حلق مع هدهوديات في الفضاء السيبراني

recent
أخبار ساخنة

اللقاء الأخير على ضفاف الأمل

الصفحة الرئيسية



كان «طارق» جالسًا في مكتبه الفسيح بالمركز الطبي الدولي في العاصمة الأوروبية، مراجعًا قوائم الشخصيات البارزة والخبراء العالميين المدعوين لحضور "مؤتمر المستقبل الطبي". كانت الأضواء الخافتة تنعكس على شاشة حاسوبه، بينما تتراكم الأوراق والملفات حوله كرمزٍ لحياته الجديدة التي بناها بعيدًا عن وطنه؛ حياةً عنوانها النجاح العملي، والعائلة المستقرة، والاستقرار الظاهري الذي يخفي خلفه رمادًا لا يبرد. وفجأة، توقفت أنامله فوق لوحة المفاتيح.


مرت عيناه على سطرٍ عادي ضمن قائمة الحضور القادمين من الشرق الأوسط، لكن الكلمات تجمدت، وكأن الزمن قد توقف.


د. مريم الشريف – استشاري أمراض الأنسجة والمناعة.





لم يكن الاسم تشابهًا. لقد كان هو الاسم ذاته الذي حفر بحروفٍ من نور ونار في ذاكرته قبل عقدين من الزمان.


في البداية، لم يُصدق. شعر بوخزةٍ حادة في صدره وكأن دقات قلبه توقفت ثم انطلقت بسرعة جنونية. تحركت يداه باهتزازة غريبة على فأرة الحاسوب، يفتش في أرشيف المؤتمر، يبحث عن الملف التعريفي والسيرة الذاتية والصورة المرفقة.


ضغط على الرابط، وظهرت الصورة أمام عينيه بوضوح تام.


صمت تام غرف المكان. لم تختلف كثيراً؛ نعم، طالتها خطوط خفيفة من الوقار والناصية التي يزينها شيب هادئ، لكن العينين الواسعتين, تلك النظرة الذكية العميقة التي كان يعرفها جيدا، ظلت كما هي، لم تتبدل. وكأن السنوات السبع العجاف التي افترقا فيها لم تمر سوى كبارق طيف.


تسارعت أنفاس طارق، واندفعت الذاكرة كطوفان جارف لا يمكن رده.


عادت به السنين إلى تلك المدرجات الجامعية القديمة، ورائحة الكتب الطبية والمخبر الذي قضيا فيه أجمل ساعات العمر. تذكر كيف كان يترقب مرورها في ممر الكلية، وكيف كانت عيناها تتهربان بخجل كلما التقت نظراتهما. تذكر ذلك اليوم الشتوي البارد الذي تجرأ فيه، وجمع شتات شجاعته، ليقف أمامها في حديقة الكلية، ويبوح لها بكل ما يكنه صدره من حب وعشق مدفون.





تذكر جيدًا كيف احمرّ وجهها، وكيف لمعت عيناها بدموع لم يفهم سرها يومها، وكيف ارتعش صوتها وهي تقول له بصوت خافت مهتز:

– "أنا... أنا سعيدة جدا يا طارق، لكن... أرجوك، لا تسألني شيئًا الآن. لا يمكننا أن نكون معًا."


وحين ألحّ، وطلب تفسيرًا واحدًا, انصرفت هاربة، تاركة إياه في منتصف الطريق، معلقًا بين السماء والأرض، بلا أسباب واضحة، وبلا عذر مقنع. ضاع حلمه الأكبر في تلك اللحظة، وتكسرت أحلام المستقبل التي بناها ومريم في تخيلاته على صخرة الصمت.





سافر بعدها مكسور الخاطر، غارقًا في دراسته ثم عمله






 وتزوج تقليديًا من زميلة أجنبية رزق منها بابنته الوحيدة "لينا"، محاولًا دفن الماضي، لكن جمرة الشوق لم تنطفئ قط، بل ظلت تحت الرماد، تنتظر هذه اللحظة.





دق قلبه بعنف جعل صدره يعلو ويهبط.


هل هناك فرصة مرة أخرى؟


سوف يقابلها بعد سنين طويلة!


يا ربي... ماذا سأقول لها؟ وماذا ستقول لى؟ هل ستمسح الأيام جرح الفراق القديم، أم ستزيده اتساعًا؟


في صباح اليوم التالي، غصت القاعة الكبرى للمؤتمر بآلاف العلماء والباحثين من شتى بقاع الأرض. كان طارق، بصفته رئيس اللجنة المنظمة، يتحرك بين الحضور موجهًا ومنظمًا، لكن عقله وروحه كانا في مكان آخر تمامًا؛ كانا يترقبان الباب.


وبينما كان واقفًا بجانب إحدى الشاشات التفاعلية الكبرى يشرح لأحد الضيوف تفاصيل الجلسة الافتتاحية، شعر بهواء خفيف يمر بجانبه، ورائحة عطر قديمة مألوفة، كأنها عبق أيام الجامعة العتيقة، اخترقت حواسه بلا استئذان.


التفت... فرآها.


كانت تقف على بعد خطوات معدودة، ترتدى بذلة رسمية أنيقة بلون رمادي داكن، تحمل بطاقة التعريف الخاصة بالمؤتمر في يدها، وتبحث بعينيها عن قاعة المحاضرات الرئيسية.





لم يشعر طارق بنفسه إلا وهو يتحرك متخطياً كل الحواجز، متناسيًا البروتوكول والمكان والزمان. وكأن قوة مغناطيسية خفية تجذبه إليها.


توقف أمامها مباشرة.


رفعت رأسها ببطء، وتلاقت الأعين.


توقفت دقات الكون بأسره. لم يعد هناك صخب القاعة، ولا أصوات الحاضرين، ولا ومضات الكاميرات. فقط هما الاثنان، والزمن الذي انكمش ليصبح ثانية واحدة أبدية.


وبصوت واحد، كأن صدى تردده في روحهما معًا، نطق الاثنان:


 "طارق..."


"مريم..."





ثم انفرجت شفتاهما عن ابتسامة دافئة، ابتسامة عميقة، حزينة، سعيدة، وجميلة... ابتسامة تحمل ألف حكاية وحكاية من الشوق، والعتب، والاشتياق.


مدّ يده ليصافحها، يدٌ تمتد بثبات ظاهر وارتعاش باطن، وما إن لامست كفُّه كفَّها، حتى قبضت عليها برقة وعنف في آن واحد؛ رقة الحنين الجارف، وعنف السنوات التي سرقتهما من بعضهما.


سحبت مريم نفسها بلطف، وألقت نظرة سريعة حولهما قبل أن تقول بصوت مرتعش يكاد يختفي وسط الضوضاء:

"لم تتغيير كثيراً يا طارق... نفس النظرة، رغم كل هذه السنوات."


– أجابها بصوت متحشرج، والدموع تكاد تفر من عينيه: "ولا أنتِ يا مريم... كأن الزمن وقف بكِ يوم تركتينی في حديقة الجامعة."


في تلك المسائية الهادئة، بعيدًا عن صخب المؤتمر وفوضى الحضور، التقى الاثنان في مقهى صغير هادئ مطل على نهر العاصمة الأوروبية، حيث كانت أضواء المدينة تتراقص على صفحة الماء المظلمة.


جلسا متقابلين، وفنجانان من القهوة الدافئة يفصلان بينهما، لكن المسافة النفسية بينهما كانت تختفي تدريجيًا.





كسر طارق الصمت المطبق، وعيناه لا تفارقان وجهها:

"مريم... أرجوكِ. لقد مرّت عشرون سنة. عشرون سنة كاملة وأنا أحمل في داخلي سؤالاً واحدًا لم أجد له إجابة قط. لماذا؟ لماذا رفضتِ الارتباط بي دون حتى أن تمنحيني فرصة للفهم؟ هل كنتُ سيئًا إلى هذا الحد؟ أم أن قلبي كان أرخص من أن تكلفي نفسكِ عناء تفسير وداعه؟"


ارتجفت يد مريم وهي ترفع الفنجان لتشرب رشفة صغيرة لتخفي ارتباكها. تركت الفنجان ببطء، ورفعته عينيها المليئتين بدموع محبوسة بصعوبة، وقالت بصوت مكسور:

"لم تكن سيئًا يا طارق... أقسم لك أنك كنت أجمل ما حدث لي في عمري كله. وددت لو أنني أستطيع أن أصرخ في وجه الكون وأقول: نعم، أنا أحبه أكثر مما تحب نفسي! لكن... لم يكن الأمر بيدَي."


شعر طارق بأنفاسه تختنق، وتقدم بإصرار:

– "ماذا تعنين بأنه لم يكن بيديكِ؟ هل أجبركِ أحد؟ هل كانت هناك ظروف عائلية؟"


أخذت مريم نفساً عميقاً كمن يحاول إزاحة جبل عن صدره، وقالت:

– "في ذلك اليوم الذي فاتحتني فيه بالحب... قبلها بليلة واحدة فقط، كنتُ في غرفة والدي بالمستشفى. كان الطبيب المعالج يخبرني سرًا، وبناءً على وصية والدي الصارمة، بأن والدي مصاب بمرض وراثي عصبي نادر، يتسبب في تدهور تدريجي بالقدرات الجسدية والعقلية، وغالبًا ما تنتقل أعراضه المبكرة للنسل أو يظهر في مرحلة الشباب المتأخرة، وقد عانى منه إخوتي الأكبر مني وتوفوا في سن مبكرة."


توقف قلب طارق عن التفكير. استمع إليها بذهول تام.


تابعت مريم ودموعها تسيل بصمت على خدها: "يومها يا طارق، حين نظرتَ إليّ، كنتُ أرى في عينيك مستقبلاً مشرقًا وعائلة سعيدة وأولادًا يملئون حياتك بالضحك. كنت أعلم أنك شخص مخلص ووفي، ولو قبلتُ بك، لكنتَ قد ربطت حياتك بممرضة ومرافقة لشخص مريض، وبامرأة تحمل في جيناتها قنبلة موقوتة قد تنفجر في أي لحظة. لم أكن أستطيع أن أسرق شبابك وأحلامك. فضّلت أن أكون أنا الشوكة التي تؤلمك مؤقتًا، على أن أكون الكارثة التي تدمر حياتك كلها على المدى الطويل."


سكت طارق تمامًا. شعرت الكلمات كأنها صواعق تتساقط فوق رأسه. كل تلك السنوات من العتب، واللوم، والشعور بالرفض القاسي، تبخرت في لحظة واحدة، وحل محلها بحر هائل من التعاطف، والحب الأعمق، والاحترام الجلل لتلك المرأة التي ضحت بسعادتها لكي تحميه هو.


 "ولكن... وماذا عنكِ أنتِ؟" سأل طارق بصوت خافت يكاد لا يُسمع. "كيف عشتِ كل هذه السنين؟"


– ابتسمت مريم بمرارة وقالت: "عشتُ أدرس وأعمل، وأهتم بوالدي حتى رحل. جعلت من الطب وسيلة لإنقاذ الآخرين، لأنني لم أستطِع إنقاذ حبي الوحيد. ولم أتزوج قط... لقد كان قلبي مكتظًا بك لدرجة لم تترك مكانًا لأحد آخر."





عمّ الصمت مجددًا بينهما، لكنه لم يكن صمت الفراق، بل صمت الإدراك الموجع.


– "ولكنكِ الآن هنا..." قال طارق بصوت يحمل وميض أمل أخير. "الظروف تغيرت. نحن كبرنا، وأنا... رغم أنني متزوج ولدي ابنة، إلا أنكِ لم تغادري عقلي قط. مريم، هل فات الأوان حقًا؟ هل يمكننا أن..."


قاطعت مريم كلامه بوضع يدها برفق على كفّه فوق الطاولة، وهزت رأسها ببطء، وقالت بصوت هادئ وحازم:

"لا يا طارق. لا يصح أن نصلح خطيئة الماضي بخطيئة جديدة في الحاضر. أنت لست وحيدًا؛ لديك زوجة وابنة في ذمتك، ولديك حياة بنيتها بعرقك وصبرك، وأنا... تعلمت أن أعيش مع طيفك الجميل دون أن أفسد ما تبقى من استقرارك. وجودنا معًا اليوم هو رسالة من القدر بأن حبنا لم يكن وهمًا، بل كان حقيقة نقية طاهرة... وهذا يكفينا."


نظر إليها طارق طويلًا، وهو يدرك صحة ومرارة كلماتها. لقد علمتهما الحياة أن ليس كل ما تتمناه الروح تملكه اليد، وأن أعظم أنواع الحب أحيانًا هو القدرة على التخلي الجميل من أجل سلام من تحب.


في اليوم التالي، انتهى المؤتمر.


في مطار العاصمة، تقابلا للمرة الأخيرة عند بوابة المغادرة. كانت النظرات هذه المرة خالية من حزن الاستفهام، ومملوءة برضا الوداع العاقل.


عناق قصير، دافئ، وصادق. عناق ودّع فيه الاثنان مراهقتهما وشبابهما، وكل الجراح القديمة.





استقلت مريم طائرتها عائدة إلى بلادها، ووقف طارق يتابع الطائرة وهي ترتفع في كبد السماء حتى اختفت بين السحاب. وضع يده على جيبه حيث احتفظ بمنديل صغير تركته له، وتنهد تنهيدة عميقة امتزجت فيها دموع الفراق بحلاوة اللقاء، وهو يبتسم لنفسه: "بعض الحكايات لا تنتهي بالنهايات السعيدة التقليدية،"


بقلم د. وليد أبوعرب

 

اللقاء الأخير على ضفاف الأمل
admin

تعليقات

16 تعليقًا
إرسال تعليق
  • غير معرف31 أكتوبر 2026 في 12:59 م

    إبداع و تألق دائم دكتور سامح

    حذف التعليق
    • جمال محمد ذكى شافع31 أكتوبر 2026 في 2:01 م

      قصة جميلة ويبدو أنها حقيقية..تحية للكاتب ولك د/ سامح

      حذف التعليق
      • Ahmed Ramadan31 أكتوبر 2026 في 2:12 م

        🥰🥰🥰🥰

        حذف التعليق
        • Ahmed Ramadan31 أكتوبر 2026 في 2:13 م

          دايما متميز ومبدع يا دكتور

          حذف التعليق
          • Ahmed Ramadan31 أكتوبر 2026 في 2:14 م

            ما شاء الله بالتوفيق يا دكتور

            حذف التعليق
            • غير معرف31 أكتوبر 2026 في 9:39 م

              🌹🌹🌹

              حذف التعليق
              • غير معرف31 أكتوبر 2026 في 11:01 م

                راااائع جدا
                بالتوفيق

                حذف التعليق
                • غير معرف31 أكتوبر 2026 في 11:38 م

                  رائع جدا جدا

                  حذف التعليق
                  • غير معرف1 نوفمبر 2026 في 2:24 ص

                    رائع

                    حذف التعليق
                    • غير معرف1 نوفمبر 2026 في 2:24 ص

                      جميل

                      حذف التعليق
                      • غير معرف1 نوفمبر 2026 في 2:24 ص

                        ممتع

                        حذف التعليق
                        • د. امل يسن1 نوفمبر 2026 في 7:15 ص

                          نص رااائع 👌
                          موووفق دايما يارب

                          حذف التعليق
                          • S.salem photo
                            S.salem1 نوفمبر 2026 في 7:25 ص

                            اسلوب جميل

                            حذف التعليق
                            • غير معرف3 نوفمبر 2026 في 7:47 م

                              رائع

                              حذف التعليق
                              • غير معرف3 نوفمبر 2026 في 7:48 م

                                جميل

                                حذف التعليق
                                • غير معرف3 نوفمبر 2026 في 7:48 م

                                  ممتع

                                  حذف التعليق

                                  مشاركات عشوائية [رأسي]

                                  google-playkhamsatmostaqltradent