حلق مع هدهوديات في الفضاء السيبراني

recent
أخبار ساخنة

حُبٌّ عَبْرَ المَجَرَّةِ 4: لَنْ أَجِدَ لَكَ فِي الكَوْنِ بَدِيلًا

الصفحة الرئيسية

 





مُقَدِّمَةٌ


— لِمَ أَحْبَبْتَنِي؟!

— لِأَنَّنِي لَمْ أَجِدْ لَكِ فِي الكَوْنِ بَدِيلًا...


— لِمَ أَحْبَبْتَنِي؟!

— قَدْ آنَسْتِ لَيْلِي، وَأَمَرْتِ هَمِّي أَنْ يَنْجَلِي...

هَكَذَا قَدْ أَخْبَرَتْنِي أَقْمَارُ المُشْتَرِي...


— لِمَ أَحْبَبْتَنِي؟!

— قَدْ ضَاقَ بِيَ الكَوْنُ، وَلَمْ أَجِدْ سِوَاكِ لِلْفَرَحِ سَبِيلًا...

وَرَوَيْتُ لِلنَّجْمِ هَمِّي، فَتَعَجَّبَ: أَلَمْ تَجِدْ لِعِشْقِكَ أَيْسَرَ طَرِيقٍ؟!

أَمْ قَدْ ضَلَلْتَ بَيْنَ المَجَرَّاتِ؟! وَكَانَ الدَّرْبُ طَوِيلًا؟!

أَمْ دُونَهَا الشُّمُوسُ انْطَفَأَتْ؟! وَكَانَ الحُلْمُ عَسِيرًا؟!


— لِمَ أَحْبَبْتَنِي؟!

فَأَجَابَتْهُ: قَبْلَهَا لَمْ أَحْيَ... وَمَرَّ العُمُرُ سَرِيعًا...

أَدْرَكَ أَنَّ عِشْقِي لَهَا كَانَ بَيْنَ الأَكْوَانِ أَمْرًا عَجِيبًا...

وَمِنْ بَعْدِ يَأْسٍ أَنَارَتْنِي... فَصِرْتُ فَارِسًا صِنْدِيدًا...

فَخُضْتُ الكُلَّ لِأَجْلِهَا... وَتَحَدَّيْتُ الكَوْنَ العَنِيدَا...


— لِمَ أَحْبَبْتَنِي؟!

أَذْكُرُ...

أَذْكُرُ يَوْمًا مَا نَادَيْتُ فِي الكَوْنِ البَعِيدِ...

أَمَا فِي الكَوْنِ مِنْ حَبِيبٍ؟!

أَمَا لِلْقَلْبِ مِنْ قَرِيبٍ؟!

أَمَا لِلرُّوحِ مِنْ نَسِيبٍ؟!

أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ؟!

أَمْ أَنَّ الفَرَجَ دَوْمًا بَعِيدٌ؟!

كُتِبَ عَلَيَّ أَنْ أَحْيَا دَوْمًا بَيْنَ النُّجُومِ غَرِيبًا...

لَكِنَّكَ أَبَدًا يَا كَوْنُ... لَا تُجِيبُ!!!


يَا كَوْنُ...

لِمَ قَدِ اسْتَكْثَرْتَ عَلَيَّ أَنْ أَحْيَا البَالَ مَجْبُورًا؟!

لِمَ قَدْ عَادَيْتَنِي بَيْنَمَا أُرَمِّمُ حُلْمِيَ المَكْسُورَ؟!

أَمْ أَنَّ صَمْتَ الأَكْوَانِ قَدِ ابْتَلَعَ صَوْتَ السُّرُورِ؟!


— لِمَ أَحْبَبْتِنِي؟!

لَمْ يَكُنْ بِبَالِي... وَجَدْتُكِ تَغْزِينَ خَيَالِي...

لَمْ أَكُنْ أُبَالِي... فَوَجَدْتُكِ تُصْلِحِينَ حَالِي...

لَمْ أَعُدْ مِنَ الآنَ أُبَالِي... بَعْدَ أَنْ جَرَفْتِ كَجَرْفِ السَّيْلِ... أَحْزَانِي...


— إِلَى مَتَى؟!

— إِلَى النِّهَايَةِ...

— أَيُّ نِهَايَةٍ؟!

— نِهَايَةٌ قَدْ كُتِبَتْ قَبْلَ البِدَايَةِ...


— وَمَا قَدْ أَقْحَمَكِ بِتَلَابِيبِ ثَنَايَايَ؟!

— يَا وَيْلِي... أَنْتِ أَصْلُ الحِكَايَةِ...

— لَا، بَلْ قُلْ... أَنَّنِي أَنَا الرِّوَايَةُ...

— لَا، أَنَا لَنْ...

— أَنْتَ لَنْ مَاذَا؟!

— أَنَا... أَنَا لَنْ أَجِدَ لَكِ فِي الكَوْنِ... بَدِيلًا...



ذَاكِرَةُ سِتْ...




مِصْرُ المَحْرُوسَةُ... قَبْلَ عَهْدٍ سَحِيقٍ...


— مَوْلَايَ أُوزُورِيسُ...

— مَا بِكَ أَيُّهَا الكَاهِنُ خَعْمُوَاسُ؟!

— لَقَدِ انْتَصَرْنَا يَا مَوْلَايَ... انْتَصَرْنَا أَخِيرًا... قُوَّاتُ دِرْعِ طِيبَةَ بِرِفْقَةِ حُلَفَائِنَا الأَنْدَرُومِيدِيِّينَ بِقِيَادَةِ مَلِكِ الكَوْكَبِ رُوبِي بَعْدَ قُرُونٍ عَدِيدَةٍ مِنَ القِتَالِ سَوِيًّا ضِدَّ عَدُوِّنَا اللَّدُودِ...

— رَبَّاهُ... أَتَقْصِدُ... سِتْ؟!

— بَلَى يَا مَوْلَايَ.

— يَا خَالِقَ السَّمَاوَاتِ... هَذَا أَجْمَلُ خَبَرٍ سَمِعْتُهُ مُنْذُ زَمَنٍ بَعِيدٍ... سِتْ... ذَلِكَ الكَائِنُ المُرِيعُ... إِنَّهُ مِنَ الجِيلِ الأَوَّلِ مِنْ سُكَّانِ الكَوْنِ قَبْلَ 13 مِلْيَارَ سَنَةٍ... قَدْ هَزَمْنَاهُ! وَإِلَى الأَبَدِ! الحَمْدُ لِلَّهِ...

— لَيْسَ تَمَامًا يَا مَوْلَايَ...

— مَاذَا تَعْنِي؟!

— لَقَدْ أَسَرْنَاهُ...

— طَبِّقُوا عَلَيْهِ حُكْمَ الإِعْدَامِ إِذَنْ... فَوْرًا... مِنْ أَجْلِ السَّلَامِ فِي الكَوْنِ...

— أَنْتَ تُدْرِكُ يَا مَوْلَايَ أَنَّ جَسَدَ ذَلِكَ الكَائِنِ مَخْلُوقٌ مِنْ طَاقَةٍ سَوْدَاءَ نَقِيَّةٍ وَلَا يُمْكِنُ رُؤْيَتُهُ بِالعَيْنِ المُجَرَّدَةِ إِلَّا عِنْدَمَا يَتَجَسَّدُ... هُوَ حَاكِمُ الكَوْكَبِ المُظْلِمِ وَالَّذِي يَحْمِلُ ذَاتَ الِاسْمِ... الكَوْكَبُ سِتْ... كَوْكَبٌ مُظْلِمٌ مُخِيفٌ لَا شَمْسَ لَهُ... سِتْ هُوَ إِمْبِرَاطُورُ الظَّلَامِ ذَاتُهُ... حَاكِمُ الظُّلُمَاتِ الأَبَدِيُّ...

— نَعَمْ، أُدْرِكُ ذَلِكَ جَيِّدًا... ذَلِكَ الكَوْكَبُ اللَّعِينُ الَّذِي يَقَعُ فِي مَجَرَّةِ المُثَلَّثِ عَلَى بُعْدِ ثَلَاثَةِ مَلَايِينِ سَنَةٍ ضَوْئِيَّةٍ...

— وَلِذَا، كَانَتْ مَجَرَّةُ أَنْدَرُومِيدَا هِيَ هَدَفُهُ التَّوَسُّعِيُّ الأَوَّلَ، إِذْ إِنَّهَا الأَقْرَبُ إِلَيْهِ، حَوَالَيْ 500 أَلْفِ سَنَةٍ ضَوْئِيَّةٍ فَقَطْ... وَمِنْ ثَمَّ يَجِيءُ الدَّوْرُ عَلَى مَجَرَّتِنَا... مَجَرَّةِ دَرْبِ التَّبَّانَةِ...

— نَعَمْ، لِذَا صِرْنَا نَحْنُ وَالكَوْكَبُ رُوبِي حُلَفَاءَ عَلَى مَرِّ الزَّمَانِ...

— وَهَكَذَا، قَدْ تَوَصَّلَ عُلَمَاءُ كَوْكَبَيْنَا إِلَى مَصْدَرِ طَاقَةِ ذَلِكَ الكَوْكَبِ المُظْلِمِ وَالَّتِي سَوْفَ نَسْتَخْدِمُهَا بِهَنْدَسَةٍ عَكْسِيَّةٍ مِنْ أَجْلِ القَضَاءِ عَلَيْهِ...

— رَبَّاهُ... مَا مَصْدَرُ طَاقَةِ ذَلِكَ الكَوْكَبِ المُظْلِمِ؟!

— إِنَّهُ ثُقْبٌ أَسْوَدُ مُرْعِبٌ بِجِوَارِ الكَوْكَبِ... المُدْهِشُ أَنَّ ذَلِكَ الكَوْكَبَ كَانَ دَوْمًا عَصِيًّا عَلَى الِابْتِلَاعِ مِنْ ذَلِكَ الثُّقْبِ الَّذِي يَمْتَصُّ حَتَّى الضَّوْءَ ذَاتَهُ! يَمْتَصُّ الزَّمَنَ... الزَّمَكَانَ!!!

— يَا خَالِقَ السَّمَاوَاتِ... وَمَا الخُطَّةُ إِذَنْ؟!

— قَدْ تَمَكَّنَ عُلَمَاءُ كَوْكَبَيْنَا مِنَ ابْتِكَارِ صُنْدُوقٍ... صُنْدُوقٍ مَصْنُوعٍ مِنَ الكُوَارْتِزِ البِلَّوْرِيِّ المَمْلُوءِ بِطَاقَةِ الضَّوْءِ النَّقِيِّ... طَاقَةٍ مُضَادَّةٍ لِطَاقَةِ سِتْ، وَهِيَ قَادِرَةٌ عَلَى تَقْيِيدِهِ تَمَامًا وَمِنْ ثَمَّ نَزُجُّ بِهِ إِلَى البُعْدِ الخَامِسِ وَهُوَ الَّذِي يَتَخَطَّى أَبْعَادَ الكَوْنِ الأَرْبَعَةَ المَعْرُوفَةَ... الزَّمَكَانَ...

— عَظِيمٌ، سِجْنُ الظَّلَامِ المُطْلَقِ بِالضَّوْءِ النَّقِيِّ... يَا لَهَا مِنْ فِكْرَةٍ.. وَمَنْ سَوْفَ يَتَوَلَّى تِلْكَ المُهِمَّةَ الجَبَّارَةَ؟!

— نِفْرِعْ... القَائِدُ نِفْرِعْ... قَائِدُ سِرْبِ رَعٍ مِنْ قُوَّاتِ طِيبَةَ الفَضَائِيَّةِ...

— عَظِيمٌ... نِعْمَ الِاخْتِيَارُ... أَصْدِرِ التَّعْلِيمَاتِ إِلَيْهِ بِالتَّقَدُّمِ فَوْرًا... لَكِنْ! هَلْ طَاقَةُ ذَلِكَ السِّجْنِ الضَّوْئِيِّ أَبَدِيَّةٌ؟!

— لَا شَيْءَ فِي الكَوْنِ كَامِلٌ يَا مَوْلَايَ... سَتَسْتَمِرُّ طَاقَةُ السِّجْنِ الضَّوْئِيِّ عَشْرَةَ آلَافٍ مِنَ الأَعْوَامِ عَلَى أَقْصَى تَقْدِيرٍ...

— وَبَعْدَهَا؟!

— سَتَتَقَلَّصُ الطَّاقَةُ بِالتَّدْرِيجِ إِلَى أَنْ تَنْفَدَ... فَيَتَحَطَّمُ القَفَصُ وَيَتَحَرَّرُ سِتْ مَرَّةً أُخْرَى... مَعَ كُلِّ ذِكْرَيَاتِهِ...

— يَا خَالِقَ السَّمَاوَاتِ... فَلْيَكُنِ اللَّهُ فِي عَوْنِ الأَجْيَالِ القَادِمَةِ...


وَلَكِنَّ أُوزُورِيسَ وَكَاهِنَهُ خَعْمُوَاسَ لَمْ يَكُونَا مُدْرِكَيْنِ أَنَّ العَشْرَةَ آلَافٍ مِنَ الأَعْوَامِ تِلْكَ قَدْ مَرَّتْ سَرِيعًا جِدًّا... وَأَنَّ السِّجْنَ الضَّوْئِيَّ قَدْ تَحَطَّمَ بِالفِعْلِ.. فِي بُقْعَةٍ بَعِيدَةٍ... هُنَاكَ فِي الفَضَاءِ...



يَا نَجْمًا فِي الفَضَاءِ البَعِيدِ...


الكَوْكَبُ رُوبِي... العَامُ 3462 بِتَوْقِيتِ الأَرْضِ... بَعْدَ عَامٍ مِنْ وُصُولِ آدَمَ...


كَانَ اللَّيْلُ قَدْ أَرْخَى سُدُولَهُ فِي فَضَاءِ الكَوْكَبِ رُوبِي، لَيْلًا لَا يُشْبِهُ أَبَدًا لَيْلَ الأَرْضِ... لَيْلًا لَا تَغْرُبُ فِيهِ النُّجُومُ، بَلْ تَتَلَأْلَأُ بِسَبْعَةِ أَلْوَانٍ خَالِقَةً لَوْحَاتٍ خُرَافِيَّةً مِنَ الجَمَالِ... لَوْحَاتٍ تَتَنَقَّلُ عَبْرَ أَثِيرِ سَمَاءِ الكَوْكَبِ رُوبِي مُحِيلَةً إِيَّاهُ إِلَى... كَوْكَبِ البَهْجَةِ...


لَمْ تَكُنِ النُّجُومُ تَتَغَيَّرُ أَلْوَانُ بَرِيقِهَا فِي الوَاقِعِ، بَلْ كَانَ الغِلَافُ الجَوِّيُّ لِلْكَوْكَبِ مَلِيئًا بِبِلَّوْرَاتِ السِّيلِيكَا وَهِيَ المُكَوِّنُ الرَّئِيسِيُّ لِلزُّجَاجِ، لِذَا كَانَتْ تَعْمَلُ كَمَنْشُورَاتٍ ضَوْئِيَّةٍ عِمْلَاقَةٍ جَاعِلَةً أَمْوَاجًا مُخْتَلِفَةً مِنْ قَوْسِ قُزَحَ تَغْمُرُ سَمَاءَ الكَوْكَبِ...


يَا نَجْمًا فِي الفَضَاءِ البَعِيدِ...


وَهُنَاكَ... فِي شُرْفَةِ قَصْرٍ مَهِيبٍ... قَصْرِ المَلِكِ رُوبْيُوسَ _ مَلِكِ الكَوْكَبِ رُوبِي _ جَلَسَ هُنَاكَ رَجُلٌ... رَجُلٌ مِنْ كَوْكَبٍ بَعِيدٍ.. رَجُلٌ يُدْعَى... آدَمَ...


جَلَسَ آدَمُ يَرْقُبُ ذَلِكَ العَرْضَ الكَوْنِيَّ المُبْهِرَ مُسْتَرْجِعًا... مُسْتَرْجِعًا كُلَّ شَيْءٍ... اللِّقَاءَ الأَوَّلَ مَعَ رُوبِينَا عَلَى حَافَّةِ المَجْمُوعَةِ الشَّمْسِيَّةِ... تَضْحِيَتَهَا الأُولَى... نِدَاءَهَا (آهِ لَوْ تَعْلَمُ يَا حَبِيبِي)... ذَلِكَ النِّدَاءَ الصَّامِتَ فِي الفَضَاءِ... النِّدَاءَ الَّذِي لَمْ يَتَلَقَّاهُ أَحَدٌ فِي الكَوْنِ سِوَاهُ...


يَا نَجْمًا فِي الفَضَاءِ البَعِيدِ...


يَذْكُرُ لِقَاءَهَا التَّالِيَ... عِنْدَمَا كَانَتْ هِيَ ذَاتُهَا زَوْجَتَهُ الأَرْضِيَّةَ... دَانَةَ... يَذْكُرُ لِقَاءَهُمَا الثَّالِثَ فِي المِرِّيخِ... يَذْكُرُ لُجُوءَهُ مِنْهَا إِلَيْهَا مَرَّةً أُخْرَى عَلَى الأَرْضِ... يَذْكُرُ حُزْنَهُ عَلَى رَحِيلِهَا مِنَ الأَرْضِ عِنْدَمَا كَانَ يَرْقُبُ سَمَاءَ القَاهِرَةِ مِنْ شُرْفَتِهِ المُطِلَّةِ عَلَى النِّيلِ، فَقَطْ لِأَنَّهُ قَدْ خَانَهَا مَعَ نَفْسِهَا، أَوْ هَكَذَا كَانَتْ تَقُولُ هِهْهِهِهْ يَا لَلنِّسَاءِ...


— أَسْتَشْعِرُ الحَنِينَ فِي عَيْنَيْكَ يَا آدَمُ... كَانَ هَذَا هُوَ صَوْتُهَا مُنَادِيًا إِيَّاهُ... صَوْتُ زَوْجَتِهِ... رُوبِينَا... أَمِيرَةِ الكَوْكَبِ رُوبِي...

— وَكَأَنَّكِ قَدْ غَزَوْتِ أَفْكَارِي مُجَدَّدًا... كَمَا غَزَوْتِ رُوحِي مُنْذُ زَمَنٍ بَعِيدٍ...


أَجَابَتْهُ بِعَيْنَيْهَا الزَّرْقَاوَيْنِ كَأَصْفَى قَطْرَةٍ بِأَجْمَلِ مُحِيطَاتِ الكَوْنِ قَبْلَ أَنْ تُجِيبَهُ شَفَتَاهَا الرَّقِيقَتَانِ...


— أَتُحِبُّهَا كَسَمَاءِ مِصْرَ يَا صَغِيرِي؟

— سَمَاءُ مِصْرَ جَمِيلَةٌ يَا صَغِيرَتِي... لَكِنَّ هَذِهِ مُخْتَلِفَةٌ... سَمَاءُ رُوبِي...


وَأَكْمَلَ حَدِيثَهُ وَهُوَ يَضُمُّهَا إِلَيْهِ فِي حَنَانٍ...




— قَدْ تَذَكَّرْتُ الآنَ مَسْرَحِيَّةً لِفِيكْتُور هُوجُو... كَانَ هُنَاكَ مَشْهَدٌ لِشَخْصٍ قَدْ دَخَلَ الجَنَّةَ فِي حُلْمِهِ، وَقَامَ بِقَطْفِ زَهْرَةٍ جُورِيَّةٍ فِي حُلْمِهِ.. زَهْرَةٍ مِنْ أَزْهَارِ الجَنَّةِ يَا صَغِيرَتِي... وَعِنْدَمَا اسْتَيْقَظَ... كَانَ قَدْ وَجَدَ الزَّهْرَةَ بَيْنَ أَنَامِلِهِ... آوَاهْ... فَمَاذَا بَعْدَ ذَلِكَ؟!

— أَحْسَبُ أَنَّكَ تَقُولُ... أَنَّكَ أَنْتَ بَطَلُ تِلْكَ الرِّوَايَةِ...

— بَلْ إِنَّ البَطَلَ لَيَحْسُدُنِي... هُوَ قَطَفَ زَهْرَةً مِنْ أَزْهَارِ الجَنَّةِ... أَمَّا الفِرْدَوْسُ نَفْسُهُ فَهُوَ بَيْنَ ذِرَاعَيَّ الآنَ...

— هِهْهِهْهِهْ... أَتَذْكُرُ يَا صَغِيرِي عِنْدَمَا كُنْتَ تَعُودُ إِلَى بَيْتِنَا الجَمِيلِ فِي الأَرْضِ بَعْدَ كُلِّ مُهِمَّةٍ فَضَائِيَّةٍ فِي مَجْمُوعَتِكُمُ الشَّمْسِيَّةِ المَحْدُودَةِ... أَتَذْكُرُ عِنْدَمَا كُنْتُ أَسْتَقْبِلُكَ كَأَيِّ زَوْجَةٍ مِصْرِيَّةٍ أَصِيلَةٍ مُرَحِّبَةً بِكَ قَائِلَةً: (نَوَّرْتَ الكَوْكَبَ يَا أُسْطَى)

— هِهْهِهْهِهْ... بِالتَّأْكِيدِ... وَكُنْتُ أُجِيبُكَ دَوْمًا بِـ: (الكَوْكَبُ مُنَوَّرٌ بِأَصْحَابِهِ يَا أُخْتِي) نِيَا هَاهَاهَاهَا... نَعَمْ... أَذْكُرُ كُلَّ شَيْءٍ يَا... دَانَةُ... عِنْدَمَا كُنْتِ دَانَةَ...


قَالَتْ رُوبِينَا فِي غَضَبٍ:

— كُنْتُ أَنَا دَوْمًا رُوبِينَا... لَا وُجُودَ لِدَانَةَ إِلَّا فِي خَيَالِكَ المَحْدُودِ كَنَيْزَكٍ صَغِيرٍ أَيُّهَا الأَرْضِيُّ...

— كُنْتِ رُوبِينَا دَاخِلَ دَانَةَ أَيَّتُهَا الفَضَائِيَّةُ...

— رُوبِينَا لَا يُمْكِنُ لِلْكَوْنِ ذَاتِهِ احْتِوَاؤُهَا يَا سَاكِنَ الكَوْكَبِ البَائِسِ... رُوبِينَا هِيَ رُوبِينَا...

— تَوَقَّفِي رَجَاءً... أَكَادُ أَنْ أُصَابَ بِالجُنُونِ... فِي البَدْءِ أُحِبُّ فَضَائِيَّةً ثُمَّ أَتَزَوَّجُ أَرْضِيَّةً وَمِنْ ثَمَّ يَتَّضِحُ أَنَّهَا هِيَ نَفْسُهَا حَبِيبَتِي الفَضَائِيَّةُ وَالَّتِي اتَّهَمَتْنِي أَنَّنِي قُمْتُ بِخِيَانَتِهَا مَعَ نَفْسِهَا... يَا لَلْهُولِ...

— نَفْسُ الشَّيْءِ... لَكِنَّكُمْ تُحِبُّونَ البَشَرَ... يَا سُكَّانَ كَوْكَبِكُمُ البَائِسِ...

— يَا لَلْمَخْلُوقَاتِ الفَضَائِيَّةِ.. أَخْبِرِينِي إِذَنْ... لِمَ قَدْ أَحْبَبْتُكِ؟!

— لِمَ؟!

— لِأَنَّنِي لَمْ أَجِدْ لَكِ فِي الكَوْنِ بَدِيلًا يَا زَهْرَةَ الأَكْوَانِ المُوَازِيَةِ...

— يَا وَيْلِي... أَحَلْتَ غَضَبِي عِشْقًا يَا صَغِيرِي..

— الأُنْثَى هِيَ الأُنْثَى، يَكْفِيهَا كَلِمَةٌ رَقِيقَةٌ كَيْ تَسْتَحْوِذَ عَلَى عَقْلِهَا... نَاقِصَاتُ عَقْلٍ... أَيَّ كَوْكَبٍ كَانَ...

— وَيْحَكَ! مَاذَا تَقُولُ يَا آدَمُ؟!

— أَقُولُ إِنَّ جَمَالَكِ عَابِرٌ لِلْمَجَرَّاتِ يَا مَلِكَتِي... أَتَعْلَمِينَ...


رَبَّاهْ... مَا هَذَا الَّذِي يَلْتَمِعُ فِي السَّمَاءِ هُنَاكَ؟!


وَنَظَرَتْ رُوبِينَا إِلَى حَيْثُ أَشَارَ وَحَدَّقَا سَوِيًّا فِي عَدَمِ فَهْمٍ مَمْزُوجٍ بِالخَوْفِ...


— أَهِيَ نَيَازِكُ؟! تَسَاءَلَ آدَمُ.

— لَا، لَا أَعْتَقِدُ... أَعْدَادُهَا كَبِيرَةٌ جِدًّا... كَمَا أَنَّهَا تَطِيرُ بِسُرْعَةٍ مُخِيفَةٍ... يَا إِلَهِي! مَاذَا تَكُونُ؟!


وَدَوَّى صَوْتُ الِانْفِجَارَاتِ وَالْتَمَعَ الأُفْقُ لَهَبًا فِي سَمَاءِ الكَوْكَبِ بَيْنَمَا دَوَّى عَوِيلُ صَفَّارَاتِ الإِنْذَارِ فِي أَرْجَاءِ الكَوْكَبِ...


رُوبِينَا: هَذِهِ صَوَارِيخُ... صَوَارِيخُ بِأَعْدَادٍ هَائِلَةٍ تَنْقَضُّ عَلَى الكَوْكَبِ رُوبِي... إِنَّ صَوَارِيخَنَا المُضَادَّةَ تَتَصَدَّى لَهَا...

— يَا إِلَهِي... مَنِ الَّذِي يَقْصِفُنَا؟!

— لَا أَدْرِي... هَيَّا بِنَا بِسُرْعَةٍ... إِلَى مَقَرِّ القِيَادَةِ المُشْتَرَكَةِ لِلْقُوَّاتِ الفَضَائِيَّةِ... أَسْرِعْ... إِنَّهُ فِي قَبْوِ القَصْرِ...


وَانْطَلَقَا سَوِيًّا يَشُقَّانِ دَهَالِيزَ القَصْرِ صَوْبَ القِيَادَةِ... وَمَا إِنْ تَخَطَّيَا البَوَّابَاتِ حَتَّى وَجَدَا المَلِكَ رُوبْيُوسَ _ وَالِدَ رُوبِينَا _ مُجْتَمِعًا مَعَ وَزِيرِ دِفَاعِهِ يُرَاقِبُونَ شَاشَةً ضَخْمَةً مُتَرَاصَّةً عَلَيْهَا الكَثِيرُ وَالكَثِيرُ مِنَ البَيَانَاتِ... بَيْنَمَا كَانَ عَدَدٌ كَبِيرٌ مِنْ قَادَةِ الجَيْشِ يُصْدِرُونَ تَعْلِيمَاتِهِمْ إِلَى مَرْؤُوسِيهِمْ عَبْرَ أَجْهِزَةِ الِاتِّصَالَاتِ الكَوْنِيَّةِ بِصَدَدِ التَّعَامُلِ مَعَ تِلْكَ الصَّوَارِيخِ...


رُوبِينَا: مَاذَا يَحْدُثُ يَا أَبِي؟!

رُوبْيُوسُ: إِنَّهُ... سِتْ... لَقَدْ عَادَ...




رُوبِينَا: يَا إِلَهِي! كَيْفَ حَدَثَ ذَلِكَ؟!

رُوبْيُوسُ: لَقَدْ بَدَأَ هُجُومَهُ قَبْلَ سَاعَتَيْنِ تَقْرِيبًا...

رُوبِينَا: سَاعَتَيْنِ؟! أَيْنَ كَانَتْ جُيُوشُنَا؟!

رُوبْيُوسُ: قَدْ ظَهَرَتْ جُيُوشُهُ اللَّعِينَةُ فَجْأَةً مِنَ العَدَمِ... بَرَزُوا مِنْ قَلْبِ الجَحِيمِ فَجْأَةً فِي مَدَارِ الكَوْكَبِ يَاقُوتَةَ... قَدْ بَاغَتُوهُمْ بِتَشْوِيشٍ ضَخْمٍ وَهُجُومٍ شَامِلٍ...

رُوبِينَا: يَا خَالِقَ السَّمَاوَاتِ...

رُوبْيُوسُ: إِنَّهُمْ يُقَاتِلُونَ بِبَسَالَةٍ، لَكِنَّهُمْ قَدْ نَجَحُوا فِي تَجَاوُزِ التَّشْوِيشِ وَإِبْلَاغِنَا بِالهُجُومِ قَبْلَ بِضْعَةِ دَقَائِقَ فَقَطْ... إِنَّهُمْ مُقَاتِلُونَ أَشَاوِسُ... لَكِنَّنَا نَفْقِدُ رِجَالَنَا هُنَاكَ.. قَدْ سَقَطَ بِالفِعْلِ الكَثِيرُ مِنَ الشُّهَدَاءِ... الكَثِيرُ جِدًّا...

رُوبِينَا: يَا إِلَهِي! إِنَّ أَغْلَبَ قُوَّاتِنَا هُنَاكَ... مِنْ أَجْلِ المُشَارَكَةِ فِي احْتِفَالَاتِ يَوْمِ النَّصْرِ...

رُوبْيُوسُ: يَا لَلْحَسْرَةِ.. يَبْغُونَ تَحْوِيلَ ذِكْرَى نَصْرِنَا إِلَى هَزِيمَةٍ سَاحِقَةٍ... وَلَوْ، سَنُقَاتِلُ حَتَّى النِّهَايَةِ...

رُوبِينَا: نَعَمْ يَا أَبِي، سَنُقَاتِلُ حَتَّى النِّهَايَةِ... مَاذَا لَدَيْنَا مِنْ قُوَّاتِ الأُسْطُولِ الفَضَائِيِّ هُنَا عَلَى الكَوْكَبِ رُوبِي؟!

رُوبْيُوسُ: أَسْرَابٌ مَحْدُودَةٌ مِنَ المُقَاتَلَاتِ (حُورُس 2) وَبَعْضُ مِئَاتٍ مِنَ الدُّرُونَاتِ الفَضَائِيَّةِ الِانْتِحَارِيَّةِ أَمَامَ جَيْشٍ جَرَّارٍ مِنْ مُقَاتَلَاتِ سِتْ... مُقَاتَلَاتِ الظَّلَامِ... سَتَكُونُ مَذْبَحَةً رَهِيبَةً... رَبَّاهْ...

رُوبِينَا: وَلْيَكُنْ... لَنْ يَمُوتَ الكَوْكَبُ رُوبِي رَخِيصًا... سَوْفَ أَقُودُ المُقَاوَمَةَ بِنَفْسِي..

آدَمُ: عُذْرًا يَا سَيِّدَتِي... أَنَسِيتِ أَنَّكِ زَوْجَتِي؟! لَنْ يَمُوتَ أَحَدٌ سِوَايَ هُنَا..

رُوبْيُوسُ: لَكِنَّكَ لَسْتَ مِنْ سُكَّانِ هَذَا الكَوْكَبِ يَا زَوْجَ ابْنَتِي...

آدَمُ: رُوبِينَا هِيَ وَطَنِي الآنَ...

رُوبْيُوسُ: أُقَدِّرُ شُعُورَكَ تُجَاهَ الكَوْكَبِ رُوبِي..

آدَمُ: عُذْرًا أَيُّهَا المَلِكُ... قُلْتُ رُوبِينَا هِيَ وَطَنِي... لَمْ أَقُلِ الكَوْكَبَ رُوبِي...


وَانْطَلَقَا سَوِيًّا.... آدَمُ وَرُوبِينَا... هَارِعَيْنِ إِلَى حَيْثُ المُقَاتَلَةُ الرَّئِيسِيَّةُ... حُورُس 2...


هَمَسَتْ رُوبِينَا دَامِعَةَ العَيْنَيْنِ وَهِيَ تَهْرُولُ بِجِوَارِ آدَمَ: "رُوبِينَا هِيَ وَطَنِي"... آدَمُ... كُنْتَ لِي دَوْمًا أَمْنًا فَصِرْتُ لَكَ وَطَنًا... أُحِبُّكَ...


وَانْطَلَقَا سَوِيًّا مُجَدَّدًا صَوْبَ المُقَاتَلَةِ حُورُس 2.




مَعًا حَتَّى النِّهَايَةِ...

فَضَاءُ كَوْكَبِ رُوبِي، بَعْدَ سَاعَةٍ مِنَ الإِنْذَارِ


صَعِدَ آدَمُ وَرُوبِينَا إِلَى مُقَاتَلَتِهِمَا الجَدِيدَةِ "حُورُس 2". كَانَتْ أَحْدَثَ مَا أَنْتَجَتْهُ تَرْسَانَةُ الكَوْكَبِ رُوبِي، مُزَوَّدَةً بِمُحَرِّكَاتٍ تَعْمَلُ بِالمَادَّةِ المُضَادَّةِ الخَالِصَةِ، وَدُرُوعٍ مِنْ سَبَائِكِ الأَلْمَاسِ الأَسْوَدِ، وَأَسْلِحَةِ لَيْزَرَ مِنْ بِلَّوْرَاتِ الزُّمُرُّدِ المَضْغُوطَةِ.


حَبِيبَةُ (الكُمْبْيُوتَرُ عَلَى مَتْنِ المُقَاتَلَةِ): "مَرْحَبًا بِعَوْدَتِكَ أَيُّهَا القَائِدُ آدَمُ. أَرَى أَنَّكَ لَمْ تَعُدْ وَحْدَكَ. هَلْ هَذِهِ زَوْجَتُكَ الثَّانِيَةُ؟"

آدَمُ: "هَا هَا هَا، لَا يَا حَبِيبَةُ. هَذِهِ هِيَ زَوْجَتِي الأُولَى وَالأَخِيرَةُ وَالوَحِيدَةُ. تَعَرَّفِي عَلَى رُوبِينَا، أَمِيرَةِ الكَوْكَبِ."

حَبِيبَةُ: "تَشَرَّفْتُ بِمَعْرِفَتِكِ سَيِّدَتِي. لَكِنْ دَعِينِي أُخْبِرُكِ، هَذَا الرَّجُلُ لَا يُحْسِنُ اخْتِيَارَ الطَّعَامِ. كَانَ يَطْلُبُ مِنِّي الفُولَ المُدَمَّسَ فِي الفَضَاءِ!"

رُوبِينَا (تَضْحَكُ): "لَقَدْ عَانَيْتُ مِنْهُ عَشْرَ سَنَوَاتٍ يَا حَبِيبَةُ، فَأَنَا دَانَةُ سَابِقًا."

حَبِيبَةُ: "مَاذَا؟! المُسْتَحِيلُ! دَانَةُ كَانَتْ دَائِمًا تُخْبِرُنِي أَنَّ زَوْجَهَا رَجُلٌ مِثَالِيٌّ!"

آدَمُ: "كَفَى حَدِيثًا. حَبِيبَةُ، اطْلُبِي لِي صُورَةً كَامِلَةً لِأُسْطُولِ سِتْ عَلَى الرَّادَارِ."

حَبِيبَةُ: "تَمَّ... يَا إِلَهِي! هُنَاكَ 15 أَلْفَ سَفِينَةٍ حَرْبِيَّةٍ عَلَى شَكْلِ عَقَارِبَ. السَّفِينَةُ الأُمُّ أَكْبَرُ مِنْ قَمَرِ كَوْكَبِنَا. الطَّاقَةُ المُنْبَعِثَةُ مِنْهَا تُعْمِي الرَّادَارَ."

رُوبِينَا: "هَذَا لَيْسَ أُسْطُولًا عَادِيًّا يَا آدَمُ. هَذَا هُوَ 'جَيْشُ الظَّلَامِ' الَّذِي كَادَ أَنْ يَبْتَلِعَ المَجْمُوعَةَ المَحَلِّيَّةَ لِلْمَجَرَّاتِ قَبْلَ 8000 عَامٍ."

آدَمُ: "وَهُمُ الآنَ أَمَامَنَا فَقَطْ؟ أَيْنَ أَسَاطِيلُ التَّحَالُفِ؟ أَيْنَ قُوَّاتُ الأَرْضِ؟"

رُوبِينَا: "الأَرْضُ تَبْعُدُ 2.5 مِلْيُونِ سَنَةٍ ضَوْئِيَّةٍ يَا حَبِيبِي. حَتَّى بِأَسْرَعِ مُرْكَبَاتِنَا، سَيَحْتَاجُونَ أَيَّامًا لِلْوُصُولِ. وَنَحْنُ لَا نَمْلِكُ أَيَّامًا."

آدَمُ: "إِذَنْ، سَنُقَاتِلُ وَحْدَنَا. حَبِيبَةُ، فَعِّلْ كُلَّ أَنْظِمَةِ الأَسْلِحَةِ. اشْحَنِ المَدَافِعَ الأَيُونِيَّةَ إِلَى أَقْصَى طَاقَةٍ. جَهِّزِ الطُّورْبِيدَاتِ الفَضَائِيَّةَ."

حَبِيبَةُ: "تَمَّ. لَكِنَّ القَائِدَ... هُنَاكَ شَيْءٌ يُثِيرُ قَلَقِي. دَرَجَةُ حَرَارَةِ المُحَرِّكَاتِ تَرْتَفِعُ بِشَكْلٍ غَيْرِ طَبِيعِيٍّ، وَكَأَنَّ هُنَاكَ مَصْدَرَ حَرَارَةٍ خَارِجِيٍّ يُؤَثِّرُ عَلَيْنَا."

رُوبِينَا (تَتَّصِلُ بِقَصْرِ المَلِكِ): "أَبِي، أَطْلُبُ مِنْكَ إِخْلَاءَ الكَوْكَبِ فَوْرًا. خُذِ العَائِلَةَ وَاذْهَبْ إِلَى المَلْجَأِ فِي القَمَرِ الصِّنَاعِيِّ 'لُؤْلُؤَةَ'. أَنَا وَآدَمُ سَنَكْسَبُ وَقْتًا."

المَلِكُ رُوبْيُوسُ (صَوْتٌ مَبْحُوحٌ بِالبُكَاءِ): "يَا ابْنَتِي، لَا تَذْهَبِي. إِنَّهُ سِتْ... إِنَّهُ لَا يُقْهَرُ."

رُوبِينَا: "لَدَيَّ سِلَاحٌ سِرِّيٌّ أَبِي. اسْمُهُ آدَمُ. وَهُوَ أَعْتَى مِنْ أَيِّ ثُقْبٍ أَسْوَدَ فِي الكَوْنِ."


قَطَعَتِ الِاتِّصَالَ. نَظَرَتْ إِلَى آدَمَ بِعَيْنَيْنِ تَلْمَعَانِ بِالدُّمُوعِ وَالتَّصْمِيمِ مَعًا.

رُوبِينَا: "أَتُحِبُّنِي يَا آدَمُ؟"

آدَمُ: "أَعْشَقُكِ مُنْذُ رَأَيْتُكِ أَوَّلَ مَرَّةٍ فِي مَحَطَّةِ طِيبَةَ 11."

رُوبِينَا: "إِذَنْ، فَلْنَمْنَحْ سِتْ عِشْقًا لَنْ يَنْسَاهُ حَتَّى نِهَايَةِ الكَوْنِ."


انْطَلَقَتِ المُقَاتَلَةُ "حُورُس 2" مِنْ مَهْبِطِ القَصْرِ بِسُرْعَةٍ خَارِقَةٍ، مُخْتَرِقَةً الغِلَافَ الجَوِّيَّ لِكَوْكَبِ رُوبِي، مُتَّجِهَةً نَحْوَ الفَضَاءِ الخَارِجِيِّ حَيْثُ يَنْتَظِرُهَا أُسْطُولُ الظَّلَامِ.



رَقْصَةُ المَوْتِ فِي الفَضَاءِ...

خَارِجَ مَدَارِ كَوْكَبِ رُوبِي، بَعْدَ 15 دَقِيقَةً


بَدَا أُسْطُولُ سِتْ مِنْ بَعِيدٍ كَسَحَابَةٍ سَوْدَاءَ عِمْلَاقَةٍ تَبْتَلِعُ ضَوْءَ النُّجُومِ. كَانَتِ السُّفُنُ عَلَى شَكْلِ عَقَارِبَ، لِكُلِّ عَقْرَبٍ عَيْنَانِ حَمْرَاوَانِ تُومِضَانِ كَأَنَّهَا تُرَاقِبُ الفَرِيسَةَ. السَّفِينَةُ الأُمُّ "المَوْتُ الأَسْوَدُ" كَانَتْ هَائِلَةَ الحَجْمِ، تَمْتَدُّ لِمِئَاتِ الكِيلُومِتْرَاتِ، وَفِي مُقَدِّمَتِهَا رَأْسُ عَقْرَبٍ عِمْلَاقٍ مَفْتُوحُ الفَكَّيْنِ، يَخْرُجُ مِنْهُ شُعَاعٌ أَسْوَدُ يَلْتَهِمُ كُلَّ مَا يَصْطَدِمُ بِهِ.


آدَمُ (عَبْرَ الِاتِّصَالِ الفَضَائِيِّ المَفْتُوحِ عَلَى جَمِيعِ التَّرَدُّدَاتِ): "هُنَا القَائِدُ آدَمُ مِنْ كَوْكَبِ الأَرْضِ. أَيُّهَا الإِمْبِرَاطُورُ سِتْ، أَنْتَ تُخَالِفُ مُعَاهَدَةَ السَّلَامِ المُوَقَّعَةَ مُنْذُ 8000 عَامٍ. ارْجِعْ مِنْ حَيْثُ أَتَيْتَ وَإِلَّا..."

صَوْتُ سِتْ (قَادِمٌ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ، يَتَرَدَّدُ كَالرَّعْدِ فِي الفَضَاءِ الصَّامِتِ): "وَإِلَّا مَاذَا يَا دُودَةَ الأَرْضِ الصَّغِيرَةَ؟ سُحْقًا لِمُعَاهَدَاتِكُمْ. سُحْقًا لِسَلَامِكُمْ. جِئْتُ لِآخُذَ مَا هُوَ لِي. جِئْتُ لِآخُذَ كَوْكَبَ رُوبِي، ثُمَّ الأَرْضَ، ثُمَّ كُلَّ مَجَرَّةِ دَرْبِ التَّبَّانَةِ."

آدَمُ: "إِذَنْ، خُذْ هَذَا أَوَّلًا. حَبِيبَةُ، أَطْلِقْ جَمِيعَ الصَّوَارِيخِ الحَرَارِيَّةِ دُفْعَةً وَاحِدَةً."


انْطَلَقَتْ مِنْ "حُورُس 2" مِئَاتُ الصَّوَارِيخِ الصَّغِيرَةِ، لَيْسَتْ لِتَدْمِيرِ العَدُوِّ بَلْ لِخَلْقِ حَاجِزٍ حَرَارِيٍّ يُعْمِي رَادَارَاتِ العَدُوِّ. فِي نَفْسِ اللَّحْظَةِ، قَامَتْ رُوبِينَا بِاسْتِخْدَامِ قُدُرَاتِهَا التَّخَاطُرِيَّةِ، فَأَرْسَلَتْ إِشَارَةً ذِهْنِيَّةً خَارِقَةً إِلَى عَقْلِ قَائِدِ الأُسْطُولِ نِيفِرْتُومَ، مِمَّا جَعَلَهُ يَشْعُرُ لِلَحْظَةٍ أَنَّ سَفِينَتَهُ تَتَعَرَّضُ لِهُجُومٍ مِنَ الخَلْفِ. الْتَفَتَتْ 3000 سَفِينَةِ عَقْرَبٍ نَحْوَ الخَلْفِ، مِمَّا خَلَقَ فَجْوَةً فِي خَطِّ الدِّفَاعِ الأَمَامِيِّ.



آدَمُ: "الآنَ يَا حَبِيبَتِي! أَقْصَى سُرْعَةٍ. اخْتِرَاقُ الفَجْوَةِ."


انْطَلَقَتْ "حُورُس 2" كَالشِّهَابِ، مُخْتَرِقَةً خُطُوطَ العَدُوِّ. فِي طَرِيقِهَا، أَطْلَقَتْ مَدَافِعَ اللَّيْزَرِ الخَارِقَةِ عَلَى جَوَانِبِهَا، فَدَمَّرَتْ 200 سَفِينَةِ عَقْرَبٍ فِي أَقَلِّ مِنْ دَقِيقَةٍ. كَانَ مَشْهَدُ الِانْفِجَارَاتِ فِي الفَضَاءِ الصَّامِتِ كَأَلْعَابٍ نَارِيَّةٍ صَامِتَةٍ، كُلُّ انْفِجَارٍ يَرْسُمُ هَالَةً مِنَ الضَّوْءِ ثُمَّ يَخْتَفِي.


لَكِنَّ العَدُوَّ كَانَ أَكْثَرَ عَدَدًا. بَدَأَتِ السُّفُنُ العَقْرَبُ تَتَجَمَّعُ مِنْ جَدِيدٍ، وَتُطَوِّقُ "حُورُس 2" مِنْ كُلِّ الجِهَاتِ. أَغْلَقَتِ المَخَالِبُ العِمْلَاقَةُ عَلَى المُقَاتَلَةِ.


رُوبِينَا: "آدَمُ، هُمْ يُحَاصِرُونَنَا. لَا مَجَالَ لِلْمُنَاوَرَةِ."

آدَمُ: "حَبِيبَةُ، فَعِّلْ نَمَطَ 'الصَّقْرِ المَجْنُونِ'. أَقْصَى طَاقَةٍ لِلْمُحَرِّكَاتِ مَعَ دَوَرَانٍ 360 دَرَجَةً."

حَبِيبَةُ: "هَذَا سَيَجْعَلُنَا نَدُورُ كَالأَحْمَقِ يَا قَائِدُ!"

آدَمُ: "هَذَا هُوَ المَطْلُوبُ. الآنَ!"


بَدَأَتْ "حُورُس 2" تَدُورُ حَوْلَ نَفْسِهَا بِسُرْعَةٍ جُنُونِيَّةٍ، وَفِي كُلِّ دَوْرَةٍ تُطْلِقُ أَشِعَّةَ لَيْزَرٍ فِي كُلِّ الِاتِّجَاهَاتِ. السُّفُنُ العَقْرَبُ الَّتِي كَانَتْ تُطَوِّقُهَا لَمْ تَسْتَطِعِ الرَّدَّ بِسُرْعَةٍ، فَتَدَمَّرَتِ العَشَرَاتُ مِنْهَا. لَكِنَّ هَذَا النَّمَطَ اسْتَنْزَفَ 40% مِنْ طَاقَةِ المُقَاتَلَةِ.


نِيفِرْتُومُ (قَائِدُ أُسْطُولِ سِتْ، عَبْرَ الِاتِّصَالِ): "أَيَّتُهَا الحَشَرَةُ الصَّغِيرَةُ، لَقَدْ أَرْهَقْتَ نَفْسَكَ. الآنَ سَأَخْطِفُكَ بِمَخَالِبِي بِنَفْسِي."


ظَهَرَتْ سَفِينَةُ نِيفِرْتُومَ الشَّخْصِيَّةُ، وَهِيَ عَقْرَبٌ ذَهَبِيٌّ ضَخْمٌ، أَكْبَرُ بِعَشْرِ مَرَّاتٍ مِنْ "حُورُس 2". فَتَحَ العَقْرَبُ الذَّهَبِيُّ مَخَالِبَهُ الهَائِلَةَ، وَتَوَجَّهَ نَحْوَ المُقَاتَلَةِ. مِنْ فَمِهِ الخَلْفِيِّ (لُدْغَةِ العَقْرَبِ) انْطَلَقَ سَائِلٌ أَسْوَدُ لَزِجٌ - لَمْ يَكُنْ سَائِلًا عَادِيًّا، بَلْ كَانَ "مَادَّةً مُضَادَّةً سَائِلَةً" تَسْتَطِيعُ تَآكُلَ أَيِّ دِرْعٍ.


لَمَسَتْ قَطْرَةٌ مِنْ هَذَا السَّائِلِ دِرْعَ "حُورُس 2". بَدَأَ الدِّرْعُ يَذُوبُ كَمَا يَذُوبُ الثَّلْجُ تَحْتَ أَشِعَّةِ الشَّمْسِ.


حَبِيبَةُ (صَوْتُهَا يَعْلُو بِالذُّعْرِ): "القَائِدُ، الدِّرْعُ الخَلْفِيُّ يَنْهَارُ بِنِسْبَةِ 70%. 80%. 90%."

رُوبِينَا: "آدَمُ، سَأَقُومُ بِقَفْزٍ آنِيٍّ. سَنَخْرُجُ مِنْ هُنَا."

آدَمُ: "لَا، لَنْ نَتْرُكَ المَعْرَكَةَ. حَبِيبَةُ، حَوِّلْ كُلَّ الطَّاقَةِ المُتَبَقِّيَةِ إِلَى الدُّرُوعِ الأَمَامِيَّةِ فَقَطْ. سَنَصْطَدِمُ بِهِ وَجْهًا لِوَجْهٍ."

رُوبِينَا: "آدَمُ، أَنْتَ مَجْنُونٌ!"

آدَمُ: "نَعَمْ، مَجْنُونٌ بِحُبِّكِ."


دَفَعَ آدَمُ عَصَا القِيَادَةِ إِلَى الأَمَامِ بِكُلِّ قُوَّتِهِ. انْدَفَعَتْ "حُورُس 2" نَحْوَ العَقْرَبِ الذَّهَبِيِّ بِسُرْعَةٍ تَفُوقُ سُرْعَةَ الضَّوْءِ. فِي آخِرِ لَحْظَةٍ، أَدَارَ آدَمُ المُقَاتَلَةَ 90 دَرَجَةً، فَلَمْ يَصْطَدِمْ بِهَا بَلِ انْزَلَقَ فَوْقَ ظَهْرِ العَقْرَبِ الذَّهَبِيِّ، وَفِي أَثْنَاءِ انْزِلَاقِهِ، أَفْرَغَ كُلَّ مَا تَبَقَّى مِنْ ذَخِيرَةٍ فِي جِسْمِ العَقْرَبِ مِنَ الأَعْلَى.


انْفَجَرَ العَقْرَبُ الذَّهَبِيُّ مِنَ الدَّاخِلِ. تَحَوَّلَ نِيفِرْتُومُ إِلَى رَمَادٍ كَوْنِيٍّ.


لَكِنَّ الثَّمَنَ كَانَ بَاهِظًا. "حُورُس 2" فَقَدَتْ كُلَّ طَاقَتِهَا تَقْرِيبًا. المُحَرِّكَاتُ تَوَقَّفَتْ. الدُّرُوعُ تَحَطَّمَتْ. أَصْبَحَتِ المُقَاتَلَةُ مُجَرَّدَ قَذِيفَةٍ طَافِيَةٍ فِي الفَضَاءِ، مُحَاطَةً بِآلَافِ السُّفُنِ العَقْرَبِ.


فُتِحَ فَمُ رَأْسِ العَقْرَبِ العِمْلَاقِ فِي السَّفِينَةِ الأُمِّ "المَوْتُ الأَسْوَدُ". وَمِنْ ذَلِكَ الفَمِ، خَرَجَ كِيَانٌ أَسْوَدُ لَا شَكْلَ لَهُ، يَمْتَدُّ لِعَشَرَاتِ الكِيلُومِتْرَاتِ. كَانَتْ تِلْكَ هِيَ الصُّورَةَ الحَقِيقِيَّةَ لِسِتْ: سَحَابَةٌ مِنَ المَادَّةِ المُظْلِمَةِ الوَاعِيَةِ، تَتَخَلَّلُهَا عَيْنَانِ حَمْرَاوَانِ كَالجَمْرِ.


سِتْ (صَوْتُهُ يَمْلَأُ الفَضَاءَ وَيَدْخُلُ إِلَى رَأْسِ آدَمَ مُبَاشَرَةً عَبْرَ التَّخَاطُرِ): "لَقَدْ قَتَلْتَ ابْنِي. لَكِنْ لَا يَهُمُّ، سَأَخْلُقُ غَيْرَهُ. المُهِمُّ الآنَ أَنْ أَلْتَهِمَ رُوحَكَ يَا إِنْسَانُ، ثُمَّ أَلْتَهِمَ كَوْكَبَ رُوبِي، ثُمَّ الأَرْضَ."


بَدَأَتِ السَّحَابَةُ السَّوْدَاءُ تَقْتَرِبُ مِنْ "حُورُس 2". شَعَرَ آدَمُ بِبُرُودَةٍ قَاتِمَةٍ تَتَسَلَّلُ إِلَى جَسَدِهِ حَتَّى عَبْرَ بَذْلَةِ الفَضَاءِ. رُوبِينَا كَانَتْ تَرْتَجِفُ.


رُوبِينَا: "آدَمُ، إِنَّهُ يَمْتَصُّ طَاقَتَنَا الحَيَوِيَّةَ. سَأَمُوتُ بَعْدَ دَقَائِقَ."

آدَمُ: "لَا، لَيْسَتِ النِّهَايَةُ بَعْدُ. انْظُرِي."


فِي الظَّلَامِ الدَّامِسِ، رَأَى آدَمُ نُقْطَةً صَغِيرَةً مِنَ الضَّوْءِ. ازْدَادَتِ النُّقْطَةُ اتِّسَاعًا. وَإِذَا بِهَا ثُقْبٌ فِي نَسِيجِ الزَّمَكَانِ. وَمِنْ ذَلِكَ الثُّقْبِ، خَرَجَ شُعَاعٌ أَزْرَقُ لَا يُشْبِهُ أَيَّ لَوْنٍ رَآهُ آدَمُ مِنْ قَبْلُ. كَانَ أَزْرَقَ أَعْمَقَ مِنَ المُحِيطَاتِ، وَأَلْمَعَ مِنَ المَاسِ.


كَانَ ذَلِكَ الشُّعَاعُ يَزْدَادُ قُوَّةً، حَتَّى انْشَقَّ الثُّقْبُ تَمَامًا. وَمِنْهُ ظَهَرَتْ...

مُقَاتَلَةُ طِيبَةَ 17.


وَخَلْفَهَا، لَيْسَ وَاحِدَةً بَلْ أَلْفَ مُقَاتَلَةٍ فِرْعَوْنِيَّةٍ، كُلُّ وَاحِدَةٍ عَلَى شَكْلِ صَقْرٍ بِرَأْسِ حُورُسَ، تَحْمِلُ كُلٌّ مِنْهَا شِعَارَ مِصْرَ القَدِيمَةِ: عَنْخَ، وَصُولًا إِلَى قُرْصِ الشَّمْسِ المُجَنَّحِ.


صَوْتُ نِفْرِعَ يَمْلَأُ الفَضَاءَ عَبْرَ مُكَبِّرَاتِ الصَّوْتِ بِكُلِّ قُوَّةٍ:

"يَا أَحْفَادَ رَعٍ، يَا حُرَّاسَ كِيمِيتَ، اليَوْمَ نُثْبِتُ لِلْكَوْنِ أَنَّ مِصْرَ كَانَتْ وَسَتَبْقَى دُرَّةَ المَجَرَّاتِ. أَطْلِقُوا النَّارَ!"


كَانَ المَشْهَدُ مَهِيبًا. أَلْفُ مُقَاتَلَةٍ فِرْعَوْنِيَّةٍ تَصْطَفُّ فِي تَشْكِيلٍ هَرَمِيٍّ ضَخْمٍ، كُلُّ مُقَاتَلَةٍ تُطْلِقُ صَوَارِيخَ مِنْ طَاقَةٍ ذَهَبِيَّةٍ نَقِيَّةٍ. هَذِهِ الصَّوَارِيخُ لَمْ تَكُنْ عَادِيَّةً، بَلْ كَانَتْ مُشَبَّعَةً بِطَاقَةِ "كَا" لِأَرْوَاحِ المُحَارِبِينَ الفَرَاعِنَةِ الَّذِينَ دُفِنُوا فِي الأَهْرَامَاتِ.


كَانَ سِتْ يَصُوتُ بِالرُّعْبِ:

"لَا... هَذَا مُسْتَحِيلٌ. كَيْفَ أَيْقَظْتُمْ أَرْوَاحَ المَوْتَى؟!"


نِفْرِعُ (يَضْحَكُ): "نَحْنُ الفَرَاعِنَةُ يَا سِتْ. المَوْتُ بِالنِّسْبَةِ لَنَا مُجَرَّدُ بَابٍ آخَرَ لِلْحَيَاةِ. أَيُّهَا الأُسْطُولُ، حَوِّلُوا طَاقَتَكُمْ إِلَى نَمَطِ 'رَمْسِيسَ'. سَنَبْتَلِعُ عَقْرَبَكَ كَمَا ابْتَلَعَ النِّيلُ أَعْدَاءَ مِصْرَ."


تَحَوَّلَتِ الصَّوَارِيخُ الذَّهَبِيَّةُ إِلَى كُرَاتٍ ضَوْئِيَّةٍ هَائِلَةٍ. اصْطَدَمَتْ بِسَفِينَةِ "المَوْتِ الأَسْوَدِ". بَدَأَتِ السَّفِينَةُ العِمْلَاقَةُ تَنْهَارُ عَلَى نَفْسِهَا، كَأَنَّ ثُقْبًا أَسْوَدَ قَدْ نَشَأَ دَاخِلَهَا.


لَكِنَّ سِتْ لَمْ يَسْتَسْلِمْ. انْفَصَلَ جُزْءٌ مِنْ سَحَابَتِهِ السَّوْدَاءِ عَنِ البَاقِي، وَتَوَجَّهَ نَحْوَ "حُورُس 2" لِابْتِلَاعِ آدَمَ وَرُوبِينَا قَبْلَ أَنْ يَمُوتَ.


نِفْرِعُ (يَرَى ذَلِكَ): "آدَمُ، أَنْقِذْ نَفْسَكَ!"

آدَمُ: "لَا أَسْتَطِيعُ يَا صَدِيقِي، مُحَرِّكَاتُنَا مَاتَتْ."

نِفْرِعُ: "إِذَنْ، سَأَفْعَلُهَا بِنَفْسِي."


دَفَعَ نِفْرِعُ بِمُقَاتَلَتِهِ طِيبَةَ 17 بِأَقْصَى سُرْعَةٍ نَحْوَ السَّحَابَةِ السَّوْدَاءِ الَّتِي كَانَتْ تَبْتَلِعُ "حُورُس 2". فِي آخِرِ لَحْظَةٍ، فَتَحَ نِفْرِعُ بَابَ المُقَاتَلَةِ، وَقَفَزَ مِنْهَا مُرْتَدِيًا بَذْلَةً فَضَائِيَّةً ذَهَبِيَّةً، وَفِي يَدِهِ رُمْحٌ فِرْعَوْنِيٌّ قَدِيمٌ - رُمْحُ الإِلَهِ حُورُسَ الأُسْطُورِيِّ الَّذِي يُقَالُ إِنَّهُ مَصْنُوعٌ مِنْ نَجْمٍ نْيُوتْرُونِيٍّ.


طَعَنَ نِفْرِعُ السَّحَابَةَ السَّوْدَاءَ بِذَلِكَ الرُّمْحِ. صَرَخَ سِتْ صَرْخَةَ الوَدَاعِ الأَخِيرَةِ. السَّحَابَةُ السَّوْدَاءُ تَبَخَّرَتْ كَالضَّبَابِ تَحْتَ شَمْسِ الظَّهِيرَةِ.


عَادَ نِفْرِعُ إِلَى مُقَاتَلَتِهِ مُبْتَسِمًا. عَبْرَ الِاتِّصَالِ:

نِفْرِعُ: "حَسَاءُ الصَّرَاصِيرِ فِي المَرَّةِ القَادِمَةِ عَلَى حِسَابِي يَا آدَمُ. وَأَضِفْ إِلَيْهِ شَطِيرَةَ فَلَافِلَ بِالبَصَلِ الأَخْضَرِ."



أَشْرِقْ لِلْأَبَدِ أَيُّهَا الكَوْكَبُ رُوبِي...


سَادَ الفَضَاءَ صَمْتٌ مُطْبَقٌ بَعْدَ أَنْ تَلَاشَتْ آخِرُ بَقَايَا أُسْطُولِ سِتْ. تَحَوَّلَتِ السَّفِينَةُ الأُمُّ "المَوْتُ الأَسْوَدُ" إِلَى غُبَارٍ كَوْنِيٍّ تَتَنَاثَرُ حُبَيْبَاتُهُ كَالثَّلْجِ الأَسْوَدِ عَلَى سَطْحِ أَقْمَارِ الكَوْكَبِ. عَادَتِ السَّمَاءُ إِلَى أَلْوَانِهَا الفَيْرُوزِيَّةِ المُعْتَادَةِ، وَكَأَنَّ شَيْئًا لَمْ يَحْدُثْ. لَكِنَّ قُلُوبًا كَثِيرَةً لَنْ تَنْسَى مَا جَرَى.


آدَمُ كَانَ لَا يَزَالُ جَالِسًا فِي مَقْعَدِ القِيَادَةِ المُحَطَّمِ دَاخِلَ "حُورُس 2". الجَسَدُ كُلُّهُ كَانَ يَرْتَجِفُ مِنْ بَرْدِ الفَضَاءِ وَمِنْ هَوْلِ المَعْرَكَةِ. رُوبِينَا كَانَتْ بِجَانِبِهِ، تَضَعُ يَدَهَا عَلَى كَتِفِهِ، تُحَاوِلُ أَنْ تَنْقُلَ إِلَيْهِ دِفْئَهَا عَبْرَ بَذْلَةِ الفَضَاءِ المُمَزَّقَةِ.


حَبِيبَةُ (الكُمْبْيُوتَرُ، بِصَوْتٍ ضَعِيفٍ مُتَقَطِّعٍ): "القَائِدُ... القَائِدُ آدَمُ... أَنَا... أَشْعُرُ بِأَنَّ دَوَائِرِي الدَّاخِلِيَّةَ قَدْ تَهَشَّمَتْ... لَكِنِّي... سَعِيدَةٌ لِأَنَّنَا... انْتَصَرْنَا."

آدَمُ (بِصَوْتٍ بَحَّةٍ): "أَنْتِ لَسْتِ مُجَرَّدَ كُمْبْيُوتَرٍ يَا حَبِيبَةُ. أَنْتِ رُوحُ هَذَا المَكُّوكِ. وَأَنْتِ البَطَلَةُ الحَقِيقِيَّةُ."

حَبِيبَةُ: "هَذَا... لَطِيفٌ مِنْكَ... لَكِنْ... هَلْ يُمْكِنُ أَنْ تَعِدَنِي بِشَيْءٍ؟"

آدَمُ: "أَيُّ شَيْءٍ."

حَبِيبَةُ: "فِي المَرَّةِ القَادِمَةِ... أَحْضِرْ مَعَكَ... فُولًا مُدَمَّسًا حَقِيقِيًّا... لَا... لَا أَسْتَطِيعُ تَحَمُّلَ وَهْمِ الطَّعَامِ بَعْدَ الآنَ..."


ثُمَّ صَمَتَتْ حَبِيبَةُ. لَمْ تَمُتْ، لَكِنَّهَا دَخَلَتْ فِي وَضْعِ السُّبَاتِ العَمِيقِ لِتُوَفِّرَ آخِرَ مَا تَبَقَّى مِنْ طَاقَتِهَا.


مَدَّتْ رُوبِينَا يَدَهَا إِلَى خَدِّ آدَمَ. كَانَتْ أَصَابِعُهَا تَرْتَجِفُ.

رُوبِينَا: "كُنَّا قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى مِنَ المَوْتِ يَا آدَمُ."

آدَمُ: "لَكِنَّنَا لَمْ نَمُتْ. لِأَنَّ المَوْتَ يَخَافُ مِنَ العَاشِقِينَ."

رُوبِينَا: "أَتَحْسَبُ أَنَّ المَوْتَ يَخَافُ؟"

آدَمُ: "المَوْتُ لَا يَخَافُ مِنْ شَيْءٍ. لَكِنَّهُ يَحْتَرِمُ الحُبَّ. فَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّ الحُبَّ أَقْوَى مِنْهُ. فَالحُبُّ هُوَ الوَحِيدُ الَّذِي يَبْقَى حِينَ يَمُوتُ كُلُّ شَيْءٍ."


نَظَرَتْ إِلَيْهِ طَوِيلًا. ثُمَّ انْحَنَتْ وَقَبَّلَتْهُ قُبْلَةً لَمْ تَكُنْ قُبْلَةً عَادِيَّةً. كَانَتْ تِلْكَ القُبْلَةُ تَحْمِلُ كُلَّ مَا فَاتَ مِنْ سِنِينَ، وَكُلَّ مَا تَبَقَّى مِنْ آلَامٍ، وَكُلَّ مَا يَأْتِي مِنْ آمَالٍ. كَانَتْ قُبْلَةً تُعِيدُ تَشْكِيلَ الكَوْنِ مِنْ جَدِيدٍ.


حَطَّتْ بَقَايَا "حُورُس 2" عَلَى مَهْبِطِ القَصْرِ المَلَكِيِّ وَسْطَ حَشْدٍ مِنْ سُكَّانِ الكَوْكَبِ. كَانَ المَلِكُ رُوبْيُوسُ وَاقِفًا فِي المُقَدِّمَةِ، وَدُمُوعُهُ تَتَسَاقَطُ عَلَى لِحْيَتِهِ الفِضِّيَّةِ. إِلَى جَانِبِهِ وَقَفَ نِفْرِعُ، الَّذِي كَانَ قَدْ هَبَطَ قَبْلَهُمْ بِقَلِيلٍ، وَمَا زَالَ يَحْمِلُ رُمْحَ حُورُسَ الَّذِي لَا يَزَالُ يَتَوَهَّجُ بِطَاقَةٍ ذَهَبِيَّةٍ.


فُتِحَتْ فَتْحَةُ المُقَاتَلَةِ بِصُعُوبَةٍ، وَنَزَلَ آدَمُ أَوَّلًا، ثُمَّ مَدَّ يَدَهُ لِرُوبِينَا. عِنْدَمَا نَزَلَا مَعًا، انْفَجَرَ الحَشْدُ بِالتَّصْفِيقِ وَالزَّغَارِيدِ الكَوْنِيَّةِ (وَهِيَ أَصْوَاتٌ تُصْدِرُهَا سُكَّانُ رُوبِي عَنْ طَرِيقِ اهْتِزَازِ خَيَاشِيمِهِمْ، تُشْبِهُ إِلَى حَدٍّ بَعِيدٍ زَغَارِيدَ النِّسَاءِ فِي صَعِيدِ مِصْرَ).


المَلِكُ رُوبْيُوسُ (يُعَانِقُ رُوبِينَا بَاكِيًا): "يَا ابْنَتِي، يَا قِطْعَةً مِنْ رُوحِي. لَقَدْ كِدْتُ أَفْقِدُكِ اليَوْمَ. لَا تَفْعَلِي ذَلِكَ مُجَدَّدًا."

رُوبِينَا (تَبْكِي أَيْضًا): "لَمْ يَكُنْ لَدَيْنَا خِيَارٌ يَا أَبِي. كَانَ يَجِبُ أَنْ نَحْمِيَ الكَوْكَبَ."


المَلِكُ رُوبْيُوسُ (يَتَّجِهُ إِلَى آدَمَ): "وَأَنْتَ يَا ابْنَ الأَرْضِ. أَنْتَ لَمْ تُقَاتِلْ إِلَى جَانِبِ ابْنَتِي فَقَطْ. أَنْتَ قَاتَلْتَ إِلَى جَانِبِنَا جَمِيعًا. كَيْفَ يُمْكِنُنِي أَنْ أُكَافِئَكَ؟"

آدَمُ (بِابْتِسَامَةٍ مُتْعَبَةٍ): "يَكْفِينِي أَنَّهَا بِخَيْرٍ يَا صَاحِبَ الجَلَالَةِ. وَأَيْضًا... لَوْ سَمَحْتَ... أُرِيدُ شَطِيرَةَ فُولٍ بِالطَّمَاطِمِ وَالبَصَلِ الأَخْضَرِ. لَمْ آكُلْ طَعَامًا حَقِيقِيًّا مُنْذُ أَيَّامٍ."


ضَحِكَ المَلِكُ. ضَحِكَ نِفْرِعُ. ضَحِكَ كُلُّ الحَشْدِ. لَكِنَّ رُوبِينَا لَمْ تَضْحَكْ. كَانَتْ تُحَدِّقُ فِي آدَمَ بِنَظْرَةٍ مُخْتَلِفَةٍ. نَظْرَةٍ فِيهَا حُبٌّ، وَفِيهَا خَوْفٌ، وَفِيهَا سِرٌّ لَمْ تُفْصِحْ عَنْهُ بَعْدُ.


فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ، أَقَامَ المَلِكُ رُوبْيُوسُ وَلِيمَةً عَظِيمَةً فِي القَاعَةِ الكُبْرَى بِالقَصْرِ. القَاعَةُ كَانَتْ مَبْنِيَّةً مِنْ بِلَّوْرَاتِ الكُوَارْتِزِ الوَرْدِيِّ، وَسَقْفُهَا مِنَ الزُّجَاجِ المُعَشَّقِ الَّذِي يُطِلُّ عَلَى السَّمَاءِ مُبَاشَرَةً. عَلَتِ المَائِدَةَ أَصْنَافٌ لَا حَصْرَ لَهَا مِنْ طَعَامِ الكَوْكَبِ رُوبِي: ثِمَارُ جَنَّتِهَا شَفَّافَةٌ كَالزُّجَاجِ، وَأَسْمَاكٌ تَطِيرُ فِي الهَوَاءِ قَبْلَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الأَطْبَاقِ، وَخُبْزٌ مِنْ دَقِيقِ نُجُومِ النِّيتْرُوجِينِ.


لَكِنَّ آدَمَ لَمْ يَأْكُلْ مِنْ شَيْءٍ. طَلَبَ مِنَ الطَّبَّاخِ الخَاصِّ أَنْ يُعِدَّ لَهُ شَطِيرَةَ فُولٍ مِصْرِيَّةً. وَالغَرِيبُ أَنَّ الطَّبَّاخَ وَافَقَ، وَأَحْضَرَ لَهُ فُولًا مُدَمَّسًا حَقِيقِيًّا! لَقَدْ أَرْسَلَ المَلِكُ مِنْ قَبْلُ إِلَى الأَرْضِ طَلَبًا عَاجِلًا لِشِرَاءِ فُولٍ مُدَمَّسٍ مِنْ سُوقِ العَتَبَةِ فِي القَاهِرَةِ، فَجَاءَتْهُ شُحْنَةٌ بِالمِئَاتِ مِنَ العُلَبِ المُعَلَّبَةِ.


آدَمُ (يَأْخُذُ قَضْمَةً مِنَ الشَّطِيرَةِ): "آآآهْ... هَذَا هُوَ الطَّعْمُ الحَقِيقِيُّ. هَذَا هُوَ طَعْمُ الوَطَنِ."

نِفْرِعُ (جَالِسًا إِلَى جَانِبِهِ، يَأْكُلُ شَطِيرَةَ فَلَافِلَ): "أَلَمْ أَقُلْ لَكَ يَا حَفِيدُ؟ الفَرَاعِنَةُ هُمُ الَّذِينَ اخْتَرَعُوا الفُولَ. وَالمِصْرِيُّونَ هُمُ الَّذِينَ أَتْقَنُوهُ."

آدَمُ: "أَنْتَ لَسْتَ جَدِّي يَا نِفْرِعُ. أَنْتَ صَدِيقِي. وَرَفِيقُ سِلَاحِي."

نِفْرِعُ (يَضْحَكُ): "حَسَنًا، سَأَكُونُ صَدِيقَكَ. لَكِنْ عِنْدَمَا نَعُودُ إِلَى الأَرْضِ، سَأُرِيكَ مَقْبَرَةَ جَدِّكَ الحَقِيقِيِّ. سَتَنْدَهِشُ."

آدَمُ: "لَنْ أَعُودَ إِلَى الأَرْضِ يَا نِفْرِعُ."

نِفْرِعُ (يَتَوَقَّفُ عَنِ الأَكْلِ): "مَاذَا؟! كَيْفَ؟! أَتَتْرُكُ مِصْرَ؟ أَتَتْرُكُ الأَهْرَامَاتِ؟ أَتَتْرُكُ النِّيلَ؟"

آدَمُ (يَنْظُرُ إِلَى رُوبِينَا الَّتِي كَانَتْ تَتَحَدَّثُ مَعَ وَالِدِهَا بَعِيدًا): "مِصْرُ لَيْسَتْ مُجَرَّدَ أَرْضٍ يَا نِفْرِعُ. مِصْرُ هِيَ مَا تَحْمِلُهُ فِي قَلْبِكَ. أَنَا أَحْمِلُ مِصْرَ فِي قَلْبِي أَيْنَمَا ذَهَبْتُ. حَتَّى لَوْ بَقِيتُ هُنَا، سَأَظَلُّ مِصْرِيًّا. سَأَظَلُّ أَحْلَمُ بِحُلْمِ النِّيلِ. وَسَأَظَلُّ أَدْعُو لِلْأَهْرَامَاتِ كُلَّ لَيْلَةٍ."

نِفْرِعُ (صَامِتًا لَوْهَلَةً، ثُمَّ يَضَعُ يَدَهُ عَلَى كَتِفِ آدَمَ): "أَنْتَ لَسْتَ مُجَنَّدًا عَادِيًّا يَا آدَمُ. أَنْتَ شَاعِرٌ. وَالشَّاعِرُ لَا يَنْتَمِي لِأَرْضٍ بَلْ يَنْتَمِي لِلْحُبِّ. تَذَكَّرْ فَقَطْ أَنَّ مِصْرَ تَفْتَخِرُ بِكَ. وَأَنَا... سَأَزُورُكَ كُلَّ عَامٍ. وَمَعِي شَطَائِرُ فُولٍ وَفَلَافِلَ طَازَجَةٍ."


تَصَافَحَا. كَانَتْ تِلْكَ مُصَافَحَةً لَمْ تَكُنْ مُجَرَّدَ تَحِيَّةٍ عَسْكَرِيَّةٍ، بَلْ كَانَتْ عَهْدًا بَيْنَ رَجُلَيْنِ مِنْ زَمَنَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ، جَمَعَهُمَا حُبُّ الوَطَنِ.


إِلَى الأَبَدِ...


اجْتَمَعَ آدَمُ وَرُوبِينَا مَرَّةً أُخْرَى فِي شُرْفَةِ القَصْرِ المَلَكِيِّ وَنَظَرَا إِلَى السَّمَاءِ مَعًا، وَإِلَى مَجَرَّةِ دَرْبِ التَّبَّانَةِ البَعِيدَةِ، وَإِلَى الأَرْضِ الَّتِي تَبْعُدُ 2.5 مِلْيُونِ سَنَةٍ ضَوْئِيَّةٍ.


رُوبِينَا: "أَتُحِبُّنِي بَعْدَ كُلِّ هَذِهِ المَعَارِكِ يَا آدَمُ؟"

آدَمُ: "سَأُحِبُّكِ حَتَّى بَعْدَ أَنْ تَمُوتَ آخِرُ نَجْمٍ فِي الكَوْنِ."

رُوبِينَا: "إِذَنْ، لِنَبْدَأْ حَيَاتَنَا الجَدِيدَةَ... هُنَا عَلَى كَوْكَبِ رُوبِي."

آدَمُ: "وَلْنَنْتَظِرِ الجُزْءَ الخَامِسَ."

رُوبِينَا (تَضْحَكُ): "أَلَا يَكْفِيكَ أَرْبَعَةُ أَجْزَاءٍ مِنَ العَذَابِ مَعِي؟"

آدَمُ: "العَذَابُ مَعَكِ جَنَّةٌ يَا رُوبِينَا. جَنَّةٌ لَا تَنْتَهِي."

رُوبِينَا (بِصَوْتٍ خَافِتٍ): "آدَمُ... هَلْ تَذْكُرُ تِلْكَ اللَّيْلَةَ قَبْلَ المَعْرَكَةِ؟ قَبْلَ أَنْ نَنْطَلِقَ بِثَلَاثَةِ أَيَّامٍ؟"

آدَمُ: "أَتَذَكَّرُهَا كَمَا لَوْ كَانَتِ البَارِحَةَ. كُنَّا جَالِسَيْنِ عَلَى هَذِهِ الشُّرْفَةِ ذَاتِهَا. السَّمَاءُ كَانَتْ تُمْطِرُ شُهُبًا. وَقُلْتِ لِي... قُلْتِ لِي..."

رُوبِينَا (تُكْمِلُ): "قُلْتُ لَكَ: لَعَلَّ هَذِهِ الشُّهُبَ تَحْمِلُ لَنَا بُشْرَى."

آدَمُ: "نَعَمْ. ثُمَّ ضَحِكْتِ وَقُلْتِ إِنَّ الشُّهُبَ لَيْسَتْ سِوَى غُبَارٍ كَوْنِيٍّ يَحْتَرِقُ."

رُوبِينَا (تَضَعُ يَدَهَا عَلَى بَطْنِهَا مَرَّةً أُخْرَى، وَهَذِهِ المَرَّةَ آدَمُ يَنْتَبِهُ): "آدَمُ... لَمْ تَكُنْ تِلْكَ الشُّهُبُ غُبَارًا كَوْنِيًّا فَقَطْ."

آدَمُ (يَنْظُرُ إِلَى يَدِهَا): "مَاذَا تَعْنِينَ؟"

رُوبِينَا (تَدْمَعُ عَيْنَاهَا، لَكِنَّهَا تَبْتَسِمُ ابْتِسَامَةً عَرِيضَةً): "آدَمُ... أَنَا حَامِلٌ."


تَوَقَّفَ الزَّمَنُ.

لَا، لَيْسَ مَجَازًا. تَوَقَّفَ الزَّمَنُ فِعْلًا. تَجَمَّدَتِ الشُّهُبُ فِي السَّمَاءِ. تَوَقَّفَ القَمَرُ عَنِ الدَّوَرَانِ. تَوَقَّفَ حَتَّى صَوْتُ الرِّيَاحِ.


آدَمُ لَمْ يَعُدْ يَسْمَعُ شَيْئًا. لَمْ يَعُدْ يَرَى شَيْئًا سِوَى عَيْنَيْ رُوبِينَا. عَيْنَانِ زَرْقَاوَانِ تَلْمَعَانِ كَأَلْمَاسِ الكَوْنِ. وَبَيْنَ يَدَيْهَا عَلَى بَطْنِهَا، كَانَ هُنَاكَ كَنْزٌ لَمْ يَكُنْ يَتَوَقَّعُهُ.


آدَمُ (بِصَوْتٍ يَرْتَجِفُ كَقَشَّةٍ فِي مَهَبِّ الرِّيحِ): "حَامِلٌ؟! كَيْفَ؟! نَحْنُ... نَحْنُ مِنْ جِنْسَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ. نَحْنُ مِنْ كَوَاكِبَ مُخْتَلِفَةٍ. نَحْنُ..."

رُوبِينَا (تُقَاطِعُهُ): "نَحْنُ كِيَانٌ وَاحِدٌ يَا آدَمُ. عِنْدَمَا أَحْبَبْتُكَ، لَمْ أَعُدْ مُجَرَّدَ رُوبِينَا. وَعِنْدَمَا أَحْبَبْتَنِي، لَمْ تَعُدْ مُجَرَّدَ آدَمَ. لَقَدْ أَصْبَحْنَا شَيْئًا آخَرَ. شَيْئًا لَمْ يَحْدُثْ فِي الكَوْنِ مِنْ قَبْلُ."

آدَمُ (تَدْمَعُ عَيْنَاهُ، لَا يَسْتَطِيعُ الكَلَامَ): "لَكِنْ... لَكِنَّ العُلَمَاءَ قَالُوا... الأَطِبَّاءَ قَالُوا... إِنَّهُ مُسْتَحِيلٌ..."

رُوبِينَا (تَمْسَحُ دُمُوعَهُ بِأَصَابِعِهَا): "الحُبُّ المُسْتَحِيلُ يَا آدَمُ يُنْتِجُ طِفْلًا مُسْتَحِيلًا. هَذَا الطِّفْلُ سَيَكُونُ أَوَّلَ هَجِينٍ فِي تَارِيخِ المَجَرَّاتِ. سَيَحْمِلُ دَمَ الأَرْضِ وَدَمَ رُوبِي. سَيَكُونُ قَوِيًّا كَالأَهْرَامَاتِ وَجَمِيلًا كَأَقْمَارِ زُحَلَ."

آدَمُ (يَنْهَارُ بَاكِيًا، لَكِنَّهُ يَضْحَكُ فِي نَفْسِ الوَقْتِ): "أَنَا... سَأُصْبِحُ أَبًا؟ أَنَا... سَأُنْجِبُ طِفْلًا مِنِ امْرَأَةٍ مِنْ مَجَرَّةٍ أُخْرَى؟"

رُوبِينَا (تَضْحَكُ أَيْضًا بَاكِيَةً): "نَعَمْ يَا آدَمُ. سَتُصْبِحُ أَبًا لِأَوَّلِ إِنْسَانٍ فَضَائِيٍّ فِي الوُجُودِ."

آدَمُ (يَنْظُرُ إِلَى السَّمَاءِ، ثُمَّ إِلَى بَطْنِهَا، ثُمَّ يَهْمِسُ): "هَلْ هُوَ وَلَدٌ أَمْ بِنْتٌ؟"

رُوبِينَا: "لَمْ أَعْرِفْ بَعْدُ. لَكِنِّي أَتَمَنَّى أَنْ يَكُونَ وَلَدًا. يُشْبِهُكَ."

آدَمُ (يَهُزُّ رَأْسَهُ): "بَلْ أَتَمَنَّى أَنْ تَكُونَ بِنْتًا. تُشْبِهُكِ."

رُوبِينَا (تَضْحَكُ): "لِنَسْأَلِ القَدَرَ."


احْتَضَنَا بَعْضَهُمَا بِقُوَّةٍ. كَانَتْ تِلْكَ اللَّيْلَةُ لَيْلَةً لَا تُنْسَى. لَيْلَةً أَعْلَنَ فِيهَا الكَوْنُ عَنْ مُعْجِزَةٍ جَدِيدَةٍ. لَيْلَةً أَثْبَتَ فِيهَا الحُبُّ أَنَّهُ أَقْوَى مِنْ قَوَانِينِ الطَّبِيعَةِ، وَأَعْتَى مِنْ حُدُودِ الزَّمَانِ وَالمَكَانِ.


انْتَظِرُونِي فِي الجُزْءِ الخَامِسِ...

مَنْ أَرَادَ الحُبَّ فَلَيْسَ لِلْكَوْنِ حُدُودٌ...


د/ سَامِحْ هَدْهُودْ

العَامُ 2026 بِتَوْقِيتِ الأَرْضِ...

العَامُ 3462 بِتَوْقِيتِ كَوْكَبِ رُوبِي.

google-playkhamsatmostaqltradent