ما هي نماذج اللغة الكبيرة (LLMs)؟
سلسلة: الذكاء الاصطناعي ببساطة
في المقال السابق، فتحنا الصندوق قليلًا، وحاولنا أن نعرف ماذا يحدث عندما نكتب سؤالًا إلى ChatGPT.
عرفنا أن الكلام الذي نكتبه يتحول إلى Tokens، وأن هذه الرموز تتحول إلى تمثيلات رقمية، ثم تمر عبر شبكة عصبية عميقة تستخدم آليات مثل Self-Attention لدراسة العلاقات بين أجزاء السياق.
وعرفنا أيضًا أن النموذج يولد الإجابة بصورة متتابعة، من خلال التنبؤ بالـToken التالي، حتى تتكون الجملة ثم الفقرة ثم الإجابة كاملة.
لكن بقي سؤال مهم:
ما هذا النموذج أصلًا؟
ولماذا نسميه:
Large Language Model — LLM؟
ما معنى «نموذج لغوي»؟
وماذا تعني كلمة «كبير»؟
وهل كل نموذج لغوي هو LLM؟
وهل ChatGPT هو نفسه LLM؟
وما علاقة كل ذلك بكلمات مثل:
GPT
Transformer
Parameters
Training
Context
Fine-tuning
وكيف يمكن لنظام رياضي مكوّن من أعداد ضخمة أن يتعامل مع اللغة البشرية بهذه الطريقة؟
في هذا المقال سنقترب خطوة أخرى من قلب الموضوع.
لنبدأ من البداية.
أولًا: ما هو النموذج اللغوي؟
قبل أن نفهم معنى «النموذج اللغوي الكبير»، علينا أن نفهم معنى «النموذج اللغوي» نفسه.
النموذج اللغوي Language Model هو نظام يتعلم أنماط اللغة، ويستخدمها لتقدير احتمالات ظهور Tokens أو تسلسلات من Tokens داخل سياق معين.
بصيغة أبسط:
النموذج اللغوي يحاول أن يتعلم:
ما الذي يمكن أن يأتي بعد ماذا؟
فإذا أعطيته:
«ذهبت إلى المدرسة من أجل...»
فقد يتوقع كلمات مثل:
«التعلم»
أو:
«الدراسة»
أو كلمات أخرى تتناسب مع السياق.
لكن الأمر لا يتعلق بكلمة واحدة فقط.
فالنموذج الجيد لا ينظر إلى الكلمة السابقة وحدها، وإنما يستفيد من السياق الموجود حولها.
ولهذا فإن:
«ذهبت إلى البنك لإيداع المال»
مختلفة عن:
«ذهبت إلى بنك الدم للتبرع».
الكلمة نفسها موجودة، لكن العلاقات والسياق مختلفان.
وهذه القدرة على التعامل مع الاحتمالات والسياق هي واحدة من أساسيات النماذج اللغوية الحديثة.
طيب... ما الذي يجعل النموذج «كبيرًا»؟
هنا نصل إلى كلمة:
Large
أي:
كبير.
لكن «كبير» لا تعني ببساطة أن النموذج يأخذ مساحة كبيرة على جهاز الكمبيوتر.
ولا توجد قيمة سحرية واحدة نقول بعدها:
هذا نموذج صغير.
وهذا نموذج كبير.
فالمصطلح يشير بصورة عامة إلى نماذج لغوية ذات عدد ضخم جدًا من المعاملات، وقدرة واسعة على التقاط الأنماط والعلاقات داخل كميات كبيرة من البيانات.
وتشير Google إلى أن نماذج اللغة الكبيرة تتميز بعدد هائل من المعاملات وبقدرتها على الاستفادة من سياق أوسع مقارنةً بنماذج لغوية أقدم.
إذن يمكن أن نتخيل الفكرة بصورة مبسطة هكذا:
Language Model
↓
نموذج يتعلم أنماط اللغة
↓
Large Language Model
↓
نموذج لغوي واسع النطاق، بقدرات ومعاملات وبيانات تدريب كبيرة جدًا.
لكن ما هي الـParameters؟
هذه الكلمة ستظهر أمامنا كثيرًا جدًا في عالم الذكاء الاصطناعي.
Parameters — المعاملات
هي قيم رقمية داخل النموذج يتم تعديلها أثناء التدريب.
يمكن أن نتخيلها بصورة تقريبية جدًا مثل مجموعة هائلة من «المفاتيح الرقمية» التي تتغير قيمها أثناء التعلم.
في البداية، لا تكون هذه القيم مضبوطة بحيث تجعل النموذج جيدًا في التنبؤ.
لكن أثناء التدريب، يتم تعديلها تدريجيًا حتى يصبح النموذج أفضل في التقاط الأنماط الموجودة في البيانات.
وتوضح OpenAI أن نماذج التعلم الآلي تتكون من أعداد كبيرة تسمى الأوزان أو المعاملات، وأن التدريب يغيّر قيم هذه المعاملات لكي تعكس الأنماط التي تعلمها النموذج.
ومن هنا يمكننا أن نفهم نقطة مهمة جدًا:
النموذج ليس «كتابًا ضخمًا» بداخله إجابات جاهزة.
بل هو نظام رياضي ضخم تعكس معاملاته أنماطًا وعلاقات تعلمها أثناء التدريب.
وهل كلما زادت الـParameters أصبح النموذج أذكى؟
ليس بهذه البساطة.
زيادة عدد المعاملات قد تمنح النموذج قدرة أكبر على تمثيل أنماط معقدة، لكنها ليست العامل الوحيد.
هناك أيضًا:
جودة بيانات التدريب
حجم بيانات التدريب
طريقة التدريب
معمارية النموذج
جودة البيانات وتنقيتها
طريقة ضبط النموذج بعد التدريب
طريقة استخدام السياق
الأدوات المتاحة للنموذج
وطرق التقييم والتحسين.
لذلك لا يمكن أن نقول:
نموذج لديه معاملات أكثر = بالضرورة أفضل في كل شيء.
الموضوع أعقد بكثير.
ثانيًا: كيف ظهرت النماذج اللغوية الكبيرة؟
لفهم أهمية LLMs، علينا أن نعود قليلًا إلى الوراء.
في بدايات معالجة اللغة الطبيعية، كانت هناك طرق تعتمد بصورة كبيرة على الإحصاء وقواعد بسيطة أو نماذج تنظر إلى عدد محدود من الكلمات السابقة.
ثم ظهرت نماذج أكثر تطورًا، ومنها الشبكات العصبية المتكررة RNNs وغيرها من الأساليب التي حاولت التعامل مع التسلسلات اللغوية بصورة أفضل.
لكن ظهرت مشكلة مهمة:
كيف يمكن للنموذج التعامل مع سياق طويل وعلاقات بعيدة بين الكلمات؟
وهنا جاء تحول كبير.
Transformer
في عام 2017، قدم باحثون من Google ورقة بحثية شهيرة بعنوان:
Attention Is All You Need
وقدمت الورقة معمارية Transformer، التي اعتمدت بصورة أساسية على آليات الانتباه بدلًا من الاعتماد على الشبكات المتكررة أو الالتفافية بالطريقة التي كانت شائعة في نماذج سابقة.
وكان هذا التحول بالغ الأهمية.
لأن الـTransformer قدم طريقة أكثر كفاءة للتعامل مع العلاقات بين أجزاء التسلسل، وأصبح لاحقًا أساسًا لعدد هائل من النماذج اللغوية الحديثة.
ويمكننا تبسيط الرحلة هكذا:
نماذج لغوية أقدم
↓
شبكات عصبية أكثر تطورًا
↓
Attention
↓
Transformer
↓
نماذج لغوية ضخمة
↓
LLMs الحديثة
طيب... ما الذي يفعله الـTransformer؟
تذكر ما قلناه في المقال السابق عن:
Attention — الانتباه.
الفكرة ببساطة أن النموذج يستطيع تقييم أهمية أجزاء مختلفة من السياق بالنسبة إلى الجزء الذي يعالجه.
ففي الجملة:
«ذهب محمد إلى البنك لأنه كان يريد إيداع راتبه.»
كلمة:
«راتبه»
تعطي إشارات قوية إلى أن «البنك» هنا مرتبط بالمال والخدمات المصرفية، وليس ببنك الدم مثلًا.
وهذا النوع من العلاقات بين الكلمات هو أحد الأشياء التي تساعد آليات الانتباه النموذج على التعامل معها.
وتوضح Google أن Self-Attention يسمح للنموذج بالنظر إلى العلاقة بين الكلمات المختلفة داخل السياق وتحديد مدى أهميتها بالنسبة إلى بعضها البعض.
ثالثًا: كيف يتعلم LLM اللغة؟
هنا تبدأ الرحلة الحقيقية.
تخيل أنك تريد تدريب نموذج لغوي.
هل ستجلس أمامه وتشرح له:
هذه جملة صحيحة.
وهذه جملة خاطئة.
وهذه كلمة اسم.
وهذه كلمة فعل.
وهذه إجابة مناسبة.
وهذا سؤال؟
يمكن فعل بعض ذلك في مراحل لاحقة، لكن التدريب الأساسي للنموذج اللغوي يبدأ بطريقة مختلفة.
النموذج يتعرض إلى كميات هائلة من البيانات، ويتعلم منها الأنماط والعلاقات.
وفي النماذج التوليدية، من الأفكار الأساسية أن يتعلم النموذج التنبؤ بما يأتي بعد ذلك في التسلسل.
مثلًا:
«القاهرة هي عاصمة...»
فيتعلم أن:
«مصر»
تكملة محتملة جدًا.
ومع التدريب على عدد هائل من الأمثلة، يبدأ النموذج في بناء تمثيلات داخلية معقدة للعلاقات بين الكلمات والعبارات والمفاهيم.
وتوضح OpenAI أن النماذج تتعلم الأنماط والعلاقات من كميات كبيرة من المعلومات، ثم تستخدم ما تعلمته لتوقع النص التالي أثناء التوليد.
لكن لحظة...
هل معنى ذلك أن LLM مجرد آلة لإكمال الجمل؟
هذه العبارة مفيدة جدًا كبداية.
لكنها لا تكفي.
لأن «توقع الـToken التالي» قد يبدو شيئًا بسيطًا جدًا.
لكن لكي يتوقع النموذج Token مناسبًا في سياق معقد، فإنه يحتاج إلى الاستفادة من:
السياق السابق
التمثيلات الرقمية
العلاقات بين الكلمات
المعاملات التي تعلمها
طبقات الشبكة العصبية
آليات الانتباه
وكمية هائلة من الأنماط التي اكتسبها أثناء التدريب.
لذلك فإن:
«توقع الـToken التالي»
هو وصف مبسط للهدف الأساسي في كثير من النماذج اللغوية، وليس وصفًا كاملًا لكل ما يحدث داخل النموذج.
رابعًا: ماذا يحدث أثناء التدريب؟
يمكننا تخيل التدريب بصورة مبسطة.
النموذج يرى جزءًا من النص.
ثم يحاول توقع ما يأتي بعده.
في البداية تكون توقعاته سيئة جدًا.
ثم تتم مقارنة توقعه بالنتيجة المستهدفة.
ويتم حساب مقدار الخطأ.
بعد ذلك تستخدم خوارزميات التدريب هذا الخطأ لتعديل المعاملات.
ثم تتكرر العملية.
مرة.
ثم مرة أخرى.
ثم ملايين ومليارات المرات على نطاق ضخم.
وبمرور الوقت، تصبح المعاملات مضبوطة بصورة أفضل لالتقاط الأنماط التي تساعد النموذج على إنتاج توقعات أكثر فائدة.
يمكن تبسيط الفكرة هكذا:
بيانات
↓
Tokens
↓
توقع
↓
مقارنة بالهدف
↓
حساب الخطأ
↓
تعديل المعاملات
↓
تكرار
↓
نموذج أفضل
وهل يتعلم النموذج من النصوص فقط؟
ليس بالضرورة.
النماذج الحديثة يمكن أن تتدرب على أنواع متعددة من المعلومات بحسب النظام والغرض.
وتوضح OpenAI أن تطوير نماذجها الأساسية يمكن أن يستفيد من معلومات تشمل النصوص والصور والصوت والفيديو، وأن النماذج الحديثة قد تكون قادرة على التعامل مع أكثر من نمط من المعلومات.
وهنا نبدأ في الاقتراب من مفهوم:
Multimodal AI
أي:
الذكاء الاصطناعي متعدد الوسائط.
لكن علينا أن نميز بين:
LLM
و
Multimodal Model.
فالنموذج متعدد الوسائط قد يتعامل مع النص والصورة والصوت وغيرها، بينما مصطلح LLM يركز تحديدًا على النماذج اللغوية الكبيرة.
خامسًا: هل LLM يحفظ الإنترنت كله؟
لا.
وهذه نقطة مهمة جدًا.
قد يتخيل البعض أن نموذجًا لغويًا كبيرًا عبارة عن قاعدة بيانات عملاقة تحتوي على نسخة من كل شيء قرأه.
لكن هذا ليس الوصف الدقيق لطريقة عمل النموذج.
أثناء التدريب، يتم تعديل المعاملات حتى تتعلم الشبكة أنماطًا وعلاقات من البيانات.
ولا يعني ذلك ببساطة أن النموذج يحتفظ بنسخة حرفية من كل جملة مر عليها.
وتوضح OpenAI أن النماذج لا تعمل بمجرد الاحتفاظ بنسخ من بيانات التدريب وإعادة نسخها عند الإجابة، بل يتم تعديل الأوزان والمعاملات أثناء التعلم لالتقاط الأنماط التي تعلمها النموذج.
يمكننا تشبيه الأمر بصورة تقريبية جدًا:
هناك فرق بين:
أن تحفظ آلاف الكتب كلمة بكلمة
وأن تتعلم من آلاف الكتب كيف تعمل اللغة، وكيف ترتبط الأفكار والكلمات ببعضها.
لكن يجب أن نتذكر أن هذا مجرد تشبيه.
النموذج لا يملك عقلًا بشريًا ولا تجربة بشرية للقراءة.
سادسًا: ما الفرق بين LLM وقاعدة البيانات؟
هذه من أهم النقاط.
قاعدة البيانات مصممة لتخزين معلومات يمكن استرجاعها.
أما النموذج اللغوي، فهو نموذج رياضي تعلم أنماطًا وعلاقات من بيانات التدريب.
ولهذا فإن سؤال النموذج:
«ما هي عاصمة مصر؟»
ليس بالضرورة عملية بحث عن سجل محفوظ في جدول اسمه:
الدول ← العواصم.
بل النموذج يستخدم ما تعلمه من خلال معاملاته وسياق السؤال لتوليد الاستجابة.
وهنا تظهر ميزة مهمة جدًا:
النموذج يستطيع التعامل مع اللغة بصورة مرنة.
لكن تظهر أيضًا مشكلة خطيرة:
يمكن أن يولد معلومة تبدو صحيحة وهي ليست كذلك.
وهنا نصل إلى:
Hallucination — الهلوسة
النموذج قد ينتج إجابة سليمة لغويًا، ومنظمة، ومقنعة جدًا، لكنها خاطئة.
وقد يخترع أحيانًا:
اسمًا
تاريخًا
مرجعًا
دراسة
رابطًا
أو معلومة غير موجودة.
ولذلك فإن:
الطلاقة اللغوية ≠ الحقيقة.
والقدرة على صياغة إجابة مقنعة لا تعني أن كل تفاصيلها صحيحة.
وهذه من أهم النقاط التي يجب أن نتذكرها عند التعامل مع LLMs.
فالنموذج يتنبأ بما يبدو مناسبًا بناءً على الأنماط التي تعلمها والسياق المتاح له، وليس لديه «عداد حقيقة» داخلي يضمن صحة كل جملة. وتذكر Google ضمن تحديات LLMs ظاهرة الهلوسة إلى جانب قضايا مثل التحيز والتكلفة الحسابية.
سابعًا: ما هو الـContext؟
إذا كنت قد استخدمت ChatGPT، فأنت بالتأكيد لاحظت شيئًا غريبًا.
يمكنك أن تبدأ الحديث بسؤال.
ثم تسأل سؤالًا آخر دون أن تعيد كل التفاصيل.
ثم تقول:
«طيب، وضح النقطة الثانية أكثر.»
والنموذج يستطيع غالبًا معرفة ما الذي تقصده.
كيف؟
السياق.
Context
هو المعلومات الموجودة أمام النموذج والتي يمكنه استخدامها أثناء معالجة الطلب وتوليد الاستجابة.
وهذا السياق قد يتضمن:
رسالتك الحالية
أجزاء من المحادثة السابقة
تعليمات
معلومات إضافية
أو محتوى يتم تمريره للنموذج من تطبيق أو أداة.
كلما كان النموذج قادرًا على التعامل مع سياق أطول، أصبح بإمكانه معالجة كميات أكبر من المعلومات الموجودة في الطلب أو المحادثة، مع بقاء الأداء الفعلي معتمدًا على النموذج وطريقة استخدامه.
وهنا يجب ألا نخلط بين:
Context
و
Memory.
السياق هو المعلومات المتاحة للنموذج في عملية المعالجة.
أما الذاكرة فهي مفهوم مختلف يتعلق بما إذا كان النظام يحتفظ بمعلومات يمكن استخدامها لاحقًا.
ثامنًا: ما علاقة الـTokens بالـLLM؟
تذكر المقال السابق.
الإنسان يرى:
«أنا أحب القراءة.»
لكن النموذج لا يتعامل معها بهذه الصورة البشرية المباشرة.
يتم تقسيم النص إلى Tokens.
والـToken قد يكون:
كلمة كاملة
أو جزءًا من كلمة
أو حرفًا
أو علامة ترقيم
بحسب اللغة وطريقة تقسيم النص.
وتوضح OpenAI أن الـTokens هي الوحدات الأساسية التي تعالجها نماذجها، وأن طول الـToken وشكله يتأثران باللغة والسياق.
إذن:
النص
↓
Tokens
↓
تمثيلات رقمية
↓
Transformer
↓
معالجة السياق
↓
توقعات
↓
Tokens جديدة
↓
نص
تاسعًا: هل الـLLM «يفهم» الكلمات؟
وهنا نعود إلى السؤال الذي طرحناه في المقال السابق.
إذا كان النموذج يتعامل مع أرقام وتمثيلات رياضية، فكيف يعرف أن:
«طبيب»
مرتبطة بالصحة؟
وأن:
«سيارة»
مرتبطة بالنقل؟
وأن:
«باريس»
مرتبطة بفرنسا؟
الإجابة تقودنا إلى فكرة:
Embeddings — التمثيلات المتجهية.
الكلمات أو الـTokens يتم تمثيلها داخل فضاء رياضي بأعداد، ويمكن لهذه التمثيلات أن تعكس علاقات وتشابهات مختلفة.
وفي النماذج الحديثة، لا ينبغي أن نتخيل أن لكل كلمة «معنى ثابتًا» في نقطة واحدة فقط.
السياق مهم.
والتمثيلات الداخلية يمكن أن تتغير وتُعالج عبر طبقات النموذج.
وهنا نصل إلى موضوع بالغ الأهمية:
كيف يمكن للأرقام أن تمثل المعنى؟
وهذا بالضبط هو السؤال الذي سنقترب منه في المقال القادم.
عاشرًا: ما هو الفرق بين LLM وChatGPT؟
هنا يحدث خلط كبير.
كثير من الناس يقولون:
ChatGPT هو LLM.
لكن الأدق أن نقول:
ChatGPT هو خدمة أو تطبيق يستخدم نماذج ذكاء اصطناعي متقدمة لتقديم تجربة محادثة للمستخدم.
أما:
LLM
فهو نوع من النماذج اللغوية الكبيرة التي يمكن أن تكون جزءًا من هذه المنظومة.
بعبارة أبسط:
LLM = النموذج
ChatGPT = المنتج أو الخدمة التي تستخدم نماذج وتقنيات متعددة لتقديم تجربة للمستخدم.
ولذلك فإن:
ChatGPT ليس اسمًا عامًا لكل LLM.
كما أن:
LLM ليس اسمًا آخر لـChatGPT.
طيب... وما هو GPT؟
GPT اختصار لـ:
Generative Pre-trained Transformer
أي:
Transformer توليدي مُدرّب مسبقًا.
وهو اسم لعائلة من النماذج اللغوية المبنية على معمارية Transformer. وتعرّف Google مصطلح GPT بأنه عائلة من النماذج اللغوية الكبيرة القائمة على Transformer التي طورتها OpenAI.
والاسم نفسه يخبرنا بثلاثة أشياء:
Generative
أي يستطيع توليد محتوى.
Pre-trained
أي يمر بمرحلة تدريب مسبق واسعة.
Transformer
أي يعتمد على معمارية Transformer.
لكن هل التدريب المسبق هو المرحلة الأخيرة؟
لا.
وهذه نقطة مهمة جدًا.
بعد التدريب المسبق، يمكن أن تمر النماذج بمراحل إضافية لتحسين طريقة استجابتها.
وهنا تظهر مفاهيم مثل:
Fine-tuning
و
Post-training
و
Instruction tuning
وطرق أخرى لتحسين السلوك والأداء.
وتوضح OpenAI أن تطوير النماذج الأساسية يتضمن مراحل مثل إعداد بيانات التدريب، والتدريب المسبق Pre-training، والتدريب اللاحق Post-training، ثم التقييم والتحسين المستمر.
لماذا نحتاج إلى هذه المراحل؟
لأن النموذج قد يتعلم اللغة جيدًا، لكنه يحتاج إلى تحسين قدرته على:
اتباع التعليمات
تنظيم الإجابات
التعامل مع المحادثة
تقليل بعض الأخطاء
الاستجابة بطريقة أكثر فائدة
والالتزام بمتطلبات السلامة.
وهنا يظهر مفهوم مهم:
Instruction Following
أي:
اتباع التعليمات.
تخيل أنك قلت للنموذج:
«اشرح لي نظرية النسبية لطفل عمره عشر سنوات.»
المطلوب ليس مجرد إنتاج نص عن النسبية.
بل فهم:
ما الموضوع؟
ما المطلوب؟
من الجمهور؟
ما مستوى الشرح؟
وما الشكل المناسب للإجابة؟
ولهذا فإن تدريب النماذج الحديثة لا يتوقف عند تعلم اللغة فقط.
بل يتم تحسينها أيضًا لتصبح أكثر قدرة على الاستجابة للتعليمات بطريقة مفيدة.
وهل LLM يستطيع القيام بأشياء كثيرة؟
نعم، وهذه إحدى نقاط القوة الكبيرة.
يمكن للنموذج اللغوي الكبير أن يستخدم قدراته في مجموعة واسعة من المهام، مثل:
الكتابة
التلخيص
الترجمة
الإجابة عن الأسئلة
شرح المفاهيم
المساعدة في البرمجة
تحليل النصوص
استخراج المعلومات
العصف الذهني
إعادة الصياغة
وغيرها.
وتوضح OpenAI أن ChatGPT يمكن استخدامه في مهام مثل التنظيم والتلخيص والترجمة والبرمجة والبحث والتحليل وغيرها.
لكن هذا لا يعني أن النموذج «خبير بشري» في كل هذه المجالات.
هو يستخدم قدرته العامة على التعامل مع اللغة والأنماط لتطبيقها على مهام مختلفة.
وهنا تظهر فكرة مهمة جدًا:
General-purpose model
أي:
نموذج عام الغرض.
بدلًا من بناء نموذج منفصل لكل مهمة:
نموذج للترجمة
ونموذج للتلخيص
ونموذج للكتابة
ونموذج للإجابة عن الأسئلة
يمكن للنموذج الكبير أن يتعامل مع مجموعة واسعة من المهام باستخدام تعليمات مختلفة.
ولهذا أصبحت LLMs واحدة من أهم التقنيات التي تقف وراء موجة الذكاء الاصطناعي التوليدي الحديثة.
لكن هل LLMs تفكر فعلًا؟
هنا يجب أن نكون حذرين جدًا.
قد يبدو النموذج وكأنه:
يفكر
يفهم
يعرف
يحلل
يتذكر
ويستنتج.
لكن هذه الكلمات لا تعني بالضرورة أن هناك عقلًا بشريًا داخل النموذج.
النموذج عبارة عن نظام حسابي معقد يتعلم أنماطًا وتمثيلات ويستخدمها لإنتاج مخرجات.
وقد تظهر من هذا النظام قدرات تبدو لنا شديدة التعقيد.
لكن ظهور سلوك يبدو ذكيًا لا يكفي وحده لإثبات وجود وعي أو تجربة داخلية بشرية.
وهذا هو السبب في أن السؤال:
«هل النموذج يفهم مثل الإنسان؟»
أصعب بكثير من السؤال:
«هل يستطيع النموذج التعامل مع اللغة بطريقة متقدمة؟»
وهل يمكن لـLLM أن يكون مبدعًا؟
يمكنه إنتاج نصوص وأفكار وصور وأكواد وتصميمات ومقترحات جديدة، بحسب النظام والأدوات المتاحة.
لكن كلمة «إبداع» نفسها تحتاج إلى تعريف.
إذا كان المقصود:
إنتاج شيء لم يكن موجودًا حرفيًا في المدخلات
فالنماذج تستطيع فعل ذلك بوضوح.
أما إذا كان المقصود:
إبداع إنساني قائم على تجربة شخصية ووعي وقصد ومشاعر
فهذه مسألة مختلفة تمامًا.
ولهذا من الأفضل ألا نخلط بين:
إنتاج مخرجات جديدة
و
التجربة الإنسانية للإبداع.
وما هي أهم استخدامات LLMs؟
يمكننا تقسيم الاستخدامات إلى مجموعة كبيرة من المجالات.
في التعليم:
شرح الدروس
تبسيط المفاهيم
إنشاء أسئلة تدريبية
مساعدة الطالب على فهم الأخطاء.
في الكتابة:
توليد الأفكار
إعادة الصياغة
التلخيص
تحسين الأسلوب.
في البرمجة:
شرح الأكواد
اقتراح حلول
كتابة أجزاء من البرامج
المساعدة في اكتشاف الأخطاء.
في الأعمال:
تحليل النصوص
إعداد المسودات
تلخيص الاجتماعات
المساعدة في خدمة العملاء.
وفي البحث:
تنظيم المعلومات
اقتراح طرق للتحليل
تلخيص المستندات
والمساعدة في استكشاف الأفكار.
لكن في كل هذه الاستخدامات، يجب أن نتذكر القاعدة الذهبية:
كلما زادت أهمية المعلومة، زادت أهمية التحقق منها.
وهل LLMs مناسبة لكل شيء؟
بالطبع لا.
هناك حالات تحتاج إلى:
مصادر موثوقة
بيانات حديثة
حسابات دقيقة
مراجعة بشرية
خبرة متخصصة
أو أدوات خارجية.
فالـLLM قد يعطيك إجابة ممتازة الأسلوب، لكنها غير صحيحة.
وقد ينجح في مهمة ويفشل في مهمة أخرى.
وقد تكون قدرته على التعامل مع اللغة ممتازة، بينما تكون بعض التفاصيل الواقعية بحاجة إلى تحقق إضافي.
ولهذا فإن أفضل طريقة لاستخدام LLM ليست:
«أعطني الإجابة وأنا أصدقها.»
بل:
«ساعدني في الوصول إلى إجابة أفضل، وسأتحقق من الأمور المهمة.»
وهنا يمكننا أن نلخص رحلة الـLLM كلها.
بيانات ضخمة
↓
تقسيم النص إلى Tokens
↓
تحويل الرموز إلى تمثيلات رقمية
↓
شبكة عصبية عميقة
↓
Transformer
↓
Self-Attention
↓
تعلم الأنماط والعلاقات
↓
تعديل Parameters
↓
تدريب مسبق
↓
تدريب لاحق وتحسين
↓
فهم التعليمات والسياق
↓
توقع Tokens
↓
توليد النص
↓
إجابة
لكن هناك سؤال أخير...
إذا كان كل شيء في النهاية عبارة عن أرقام:
فكيف يمكن لهذه الأرقام أن تمثل معنى؟
كيف يعرف النموذج أن:
«طبيب»
مرتبطة بـ:
«مستشفى»
و:
«مريض»
و:
«علاج»؟
وكيف يمكن لكلمة واحدة أن تحمل علاقات مختلفة بحسب السياق؟
كيف تتحول الكلمات إلى نقاط داخل فضاء رياضي؟
وهل يمكن أن تكون الكلمات القريبة في المعنى قريبة أيضًا في ذلك الفضاء؟
وهل تستطيع الآلة أن تتعلم العلاقات بين:
ملك
وملكة
ورجل
وامرأة؟
وماذا يحدث عندما تكون للكلمة الواحدة معانٍ متعددة؟
مثل:
«عين»
عين الإنسان
عين الماء
عين الجاسوس
كيف يمكن لرقم أو مجموعة أرقام أن تمثل كل هذه العلاقات؟
هنا نصل إلى واحدة من أكثر الأفكار إثارة في عالم الذكاء الاصطناعي:
كيف تمثل الآلة معنى الكلمات؟
وهذا سيكون موضوع المقال القادم:
كيف تفهم الآلة معنى الكلمات؟
من الـEmbeddings إلى التمثيلات الرقمية
إذن... ما الخلاصة؟
إذا أردنا اختصار المقال كله، فيمكننا أن نتذكر الآتي:
النموذج اللغوي هو نظام يتعلم أنماط اللغة ويستخدمها للتنبؤ بتسلسلات من الرموز.
أما النموذج اللغوي الكبير LLM، فهو نموذج لغوي واسع النطاق، يتميز بعدد ضخم من المعاملات وقدرة كبيرة على التعامل مع السياق والأنماط اللغوية.
وقد أصبحت معمارية Transformer، التي ظهرت في ورقة «Attention Is All You Need» عام 2017، أساسًا مهمًا لكثير من النماذج اللغوية الحديثة.
يتعلم النموذج من بيانات ضخمة خلال التدريب، ويتم تعديل معاملاته لكي يصبح أفضل في التقاط الأنماط والعلاقات.
وبعد ذلك يمكن تحسينه في مراحل لاحقة حتى يصبح أكثر قدرة على اتباع التعليمات والتعامل مع المستخدم.
وعندما نكتب له سؤالًا، يتم تحويل النص إلى Tokens، ومعالجتها داخل النموذج، ثم توليد الاستجابة بصورة متتابعة.
لكن علينا أن نتذكر دائمًا:
LLM ليس قاعدة بيانات عملاقة.
و
LLM ليس عقلًا بشريًا.
و
الإجابة المقنعة ليست بالضرورة إجابة صحيحة.
والأهم:
كل ما نراه من ذكاء لغوي مذهل يبدأ من تمثيلات رقمية وعلاقات رياضية معقدة.
لكن كيف يمكن للأرقام أن تحمل معنى؟
هذا هو اللغز الذي سنبدأ في حله في المقال القادم.
المصادر والمراجع
OpenAI — How ChatGPT and our foundation models are
developed
شرح كيفية تطوير النماذج الأساسية، ومراحل التدريب، والـTokens، والـParameters، وكيف تتعلم النماذج الأنماط والعلاقات من البيانات.
?OpenAI — What are tokens and how to count them
شرح مفهوم الـTokens وكيف يتم تقسيم النص إلى وحدات يعالجها النموذج.
?Google for Developers — LLMs: What's a large language model
شرح النماذج اللغوية الكبيرة، والـTransformers، والـSelf-Attention، وطريقة توليد النص.
Google for Developers — Machine Learning Glossary
مرجع للمصطلحات الأساسية مثل Language Model وLLM وGPT وTransformer وToken وEmbedding.
Google Research — Attention Is All You Need
البحث العلمي الأصلي الذي قدم معمارية Transformer عام 2017.
بقلم
د. سامح هدهود





















