حلق مع هدهوديات في الفضاء السيبراني

recent
أخبار ساخنة

ذَاتَ يَوْمٍ

الصفحة الرئيسية




ذَاتَ يَوْمٍ


ذَاتَ يَوْمٍ أَسَرَتْنِي مَشَاعِرِي، وَجَالَتْ بِي بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْيَمِّ.

فَجَلَسْتُ عَلَى صَخْرَةٍ تُطِلُّ عَلَى الْمَاءِ، أُحَدِّقُ فِي أُفُقٍ لَا تُرَى لَهُ نِهَايَةٌ.

كَانَتِ السَّمَاءُ فَوْقِي تَدْعُونِي إِلَى الرَّجَاءِ، وَكَانَ الْيَمُّ أَمَامِي يَحْمِلُ صَمْتًا لَا يَنْتَهِي، وَأَنَا بَيْنَهُمَا أَبْحَثُ عَنِّي.

كُلَّمَا ارْتَفَعَ بَصَرِي إِلَى السَّمَاءِ، شَعَرْتُ بِضَعْفِي.

وَكُلَّمَا غَاصَتْ عَيْنَايَ فِي الْيَمِّ، رَأَيْتُ عُمْقًا يُشْبِهُ عُمْقَ قَلْبِي.


هُنَاكَ...


جَلَسْتُ أَذْكُرُ حَالِي.

وَكُلَّمَا ذَكَرْتُهُ، اغْتَمَمْتُ.

خُيِّلَتْ إِلَيَّ صُورَةٌ...

رَجُلٌ فِي ثَوْبٍ بَالٍ.

كَأَنَّ الْهَمَّ قَدِ اتَّخَذَ مِنْ ضُلُوعِهِ مَسْكَنًا.

كَانَ يَنْظُرُ إِلَى الْمَوْجِ، كَأَنَّهُ يُلْقِي فِيهِ أَوْجَاعَهُ، وَيَنْتَظِرُ أَنْ يَعُودَ إِلَيْهِ السَّلَامُ.

كَمْ بَاتَتْ لَيَالِيهِ طَوِيلَةً...

وَكَمْ أَثْقَلَ الْهَمُّ خُطَاهُ.

وَلَمْ يَكُنْ يَتَمَنَّى إِلَّا شَيْئًا وَاحِدًا...

أَنْ يَأْتِي مَسَاءٌ يَهْدَأُ فِيهِ الْبُكَاءُ...

وَيُشْرِقَ صَبَاحٌ يَعُودُ فِيهِ التَّرَنُّمُ.


ثُمَّ عَرَفْتُ...

أَنَّ ذَلِكَ الرَّجُلَ كُنْتُ أَنَا.

كُنْتُ يَوْمًا عَلَى قِمَّةِ جَبَلٍ عَالٍ.

وَلَكِنَّ الْهَوَى مَالَ بِقَلْبِي...

فَمَالَتْ خُطَايَ...

ثُمَّ هَوَيْتُ.

تَرَكْتُ مَبَادِئِي وَاحِدَةً تِلْوَ الْأُخْرَى.

وَخَلَعْتُ ثَوْبَ الْعُلَا.

وَالْتَحَفْتُ بِثَوْبِ الْخَطَإِ.

وَصَارَ لِسَانِي يَنْطِقُ بِمَا لَمْ أَكُنْ أَرْضَاهُ.

وَكُلَّمَا هَرَبْتُ مِنْ نَفْسِي...

عُدْتُ إِلَيْهَا أَثْقَلَ مِمَّا كُنْتُ.

لَاكَ الْهَوَى لِسَانِي.

وَأَسْكَتَ تَرَنُّمَ الرُّوحِ.

وَأَشْعَلَ فِي الْقَلْبِ مَا لَا يُطْفِئُهُ إِلَّا الرَّحْمَةُ.

امْتَلَأَتْ يَدَايَ...

وَفَرِغَ قَلْبِي.

وَظَنَنْتُ أَنِّي وَجَدْتُ الْحَيَاةَ...

حَتَّى اكْتَشَفْتُ أَنِّي فَقَدْتُهَا.


فَسَأَلْتُ:

إِلَى أَيْنَ أَذْهَبُ بِذُنُوبِي؟

وَمَنْ يَحْمِلُ عَنِّي هَذَا الْهَمَّ؟


وَأَنَا أَمْشِي...

شَعَرْتُ بِالرَّحْمَةِ تَقْتَرِبُ مِنِّي.

فَعَرَفْتُ أَنِّي وَجَدْتُ جَابِلِي.

لَمْ أَجِدْ مَا أَقُولُهُ...

إِلَّا:

أَخْطَأْتُ...

وَإِلَيْكَ أَعُودُ.

فَانْكَسَرَ مَا فِي دَاخِلِي...

وَحَلَّ مَكَانَهُ سَلَامٌ لَمْ أَعْرِفْهُ مِنْ قَبْلُ.

وَنَظَرْتُ مَرَّةً أُخْرَى إِلَى السَّمَاءِ...

ثُمَّ إِلَى الْيَمِّ...

فَلَمْ يَتَغَيَّرِ الْمَشْهَدُ.

الَّذِي تَغَيَّرَ...

هُوَ أَنَا.


وَأَتَى مَسَاءٌ...

هَدَأَ فِيهِ الْبُكَاءُ.

وَأَشْرَقَ صَبَاحٌ...

عَادَ فِيهِ التَّرَنُّمُ.


✍️ د. طلعت سمير


 

google-playkhamsatmostaqltradent