حلق مع هدهوديات في الفضاء السيبراني

recent
أخبار ساخنة

الطابق الرابع شقة 9 – بوابات المحروسة

الصفحة الرئيسية

 



 مقدمة…


أيها النابشُ بمذكراتي…


أفتقدتني؟! أم أراك قد نسيتني؟! أو لعلك تتساءل… لمَ قد طالت غيبتي هذه المرة؟! أترى رأسي التي تعتليها عشراتُ علاماتِ التعجُّبِ ردًّا على علاماتِ تعجُّبِك؟!


إن أناملي لا تُدوِّن حكايتي أثناء جلوسي متأمِّلةً شاطئَ البحر بينما أرتشِفُ كوبًا من عصير المانجو المثلَّج الطازج، بينما أقضي عطلتي في أحد شواطئ الكاريبي، ولا حتى أثناء طوافي حول ذلك الكوكب البائس في محطة الفضاء الدولية على سبيل التغيير…


إن أناملي تَلُمُّ شتاتَ روحي كي تروي ما دار بين الأبعاد في… في الطابق الرابع شقة 9، التي قد فرض عليها القدر أن تكون محطةً تبادليةً بين… بين الأبعاد…


عن أيِّ أبعادٍ تتحدث؟! أتلك هي الأبعاد الثلاثة التي ندركها؟! أم مضافٌ إليها… الزمن… كي تتوحَّد الأبعاد الأربعة مكونةً… الزمكان؟! أم تقصد السبعةَ عشرَ بُعدًا التي تحدث عنها علماء الميتافيزيقا؟! ربما…


أيها النابشُ بمذكراتي…


لعلك تدرك أن الإلكترون في طريقه إلى قذف مركز الذرة يستغرِقُ لازمنٍ تقريبًا، فيتولَّد انفجارُ الطاقة… ذلك الانفجار الذرِّيُّ المرعبُ الذي لا يضاهي حتى حرارةَ سطح الشمس ذاتها…


الشمس…


أترى ضوءَها؟!


لا… ليست شمسَنا تلك التي تعرفها.. إنه ذلك النجمُ الوحيدُ في تلك السماء الصافية ليلًا.. نجمًا قد أرسل إليك آخرَ شحناتِه من حافة الكون المرئي، ثم تلاشى إلى الأبد… قد توهَّج ذلك النجمُ للمرة الأخيرة قبل أكثر من 93 مليار سنةٍ كي تدركه أنت بنظرك المحدود فقط… الآن… متأخرٌ جدًّا يا صديقي… أليس كذلك؟!


أتدرك أن ذلك الجزيءَ الأصغرَ من الضوء… الفوتون… قد اخترق أبعادَ الكون السرمديِّ ذاتِه فقط كي يخبرك بأنك قد تأخرتَ يا صديقي… عَبَرَ وشاهد ملياراتٍ بل وتريليوناتِ الكواكبِ والحضاراتِ فقط كي يخبرك أن هناك شيئًا ما دائمًا… فوق مستوى الإدراك…


تخيَّل…


قد اخترق الفوتونُ الكونَ ذاتَه في الزمن صفر… الزمكان… في نفس ذات اللازمان الذي استغرقه الإلكترون مخترقًا قلبَ الذرة… المجهريَّة… من قلب الذرة إلى قلب المجرَّة… والزمن… صفر… لعلك تدرك الآن أنني لم أتأخر… أحيانًا أجد نفسي قادرةً على الإقناع… ربما…


أيها النابشُ بمذكراتي…


أكاد أدرك همسَ أفكارِك.. لمَ كتبتُ؟! لم أستمرَّ في السرد؟!


سأظلُّ أسردُ حتى آخرِ نقطةِ حبرٍ في آخرِ صفحةٍ…


ألازلتَ لا تدرك؟!


قد قمتُ بزيارة الإسكندرية في ثمانينيَّات القرن العشرين، ثم القاهرةَ في مطلع الألفية الجديدة، ما بين محطَّتَي (قطار الأبعاد) ببنما، كنتُ أرتشي الشايَ في العربة الرابعة… المقعد رقم 9… يا لعجَبِ خوارزميات الأبعاد…


والأعجب…


أنه قد صارت لديَّ العديدُ من الأوراق النقدية القديمة الجديدة المنقوشِ عليها عبارةُ (البنك المركزي المصري)… وكفى…


أيها النابشُ بمذكراتي…


عندما تلمعُ عيناك قارئًا تلك السطور… رجاءً أخبرْ لسانك بأن يصدقَ القولَ فيما سوف ترويه عني دون زيادةٍ أو نقصان… لربما أكنُّ وقتها في عالم آخر… أو لعلَّ ما تبقَّى من الوقت كي أدوِّن المزيد ليس بالكثير… لا… لا… لستُ ما جال في خاطرك… أطال الله عمري هههههه… يا لك من وغدٍ هههههه… لا تُكرر تلك الفكرة رجاءً مرةً أخرى..


على أي حال… أستشعر فيك من الذكاء ما يجعلك تدرك في آخر صفحات تلك الرواية ما سوف يجعل وقت السرد… محدودًا…


أيها النابشُ بمذكراتي…


أكتبُ كلماتي تلك وأنا التي كنتُ المتمرِّدة الأبديةَ على كل شيء… أنا المختلِقةُ لعوالمَ من حولي لا يدركها سوايَ…


أكتبُ إليك كي أخبرك أن روحي المتمرِّدةَ كي أدكَّتِ الحقيقةَ…


يومَ تصيرُ قائدًا بلا أتباع، وعندما تغمرُ شمسُ النسيانِ صقيعَ الأصقاعِ…

يومَ تدركُ أن النهايةَ قد كُتبت قبل البداية، وتدرك الفرقَ بين القصة والرواية…


عندها وعندها فقط سوف تدرك أن… أنا هو أنا، وفخورٌ بكوني ذاتي…


ربما…


والآن…


سأدعُ قلمي قليلًا… ربما لبرهةٍ من اللازمن مثل التي دارت بين الإلكترون والفوتون… من قلب الذرة إلى قلب المجرَّة…


فقد حان الوقتُ… النداءُ…


نداءُ البواباتِ…


بواباتُ المحروسةِ…


إمضاءُ…


الحارسةُ الأخيرةُ…


النداء…


صوتٌ قديمٌ يهمسُ في أذني: – أخيرًا قد استيقظتِ يا إيزيس! قد طال انتظاري.. – ربَّاه!!! من تكون؟! – أنا رفيقُكِ قبل بَدْءِ الزمان… أنا من لولاكِ ما كان… أنا من نَقَشَ على الجدار العتيق… أنا العاشقُ… وللحبِّ ألفُ طريقٍ… أنا الملكُ المغدورُ… الذي تلاطمَته البحورُ… أنا من تفرَّقَ جسدُه بين القدورِ… فاحتويْتِه من قاعِ غمرَتْه الصخورُ… – أنت ملكي ومليكي… وزوجي ورفيقي… أخُلِقْتُ من ضلعِك؟! أم من رحمي قد صرتَ وليدي؟! آواهُ يا ليلُ… لِمَ قد نزَعُوك مني حبيبي؟! أتنبعُ مجددًا من نهر الزمان؟! كي يلتقي يَمَّايَ ونِيلِي؟! – سينجلي ليلي حتمًا… كي تصبحي أنتِ شاطئي وسبيلي.. صرتُ باحثًا وسط الأكوان عنكِ… بينما كنتِ دائمًا جوارَ حبلِ وريدي… يومَ هِهْتُ بالبيداءِ قسرًا… كانت عيناكِ تحرسني وتهديني… قد كبَّلني القيدُ دهرًا… وبقي الأخيرُ… أفلاتنقذيني؟! الخاتمُ… الخاتمُ يتألَّقُ من جديد… اللون الأرجواني يغمر المكان… بل يغمر روحي ذاتها… ربَّاهُ الكتابُ… كتابُ الأبعادِ يدعوني لقراءته مرةً أخرى… أشعر أنني على وشك وضعِ قطعِ البازل الأخيرة في مكانها الصحيح… ربما… ماذا لدينا هنا هذه المرة؟! يا خالقَ السمواتِ… وتراصَّتِ الكلماتُ من العدمِ… لم تكونا يومًا ما أُسطورةً… وأنتما إلا رمزًا… المقاتلُ والأمُّ… فَلْتَسْتَعِيدَا ما قد سَلَبَه الزمانُ قَهْرًا… مكتوبٌ على الجدرانِ العتيقِ… أنتما ونواميسُ الكونِ أبدًا… مكتوبٌ على الجدرانِ العتيقِ… لن يَغْمُرَ النيلُ واديَه إلا عدلًا… أغلقتُ الكتابَ… وتراصَّتْ على شفتيَّ الكلماتُ… ذاكرتي تعودُ كالفيضانِ… أتذكَّرُ حيواتي عبر العصورِ.. تتدفَّقُ مشاعري كألفِ طوفانٍ… سأُنقذُه من مخالبِ الصقورِ… سأُنهي ليلَه حتمًا.. ولْيَحلِقْ بسمائي راضيًا مسرورًا… – أنا التجسُّدُ الأزليُّ… أنا الأمُّ… أنا الأرضُ… أنا الأرضُ الأمُّ… أنا إيزيسُ الأبديةُ… وقد لَبَّيْتُ النداءَ… النداءَ الأخيرَ…

بواباتُ المحروسةِ… مرةً أخرى… الطابق الرابع شقة 9، لكن هذه المرة ليست كسابقتها… أبدًا لم تكن… الضوء الأرجواني يغمر المكان… ليس من الخاتم هذه المرة… من… من… من لامكان… الجدرانُ… الجدرانُ تذوبُ كي تصبحَ ستائرَ من الضوء… يا خالقَ السمواتِ… ضوءٌ له ألوانٌ وأبعادٌ لم يألفْها بشرٌ… الأثاثُ… أثاثي يتحوَّلُ… يتبدَّلُ… يتبدَّلُ كي يصبحَ رموزَ طاقةٍ متحركةٍ… طاقةٍ تفوقُ قوتُها ألفَ ألفِ شمسٍ… النافذةُ… نافذتي قد صارت كشاشةٍ عملاقةٍ ثلاثيةِ الأبعاد… بل لا متناهية الأبعاد… شاشةٌ كونيةٌ قد صارت تربطُ شقتي بالنيل… ليس بشاطئ النيل… بل بقاعِه… المكانُ كلُّه وكأنه يتهيَّأُ لأمرٍ جللٍ… الانتقالُ… الانتقالُ الأخيرُ..



تسألني مرةً أخرى كيف عرفت هذا؟! يا له من سؤال!!! أنا فقط أعرف ذلك… أنا الحارسةُ الأخيرةُ… إن النافذةَ تدعوني… تدعوني إلى الاختراق… الاختراق الأخير… وها أنا ذا أخطو تجاه النافذة… نافذتي التي لم ولن أعهدها مثل الآن قط… أخطو خطواتٍ ليس لي عليها أيُّ تحكُّمٍ أو إرادةٍ.. خطواتُ الحارسةِ… الحارسةِ الأخيرةِ… أن جسدي يذوبُ… يتلاشى مندمجًا مع طاقةِ النافذة… أنا في وسط النيل… البدرُ يرتقبني في فضولٍ… المياهُ وكأنها ستائرُ تنزاحُ من تحت قدميَّ… أكاد أسمعُ صوتَ البدرِ هامسًا لي وحدي… أن لا تخافي… يا خالقَ السمواتِ… أين تلك المراكبُ الشراعيةُ التي تبحرُ دائمًا صعودًا وهبوطًا في مجرى النهر، شاديةً بصوت (أم كلثوم)؟! كم نفتقدُ الأشياءَ حين نحتاجها! لكن من يأبه؟! من يأبه عندما يهمسُ لي البدرُ مرةً أخرى… أن لا تخافي… ستائرُ المياهِ تنزاحُ أكثرَ فأكثر… ثمةَ درجٌ بلورىٌّ ينزلُ هابطًا نحو الأعماق… أعماقِ النيل… كلُّ خطوةٍ… كلُّ درجةٍ تعيدُ إليَّ ذِكْرى… ذِكْرى من ماضٍ سحيقٍ… ذكرياتٍ وذكرياتٍ من أعماقِ إيزيسَ عبر حيواتِها، ذكرياتٌ قد اجتمعتْ كلُّها كي تخبرني: – أنتِ امرأةٌ من الماء النقيِّ… شعرُكِ تياراتُ النيلِ… عيناكِ عُمْقُ المحيطاتِ… تتحدثين بلغةِ المياه المتدفِّقةِ… وها أنا ذا… أمدُّ يدي وأغترفُ غرفةً من ماء النيل… فأتذكَّرُ كلَّ ذكرياتِ إيزيسَ في ألفِ ألفِ بُعدٍ وبُعدٍ… أرى تلك الشجرةَ العظيمةَ القابعةَ في قاعِ النيلِ… أُلامسُها… فتنبتُ… وتزدهرُ… أما أنا… فأشعرُ بتدفُّقاتِ الطاقةِ… طاقةٍ رهيبةٍ… طاقةُ إيزيسَ تغمرُ أرجاءَ روحي… دون أن أفقدَ… أفقدَ إنسانيَّتي… وأخيرًا… كان اللقاءُ… هناك أراهم… آدمُ… والحارسُ الأولُ…



آدمُ يسيرُ فوق جسرٍ عالٍ شاهقٍ وتحته هوَّةٌ سحيقةٌ دون قرارٍ… يحاول جاهدًا عدمَ السقوط… تمامًا كما رأيته في حلمي… وهناك… الحارسُ الأولُ… الذي بادرني قائلًا: – أرى أنكِ قد أدركتِ حدودَ الحقيقةِ كاملةً الآن… – بلى قد فعلتُ، لكن… لكن ماذا بعد؟! – قبل أن أخبرَكِ عمَّا بعد… ألازلتِ تعتقدين أنكِ قادرةٌ على إحياءِ تلك الأسطورةِ مرةً أخرى؟! أسطورةِ إيزيسَ وأوزوريسَ؟! – بكل تأكيد… نحن لا نتحدث عن قصةٍ… قصةٍ قد حكاها أحدهم وانتهت فصولُها في الماضي… أنا روايةٌ لم يُسدَلْ عليها الستارُ بعد… وسوف أستمرُّ في السردِ حتى النهاية… صدقني… – يُعْجِبُني طموحُكِ… لكن قد آنَ للعبةِ أن تنتهيَ… – ثمةَ خياراتٌ هنا؟! – بالتأكيد… وكلُّها في صالحِنا نحن… سادةُ الأبعادِ… – دعني أُحاوِلْ… – مَرْحَى… سأكونُ ديمقراطيًّا معكِ على سبيل التغيير… لمرةٍ واحدةٍ فقط… لا بأس ببعض التغيير… إليكِ… البواباتُ… بواباتُ المحروسةِ… وتَراءَتْ من خلْفِه ثلاثُ بواباتٍ… بواباتٌ تشبهُ بواباتِ أسوارِ القاهرةِ القديمةِ… بواباتِ المحروسةِ… – أيتها الحارسةُ الأخيرةُ… قد جاء دورُكِ في الاختيار… أيَّ بوابةٍ ترغبين؟! – ماذا عن الأولى؟! – إنها بوابةُ المجدِ… فَلْيَسْتَدْعِ كلٌّ منا جيوشَه… يومًا ما فعلنا تحت سفحِ الهَرَمِ… والمجدُ كلُّ المجدِ للمنتصرِ… لن تكون هناك فرصٌ أخرى… أبدًا… – لقد أخبرَ الفرعونُ العظيمُ رمسيسُ الثاني إنها حملةُ كيميتَ الأخيرةُ… الملوكُ العظامُ لا يكذبون يا هذا؟! – إذًا… إلى البوابة الثانية… بوابةُ الخلودِ… إن دخلتِها ستكتسبي قوةً مطلقةً… قوةً مهولةً لا يمكن حسابُها… قوةً ستجعلكِ جزءًا من آليَّةِ الكونِ ذاتِه… قوةً تضمنُ استقرارَ الأبعادِ… وسيطرتَنا عليها… إلى الأبد… دعينا نتحالَفْ… دعينا نملكُ كلَّ شيءٍ… – مالي أراكَ سخيًّا هكذا؟! والمقابلُ؟! – تتخلَّينَ عن نقطةِ ضعفِكِ… إنسانيَّتِكِ… كيانِكِ البشريِّ الهزيلِ… وعن ذلك الآدمِ… – والبابيةُ الثالثةُ… – إنها بوابةُ… بوابةُ النسيانِ… بوابةُ النسيانِ؟! – بلى… – ماذا تعني؟! – لا عليكِ… هي اختيارُ الضعفاءِ.. لا تناسبُ الحارسةَ الأخيرةَ… إنه فقط النسيانُ… من ثمَّ كلُّ شيءٍ ينتهي… يتبخَّرُ… وتُغلقُ بواباتُ الأبعادِ… إلى الأبد… أعتقد أن الخلودَ سيكون اختيارَكِ… تهانئي الحارَّةُ ملكتنا المستقبليةَ… – أتعلمُ؟! ما هو أكثرُ شيءٍ أفتقده في تلك اللحظةِ؟! – ما هو يا ترى؟! المجدُ؟! الخلودُ؟! القوةُ المطلقةُ؟! – قَدَحُ الكاكاوِ!! – ماذا؟!! – قَدَحُ الكاكاو الذي كنتُ أحتسيه ببساطةٍ أمام نافذتي وأنا أرمقُ النيلَ قبل بدءِ كلِّ هذا الجنونِ.. – لا أفهمُ، عمَّ تتحدثين؟! – عن البساطة… عن كوني مجرَّد إنسانةٍ… أحبُّ ضعفي قبل قوَّتي… أعشقُ سهواتي قبل إنجازاتي… لستُ أنا من تسعى إلى السلطةِ… الخلودِ… المجدِ… ولا حتى القوةِ المطلقةِ… أنا إنسانٌ… حلمي هو أن أصبحَ مجرَّد إنسانٍ… إن كنتَ تملكُ القدرةَ على فهمِ هذا التعبيرِ… فقد نجوتُ… – لا أفهمُ شيئًا البتَّةَ… أنا أُعطيكِ مفاتيحَ الكونِ ذاتِه وأنتِ تحدثينني عن أمورٍ فلسفيَّةٍ… – أرأيتَ… لم ترتقِ حتى إلى أبسطِ أحلامي… وداعًا أيها الحارسُ… وها أنا ذا أخطو تجاه البوابة الثالثة… بوابة النسيان وسط ذهول الحارس الأول… الحارس الأول الذي لم يدرك رغم مجدهِ… خلودهِ… قوته المطلقةِ… لم يدرك أن سرَّ سعادتي هو كوني… مجرد إنسان… فقط لأنه لم يدرك يومًا قطُّ الفرقَ بين أن تكون (بني آدم) وأن تكون (إنسانًا)… أقف أمام البوابة الثالثة… بوابة النسيان… أرى مكتبةً ضخمةً… مكتبةً لا نهائيةً.. رفوفُها من أضواءِ النجومِ المُنْدَثِرَةِ… كُتُبُها من جلودِ الأكوانِ الزائلةِ… صفحاتُها من أضواءٍ قد هربتْ بمعجزةٍ من ثقبٍ أسودَ مُرْعِبٍ في مركز الكون السرمدي… كلُّ كتابٍ ينبضُ كقلبٍ حيٍّ… كلُّ ورقةٍ تتقلَّصُ كرئتين تتنفسانِ… تناولتُ ذلك الكتابَ… كتابَ النسيانِ وها أنا ذا أُدوِّنُ آخرَ كلماتي كي يجدَها هذا النابشُ الفضوليُّ بمذكراتي يومًا ما، كي يرويَ حكايتي لأحدهم يومًا ما، لعلَّها تفيدُ شخصًا ما في يومٍ ما… أجلسُ في وسط دائرةٍ من الزهور الجوريةِ… أضعُ كتابي على صخرةٍ وحيدةٍ وسط المكانِ كوَحْدَةِ الوجهِ الآخرِ من القمرِ… وأتلو: – قد كُتِبَتْ لي الأقدارُ… وليس لي يدٌ فيما صارْ… ألَّا أتوهَ ولا أحتارْ… وأنْ أَثْبُتَ على ما اتخذتُه من قرارْ… سأنسى… كي أحيا… فَلْتَتَلاشَ ذاكرةُ الأبعادِ… وداعًا ذِكْرى العوالمِ الموازيةْ… فَلْتَتَلاشَ ذاكرةُ القُوى… وأعودُ إلى بيتي هانئةْ… فَلْتَتَلاشَ ذاكرةُ الصراعِ… أفتقدُ كوني إنسانةً راضيةْ… فَلْتَتَلاشَ ذاكرةُ الحارسةِ الأخيرةْ… مالي أكادُ أسمعُ البدرَ يهمسُ في حنانٍ… ألَّا تخافي… ثم أظلمُ كلُّ شيءٍ…


الطابق الرابع شقة 9… من البداية… يا لجرسِ الهاتف السخيفِ هذا… من ذاك السخيفُ الذي يُصِرُّ على الرنين في مثل هذا الوقت من الصباح الباكر؟! إنها سكرتيرةُ الشركةِ… – صباحُ الخيرِ… ماذا لِمَ لم آتِ إلى الآن؟! لازال الوقتُ باكرًا… ماذا؟! إنها الثانيةَ عشرةَ ظهرًا؟! حسنًا حسنًا… لا بأس… فأنا المديرةُ على أي حالٍ نيا هاهاهاها… المتقدمون من أجل الوظيفة الجديدة.. كم عددُهم؟! واحدٌ فقط؟! اسمُه آدمُ… حسنًا لا يهم… سأكونُ خلال ساعةٍ… إلى اللقاء… عجبًا… أشعر أنني قد نِمْتُ طويلًا جدًّا… لا بأس… أحبُّ الكسلَ أحيانًا… لا أفهمُ… لِمَ قد فسَدَتِ الشطائرُ التي اشتريتُها بالأمس فقط بتلك السرعةِ… تلك الموضوعةُ على الكومودِ بجوارِ السريرِ… سأتصلُ بذلك المطعمِ وأقومُ بتوبيخِهم بعد انتهاء العملِ… لا بأسَ بكوبٍ من الشاي ومشاهدةِ التلفازِ لبعض الوقت قبل الذهاب إلى العملِ… ممممم يا لراحةِ الشايِ المُنعِشةِ التي تداعبُ مراكزَ التركيزِ في جمجمتي الفارغةِ نيا ها ها ها ها… أحيانًا أعشقُ كوني إنسانةً تافهةً… من الواضح أنني قد نسيتُ غسلَ قَدَحِ الكاكاو هذا منذ ليلة أمس… مالي أراه وكأنه له بضعة أيامٍ متروكٌ هنا… لا يهم… لا يهم… والآن… ماذا لدينا في التلفاز؟! هذا حفلُ افتتاحِ المتحفِ المصريِّ الجديدِ… تسجيلُ الحفلِ الذي كان بالأمس على سبيل الدقةِ… فقط نمتُ مبكرًا مثل الدجاجةِ ولم أشاهدِ الحفلَ الذي قد شاهده نصفُ سكانِ هذا الكوكبِ البائسِ… لا يهم أيضًا… كم أعشقُ تفاهتي نيا ها ها ها… لكن؟! لمَ قد صرتُ أفهمُ تلك الأغانيَ باللغة الهيروغليفيةِ وأترنَّمُ معها بكل بساطةٍ؟! وكأنها بالعربية؟! مممم لا يهم… فَلْأُغْلِقِ التلفازَ كي لا أُصابَ بالجنونِ وأصيرَ مجنونةً تافهةً… فلأقُمْ بتصفحِ الإنترنتِ لعلي أجدُ شيئًا مثيرًا للاهتمام… ما هذا الموقع؟! أجديدٌ هو؟! ما اسمُه؟! هدهوديات؟! غريبٌ هذا الاسمُ… رئيسُ التحريرِ… آدمُ… هناك قصيدةٌ شعريةٌ منشورةٌ للتوِّ… ماذا تدعى؟! إنشودةُ كيميتَ… ربَّاهُ… ما تلك الروعةُ…


إنشودةُ كيميتَ كان يا مكانُ… في يومٍ قديمٍ من الزمانْ… أَعْتَلَى فتىً بهيِّ البيانْ… تَلَّةً ترقُبُ النيلَ وفوقَهما نَجمانْ… وأَسَلَّ نايَه وأنشدَ البيانْ… رَسَمْنَا عَلَى القَلْبِ وَجْهَ الْوَطَنْ نَخِيلًا وَنِيلًا وَشَعْبًا أَصِيلًا وَصَانَاكِ يَا مِصْرُ طُولَ الزَّمَنْ لِيَبْقَى شَبَابُكِ جِيلًا فَجِيلَا عَلَى كُلِّ أَرْضٍ تَرَكْنَا عَلامَهْ قِلَاعًا مِنَ النُّورِ تَحْمِي الْكَرَامَهْ عُرُوبَتُنَا تَفْتَدِيكِ الْقُلُوبُ وَيَحْمِيكِ بِالدَّمِ جَيْشُ الْكِنَانَهْ وَتُنْسَابُ يَا نِيلُ حُرًّا طَلِيقًا لِتَحْكِي ضِفَافُكَ مَعْنَى النِّضَالْ وَتَبْقَى مَدَى الدَّهْرِ حِصْنًا عَرِيقًا بِصِدْقِ الْقُلُوبِ وَعَزْمِ الرِّجَالْ رَسَمْنَا عَلَى القَلْبِ وَجْهَ الْوَطَنْ نَخِيلًا وَنِيلًا وَشَعْبًا أَصِيلًا وَصَانَاكِ يَا مِصْرُ طُولَ الزَّمَنْ لِيَبْقَى شَبَابُكِ جِيلًا فَجِيلَا يَدُ اللهِ يَا مِصْرُ تَرْعَى سَمَاكِ وَفِي سَاحَةِ الْحَقِّ يَعْلُو نِدَاكِ وَمَادَامَ جَيْشُكِ يَحْمِي حِمَاكِ سَتَمْضِي إِلَى النَّصْرِ دَوْمًا خُطَاكِ سَلَامٌ عَلَيْكِ إِذَا مَا دَعَانَا رَسُولُ الْجِهَادِ لِيَوْمِ الْفِدَاءْ وَسَالَتْ مَعَ النِّيلِ يَوْمًا دِمَانَا لِنَبْنِيَ لِمِصْرَ الْعُلَا وَالرَّخَاءْ لطفًا عزيزي القارئ… لستُ مقتبسًا… لكنني لم أجد ما يناسب إنشودة كيميتَ سوى نشيدِ جيشِ كيميتَ… التوقيع… مواطنٌ من كيميتَ


google-playkhamsatmostaqltradent