حلق مع هدهوديات في الفضاء السيبراني

recent
أخبار ساخنة

راضٍ في زمن متذمّر

الصفحة الرئيسية

 



مقدمة

في رحاب الحياة اليومية، حيث تتصارع التفاصيل وتتلاحق الأحداث، تبقى القصص الإنسانية الحقيقية هي المرآة الأكثر صدقاً لنفوسنا وأخلاقنا. هي ليست مجرد حكايات تُروى، بل دروس وعِبر نعيشها ونستشعر عمقها في صمت الليالي وضجيج النهار. بين قارئٍ يبحث عن الحكمة، وآخر يتلمس طريق الرضا، نقف اليوم أمام كنزٍ من المواقف التي رسمها الواقع بكل تجلياته؛ من عزة النفس إلى دعاء اليقين، ومن العدل الصارم إلى الامتنان الخالص.

وأنا أسعد مرة أخرى بمرور قلم د. طلعت سمير المبدع عبر منصتي هدهوديات، ليُطلعنا على هذه التحف الأدبية التي توقظ فينا الروح وتجعلنا نرى في تفاصيل العابرين معاني سرمدية.

 د سامح هدهود


قصص من الواقع

جميع الموضوعات حقيقية وتعايشت مع أصحابها، ولا أكتب شيئاً لم أتعايش معه أو حقيقة مؤكدة.

بقلم...

 د. طلعت سمير

 

مَالِكٌ… كَفَنُهُ فَوْقَ رَأْسِهِ…

 

مَالِكٌ اسْمُهُ. كَفَنُهُ فَوْقَ رَأْسِهِ، جُمْلَتُهُ الَّتِي قَالَهَا لِي حِينَ سَأَلْتُهُ عَنْ سَبَبِ كِبَرِ حَجْمِ لَفَّةِ رَأْسِهِ البَيْضَاءِ (عِمَامَةٌ).

 

"خَمْسَةُ أَمْتَارٍ أَبْيَضُ فَوْقَ رَأْسِي، وَبِهَا وَرَقَةٌ تَقُولُ: مِنْ فَضْلِكَ، أَيْنَمَا وَجَدْتَ جُثَّتِي، كَفِّنِّي بِعِمَامَتِي، وَادْفِنِّي فِي رِمَالِ الأَرْضِ."

 

فِي التِّسْعِينَاتِ مِنْ عُمْرِهِ، وَلَهُ مِنْ عُنْفُوَانِ الشَّبَابِ مَا يَكْفِي لِكَيْ تَهَابَ قُوَّتَهُ، وَلَهُ مِنْ رَجَاحَةِ العَقْلِ مَا يَجْعَلُكَ تَصْمُتُ فِي حَضْرَتِهِ، وَلَهُ مِنْ نَظَرَاتٍ فَاحِصَةٍ مَا يَجْعَلُكَ تَشْعُرُ وَكَأَنَّكَ فَأْرٌ فِي حَضْرَةِ أَسَدٍ.

 

تَكَلَّمَ فَقَالَ:

"فِي العَقْدِ التَّاسِعِ مِنْ عُمْرِي، وَلَمْ أَقْتُلْ، بَلْ سَاعَدْتُ كَثِيرِينَ كَانَ مُؤَجَّرًا عَلَيْهِمْ مَنْ يَقْتُلُهُمْ، أَنْ يَهْرُبُوا وَيَخْتَفُوا لِحَيَاةٍ جَدِيدَةٍ.

لَمْ أَسْرِقْ، وَلَوْ تَمْرَةً مِنْ نَخْلَةٍ بِلَا صَاحِبٍ.

لَمْ أَزْنِ، رَغْمَ عُرُوضِ حِسَانِ الصَّبَايَا تَحْتَ أَقْدَامِي، طَوْعًا أَوْ رَهْبَةً مِنْ سُمْعَةِ سَطْوَتِي.

لَمْ أَكْذِبْ.

لَمْ أَخُنْ عَهْدًا.

لَمْ أَغْدِرْ بِمَنْ ائْتَمَنَنِي.

لَمْ أَظْلِمْ ضَعِيفًا.

لَمْ أَسْتَقْوِ عَلَى فَقِيرٍ.

لَمْ أَمْنَعْ خَيْرًا قَدَرْتُ عَلَيْهِ.

لَمْ أُفْسِدْ فِي الأَرْضِ.

لَمْ أُهَدِّدْ بِسِلَاحِي بَرِيئًا.

لَمْ أُطْفِئْ نُورَ حَقٍّ ظَهَرَ لِي.

لَمْ أَبِعْ ضَمِيرِي لِسُلْطَةٍ أَوْ لِمَالٍ.

لَمْ أُهِنْ كِبَارَ السِّنِّ.

لَمْ أَتَجَاوَزْ فِي حُدُودِ اللهِ خَوْفًا أَوْ طَمَعًا.

شَهِدَ لِي أَعْدَائِي فِي كُلِّ شِبْرٍ وَطِئَتْهُ قَدَمَايَ.

مَلَكْتُ كُلَّ مَا طَالَتْهُ سُلْطَةُ يَدِي فِي الجِبَالِ وَرِمَالِهَا الشَّاسِعَةِ."



 

ثُمَّ أَضَافَ بِحَسْرَةٍ:

"وَأَهْلُ بَيْتِي… هُمْ مَنْ كَسَرُونِي، وَكَسَرُوا سُمْعَتِي وَهَيْبَتِي.

مِنْ أَوْلَادِي مَنْ ظَلَمَ، وَمِنْهُمْ مَنْ سَرَقَ مَا يَسْاوى تَكْلِفَةَ عِلَاجِ أُمِّهِ بِالكِيْمَاوِيِّ، وَمِنْهُمْ مَنْ سَرَقَ جَوْاهَرْجِيًّا وَقَتَلَهُ غَدْرًا وَطَمَعًا، وَنَحْنُ عِنْدَنَا مَا يَفِيضُ عَنْهُ غِنًى. وَمِنْهُمْ مَنْ تَعَافَى وَتَغَابَى، وَفِي المَحْكَمَةِ كُنْتُ أَنَا مَنْ طَلَبَ الإِعْدَامَ لِابْنِي."

 

وَخَتَمَ كَلَامَهُ بِقَوْلِهِ:

"فَوْقَ رَأْسِي عِمَامَتِي… كَفَنِي فَوْقَ رَأْسِي.

أَمَّا كَفَنُ المَهَانَةِ فَيُدَاسُ، وَكَفَنُ الصَّفْحِ وَالشَّهَادَةِ يُتَبَّاسُ."


 

ٱدْعُنِي فَأُنْقِذْكَ…

 

فِي يَوْمِ عَرَفَةَ، وَقَدْ أَضْحَى العِيدُ عَلَى الأَبْوَابِ، أَتَى آدَمُ إِلَى أَبِيهِ وَقَالَ:

«أُرِيدُ كُوتْشِي جَدِيدًا، لِأَنَّ مَا عِنْدِي أَصْبَحَ لَا يَلِيقُ بِالعِيدِ».

 

فَسَمِعَ الأَبُ الطَّيِّبُ، وَرَفَعَ عَيْنَيْهِ مَعَ قَلْبِهِ، لِيُحَوِّلَ الطَّلَبَ إِلَى عَالَمِ الأَسْرَارِ وَخَالِقِ الأَكْوَانِ، وَقَالَ:

«حَاضِرٌ إِنْ شَاءَ اللهُ».

 

ثُمَّ ذَهَبَ بِفِكْرِهِ إِلَى مَا فِي جُيُوبِهِ، فَلَمْ يَجِدْ فِيهَا إِلَّا مَا يَكْفِي بِالكَادِ عِيدِيَّةً رَمْزِيَّةً وَمَا يَمْلَأُ وِعَاءَ طَبِيخِ العِيدِ.

وَفِي هَدُوءِ اللَّحْظَةِ، نَظَرَتْ مَرْيَمُ، الاِبْنَةُ المُدَلَّلَةُ، إِلَى أَبِيهَا وَهِيَ تَشْعُرُ بِهِ شُعُورًا غَيْرَ عَادِيٍّ، ثُمَّ نَظَرَتْ إِلَى مَا فِي قَدَمَيْهَا وَلَمْ تَتَكَلَّمْ، لَكِنَّ الأَبَ سَمِعَ بِشِدَّةٍ مَا تُرِيدُ. فَابْتَسَمَ وَطَلَبَ السَّتْرَ مِنَ السَّتَّارِ.

 

وَأَمَّا الزَّوْجَةُ وَبَاقِي أَهْلِ البَيْتِ، فَلَمْ يَطْلُبُوا وَلَمْ يَتَكَلَّمُوا، فَلَهُمْ مِنَ الوَعْيِ وَالإِدْرَاكِ مَا يَكْفِي.

فَدَخَلَ الأَبُ إِلَى قَلْبِهِ دُخُولَ مَنْ يَعْرِفُ أَنَّ الأَبْوَابَ فِي السَّمَاءِ لَا تُغْلَقُ، وَرَفَعَ ضَعْفَهُ إِلَى مَنْ قَالَ: «أَنَا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بِي»، وَدَعَا:

 

«يَا رَبِّ، أَنْتَ قُلْتَ: ٱدْعُونِي فِي وَقْتِ الضِّيقِ أُنْقِذْكَ، وَٱدْعُنِي فَإِنِّي قَرِيبٌ دَائِمًا.

اللَّهُمَّ، إِنَّكَ تَرْزُقُ مَنْ تَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ، فَيَا اللهُ اجْعَلْنِي مِمَّنْ تَشَاءُ، وَإِنْ لَمْ أَكُنْ أَهْلًا، فَإِنَّ فَضْلَكَ يَسَعُنِي».

 

وَمَا هِيَ إِلَّا لَحْظَاتٌ، حَتَّى اهْتَزَّ هَاتِفُهُ بِرِسَالَةٍ تُفِيدُ بِأَنَّهُ تَمَّ تَحْوِيلُ مَبْلَغٍ قَدْرُهُ ٥٠٠٠ جُنَيْهٍ إِلَيْهِ مِنْ رَقْمٍ مَجْهُولٍ مُكَوَّنٍ مِنْ ثَلَاثَةِ أَرْقَامٍ فَقَطْ.

فَبَحَثَ عَنِ الرَّقْمِ، وَلَمْ يَسْتَطِعِ الاسْتِدْلَالَ عَلَى مَنْ أَرْسَلَ المَبْلَغَ، لَكِنَّهُ شَعَرَ أَنَّ القَرِيبَ مِنَ الدُّعَاءِ قَدْ سَخَّرَ الرَّاسِلَ لِلْوَفَاءِ بِطَلَبِ الأَوْلَادِ، وَلِتَزْدَادَ فَرْحَةُ العِيدِ بِفَرْحَةِ القَلْبِ وَيَقِينِهِ أَنَّ اللهَ قَرِيبٌ لِمَنْ يَدْعُوهُ.

 



ثُمَّ دَعَا آدَمَ وَقَالَ لَهُ:

«مِنْ أَيْنَ سَتَشْتَرِي مَا تُرِيدُ؟»

فَوَصَفَ لَهُ المَكَانَ، فَأَعْطَاهُ مَا يَكْفِي، وَخَرَجَ آدَمُ فَاشْتَرَى مَا أَرَادَ.

 

وَأَمَّا مَرْيَمُ، فَقَدْ حَصَلَتْ عَلَى مَا أَرَادَتْ دُونَ أَنْ تَطْلُبَ، لَكِنْ بِطَرِيقٍ يُشْبِهُ الإِجَابَةَ الَّتِي تَفْهَمُ الصَّمْتَ أَكْثَرَ مِنَ الكَلَامِ. وَنَالَ بَاقِي أَهْلِ البَيْتِ مَا أَرْضَاهُمْ.

 

وَفِي صُبْحِ العِيدِ، صَارَتْ يَدُ الأَبِ تَفْتَحُ لِكُلِّ وَاحِدٍ عِيدِيَّتَهُ، فَتَعَالَتِ الضَّحَكَاتُ، وَتَزَايَدَتِ المَرَاحُ، وَانْقَلَبَ مَا كَانَ يَبْدُو ضِيقًا إِلَى سَعَةٍ تُشْبِهُ المُعْجِزَةَ فِي عَيْنِ مَنْ رَآهَا.

وَتَفَتَّحَتْ أَيَّامُ العِيدِ سَعَةً وَبَرَكَةً، وَصَارَتِ السُّفْرَةُ عَامِرَةً، وَامْتَلَأَ البَيْتُ فَرَحًا وَامْتِنَانًا.

 

وَبَيْنَمَا كَانَ الجَمِيعُ يَتَعَجَّبُ مِمَّا حَدَثَ، جَاءَتْ مَرْيَمُ ضَاحِكَةً وَقَالَتْ:

«إِيهِ فِيهْ؟ مَا أَنْتَ كُنْتَ بِشَكْلٍ أَوْ بِآخَرَ بْتِقُولْ لَنَا: نِهَدِّي وَنِنْسَى، وَكَفَايَةُ عِيدِيَّةٍ وَأَكْلَةُ العِيدِ!»

 

فَابْتَسَمَ الأَبُ وَقَالَ:

«لَا تَسْأَلُوا... وَلَكِنِ افْهَمُوا أَنَّ اللهَ قَرِيبٌ».


 

تَوَكَّأَتْ عَلَى عَصَاهَا…

 

تَوَكَّأَتْ عَلَى عَصَاهَا، وَصَعِدَتْ سَلَالِمَ بَيْتِهَا العَامِرِ، حَتَّى وَصَلَتْ إِلَى السَّطْحِ، فَرَفَعَتْ عَيْنَيْهَا إِلَى السَّمَاءِ، وَمَدَّتْ يَدَهَا إِلَى خَالِقِ الخَلْقِ وَالخَلِيقَةِ، تُنَاجِيهِ وَتَقُولُ:

 

«يَا رَبّ، يَا مَنْ مَخَازِنُكَ مِلْيَانَةٌ، وَحَيَاتُنَا بِكَ عُمْرَانَةٌ، وَعِيَالُنَا مِنْ عِنْدِكَ وَبِكَ، خَلِّيهُمْ فِي إِيدَكْ وَاحْرُسْهُمْ.

عَمِّرْ بُيُوتَهُمْ، وَطَوِّلْ أَعْمَارَهُمْ، وَفَرِّحْ قُلُوبَهُمْ بِخَيْرَاتِكَ.

حَبِّبْ خَلِيقَتَكَ فِيهِمْ، وَوَثِّقْ حِزَامَهُمْ، وَمَشِّي كَلَامَهُمْ بَيْنَ النَّاسِ.

وَابْعِدْ عَنْهُمُ الشَّرَّ، وَافْتَحْ لَهُمْ أَبْوَابَ الحَلَالِ، وَارْزُقْهُمْ مِنْ فَضْلِكَ وَمِنْ خِلَالِكَ.

افْتَحْ لَهُمْ يَدَيْكَ، وَأَشْبِعْهُمْ رِضًا.

أَعْطِهِمْ وَارْضَ عَنْهُمْ، وَامْلَأْ قُلُوبَهُمْ طُمَأْنِينَةً وَسَلاَمًا.

"تَفْتَحُ يَدَكَ فَتُشْبِعُ كُلَّ حَيٍّ رِضًى."»




رَاضٍ شَاكِر…

 

رَأَيْتُهُ فِي مَيْدَانٍ فِي الظَّهِيرَةِ، رَاكِبًا دَرَّاجَةً يَقُودُهَا بِيَدِهِ اليُسْرَى، وَبِسَاقَيْهِ يُدِيرُ بَدَّالَهَا، وَرَافِعًا يَدَهُ اليُمْنَى وَعَيْنَيْهِ إِلَى السَّمَاءِ المُشْمِسَةِ، وَوَجْهُهُ يَلْمَعُ، وَوَجْنَتَاهُ تَبْتَسِمَانِ، وَشَفَتَاهُ تُسَبِّحَانِ.

 

رَافِعًا يَدَهُ اليُمْنَى لِلسَّمَاءِ، ثُمَّ يُقَبِّلُهَا جَهًا وَظَهْرًا، وَيَرْفَعُهَا مَرَّةً أُخْرَى، وَهُوَ المُتَقَدِّمُ فِي السِّنِّ فِي العَقْدِ السَّابِعِ مِنَ العُمْرِ، مُرْتَدِيًا زِيًّا كُحْلِيًّا، رُبَّمَا يَعْمَلُ حَارِسَ بَوَّابَةِ شَرِكَةٍ أَوْ مُؤَسَّسَةٍ.

 

إِنَّهُ الرَّاضِي الشَّاكِرُ،

كَلِيمُ رَبِّ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ،

مَلِكُ المُلكِ،

وَسْطَ مُجْتَمَعٍ مَكْلُومٍ، مَغْمُومٍ، قَلِقٍ، لَاهِثٍ، مُتَذَمِّرٍ (مُتَذَم).



 

خاتمة...


في خضم هذه المشاهد الإنسانية المتناقضة، نرى أنفسنا مراراً بين خيارين: إما أن نكون كـ"مالك" الذي رفع رأسه بالعدل والنزاهة حتى في وجه أبنائه، أو كالأب المؤمن الذي أيقن أن الله قريب حين ضاقت به الحيلة، أو كتلك الأم التي اختزلت كل آمالها في دعوة صادقة تفيض بالحب، أو كالراضي الشاكر الذي جعل من قلبه مملكة لا تزعزعها تقلبات الدنيا.

إنها دعوة صريحة للتوقف طويلاً أمام مرآة الضمير، وألا نرضى لأنفسنا بغير اليقين والصدق والامتنان. قصص د. طلعت سمير ليست مجرد حروف تُقرأ، بل هي مواقف تُعاش وتُختبر في وجدان كل منا، لتذكرنا بأن أعظم الكنوز هو سلامة القلب وثبات الروح على طريق الحق مهما تكالبَتْ علينا رياح الحياة




google-playkhamsatmostaqltradent