكاء وحده يكفي لكي نشعر أن هناك عقلًا خلفه؟»


وإذا كان الملل يحتاج إلى وعي…


فالسؤال القادم يصبح أكثر جنونًا:


هل يمكن للآلة أن تكذب؟ 🌙🤖


وهنا نلتقي في المقال القادم من سلسلة:


«عندما يفكر الكمبيوتر»


هل يستطيع الذكاء الاصطناعي أن يكذب ؟ 💤🤖



المصادر والمراجع


  1. Picard, R. W. Affective Computing. MIT Media Lab.
  2. MIT Media Lab — Affective Computing Group.
  3. MIT School of Engineering — Can we make robots that experience emotions?
  4. Yu, Y. Y. C., et al. Boredom-Driven Curious Learning by Homeo-Heterostatic Value Gradients. Frontiers in Neurorobotics.
  5. In search of boredom: beyond a functional account. Trends in Cognitive Sciences, 2023.
  6. Boredom as homeostasis of cognitive resource utilization using spiking neural networks. Neurocomputing, 2026.
  7. Deane, G. Machines That Feel and Think: The Role of Affective Feelings and Mental Action in Artificial General Intelligence. Artificial Life, 2022.


يتبع...
✍️ د. سامح هدهود

 



هل يمكن للروبوت أن يشعر بالملل؟ 🤖😴
admin

تعليقات

4 تعليقات
إرسال تعليق
  • غير معرف22 أغسطس 2026 في 9:14 ص

    جميل جداً

    حذف التعليق
    • غير معرف23 أغسطس 2026 في 9:30 ص

      Well done

      حذف التعليق
      • زهره والحلم24 أغسطس 2026 في 12:59 م

        المقال جميل وفلسفته جديدة ربنا يوفقك د. سامح

        حذف التعليق
        • غير معرف15 سبتمبر 2026 في 12:38 م

          SOOOOOO interesting

          حذف التعليق

          مشاركات عشوائية [رأسي]

          google-playkhamsatmostaqltradent